مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 36 of 79

  1. وقد كان بعضُ جِلَّةِ التّابِعينَ، فيما حَكاهُ عنهُ محمدُ بن سيرينَ، يَذْهبُ في هذا البابِ، إلى اعتِبارِهِ بالنُّجُوم، ومَنازِلِ القَمرِ، وطريقِ الحِسابِ. وذهَبَ بعضُ فُقهاءَ البَصْريِّينَ، إلى أنَّ معنى قولِهِ عليه السَّلامُ: "فاقدِرُوا لهُ" . ارتِقابُ مَنازِلِ القَمرِ، وهُو علمٌ كانتِ العَرَبُ تعرِفُ منهُ قَريبًا من عِلْم العَجَم.

    vol. 9, p. 240قال أبو عُمر: من ذهَبَ إلى هذا المذهبِ، يقولُ في معنى قولِهِ عليه السَّلامُ: "فاقدِرُوا لهُ" : إنَّ التَّقديرَ في ذلك يكونُ إذا غُمَّ على النّاسِ ليلةَ ثلاثينَ من شعبانَ، بأن يعرِفَ مُسْتَهلَّ الهِلالِ في شعْبانَ، في أوَّلِ ليلةٍ، ويعلمُ أنَّهُ يمكُثُ فيها سِتَّةَ أسباع ساعةٍ، ثُمَّ يغيبُ، وذلكَ في أدنى مُفارَقتِهِ الشَّمس، ولا يزالُ في كلِّ ليلةٍ يزيدُ على مُكْثِهِ في اللَّيلةِ التي قبلَها سِتَّةَ أسباع ساعةٍ، فإذا كان في اللَّيلةِ السّابِعةِ غابَ في نِصفِ اللَّيل، وإذا كان ليلةُ أربع عشرَةَ، تأخَّر سِتَّةَ أسباع ساعَةٍ، ولا يزالُ في كلِّ ليلةٍ يتأخَّرُ طُلُوعُهُ عن الوَقْتِ الذي طلَعَ فيه في اللَّيلةِ التي قبلها سِتَّةَ أسباع ساعَةٍ (١) إلى أن يكونَ طُلُوعُهُ ليلةَ ثمانٍ وعِشرينَ معَ الغَداةِ، فإن لم يُرَ صُبْحَ ثمانٍ وعِشرينَ، عُلِمَ أنَّ الشَّهرَ ناقِصٌ، وإنَّهُ من تِسْع وعِشرينَ (٢) ، وإن رُئيَ، عُلِم أنَّهُ تامٌّ، وأنَّ عِدَّتهُ ثلاثُونَ يومًا.

    وقال: وقد يُتعرَّفُ أيضًا بمُكْثِ (٣) الهِلالِ في ليالي النِّصْفِ الأوَّلِ من الشَّهرِ، ومَغيبِهِ من اللَّيلِ، وأوقاتِ طُلُوعِهِ ليالي النِّصفِ الآخرِ من الشَّهرِ، وتأخُّرِهِ عن أوَّلِ اللَّيلِ، بضَرْبٍ آخَرَ من العِلم، والعمَلِ عندَهُم، ويُتعرَّفُ أيضًا من المنازِلِ، فإنَّ الهِلالَ إذا طَلَعَ أوَّل ليلةٍ من شعبانَ في الشَّرَطَين (٤) ، فكان شعبانُ ناقِصًا، طلَعَ في البُطَينِ (٥) ونحوِ هذا.

    قال أبو عُمر: يُمكِنُ أن يكونَ ما قالهُ هذا القائلُ على التَّقريبِ، لأنَّ أهلَ التَّعديلِ والامْتِحانِ يُنكِرُونَ أن يكونَ هذا حَقِيقةً وإذا (٦) لم يكُن حَقِيقةً، وكانتِ

    vol. 9, p. 241الحَقِيقةُ عندَهُم فيما لم تُوقفِ الشَّريعةُ عليه، ولا وَرَدت به سُنَّةٌ، وجبَ العُدُولُ عنهُ، إلى ما سُنَّ لنا، وهُدينا لهُ.

    vol. 9, p. 239
  2. وفيما ذكَرَ هذا القائلُ من الضِّيقِ والتَّنازُع والاضْطِرابِ ما لا يليقُ أن يَتعلَّقَ به أُولُو الألبابِ. وهُو مذهبٌ ترَكهُ العُلماءُ قديمًا وحديثًا، للأحاديثِ الثّابِتةِ عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ: "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فأتِمُّوا ثلاثينَ" .

  3. ولم يتعلَّق أحدٌ من فُقهاءِ المُسلِمين فيما عَلِمتُ، باعتِبارِ المنازِلِ في ذلكَ، وإنَّما هُو شَيءٌ رُوِيَ عن مُطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ. وليسَ بصحيح عنهُ، واللّه أعلمُ، ولو صحَّ، ما وجَبَ اتِّباعُة عليه، لشُذُوذِهِ، ولمُخالَفةِ الحُجَّةِ لهُ.

  4. وقد تأوَّل بعضُ فُقهاءِ البَصْرةِ، في معنى قولِهِ (١) : "فاقْدِرُوا لهُ" نحو ذلكَ، والقولُ فيه واحدٌ.

    وقال ابنُ قُتيبةَ، في قولِهِ: "فاقدِرُوا لهُ" أي: فقَدِّرُوا السَّيرَ والمَنازِلَ. وهُو قولٌ قد ذكَرْنا شُذُوذهُ، ومُخالَفةَ أهلِ العِلم لهُ، وليسَ هذا من شأنِ ابن قُتيبةَ، ولا هُو مِمَّن يُعرَّجُ عليه في هذا البابِ.

  5. وقد حُكِيَ عن الشّافِعيِّ، أنَّهُ قال: من كان مَذْهبُهُ الاسْتِدلالِ بالنُّجُوم، ومَنازِلِ القَمَرِ، ثُمَّ تبيَّنَ لهُ من جِهَةِ النُّجُوم: أنَّ الهِلال اللَّيلةَ، وغُمَّ عليه، جازَ لهُ أن يعتقِدَ الصِّيام، ويُبيِّتهُ ويُجزِئَهُ (٢) .

  6. والصَّحيحُ عنهُ في كُتُبِهِ، وعندَ أصحابِهِ: أنَّهُ لا يصِحُّ اعتِقادُ رمضانَ، إلّا برُؤيةٍ، أو شَهادةٍ عادِلةٍ، لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "صُومُوا لرُؤيتِهِ، وأفْطِرُوا لرُؤيتِهِ، فإن غُمَّ عليكُم فأكمِلُوا العِدَّةَ ثلاثينَ يومًا" .

  7. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

    vol. 9, p. 242قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن عبدِ الله بن أبي قَيْسٍ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحفَّظُ من شعبانَ (٣) ، ولا يَتَحفَّظُ من غيرِهِ، ثُمَّ يصُومُ لرُؤيةِ رمضانَ، فإن غُمَّ عليه، عدَّ ثلاثينَ يومًا، ثُمَّ صامَ.

  8. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن رِبعيٍّ، عن بعضِ أصْحابِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصومُوا الشَّهرَ حتَّى تُكمِلُوا العددَ، أو تَرَوا الهِلالَ، ثُمَّ صُومُوا، ولا تُفطِرُوا حتَّى تُكمِلُوا العِدَّةَ، أو تَرَوا الهِلالَ" (٤) .

  9. وهذانِ الحديثانِ يَنْتُجانِ ببُطلانِ تأويلِ ابن عُمرَ ومذهبِهِ، وكذلك آثارُ هذا البابِ، واللّه يُوفِّقُ من يشاءُ للصَّوابِ.

    وقال عمّارُ بن ياسِرٍ: من صامَ يوم الشَّكِّ، فقد عَصَى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - (٥) .

    vol. 9, p. 243قال أبو عُمر: أمّا الشَّهادةُ على رُؤيةِ الِهلالِ، فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّهُ لا تُقبَلُ في شهادَةِ شوّالٍ في الفِطْرِ، إلّا رجُلانِ عَدْلانِ.

  10. واختَلَفُوا في هِلالِ رمضانَ:
  11. فقال مالكٌ، والثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، واللَّيثُ، والحسنُ بن حيٍّ، وعُبيدُ اللّه بن الحسنِ، وابنُ عُليَّةَ: لا يقبلُ في هِلالِ رَمَضانَ، ولا شوّالٍ، إلّا شاهِدا عَدْلٍ رَجُلان (١) .

    وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ في رُؤيةِ هِلالِ رمضانَ: شَهادَةُ رجُلٍ واحدٍ عَدْلٍ، إذا كان في السَّماءِ عِلَّةٌ، وإن لم يكُن في السَّماءِ عِلَّةٌ (٢) لم يُقبل إلّا شهادةَ العامَّةِ، ولا يُقبلُ في هِلالِ شوّالٍ وذي الحِجَّةِ، إلّا شهادةَ عَدْلينِ، يُقبلُ مِثلُهُما في الحُقُوقِ، وإن كان في السَّماءِ عِلَّةً. وهُو قولُ داود.

  12. هكذا حكاهُ أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، عن أبي حَنِيفةَ، وأصحابِهِ، في كِتابِهِ الكبيرِ في الخِلافِ (٣) ، اشتراطَ العدالةِ، ولم يذكُرِ المرأةَ.

  13. وذَكَرَ عنهُ في "المختصر" في الشَّهادةِ على هِلالِ رمضانَ: شاهِدٌ واحدٌ مُسلِم، أوِ امرأةٌ مُسلِمةٌ (٤) . لم يشترِطِ العَدالةَ، وفي الشَّهادةِ على هِلالِ شوّالٍ: رجُلٌ وامرأتانِ، كسائرِ الحُقُوق.

  14. واختلَفَ قولُ الشّافِعيِّ في هذه المسألةِ، فحَكَى المُزنيُّ عنهُ، أنَّهُ قال: إن شهِدَ على رُؤيةِ هِلالِ رمضانَ رجُلٌ عدلٌ، رأيتُ أن أقبَلهُ، للأثرِ الذي جاءَ فيه،

    vol. 9, p. 244والاحتياطُ والقياسُ ألّا يُقبَلَ إلّا شاهِدانِ. قال: ولا أقبَلُ على رُؤيةِ هِلالِ الفِطْرِ، إلّا عَدْلين (١) .

    وقال في البُويطيِّ (٢) : ولا يُصامُ رَمَضانُ، ولا يُفطَرُ منهُ، بأقلِّ من شاهِدينِ حُرَّينِ مُسلِمينِ عَدْلينِ.

    وقال أحمدُ بن حَنْبل: من رأى هِلال رمضانَ وحدَهُ صامَ، فإن كان عَدْلًا صُوِّمَ النّاسُ بقولِهِ، ولا يُفطَرُ إلّا بشهادةِ عَدْلينِ، ولا يُفطِرُ إذا رآه وحدَهُ (٣) .

    قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ فيمَنْ رأى هِلالَ رمضانَ وحدَه (٤) ، فلم تُقبَل شَهادتُهُ، أَنَّهُ يصُومُ، لأنَّهُ مُتعبِّدٌ بنَفسِهِ، لا بغيرِه. وعلى هذا أكثرُ العُلَماءِ، لا خِلافَ في ذلكَ، إلّا شُذُوذ لا يُشتَغلُ به.

  15. ومن رأى هِلال شوّالٍ وحدَهُ، أفطرَ عندَ الشّافِعيِّ والحسنِ بن حيٍّ.

  16. ورُوي عن مالكٍ: أنَّهُ لا يُفطِرُ للتُّهمةِ. وهُو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوريِّ: أنَّهُ لا يُفطِرُ. ومِثلُهُ قولُ اللَّيثِ، وأحمد: لا يُفطِرُ من رآهُ وحدهُ. واستحبَّ الشّافِعيُّ أن يُخفِيَ فِطرهُ.

    وقال مالكٌ: من رأى هِلالَ رمضانَ وحدَهُ فأفطَرَ، فعليه الكفّارةُ، مع القَضاء.

    وقال أبو حنيفةَ: لا كفّارةَ عليه. والشّافِعيُّ على أصلِهِ في الاكلِ، فإن وطِئَ كفَّرَ عندَهُ.

  17. وكان الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ يقولانِ: لا يصُومُ أحَدٌ إلّا معَ جَماعَةِ النّاس (٥) .

    vol. 9, p. 245وقال الحسنُ وابنُ سيرينَ: يفعلُ النّاسُ ما يفعلُ إمامُهُم.

    قال أبو عُمر: قد أجمعُوا على أنَّ الجماعةَ لو أخْطَأتِ الهِلالَ في ذي الحِجَّةِ، فوقَفَت بعرَفةَ في اليوم العاشِرِ، أن ذلكَ يُجزِئُها، فكذلكَ الفِطرُ، والأضحى، واللّه أعلمُ.

  18. رَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِطْرُكُم يومَ تُفطِرُونَ، وأضحاكُم يومَ تُضحُّونَ" (١) .

  19. واختلَفَ العُلماءُ في الحُكم إذا رأى الهِلالَ أهلُ بلدٍ، دُونَ غير من البُلدانِ، فرُوِيَ عن ابن عبّاسٍ وعِكرِمةَ، والقاسم بن محمدٍ، وسالم بن عبدِ اللّه، أنَّهُم قالوا: لكلِّ أهلِ بلدٍ رُؤيتُهُم.

  20. وبه قال إسحاقُ بن راهُويَة.

  21. وحُجَّةُ من قال هذا القولَ، ما حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسةَ (٢) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، قال: أخبر ني محمدُ بن أبي حَرْملةَ،

    vol. 9, p. 246قال: أخبرني كُرَيبٌ: أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنت الحارِثِ بعثتهُ إلى مُعاويةَ بالشّام. قال: فقدِمتُ الشّام فقَضَيتُ حاجَتَها، فاستَهلَّ رَمَضانُ، وأنا بالشّام، فرأينا الهِلالَ ليلةَ الجُمُعةِ، ثُمَّ قَدِمتُ المدينةَ في آخِرِ الشَّهرِ، فسَألَني ابنُ عبّاسٍ، ثُمَّ ذكَرَ الهِلال فقال: مَتَى رأيتُمُ الهِلالَ؟ قال: قلتُ: رأيتُهُ ليلةَ الجُمُعةِ. قال: أنتَ رأيتَهُ؟ قلتُ: نَعَمْ، ورآه النّاسُ، وصامُوا، وصامَ مُعاويةُ. قال: لكِنْ رأيناهُ ليلةَ السَّبتِ، فلا نزالُ نَصُومُ حتّى بممِلَ ثلاثينَ يومًا، أو نَراهُ. قلتُ: أوَلا تَكْتَفي برُؤيةِ مُعاويةَ؟ قال: لا، هكذا أمَرَنا رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-.

  22. وفيه قولٌ آخرُ، رُوي عن اللَّيثِ بن سعدٍ، والشّافِعيِّ، وأحمد بن حَنْبل، قالوا: إذا ثبتَ عندَ النّاسِ، أنَّ أهلَ بَلَدٍ رأوهُ، فعَلَيهِم قَضاءُ ما أفْطَرُوا. وهُو قولُ مالكٍ، فيما روى ابنُ (١) القاسم.

  23. وقد رُوي عن مالكٍ، وهُو مذهبُ المَدَنيِّين من أصحابِهِ: أنَّ الرُّؤيةَ لا تلزَمُ غيرَ البلدِ الذي حَصَلت فيه، إلّا أن يَحْمِلَ الإمامُ على ذلكَ، وأمّا مع اختِلافِ الكلِمةِ، فلا، إلّا في البَلَدِ بعينِهِ، وعَمَله.

  24. هذا معنى قولِهِم، وقد لخَّصنا مَذاهِبهُم في ذلك في الكِتابِ "الكافي" (٢) .

    قال أبو عُمر: إلى القولِ الأوَّلِ أذهَبُ؛ لأنَّ فيه أثرًا مرفُوعًا، وهُو حديث حَسَنٌ تلزَمُ به الحُجَّةُ، وهُو قولُ صاحِبٍ كبيرٍ، لا مخُالِف لهُ (٣) ، وقال فيه طائفة من فُقهاءِ التّابِعين، ومع هذا، إنَّ النَّظرَ يدُلُّ عليه، لأنَّ النّاسَ لا يُكلَّفُونَ عِلْمَ ما غابَ عنهُم في غيرِ بَلدِهِم، ولو كلِّفُوا ذلكَ، لضاقَ عَلَيهِم، أرأيتَ لو رُئي بمكَّةَ أو بخُراسانَ هِلالُ رمضانَ أعوامًا، بغيرِ ما كان بالأندلُسِ، ثُمَّ ثبت

    vol. 9, p. 247ذلكَ بعدَ زمانٍ (١) عندَ أهلِ الأندلُسِ، أو عندَ بعضِهِم، أو عندَ رجُلٍ واحدٍ منهُم، أكان يجِبُ عليه قَضاءُ ذلك، وهُو قد صام برُؤيةٍ، وأفطرَ برُؤيه، أو بكمالِ ثلاثينَ يومًا، كما أُمِر، ومن عمِلَ بما يجِبُ عليه، مِمّا أُمِرَ به، فقد قَضَى اللّه عنهُ، وقولُ ابن عبّاسٍ عِندِي صحيحٌ في هذا البابِ، واللّه المُوفِّقُ للصَّوابِ.

    قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ مُمهَّدًا في الهِلالِ يُرَى قبلَ الزَّوالِ، أو بعدَ الزَّوالِ، في بابِ ثَوْرِ بن زيدٍ.

  25. وأجمَعَ العُلماءُ على أَنَّهُ إذا ثبتَ أنَّ الهِلالَ من شوّالٍ رُئي (٢) بمَوْضِع استِهلالِهِ ليلًا، وكان ثحوتُ ذلكَ، وقد مَضَى من النَّهارِ بعضُهُ، أنَّ النّاسَ يُفطِرُونَ ساعَةَ جاءَهُمُ الخَبرُ الثَّبتُ في ذلك، وإن كان قبلَ الزَّوالِ، صلَّوا العيدَ بإجماع من العُلماءِ وأفْطَرُوا.

  26. وإن كان بعدَ الزَّوالِ، فاختَلَف العُلماءُ في صلاةِ العيدِ حينَئذٍ (٣) .

    فقال مالكٌ وأصحابُهُ: لا تُصلَّى صَلاةُ العيدِ في غيرِ يوم العيدِ، لا فِطْرٍ ولا أضْحَى.

  27. ورُوِيَ مِثلُهُ عن أبي حَنِيفةَ: أنَّ صلاةَ العيدِ إذا لم تُصلَّ في يوم العيدِ حتّى تزُولَ الشَّمسُ، لم تُصلَّ بعدُ.

    وقال أبو يوسُف ومحمدٌ: يُصَلَّي بهم من الغَدِ فيما بَيْنهُ وبينَ الزَّوالِ، ولو كان في الأضْحَى صُلِّيَ بهم في اليوم الثّالثِ.

    وقال الثَّوريُّ: يخرُجُونَ في الفِطْرِ من الغَد.

    وقال الحسنُ بن حيٍّ: لا يخرُجُونَ من الغَدِ في الفِطْرِ، ويخرُجُونَ في الأضْحَى.

    vol. 9, p. 248وقال اللَّيثُ: يخرُجُونَ في الفِطْرِ والأضْحَى من الغدِ.

    وقال الشّافِعيُّ (١) : إذا لم تثبُتِ الشَّهادةُ في الفِطْرِ إلّا بعد الزوالِ، لم تُصلَّ صلاةُ العيدِ بعدَ الزَّوالِ، ولا من الغَدِ، إلّا أن يثبُت في ذلك حديث.

    قال أبو عُمر: من ذهَبَ في هذه المسألةِ إلى الخُرُوج لصلاةِ العيدِ من الغَدِ، فحُجَّتُهُ حديثُ أبي بِشْرٍ جعفرِ بن أبي وَحْشيَّةَ، أنَّ أبا عُمَيرِ بن أنسٍ حدَّثهُ، قال: أخبرني عُمُومةٌ لي من الأنْصارِ من أصْحاب رسُولِ اللّه -صلى الله عليه وسلم- قالوا: أُغْمِي علينا هِلالُ شوّالٍ، فأصبحنا صيامًا، فجاءَ رَكْبٌ من آخِرِ النَّهارِ إلى النَّبيِّ عليه السَّلامُ، فشهِدُوا أنَّهُم رأوُا الهِلال بالأمْسِ، فأمرَ النَّبيُّ عليه السَّلامُ النّاس بأن يُفطِرُوا من يومِهِم، وأن يخرُجُوا لعيدِهِم من الغَد (٢) .

  28. وهذا حديث لا يجيءُ إلّا بهذا الإسنادِ، انفردَ به جَعْفرُ بن أبي وَحْشيَّةَ أبو بِشرٍ، وهُو ثِقةٌ واسِطي، رَوَى عنهُ أيُّوبُ، والأعمشُ، وشُعبَةُ، وهُشَيمٌ، وأبو عوانةَ. وأمّا أبو عُمَيرِ بن أنسٍ فيقالُ: إنَّهُ ابنُ أنسِ بن مالكٍ، واسمُهُ عبدُ اللّه، ولم يروِ عنهُ غيرُ أبي بِشرٍ، ومن كان هكذا، فهُو مجهُولٌ لا يُحتجُّ به (٣) .

  29. وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ صلاةَ العيدِ لا تُصلَّى يومَ العيدِ بعد الزَّوالِ، فأحْرَى أن لا تُصلَّى في يوم آخَرَ، قياسًا ونظرًا، إلّا أن يصِحَّ بخِلافِهِ خَبرٌ وباللّه التَّوفيقُ.

  30. حديثٌ حادٍ وأربعُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن الوِصالِ. قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ يا رسُولَ اللّه؟ قال: "إنِّي لَسْتُ كَهَيئَتِكُم، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى" .

    vol. 9, p. 249
  31. أجمعَ العُلماءُ على أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن الوِصالِ، ورُوِيَ ذلكَ عنهُ -صلى الله عليه وسلم- من وُجُوهٍ، مِنها: حديثُ أنَس (٢) ، وحديثُ ابن عُمرَ، وحديثُ أبي هُريرةَ، وحديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وحديثُ عائشةَ.

  32. واختلفُوا في تأويلهِ، فقال منهُم قائلُونَ: إنَّما نَهَى رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- عن الوِصالِ رِفقًا منهُ بأُمَّتِهِ، ورحمةً بهم، فمن قدَرَ على الوِصالِ، فلا حرجَ، لأنَّهُ للّه عزَّ وجلَّ يَدَعُ طعامَهُ وشَرابهُ، وكان عبدُ اللّه بن الزُّبير، وغيرُه جَماعة (٣) يُواصلونَ الأيامَ (٤) .

  33. وقد أخبرنا (٥) عبد اللّه بن محمدِ بن يوسفَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن محمدِ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا الزُّبيرُ بن بَكّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن مالكِ بن أنَسٍ، أنَّ عامر بن عبدِ اللّه بن الزُّبيرِ كان يُواصِلُ في شهْرِ رمضانَ ثلاثًا، فقيل لهُ: ثلاثةَ أيام؟ قال: لا (٦) ، ومن يَقْوَى يُواصِلُ ثلاثَةَ أيام؟ يومين (٧) وليلَةً (٨) .

  34. ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهبَ:

    ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ. وأخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١) : أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ (٢) ، قال: أخبرنا عَبْدةُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشَةَ، قالت: نَهَى رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- عن الوِصالِ رَحْمةً، قالوا: يا رسُولَ اللّه إنَّكَ تُواصِلُ؟ قال: "إنِّي لَسْتُ كأحَدٍ مِنكُم، يُطْعِمُني ربِّي ويَسْقيني" .

    vol. 9, p. 250
  35. وكان أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُويَة لا يَكْرهانِ أن يُواصلَ من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ.

  36. ومِن حُجَّةِ من ذهَبَ إلى هذا أيضًا: ما حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، أنَّ بَكْر بن مُضَرَ حدَّثهُم، عن ابن الهادِ، عن عبدِ اللّه بن خبّاب (٤) ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "لا تُواصِلُوا، فأيُّكُم أرادَ أن يُواصِلَ، فليُواصِلْ حتّى السَّحَرِ" . قالوا: فإنَّكَ تُواصِلُ؟ قال: "إنِّي لَسْتُ كَهَيئَتِكُم، إنَّ لي مُطعِمًا يُطعِمُني، وساقيًا يَسْقيني" .

  37. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ ومحمدُ بن الجَهْم، قالا: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا صالحٌ، قال: أخبرنا ابنُ شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن الوِصالِ، فقال رجُلٌ من المُسلِمينَ: إنَّكَ يا رسُولَ اللّه، تُواصِلُ؟ فقال: "لَسْتُم مثلي، إنِّي أبيتُ فيُطْعِمُني ربِّي وَيسْقيني" . فلمّا أبوا أن يَنْتَهُوا عن الوِصالِ، واصَلَ بهم يومًا، ثُمَّ يومًا، ثُمَّ رأوُا الهِلالَ، فقال: "لو تأخَّرَ لَزِدتُكُم" . كالمُنكِّلِ لهم (١) .

    vol. 9, p. 251
  38. وكذلكَ رواهُ شُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ (٢) ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (٣) ، عن ابن شِهاب، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وزاد: كالمُنكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهُوا.

  39. ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن نَمِرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني سعيدٌ وأبو سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرَ (٤) .

  40. وبِهذه الآثارِ وشِبْهِها يحتجُّ من ذهَبَ إلى أنَّ النَّهي عن الوِصالِ، إنَّما كان رَحْمةً بهم، وشَفَقةً عليهم ورِفْقًا.