مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 35 of 79
- vol. 9, p. 228
حديثٌ مُوَفِّي أربعينَ لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذكَرَ رَمَضانَ، فقال: "لا تصُومُوا حتَّى تَرَوُا الهِلال، ولا تُفطِرُوا حتَّى ترَوْهُ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ" .
-
وقد مَضَى تفسيرُ قولِهِ: "فإن غُمَّ عَلَيكُم" في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ، ومَضَى هُناك كثيرٌ من معاني هذا البابِ، مِمّا لا يُعادُ هاهُنا.
-
وهكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ أصحابِ نافع، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قالوا فيه: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ" . وكذلكَ رواهُ سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقْدِرُوا لهُ" (٢) . وكذلك رواهُ مالكٌ (٣) ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، وسنذكُر في بابِهِ إن شاءَ الله.
-
وذكر الشّافِعيُّ (٤) هذا الحديثَ، فقال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تصُومُوا حتَّى تَرَوا الهِلال، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عليكُم، فأكمِلُوا العِدَّةِ ثلاثينَ" . لم يقُل: "فاقدِرُوا لهُ" ، والمحفُوظُ في حديثِ ابن عُمرَ: "فاقدِرُوا لهُ" .
- vol. 9, p. 229
وقد ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (١) ، عن مَعْمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لهِلالِ شَهْرِ رَمَضانَ: "إذا رأيتُمُوهُ فصُومُوا، ثُمَّ إذا رأيتُمُوهُ فأفْطِرُوا، فإن غُمَّ عليكُمْ فاقدِرُوا لهُ ثلاثينَ يومًا" .
قال عبدُ الرَّزّاق (٢) : وأخبرنا عبدُ العزيزِ بن أبي روّادٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ اللهَ جعلَ الأهِلّةَ مَواقيتَ للنّاسِ، فصُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فعُدُّوا ثلاثينَ" .
-
فهذا ما في حديثِ ابن عُمرَ.
-
وروى ابنُ عبّاس (٣) ، وأبو هُريرةَ (٤) ، وحُذَيفةُ (٥) ، وأبو بَكْرةَ (٦) ، وطَلْق الحنفيُّ (٧) ، وغيرُهُم، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فأكمِلُوا العَدَدَ ثلاثينَ" . بمعنًى واحدٍ.
-
وقد ذكَرْنا حديثَ ابن عبّاسٍ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، في بابِ ثورِ بن زيدٍ.
- vol. 9, p. 230
وأمّا حديثُ أبي هُريرةَ، فرُوِيَ عنهُ من وُجُوهٍ، من حديثِ: سعيدِ بن المُسيِّب (١) ، وأبي سَلَمةَ (٢) ، والأعْرَج (٣) ، ومحمدِ بن زياد (٤) ، وغيرِهِم، وهي ثابِتةٌ، وسائرُ الطُّرُقِ في هذا الحديثِ كلُّها حِسانٌ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" حديثَ ابن عُمرَ هذا، وأردَفهُ بحديثِ ابن عبّاس (٥) . فكأنَّهُ، واللّه أعلمُ، ذهَبَ إلى أنَّ معنى حديثِ ابن عُمرَ في قولِهِ: "فاقدِرُوا لهُ" أن يُكمَّلَ شعبانُ ثلاثينَ يومًا، إذا غُمَّ الهِلالُ، على ما قال ابنُ عبّاس.
-
وعلى هذا المذهَبِ جُمهُورُ أهلِ العِلم: ألّا يُصامَ رَمَضانُ إلّا بيّقِينٍ من خُرُوج شعبانَ. واليَقِينُ في ذلكَ رُؤيةُ الهِلالِ، أو إكمالُ (٦) شَعْبانَ ثلاثينَ يومًا، وكذلكَ لا يُقضَى بخُرُوج رمضانَ إلّا بمِثلِ ذلك أيضًا من اليَقينِ.
- vol. 9, p. 231
وهذا أصلٌ مُسْتَعملٌ عندَ أهلِ العِلم، ألّا تزُولَ عن أصلٍ أنتَ عليه بيقين (١) ، إلّا بيَقِينٍ مِثلِهِ، وأن لا يُترَكَ اليَقِينَ بالشَّكِّ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥] ، يُريدُ، واللّه أعلمُ، من عَلِم مِنكُم بدُخُول الشَّهرِ.
-
والعِلمُ في ذلكَ ينقسِمُ قِسمينِ، أحدُهُما: ضرُوريٌّ. والآخرُ، غَلَبةُ ظنٍّ.
-
فالضَّرُوريُّ: أن يرى الإنسانُ الهِلالَ بعينِهِ، في جماعةٍ كان أو وحدَهُ، أو يَسْتفيضَ الخبرُ عندَهُ، حتَّى يبلُغ إلى حدٍّ يُوجِبُ العِلم، أو يُتِمَّ شعبانَ ثلاثينَ يومًا، فهذا كلُّهُ يقينٌ يُعْلَمُ ضرُورَةً، ولا يُمكِنُ للمرءِ أن يُشكِّكَ في ذلك نفسَهُ.
-
وأمّا غَلَبةُ الظَّنِّ: فأنْ يشهَدَ بذلكَ شاهِدانِ عَدْلانِ. وهذا معنى قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، وهُو معنى قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فإن غُمَّ عَلَيكُم، فاقدِرُوا لهُ" عندَ أكثر أهلِ العِلم: أنْ لا يُصامَ رمضانُ، ولا يُفطَرُ منهُ، إلّا برُؤيةٍ صحيحةٍ، أو إكمالِ شعبانَ ثلاثينَ يومًا.
-
وإنَّما وجَبَ أن يكونَ ذلك عندَ العُلماءِ كذلكَ؛ لأنَّ الشَّهرَ معلُومٌ أنَّهُ قد يكونُ تِسعةً وعِشرينَ يومًا، ويكونُ ثلاثينَ يومًا، هذا مِمّا لا يُعلَمُ عيانًا واضْطِرارًا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ ابن عُمرَ: "نحنُ أُمَّة أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا" ، وعَقَدَ الإبهامَ في الثّالثةِ، "والشَّهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا" . يعني: تمامَ ثلاثينَ يومًا.
-
وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ ومِثلهُ في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، عندَ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ" (٢) .
- vol. 9, p. 232
وذكَرْنا في بابِ ثورِ بن زيدٍ، خَبَرَ ابن مسعُودٍ: ما (١) صُمْنا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - تِسعًا وعِشرينَ، أكثرُ مِمّا صُمنا مَعهُ ثلاثينَ (٢) .
-
فلمّا كان معلُومًا أنَّ الشَّهرَ قد يكونُ تِسعًا وعِشرينَ، وقد يكونُ ثلاثينَ، قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن غُمَّ عليكُم، فاقدِرُوا لهُ" .
-
يُريدُ - واللّه أعلمُ - بأن يُكملُوا العِد ثلاثينَ يومًا، أو يُرَى الهِلالُ قبلَ ذلك لتِسع وعِشرينَ. وهكذا رواهُ أبو هُريرةَ، وابنُ عبّاسٍ، وحُذيفةُ، وجماعَةٌ (٣) عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ورِوايتُهُم تُفَسِّرُ حديثَ ابن عُمرَ في قولِهِ: "فاقْدِرُوا لهُ" . فواجِبٌ أن لا يُصامَ يومُ الشَّكِّ على أَنَّهُ من رَمَضانَ، وأن لا يُقْضَى بدُخُولِ شَهرٍ إلّا بيَقِينِ رؤيتِهِ، أو تمام عَدَدِهِ.
-
وأمّا ابنُ عُمرَ فلهُ مذهَبٌ ذهَبَ إليه وتأوَّلهُ، في معنى ما رَواهُ من قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فاقدِرُوا لهُ" . وأكثرُ أهلِ العِلْم في ذلك على خِلافِهِ، وسَنذكُرُ مَذْهبَهُ في ذلكَ عنهُ، ونذكُرُ من تابَعهُ عليه بعدُ، في هذا البابِ إن شاءَ الله.
وقال أهلُ اللُّغة: "فاقدِرُوا لهُ" كقولِه: قَدِّرُوا لهُ، يُقالُ: قَدَرتُ الشَّيءَ، وقدَّرتُهُ، وأقْدَرْتُهُ.
قال أبو عُمر: أمّا صومُ يوم الشَّكِّ تطوُّعًا، فقد مَضَى القولُ فيه في باب ثَوْرِ بن زَيْدٍ. وأمّا صَوْمُهُ على أن يكونَ من رَمَضانَ، إن ظهَرَ الهِلالُ، خوفًا أنَّ يكونَ من رمضانَ، وهل يُجزِئُ ذلكَ إن ثبتَ أنَّهُ من رمضانَ، أم لا، فقَدِ اختلَفَ العُلماءُ في ذلكَ اختِلافًا كثيرًا.
-
فجُمْلةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ في ذلكَ: أنَّ يومَ الشَّكِّ لا يُصامُ على الاحْتِياطِ، خوفًا أن يكونَ من رمضانَ.
- vol. 9, p. 233
ويجُوزُ صومُهُ تطوُّعًا، ومن صامَهُ تطوُّعًا أوِ احتياطًا، ثُمَّ ثبتَ أَنَّهُ من رمضانَ، لم يُجْزئه، وكان عليه قَضاؤُهُ، وإن أصبَحَ فيه يَنْوي الفِطرَ، ولم يأكُل، أو أكلَ، ثُمَّ صحَّ أَنَّهُ من رمضانَ، كفَّ عن الأكْلِ في بقيَّةِ يومِهِ وقَضاهُ، وإن أكلَ بعد عِلْمِهِ بذلكَ، لم يَكُن عليه كفّارةٌ، إلّا أن يَقْصِدَ لانتِهاكِ حُرْمَةِ اليوم، عالمًا بما في ذلكَ من الإثم، فيُكَفِّرَ حينئذٍ إن كان لم يأكُل فيه شيئًا، حتَّى وردَ أنَّهُ من رمضانَ، ثُمَّ أكل مُتعمَّدًا، مُنتهِكًا لحُرمةِ الشَّهرِ.
-
وقد مضَى القولُ فيما يَجِبُ على من أفطَرَ عامِدًا في رمضانَ، بأكلٍ أو غيرِهِ، بأتمِّ ما يكونُ، في بابِ ابن شِهاب (١) ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، والحمدُ للّه.
-
ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٢) ، قال: أخبرنا داودُ بن قَيْسٍ، قال: سألتُ القاسم بن محمدٍ عن صيام اليوم الذي يُشَكُّ فيه من رمضانَ، فقال: إذا كان مُغيمًا يُتَحرَّى أنَّهُ من رمضانَ، فلا يَصُمْهُ.
وقال الوليدُ بنُ مَزْيدٍ: قلتُ للأوزاعيِّ: إن صامَ رجُلٌ آخِرَ يوم من شَعْبانَ تَطَوُّعًا، أو خَوْفًا أن يكونَ من رمضانَ، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ من رَمَضانَ، أيُجْزِئُهُ؟ قال: نعم، وقد وفِّقَ لصومِهِ.
وقال الحسنُ بن حيٍّ: أكرهُ صومَ يوم الشَّكِّ، فإن صامَهُ أحدٌ على ذلكَ، فعليه القضاءُ، إن ثبت أَنَّهُ من رمضانَ.
وقال ابنُ عُليَّةَ: لا يَنْبغي لأحَدٍ أن يَتَقدَّمَ رمضانَ بصَوْم، فإن فعلَ، ثُمَّ صحَّ أَنَّهُ من رمضانَ، أجزأ عنهُ.
وقال الثَّوريُّ: إذا أصبحَ الرَّجُلُ في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، ولم ينوِ الصَّومَ، ثُمَّ بَلَغهُ أنَّهُ من رمضانَ، قال: يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَيَقْضي يومًا مكانَهُ.
vol. 9, p. 234قال: فإن (١) أصبَحَ في ذلك اليوم وهُو ينوي الصَّوم، وقال: أنظُرُ، فإن كان من رمضانَ صُمتُ، وإلّا لم أصُمْ. فأصبَحَ على ذلكَ، فعَلِمَ أَنَّهُ من رمضانَ، قال: يُجزِئُهُ إذا نَوَى ذلكَ من اللَّيلِ.
-
وقال ربيعةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ، وابنُ أبي ليلى: من صامَ يومَ الشَّكِّ على أنَّهُ من رمضانَ، لم يُجزِئه، وعليه الإعادةُ.
-
ورُوي عن عُمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وحُذَيفةَ، وعمّارٍ، وأبي هُريرةَ، وابنِ عبّاسٍ، وأنَسِ بن مالكٍ: النَّهيُ عن صيام يوم الشَّكِّ مُطْلقًا (٢) .
-
ورُويُ أيضًا مِثلُ ذلك عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، وأبي وائلٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ وعِكْرِمةَ، وابنِ سِيرينَ (٣) .
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن جَعْفرِ بن سُليمانَ، عن حبيبِ بن الشَّهيدِ، قال: سمِعتُ محمدَ بن سيرينَ يقولُ: لأن أُفْطِرَ يومًا من رمضانَ لا أتَعَمَّدُهُ، أحَبُّ إليَّ من أن أصُومَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه من شعبانَ.
وقال ابنُ سيرينَ: خرجتُ في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فلم أدخُلْ على أحَدٍ يُؤخَذُ عنهُ العِلمُ، إلّا وجدتُهُ يأكُلُ، إلّا رجُلًا كان يَحْسُبُ ويأخُذُ بالحِسابِ، ولو لم يَعْلَم ذلكَ، كان خيرًا لهُ (٥) .
وقال مالكٌ: كان أهلُ العِلم يَنْهَونَ عن صيامِه (٦) .
vol. 9, p. 235وقال الشّافِعيُّ (١) : لا يجِبُ صومُ رمضانَ حتَّى يُستيقَنَ بدُخُولِهِ، ولا يُصامُ يومُ الشَّكِّ على أنَّهُ من رمضانَ. وقال الشّافِعيُّ: لو أصبحَ يومُ الشَّكِّ لا يَنْوي الصَّوم، ولم يأكُل، ولم يَشْربْ، حتَّى عَلِمَ أَنَّهُ من شهرِ رمضانَ، فأتمَّ صَوْمَهُ، رأيتُ أنَّ عليه إعادةَ صَوْم ذلكَ اليوم، وسواءٌ كان ذلك قبلَ الزَّوالِ أو بَعْدهُ، إذا أصبَحَ لا ينوي صيامَهُ من شهرِ رمضانَ. قال: وكذلك لو أصبَحَ ينوي صومَهُ مُتطوِّعًا: لم يجزئه من رمضانَ، ولا أرى رمضانَ يُجزِئُهُ، إلّا بإرادتِهِ، واللّه أعلمُ. قال: ولا فرقَ عِندي بين الصَّوم والصَّلاةِ في هذا المعنى.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسُف ومحمدٌ: لو أنَّ رجُلًا أصبَحَ صائمًا في أوَّلِ يوم من شَهْرِ رمضانَ، ولا يَنْوي أَنَّهُ من شَهْرِ رمضانَ (٢) وَيَنْوي بصيامِهِ التَّطوُّع، ثُمَّ علِمَ بعد ذلكَ أنَّ يومَهُ ذلك من رَمَضانَ، وأنَّهُ يُجزِئُ عنهُ صِيامُهُ، وليسَ عليه قَضاءُ ذلكَ اليوم. وقالوا: لو أنَّ رجُلًا أصبَحَ ينوي الفِطْرَ في أوَّلِ يوم من شَهْرِ رمضانَ وهُو لا يعلمُ أنَّهُ من رمضانَ، ويظُنُّ أنَّهُ من شعبانَ، فاسْتَبانَ لهُ قبلَ انتِصافِ النَّهارِ أَنَّهُ من رمضانَ، فإنَّهُ يُجزِئُ عنهُ إن لم يكُن أكَلَ أو شرِبَ قبلَ أن يستبينَ لهُ. وقالوا: إن علِمَ أنَّ ذلك اليومَ من رمضانَ بعدَما انتَصَف النَّهارُ، فإنَّهُ يصُومُ بقيَّةَ يومِهِ، وعليه قَضاءُ ذلك اليوم. قالوا: ولو كان هذا الصِّيامُ قَضاءً من رمضانَ، أو من صيام كان عليه، فإنَّهُ لا يُجزِئُهُ؛ لأنَّهُ قد أصبَحَ مُفطِرًا. قالوا: ويُجزِئُهُ أن يَتَطوَّع به، ولا يُجزِئُهُ من شيءٍ واجِبٍ عليه (٣) .
وقال أبو ثَوْرٍ: لو أنَّ رجُلًا أصبَحَ ينوي الفِطْرَ في أوَّلِ يوم من شَهْرِ (٤) رمضانَ وهُو لا يعلمُ أَنَّهُ من رمضانَ، ويَرَى أنَّهُ من شعبانَ، فاستبانَ لهُ أَنَّهُ من
vol. 9, p. 236شَهْرِ رمضانَ قبلَ أن يَنْتصِفَ النَّهارُ، لم يُجزِئه عن شَهْرِ رمضانَ، وكان عليه قَضاءُ ذلك اليوم. قال: ولو نَوَى بصوم ذلك اليوم التَّطوُّعَ وهُو لا يعلمُ أَنَّهُ من رمضانَ، لم يُجزِئه أيضًا، وكان عليه قَضاؤُهُ.
قال أبو عُمر: أمّا من ذهَبَ إلى إبطالِ صَوْم من عقَدَ نيَّتَهُ على تَطَوُّع عن الواجِبِ، أو صامَ يومَ الشَّكِّ على غير يقينٍ أَنَّهُ من رمضانَ، فالحُجَّةُ لهُ قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الأعمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لامْرِئ ما نَوَى" (١) .
-
وقد صحَّ أنَّ التَّطوُّعَ غيرُ الفَرْضِ، فمُحالٌ أن ينويَ التَّطوُّعَ، ويُجزِئَهُ عن الفرضِ. ومن جِهةِ النَّظرِ أيضًا: فَرْضُ رمضان قد صحَّ بيقينٍ، فلا يجُوزُ أداؤُهُ بشَكٍّ.
-
ووجهٌ آخرُ، وهُو أنَّهُم قد أجمعُوا على أنَّ من صلَّى أربعًا بعد الزَّوالِ مُتطوِّعًا، أو شاكًّا في دُخُولِ الوقتِ، أَنَّهُ لا يُجزِئُهُ ذلكَ من صلاةِ الظُّهرِ، فكذلك هذا، واللّهُ أعلمُ.
-
وأمّا ما ذهَبَ إليه الأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، وابنُ عُليَّةَ، فحُجَّتُهُم أنَّ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ، ولا يكونُ صومُهُ تطوُّعًا أبدًا، كما أنَّ من صامَ شعبانَ ينوي به رمضانَ، لا يكونُ عن رمضانَ، ولا يكونُ في رَمَضانَ صومٌ عن غير؛ لأَنَّهُ وقت لا تُحيلُ فيه النِّيَّةُ العَمَلَ.
قال أبو عُمر: قد قال بكِلا القولينِ جماعةٌ من التَّابِعينَ، ومِمَّن قال بقولِ الأوزاعيِّ: عَطاءٌ (٢) وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، ولكِنَّ القولَ الأوَّلَ أصَحُّ وأحْوَطُ من جِهَةِ الأثَرِ والنَّظَرِ إن شاءَ الله، واللّه المُوفِّقُ للصَّوابِ.
- vol. 9, p. 237
وقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ من التَّنازُع في وُجُوبِ النِّيَّةِ، والتَّبييتِ في صيام (١) الفَرْضِ والتَّطوُّع، في بابِ ابن شِهاب.
-
ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢) : أخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني مُزاحِمٌ، قال: خطَبَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ في خِلافتِهِ، فقال: انظُرُوا هِلالَ رَمَضانَ، فإن رأيتُمُوهُ فصُومُوا، وإن لم تَروهُ فأكمِلُوا ثلاثينَ يومًا. قال: وأصبَحَ النّاسُ منهُمُ الصّائمُ ومنهُمُ المُفطِرُ ولم يَرَوا الهِلالَ، فجاءَهُمُ الخبرُ بأنْ قد رُئي الهِلالُ، قال: فكلَّمَ النّاسُ عُمرَ، وبعَثَ الحرَسَ في العَسْكرِ: من أصبَحَ صائمًا، فليُتِمَّ صَوْمَهُ، فقد وُفِّق لهُ، ومن أصبَحَ مُفطِرًا لم يذُقْ شيئًا فليُتِمَّ بقيَّةَ يومِهِ، ومن كان طعِمَ شيئًا فليُتِمَّ ما بَقِي من يومِهِ، وليَقْضِ يومًا مكانَهُ، وإنِّي لَعِقتُ لَعْقًا من عَسَلٍ، فأنا صائمٌ بَقِيَّةَ يومي، ثُمَّ أُبدلُهُ بعدُ.
-
ورُوي عن ابن عُمرَ في معنى ما رواهُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من قولِهِ: "فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقدِرُوا لهُ" شيءٌ لم يُتابِعْهُ على تأويلِهِ ذلكَ فيما علِمتُ إلّا طاوُوسٌ وأحمدُ بن حَنْبل. ورُوي عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ مِثلُ ذلك، ورُوي عن عائشةَ نحوُهُ. وذلكَ أنَّ ابن عُمر كان يقولُ: إذا لم يُرَ الِهلالُ، ولم يَكُن في السَّماءِ غيمٌ ليلةَ ثلاثينَ من شعبانَ، وكان صحْوًا، أفطَرَ النّاسُ، ولم يصُومُوا، وإن كان في السَّماءِ غيمٌ في تلكَ اللَّيلةِ، أصبحَ النّاسُ صائمينَ، وأجزأهُم من رمضانَ، إن ثبتَ بعدُ أنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرُونَ، ورُبَّما كان شعبانُ حينئذٍ تِسعًا وعِشرينَ (٣) .
-
ورُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكر: أنَّها كانت تصُومُ اليومَ الذي يُغَمَّى على النّاسِ فيه (٤) .
- vol. 9, p. 238
ورُوِيَ عن عائشةَ أنَّها قالت: لأنْ أصُومَ يومًا من شعبانَ، أحَبُّ إليَّ من أن أُفطِرَ يومًا من رَمَضانَ (١) .
-
وأمّا الرِّوايةُ بذلك، عن ابن عُمرَ، فذكَرَ عبدُ الرَّزّاق (٢) ، عن مَعْمرٍ (٣) ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ إذا كان سَحابٌ أصبَحَ صائمًا، وإن لم يَكُن سَحابٌ، أصبَحَ مُفطِرًا.
قال (٤) : وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، مِثلَهُ.
وقال أحمدُ بن حَنْبل: صيامُ يوم الشَّكِّ واجِبٌ، وهُو يجزئ من رمضانَ إن ثبت أنَّهُ من رَمَضانَ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: حدَّثنا سَعيدٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتُمُ الهِلالَ فصُومُوا، وإذا رأيتُمُوهُ فأفْطِرُوا، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقدِرُوا لهُ" . قال نافع: فكان ابنُ عُمرَ يَبْعثُ مساءَ ثلاثينَ من شعبانَ من ينظُرُ لهُ الهِلالَ، فإن كان صَحْوًا ورآهُ صامَ، وإن لم يَرهُ لم يَصُم، وإن حالَ بينهُ وبينهُ قَتَرٌ أصبَحَ صائمًا" (٥) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٦) : حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ (٧) ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ،
vol. 9, p. 239عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشَّهرُ تِسْعٌ وعِشرُونَ، فلا تصومُوا حتَّى تَرَوا الهِلالَ، ولا تُفطِرُوا حتَّى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عَلَيكُم فاقدِرُوا لهُ" . وكان ابنُ عُمرَ إذا مَضَى لشعبانَ تِسعٌ وعِشرُونَ، نُظِرَ لهُ الهِلالُ، فإن رُئيَ فذاكَ، وإن لم يُر، ولم (١) يحُلْ دُونَ منظرِهِ سَحابٌ ولا قَتَرٌ أصبَحَ مُفطِرًا، وإن حالَ دُونَ مَنْظرِهِ سَحابٌ أو قَتَرٌ، أصبَحَ صائمًا. قال: وكان ابنُ عُمرَ يُفطِرُ مع النّاسِ، ولا يأخُذُ بهذا الحِسابِ.
قال أبو عُمر: هذا الأصلُ يَنْتقِضُ على من أصَّلَهُ، لأنَّ من أُغمِيَ عليه هِلالُ رمضانَ، فصامَ على فِعْلِ ابن عُمرَ، ثُمَّ أُغْمِيَ عليه هِلالُ شوّالٍ، لا يخلُو أن يكونَ يَجري (٢) على احْتِياطِهِ خوفًا أن يُفطِرَ يومًا من رمضانَ، أو يترُكَ احتياطهُ، فإن تركَ احتياطهُ، نقضَ ما أصَّلَهُ، وإن جَرَى على احتياطِهِ، صام أحدًا وثلاثينَ يومًا، وهذا خِلافُ ما أمرَ الله به عندَ الجميع، ولكِنَّهُ وإن كان كما وَصَفنا، فإنَّ لأصحابِنا مِثلهُ من الاحتياطِ كثيرًا في الصَّلاةِ، مِثل قولِهِم: يتمادَى، ويُعيدُ ويسجُدُ سجدتيِ السَّهوِ. وهُو خِلافُ ما أمرَ الله به من الخَمْسِ صَلَوات، وهُو يُشبِهُ مذهب ابن عُمرَ في هذا البابِ، ويُشبِهُ أيضًا إعمالَ مالكٍ الشَّكَّ في مَواضِعَ من الطَّهارةِ، والطَّلاقِ، واللّه المُوفِّقُ للصوابِ.