مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 37 of 79
- vol. 9, p. 251
وكَرِه مالكٌ، والثَّوريُّ، وأبو حَنِيفةَ، والشّافِعيُّ، وجَماعة من أهلِ الفِقهِ والآثارِ الوِصالَ على كلِّ حالٍ، لمن قوِيَ عليه، ولغيرِهِ، ولم يُجيزُوا الوِصال لأحَدٍ (٥) .
- vol. 9, p. 252
ومِن حُجَّتِهِم ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعَيب، قال (١) : حدَّثنا عُبيدُ اللّه بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ اللّه، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- واصَلَ في رمضانَ، فواصَلَ النَّاسُ، فنهاهُم عن الوِصالِ، فقالوا: إنَّكَ تُواصِلُ؟ قال: "إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى" .
-
فقد نهاهُم رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-، عن الوِصالِ، وثبتَ عنهُ عليه السَّلامُ أنَّهُ قال: "إذا نَهَيتكُم عن شيءٍ، فانتهُوا عنهُ، وإذا أمَرْتكُم بشيءٍ، فخُذُوا منهُ ما استَطعتُم" (٢) . وحَقِيقةُ النَّهي: الزَّجرُ والمنعُ.
-
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: سُئلَ سعيدٌ عن الوِصالِ، فأخبرنا عن قتادةَ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تُواصِلُوا" . فقيلَ لهُ: إنَّكَ تُواصِلُ، فقال: "إنِّي لَسْتُ كأحَدٍ مِنكُم، إنَّ ربِّي يُطْعِمُني ويَسْقيني" (٣) .
-
ومِمّا احتجَّ به أيضًا من نَهَى عن الوِصالِ على كلِّ حالٍ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال:
vol. 9, p. 253حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ ومحمدُ بن إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُروةَ، قال: حدَّثني أبي، قال: سَمِعتُ عاصِمَ بن عُمرَ بن الخطّابِ، يُحدِّثُ عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أقبَلَ اللَّيلُ من هاهُنا، وأدبَرَ النَّهارُ من هاهُنا، وغَرَبتِ الشَّمسُ، فقد أفطَرَ الصائمُ" .
قالوا: ففي هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ الوِصالَ للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خُصُوصٌ، وأنَّ الواصِلَ لا يَنْتفِعُ بوِصالِهِ، لأنَّ اللَّيلَ ليسَ بموضِع للصِّيام، بدليلِ هذا الحديثِ وشِبهِهِ.
-
وقد رُوي عن عبدِ اللّه بن أبي أوفَى، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ مِثلُهُ (٢) . وقال اللّه عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] . و "إلى" هُنا غايةٌ لا تُتَجاوزُ.
-
هذا ما نزَعَ به منِ احتجَّ لمذهَبِنا في ذلك، وفي المسألةِ عِندي نظرٌ، ولا أُحِبُّ لأحَدٍ أن يُواصِلَ، وباللّه التَّوفيقُ.
- vol. 9, p. 254
حديثٌ ثانٍ وأربعُونَ لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- أدرَكَ عُمرَ بن الخطّابِ وهُو يَسِيرُ في رَكْبٍ، وهُو يحلِفُ بأبيهِ، فقال رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللّه يَنْهاكُم أن تحلِفُوا بآبائكُم، فمن كان حالِفًا، فلْيحلِف باللّه، أو ليَصْمُتْ" .
-
هكذا رواهُ مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، بمعنًى (٢) واحدٍ. وكذلك رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، وزادَ: قال عُمرُ: فواللّه ما حَلَفتُ بها ذاكِرًا، ولا آثِرًا (٣) (٤) .
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّهُ لا يجُوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللّه عزَّ وجلَّ في شيءٍ من الأشياءِ، ولا على حالٍ من الأحوالِ، وهذا أمرٌ مجُتَمع عليه.
-
وقد روى سعدُ (٥) بن عُبيدةَ، عن ابن عُمر فيه حديثًا شديدًا: أَنَّهُ سمِعَ رسُول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "من حلَفَ بغيرِ اللّه فقد أشرَكَ" . ذكرهُ أبو داودَ (٦) ، وغيرُهُ.
- vol. 9, p. 255
ورَوَى محمدُ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحلِفُوا بآبائكُم، ولا بأُمَّهاتِكُم، ولا بالأنْدادِ، ولا تحلِفُوا إلّا باللّه، ولا تحلِفُوا باللّه إلّا وأنتُم صادِقُونَ" .
-
حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عُبيدُ اللّه بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، فذكرهُ.
-
والحلِفُ بالمخلُوقاتِ كلِّها في حُكْم الحَلِفِ بالآباءِ، لا يجُوزُ شيءٌ من ذلك، فإنِ احتجَّ مُحتجٌّ بحدِيثٍ يُروَى عن إسماعيل بن جَعْفرٍ، عن أبي سُهَيلٍ نافع بن مالكِ بن أبي عامرٍ، عن أبيهِ، عن طَلْحةَ بن عُبيدِ اللّه، في قِصَّةِ الأعرابيِّ النَّجديِّ، أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أفلَحَ وأبيهِ إن صَدَقَ" (٢) . قيل لهُ: هذه لَفْظةٌ غيرُ محفُوظةٍ في هذا الحديثِ، من حديثِ من يُحتجُّ به، وقد رَوَى هذا الحديث مالكٌ (٣) ، وغيرُهُ، عن أبي سُهَيل، لم يقولُوا ذلك فيه.
-
وقد رُوي عن إسماعيل بن جعفرٍ هذا الحديثُ، وفيه: "أفلح واللّه إن صدَقَ" (٤) ، و: "دخَلَ الجنّةَ واللّه إن صدَقَ" (٥) .
-
وهذا أولى من رِوايةِ من روى: "وأبيهِ" . لأنَّها لفظة مُنكَرةٌ، ترُدُّها الآثارُ الصِّحاحُ، وباللّه التَّوفيقُ.
vol. 9, p. 256قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ اليمينَ بغيرِ اللّه مَكْرُوهةٌ، مَنْهيٌّ عنها، لا يجُوزُ الحَلِفُ بها لأحدٍ (١) .
-
واختَلَفُوا في الكفّار، هل تجِبُ على من حلَفَ بغيرِ اللّه فحَنِثَ؟ فأوْجَبها بعضُهُم، في أشياءَ يطُولُ ذِكرُها، وأبَى بعضُهُم من إيجابِ الكفّارةِ على من حنِثَ في يَمينِهِ بغيرِ اللّه، وهُو الصَّوابُ عندَنا، والحمدُ للّه.
-
(٢) وأمّا الحَلِفُ بالطَّلاقِ والعِتْقِ، فليسَ بيمينٍ عندَ أهلِ (٣) التَّحصيلِ والنَّظرِ، وإنَّما هُو طلاقٌ بصِفَةٍ، أو عِتقٌ بصِفَةٍ، إذا أوقَعَهُ مُوقِعٌ، وقَعَ على حسَبِ ما يجِبُ في ذلكَ عندَ العُلماءِ، كلٌّ على أصْلِهِ.
-
وقولُ المُتقدِّمينَ: الأيمانُ بالطَّلاقِ والعِتْقِ، إنَّما هُو كَلامٌ خرجَ على الاتِّساع والمجازِ والتَّقريبِ، وأمّا الحقيقةُ، فإنَّما هُو طلاقٌ على صِفَةٍ ما، وعِتق على صِفَةٍ ما (٤) ، ولا يمينَ في الحقيقةِ إلّا باللّه عزَّ وجلَّ.
-
وأمّا من حلَفَ بصدَقةِ مالِهِ، أو نحو ذلك، فالذي يَلْزمُ منهُ، ما قصدَ به فاعِلهُ إلى البِرِّ والقُربةِ إلى اللّه عزَّ وجلَّ.
-
وهذا بابٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ قديمًا وحديثًا، وسَنذكُرُ ما لهم في ذلكَ من الأقوالِ والاعتِلالِ في بابِ عُثمانَ بن حَفْصِ بن خَلْدةَ، من كِتابِنا هذا، عندَ ذِكْرِ قِصَّةِ أبي لُبابةَ (٥) ، إن شاءَ اللّه. ونذكُرُ وُجُوه الأيمانِ، وتَقْسيمَها عِند العُلماءِ،
vol. 9, p. 257واللَّغو منها، وغير اللَّغوِ، وأحكام كَفّاراتِها (١) ، في بابِ سُهَيلِ بن أبي صالح، من كِتابِنا هذا أيضًا إن شاءَ اللّه.
-
ونذكُرُ هاهُنا معانيَ الأَيْمانِ باللّه عزَّ وجلَّ خاصَّةً؛ لأنَّ الغرَضَ مِمّا في كلِّ بابٍ من أبوابِ كِتابِنا هذا، أن يتَّسِعَ القولُ في أُصُولِهِ، ونُوضِّحُها ونبسُطُها، ونُلوِّحُ من فُرُوعِهِ بما يدُلُّ على المُرادِ فيه، إذِ الفُرُوعُ لا تُحصى، ولا تُضبطُ إلّا بضبطِ الأُصُولِ، واللّه المُستعانُ.
-
فالذي أجمَعَ عليه العُلماءُ في هذا البابِ، هُو أَنَّهُ من حلَفَ باللّه، أو باسم من أسماءِ اللّه، أو بصِفةٍ من صِفاتِهِ، أو بالقُرآنِ، أو بشيءٍ منهُ فحنِثَ، فعليه كفّارةُ يمينٍ، على ما وصفَ اللّهُ في كِتابِهِ من حُكم الكفّار، وهذا ما (٢) لا خِلافَ فيه إلّا عندَ أهلِ البِدَع (٣) ، وليسُوا في هذا البابِ بخِلافٍ.
-
وأجمَعَ العُلماءُ، على أنَّ صَريحَ (٤) اليمينِ باللّه، هُو قولُ الحالِفِ: باللّه، أو: واللّه، أو: تاللّه. واختَلفُوا فيمَنْ قال: واللّه، واللّه، واللّه. أو: واللّه، والرَّحمنِ. أو: والرَّحمنِ، والرَّحيم. أو: واللّه، والرَّحيم الرَّحمنِ.
-
فتحصيلُ مذهبِ مالكٍ (٥) وأصحابِهِ في ذلكَ، وهُو قولُ الأوزاعيِّ، والبتِّيِّ: أنَّهُ يمينٌ واحدةٌ أبدًا، إذا كرَّرَ شيئًا مِمّا ذكَرْنا، إلّا أن يكونَ أرادَ اسْتِئنافَ (٦) يَمينٍ، فيكونَ كذلكَ، وسواءٌ كان ذلك في مجلِسٍ واحدٍ، أو مجالِسَ.
vol. 9, p. 258وقال الشّافِعيُّ: في كلِّ يمينٍ كفّارةٌ، إلّا أن يكون أراد التَّكرار (١) .
وقال أبو حَنِيفةَ: إذا قال: واللّه، والرَّحمنِ. فهُما يَمِينانِ، إلّا أن يكونَ أرادَ اليمينَ الأُولى، فتكون يمينًا واحدةً، ولو قال: واللّه الرَّحمنِ: كانت يمينًا واحدةً (٢) .
قال أبو عُمر: لا يختلِفُونَ فيمن قال: واللّه العظيم الرَّحمنِ الرَّحيم، ونحوِ هذا من صِفاتِهِ عزَّ وجلَّ، أنَّها يَمِينٌ واحدةٌ، وإنَّما اختَلفُوا إذا أدخلَ الواو.
وقال زُفَرُ: إذا قال: واللّه الرَّحمنِ، كانت يمينًا واحدةً (٣) .
وقال أبو حَنِيفةَ: من حلفَ في شيءٍ واحدٍ مِرارًا في مجلِسٍ واحدٍ، فإن كان المرادُ التَّكرارَ، فهي يمينٌ واحدةٌ، وإن لم تَكُن لهُ نيَّةٌ وأرادَ التَّغليظَ فهُما يمينانِ، وإن حلَفَ في مَجْلِسينِ، فهُما يمينانِ (٤) .
وقال الثَّوريُّ: هي يمينٌ واحدةٌ، وإن كان في مجالِسَ، إلّا أن يكونَ أرادَ يمينًا أُخرى (٥) .
وقال الحسنُ بن حيٍّ: إن قال: واللّه لا أُكلِّمُ فُلانًا (٦) ، وواللّه وواللّه لا أُكلِّمُ فلانًا. فيَمِينٌ واحدةٌ، وإن قال: واللّه لا أُكلِّمُ فلانًا، ثُمَّ قال: واللّه لا أُكلِّمُ فلانًا، فيَمِينان (٧) .
وقال أحمدُ بن حَنْبل: من حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بأيمانٍ كثير في مَجلِسٍ، أو مجالِسَ، فحنِثَ، فإنَّما عليه كفارَّةٌ واحدةٌ (٨) .
- vol. 9, p. 259
وأجمعُوا أنَّهُ إذا قال: أُقْسِمُ باللّه، أنَّها يمينٌ.
-
واختلفُوا فيمَنْ قال: أُقْسِمُ، أو: أشْهَدُ، أو: أعزِمُ، أو: أحلِفُ، ولم يَقُل: باللّه، ولكِنَّهُ أرادَ: باللّه.
فقال مالكٌ: كلُّ هذه الألفاظِ يمينٌ، إذا أرادَ: باللّه، وإن لم يُرِد: باللّه فليسَ شيءٌ منها بيمين (١) .
-
ورُوِي عن مالكٍ: أنَّهُ ضعَّفَ: أعزِمُ باللّه، وكأنَّهُ لم يرهُ يمينًا (٢) إلّا أن يكونَ أرادَ اليمين؛ لأَنَّهُ قد يكونُ على وَجْهِ الاستِعانةِ، كأَنَّهُ يقولُ: أستعينُ باللّه، أو: بحولِ اللّه. وهذا ليس بيمينٍ عندَ أحَدٍ.
وقال الشّافِعيُّ (٣) : أُقسِمُ باللّه، أو: أقسمتُ باللّه، أو: أشهدُ باللّه، أو: أعزِمُ باللّه: يمينٌ إذا أرادَ بها اليمين، وليست بيمينٍ إن لم يُرِد بها يمينًا، وليسَ: أُقسِمُ، وأشهدُ، وأحلِفُ يمينًا، إذا لم يَقُل: باللّه. هذه رِوايةُ المُزنيِّ عنهُ.
-
ورَوى عنهُ الرَّبيعُ نحوَ قولِ مالكٍ، أنَّهُ (٤) إذا قال: أُقسِمُ، أو أشهدُ، أو أعزِمُ: فهُو يمينٌ، وإن لم يقُل: باللّه، إذا أرادَ: باللّه، وأراد به (٥) اليمينَ.
قال الرَّبيعُ: وقال (٦) الشّافِعيُّ: وإن قال: أحلِفُ باللّه: فليسَ بيمينٍ، إلّا أن ينويَ اليمين؛ لأَنَّهُ يَحتمِلُ أن يُريدَ: سأحلِفُ باللّه (٧) .
vol. 9, p. 260وقال أبو حنيفةَ: أُقسِمُ، وأشهدُ، وأعزِمُ، وأحلِفُ كلُّها أيمانٌ، وإن لم يَقُل: باللّه، وهُو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وقولُ الحسنِ، والنَّخَعيِّ (١) .
-
واختلفُوا فيمَنْ حلَفَ: بحقِّ اللّه، أو: بعَهدِ اللّه. أو: ميثاقِهِ، ونحوِ ذلكَ، فقال مالكٌ: من حلفَ: بحقِّ اللّه: فهي يمين. قال: وكذلكَ: عهدُ اللّه، وميثاقُهُ، وكَفالتُهُ، وعِزَّتُهُ، وقُدرتُهُ، وسُلطانُهُ، وجميعُ صِفاتِ اللّه وأسمائهِ، هي أيمان كلُّها فيها الكفّارةُ، وكذلك: لعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه (٢) .
وقال الشّافِعيُّ (٣) في: وحقِّ اللّه، وجَلالِ اللّه، وعظَمتِهِ (٤) ، وقُدْرتِهِ: يمين، إن نَوَى بها اليمينَ، وإن لم يُرِدِ اليمينَ، فلَيْست بيمينٍ، لأنَّهُ يحتمِلُ: وحقُّ اللّه واجِبٌ، وقُدرةُ اللّه ماضيةٌ. وقال في: أمانةُ اللّه: لَيْست بيمينٍ، وفي: لَعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه: إن لم يُرِد بها اليمينَ، فليست بيمينٍ.
وقال الأوزاعيُّ: من قال: لعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه (٥) ، لأفعلنَّ كذا، ثُمَّ حنِثَ: فعليه كفّارةُ يمينٍ (٦) .
وقال أبو حنيفةَ: إن قال: وحقِّ اللّه، فهِيَ يمينٌ، فيها كفّارةٌ (٧) .
وقال محمدُ بن الحَسَنِ: لَيْست بيمينٍ، ولا فيها كفّارةٌ (٨) .
vol. 9, p. 261وقال الرّازيُّ (١) : قولُ أبي حَنِيفةَ في هذا، مِثلُ قولىِ محمدٍ: لَيْست بيمينٍ، وكذلكَ: عهدُ اللّه، وميثاقُهُ، وأمانتُهُ. ليست بيمينٍ.
وقال أبو حنيفةَ: في قولِهِ: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} [الأحزاب: ٧٢] : هي الأيمانُ والشَّرائعُ.
وقال بعضُ أصحابِهِ: هي يمينٌ (٢) .
وقال الطَّحاويُّ (٣) : ليست بيمينٍ.
وقال الشّافِعيُّ (٤) : من حلَفَ بالقُرآنِ، فحنِثَ فعَلَيهِ الكفّارةُ.
وقال أحمدُ بن حَنْبل: من حلَفَ بالقُرًانِ، أو بحقِّ القُرآنِ، فحنِثَ، لزِمتهُ بكلِّ آيةٍ كفّارةٌ (٥) .
-
وأجمعُوا أنَّ الاسْتِثناءَ في اليمينِ باللّه عزَّ وجلَّ جائزٌ (٦) ، واختَلفُوا في الاسْتِثناءِ في اليَمينِ بغيرِ اللّه، من: الطَّلاقِ، والعِتقِ، وغيرِ ذلك، وما أجمعُوا عليه فهُو الحقُّ، وإنَّما وردَ التَّوقيفُ في الاسْتِثناءِ في اليَمينِ باللّه، لا في غيرِ ذلك.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "من حلَفَ
vol. 9, p. 262فقال: إن شاءَ اللّه، فقدِ اسْتَثْنَى " (١) . وأيُّوبُ هذا هُو: أيُّوبُ بن موسى القُرشي الأُمويُّ.
-
وقد رَوَى هذا الحديثَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ، عن نافع، عن ابن عُمرَ:
حدَّثنا (٢) عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن عيسى (٤) ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "من حلَفَ فاسْتَثنى، فإن شاءَ رجَعَ، وإن شاءَ تركَ ".
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٥) ، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللّه، لم يَحْنَثْ".
-
وروى مالكٌ (٦) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: من قال: واللّه، ثُمَّ قال: إن شاءَ اللّه، لم يَحْنَثْ.
- vol. 9, p. 263
أخبرنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم بن خليلٍ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن سيّارٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عُبيدِ اللّه بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللّه، فلا حِنْثَ عليه" (١) .
-
جَعَلهُ مالكٌ موقُوفًا على ابن عُمرَ (٢) .
-
وأجمعُوا أنَّ الاسْتِثناءَ إن كان في نَسَقِ الكلام دُونَ انقِطاع بيِّنٍ في اليَمينِ باللّه، أَنَّهُ جائزٌ، واختَلفُوا فيه إذا كان بعدَ سُكُوتٍ وطُولٍ.
- vol. 9, p. 264
حديثٌ ثالثُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ اللّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- قطَعَ في مِجَنٍّ، قيمتُهُ (٢) ثلاثة دَراهِمَ.
-
هذا أصحُّ حديثٍ يُروَى عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في هذا البابِ، لا يختلِفُ أهلُ العِلْم بالحديثِ في ذلك (٣) .