مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 5 of 79
- vol. 8, p. 377
وذكرهُ أبو داود (٢) ، عن أحمد بن يونُسَ، بإسنادِهِ. وقال: قال زائدةُ: قال السّائبُ: يعني الجماعةَ، وبالله التَّوفيقُ.
- vol. 8, p. 378
حديثٌ رابعٌ لنافِع عن ابن عُمر
مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من باعَ (٢) نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فثَمَرُها للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ" .
قال أبو عُمر: لم يُختَلَف عن نافع (٣) في رَفْع هذا الحديثِ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
-
واختَلَف نافِعٌ وسالمٌ في رَفع: "من باعَ عَبْدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ (٥) للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ" . وهُو أحدُ الأحاديثِ الثَّلاثةِ التي رَفَعها سالمٌ، وخالَفهُ فيها نافِعٌ عن ابن عُمرَ. قال عليُّ ابنُ المدينيّ: والقولُ فيها قولُ سالم. وقد تُوبِعَ سالمٌ على ذلك.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ بن ثابتٍ الصَّيدلانيُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: خالَفَ سالمًا نافِعٌ في ثلاثةِ أحاديث، رَفَعها سالمٌ، وروى نافِعٌ منها اثْنَينِ عن ابن عُمرَ، عن عُمر، والثّالث عن ابن عُمرَ، عن كعب.
أحدُها: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ ... " الحديث. رواهُ سالمٌ عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٦) .
- vol. 8, p. 379
ورواهُ نافِعٌ، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ قولُه. كذلك رواهُ مالكٌ (١) ، وعُبيدُ الله بن عُمرَ (٢) .
-
ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ (٣) ، لم يَتَجاوزهُ. وقد رُوي عن أيُّوبَ (٤) ، كما رواهُ مالكٌ سواءٌ.
-
والثّاني: "والنّاسُ كإبِلٍ مئةٍ، لا تكادُ تجِدُ فيها راحِلةً" . رواهُ سالمٌ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٥) . كذلك رَوى الزُّهريُّ هذا الحديث، والذي قبلهُ عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
ورواهُ ابنُ عَجْلانَ وغيرُهُ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: قال عُمرُ: النّاسُ كإبِلٍ مئةٍ لا تُوجَدُ فيها راحِلةٌ (٦) .
-
والثّالثُ: حديثُ يحيى بن أبي كَثيرٍ، قال: حدَّثني أبو قِلابَةِ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في قِصَّةِ النّار: أنَّها تخرُجُ فتَحْشُرُ النّاس (٧) .
vol. 8, p. 380ورواهُ عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن كَعْبٍ، قال: تخرُجُ نارٌ ... الحديث (١) .
قال أبو عُمر: قد رُوي حديثُ: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ للبائع ... " الحديثَ. عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولا يصِحُّ ذلك عندَ أهل العِلم بالحديثِ، وإنَّما هُو لنافِع، عن ابن عُمرَ، عن عُمرَ، قولُهُ. كذلك رواهُ الحُفّاظُ من أصحابِ نافِع، منهُم: مالكٌ، وعُبيدُ الله بن عُمر.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفضَّل، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من باعَ نَخْلًا قد أبَّرها، فإنَّ ثَمَرها للذي باعَها، إلّا أن يَشْترِط المُشْتري" . قال: وقال عُمرُ: من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُشْتري (٢) .
-
وكذلك رواهُ ابنُ نُمَير، وعَبْدةُ بن سُليمانَ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، الحديثينِ، قِصَّةَ النَّخل مرفُوعةً، وقِصَّةَ العَبْدِ من قول عُمرَ (٣) .
- vol. 8, p. 381
حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله (١) بن جعفرِ بن الوردِ والحُسينُ بن جعفرٍ، قالا: حدَّثنا يوسُفُ بن يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عبدِ الحَكَم، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيُّما امرِئ أبَّرَ نخلًا، ثُمَّ باعَ أصلها، فللذي أبَّرَ ثمَرُ النَّخل، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ" (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ بن عبدِ الرَّزّاق (٤) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٦) : حدثنا (٧) سُفيانَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فمالُهُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ، ومن باعَ نَخْلًا مؤبَّرًا، فالثَّمَرُ للبائع، إلا أن يَشْترطَ المُبْتاع" (٨) .
- vol. 8, p. 382
وكذلكَ رِوايةُ عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن (١) عُمر، في قِصَّةِ النَّخل، وقِصَّةِ العبدِ جميعًا مرفُوعان (٢) . كما روى ذلك سالمٌ سواءٌ، وهُو الصَّوابُ، والله أعلمُ.
-
وقرأتُ على سعيدِ بن نصر، أنَّ قاسمَ بن أصْبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم بن عبدِ الله، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من باعَ نَخْلًا بعدَ أن تُؤَبَّر، فثَمَرها للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ، ومن باعَ عبدًا ولهُ مالٌ، فالمالُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ المُبتاعُ" .
-
وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، قال: سُئلَ سعيدٌ عن الرَّجُل يبيعُ النَّخلَ، أوِ المملُوكَ، فأخبرنا عن نافِع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيُّما رجُلٌ باعَ نَخْلًا قد أُبِّرتْ، فثَمَرتُها لرَبِّها الأوَّل، إلّا أن يَشترط المُبتاعَ" (٤) (٥) .
قال أبو عُمر: هكذا يقولُ جماعةُ الحُفّاظِ في حديثِ ابن عُمرَ هذا، في قِصَّةِ النَّخل، وفي قِصةِ العَبْدِ: "يشترِطُ" بلا هاءٍ، لا يقولُون: يشترِطُها، في النَّخل، ولا: يشترِطُهُ، في العبدِ، ومعلُومٌ أنَّ الهاءَ لو وردت في هَذينِ الحديثينِ، لكانت ضميرًا
vol. 8, p. 383في: يَشْترِطُها، عائدًا على ثمَرةِ النَّخل، وفي: يشترِطُهُ، ضميرًا عائدًا على مال العبدِ، فكأنَّهُ قال: إلّا أن يشترِطَ المُبتاعُ شيئًا من ذلك.
-
وفي سُقُوطِ الهاءِ من ذلكَ، دليلٌ على صِحَّةِ ما ذهَبَ إليه أشهبُ، في قوله: جائزٌ لمنِ ابتاعَ نَخْلًا قد أُبِّرت، أن يَشْترِطَ من الثَّمرةِ نِصفها، أو جُزءًا منها، وكذلك في مالِ العَبْدِ، جائزٌ أن يَشْترِط نِصفهُ، أو يَشْترِطَ منهُ ما شاءَ، لأنَّ ما جازَ اشتِراطُ جَميعِهِ، جاز اشتِراطُ بعضِه، وما لم يَدْخُل الرِّبا في جَميعِهِ، فأحرى أن لا يُدْخُلَ في بعضه.
-
هذا قولُ جُمهُورِ الفُقهاءِ في ذلك، وكلٌّ على أصلهِ، على (١) ما سنُوضِّحُهُ إن شاءَ الله.
وقال ابنُ القاسم: لا يجُوزُ لمُبتاع النَّخلِ المُؤَبَّرِ، أن يشترِطَ منها جُزءًا، وإنَّما لهُ أن يَشْترِطَ جميعها، أو لا يَشْترِطَ شيئًا منها (٢) .
-
وجُملةُ قول مالكٍ، ومذهبُ ابن القاسم فيمَنْ باع حائطًا من أصْلهِ، وفيه ثمَرةٌ لم (٣) تُؤَبَّرُ، فثَمرُهُ للمُشْتَري، وإن لم يَشْترِطهُ، وإن كانتِ الثَّمرةُ قد أُبِّرت، فثَمرُهُ للبائع، إلّا أن يَشْترِطهُ المُبتاعُ، فإن لم يَشْترِطهُ المُبتاعُ، ثُمَّ أرادَ شِراءَ الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِهِ من بَعدِ شِراءِ الأصْلِ بلا ثَمَرِهِ، فجائزٌ لهُ ذلك خاصَّةً، لأنَّهُ كان يجُوزُ لَهُ (٤) شِراؤُها مع الأصْلِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ولا يجُوزُ ذلك لغيرِهِ (٥) .
vol. 8, p. 384وقال ابنُ الموّاز: اختلَفَ قولُ مالكٍ في شِراءِ الثَّمَرةِ بعد شِراءِ الأصول، وقد أُبِّرتِ الثَّمَرةُ، فقال: لا يجُوزُ قرُبَ ذلك أو بعُدَ، وكذلك مال العبدُ.
-
وقد قال فيهما أيضًا (١) : إنَّ ذلكَ جائزٌ. قال: والذي أخذَ به ابنُ عبدِ الحَكَم، والمُغيرةُ، وابنُ دينار: أنَّهُ لا يجُوزُ فيهِما، إلّا أن تكونَ مع الأصل (٢) ، ومع العَبْدِ، في صَفْقةٍ واحِدةٍ.
-
وقد روى أشْهَبُ عن مالكٍ القولينِ جميعًا.
-
ولا خِلافَ عن مالكٍ، وأصحابِهِ في مشهُورِ المذهب: أنَّ الثَّمَرةَ إذا اشْتَرطها مُشْتري الأصل، أوِ اشْتَراها بعدُ، أنَّها لا حِصَّةَ لها من الثَّمنِ، ولو أُجيحت كلُّها كانت من المُشتري، ولا يكونُ شيءٌ من جائحتِها على البائع. وكذلك كلُّ ما جازَ اسْتِثناؤُهُ في الشِّراءِ، والكِراءِ من الثِّمارِ، لا جائحةَ فيه، وإنَّما تكونُ الجائحةُ فيما بيعَ مُنفرِدًا من الثِّمارِ، دُونَ أصل. هذا تحصيلُ المذهبِ، وكلُّ رَهْنٍ فيه ثَمَرةٌ قد أُبِّرتْ، فهي رَهنٌ عندَ مالكٍ وأصْحابِهِ، مع الرِّقابِ، وإن كانت لم تُؤَبَّر، فهي للرّاهِنِ.
-
وأمّا الشّافِعيُّ رحِمهُ الله، فقَولُهُ في بَيعْ النَّخلِ بعد الإبارِ وقَبْلهُ، كقولِ مالكٍ سَواءٌ، إلّا أنَّهُ لا يُجيزُ للمُبتاع أن يَشْتري الثَّمَرةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، إذا لم يَشْترِطها في حينِ شِرائهِ النَّخل (٣) . ولم يُفرِّق بينهُ، وبين غيرِهِ، لعُمُوم نَهْي رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثَّمَرةِ حتَّى يبدُو صَلاحُها (٤) .
- vol. 8, p. 385
وأمّا أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، فإنَّهُم ردُّوا ظاهِر هذه السُّنَّةِ ودليلَها بتَأويلهِم. وردَّها ابنُ أبي ليلى (١) رَدًّا مُجرَّدًا، جَهْلًا به (٢) ، والله أعلمُ، وسَنذكُرُ أقوالهم.
-
وظاهِرُ مذهبِ مالكٍ وأصْحابِه: القولُ بهذا الحديثِ جُملةً، لا (٣) يرُدُّونهُ، وَيسْتعمِلُونهُ فيمَنْ باعَ نَخْلًا قد أُبِّرت، أنَّ ثمَرَها للبائع، إلّا أن يَشْترِطها المُبتاعُ. قالوا: وإذا لم تُؤَبَّرِ الثَّمَرةُ، فقد جَعلَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمُبتاع، فإنِ اشْتَرطها البائعُ، لم تجُز، وكأنَّ المُبتاعَ باعَها قبل بُدُوِّ صَلاحِها.
-
ومن باعَ عندَهُم أرضًا فيها زرعٌ لم يَبْدُ صَلاحُهُ، فهُو للبائع، حتَّى يَشْترِطهُ المُبتاعُ. كمأبورِ النَّخل، وما لم يَظْهر من الزَّرع في الأرْضِ، فهُو للمُبتاع بغيرِ شَرْطٍ، كما لم يُؤَبَّر من الثَّمَرِ.
-
ولا بأسَ عندَهم ببيع الأرضِ بزَرْعِها، وهُو أخضرُ، كبيع النَّخْل (٤) بثَمَرِها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، لأنَّ الثَّمرَ والزَّرعَ تَبعٌ لأصِلهِ.
-
وإذا أُبِّر أكثرُ الحائطِ عندَهُم، فهُو للبائع، حتَّى يَشْترِطهُ المُبتاعُ، وإن كان المُؤَبَّرُ أقلَّهُ، فهُو كلُّهُ للمُبتاع.
-
واضْطَربُوا إذا أُبِّر نِصفُهُ، والأظْهَرُ من المذهب: أنَّهُ للمُبتاع، إلّا أن يكونَ النِّصفُ مُفرَّدًا (٥) فيكونُ للبائع حينئذٍ، وإلّا فهُو للمُبتاع.
-
ومنِ ابتاع عندَهُم أرضًا (٦) ، ولم يذكُر شَجَرَها، فهي داخِلةٌ في البيع، كبِناءِ الدّارِ، وكذلك في صدَقَتِها، وأمّا الزَّرعُ فهُو للبائع، حتَّى يَشْترِطهُ المُبتاعُ.
- vol. 8, p. 386
هذا كلُّهُ تحصيلُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ (١) .
-
وأمّا الشّافِعيُّ، فأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: أخبرنا الرَّبيعُ بن سُليمانَ، عن الشّافِعيِّ، قال (٢) : في حديثِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من باعَ نَخْلًا بعد أن تُؤَبَّر، فثَمَرُها للبائع، إلّا أن يَشْترِطَ (٣) المُبتاعُ" فائدتان:
إحداهُما (٤) لا تُشكِلُ: لأنَّ الحائطَ إذا بِيعَ وقد أُبِّر نَخْلُهُ، أنَّ الثَّمَرةَ لبائعه (٥) ، إلّا أن يَشْترِطها المُبتاعُ، فتكونُ مِمّا وَقَعت عليه صَفْقةُ البيع، ويكونُ لهُ حِصَّةٌ من الثَّمنِ.
-
والثّانيةُ: أنَّ الحائطَ إذا بِيعَ، ولم يؤَبَّر نَخْلُهُ، فثمرُهُ للمُشْتري، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إذ حدَّ فقال: "إذا أُبِّر فثَمرُهُ للبائع" . فقد أخبرَ أنَّ حُكمهُ إذا لم يُؤَبَّر، غيرُ حُكمُهُ إذا أُبِّر (٦) فمن باعَ حائطًا لم يُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ للمُشْتري بغيرِ شَرْطٍ استِدلالًا بالسُّنَّةِ.
-
وهُو قولُ اللَّيثِ بن سعدٍ، وداود بن عليٍّ، وأحمد بن حَنْبل والطَّبريِّ.
وقال الشّافِعيُّ: وكلُّ حائطٍ فلهُ حُكمُ نفسِهِ، لا حُكم غيرِهِ، فمن باعَ حائطًا لم يُؤَبَّر، فثَمرُهُ للمُشْتري، وإن أُبِّر غيرُهُ، ومن باعَ ثَمَرةً لم يبدُ صلاحُها في حائطٍ بعينِهِ، لم يجُز، وإن بَدا الصَّلاحُ في مِثلها، في غيرِهِ، لأنَّ كلَّ حائطٍ حُكمهُ بنفسِهِ لا بغيرِهِ.
vol. 8, p. 387وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، والأوزاعيُّ: من باعَ نَخْلًا، فثَمرُها للبائع، إلّا أن يشترِطَ المُبتاعُ، وسواءٌ أُبِّرت، أو لم تُؤَبَّر، هي للبائع أبدًا، إلّا أن يَشْترِطها المُبتاعُ.
وقال ابنُ أبي ليلى: الثَّمَرةُ للمُشْتري، اشترطها، أو لم يَشْترِطها، كسعَفِ النَّخل (١) .
قال أبو عُمر: أمّا الكُوفيُّونَ والأوزاعيُّ، فلا يُفرِّقُونَ بين المُؤَبَّرِ، وغيرِهِ، ويجعلُونَ الثَّمرةَ للبائع، إذا كانت قد ظَهَرت قبلَ البيع. ومن حُجَّتِهِم: أنَّهُ لم يختَلِفْ قولُ من شرطَ التَّأبير إذا (٢) لم تُؤَبَّر حتَّى تناهَتْ وصارَتْ بلَحًا أو بُسرًا، ثُمَّ بيعَ النَّخلُ، أنَّ الثَّمَرةَ لا تدخُلُ فيه. قالوا: فعَلِمنا أنَّ المعْنَى في ذِكرِ التَّأبيرِ، ظُهُورُ الثَّمَرةِ.
قال أبو عُمر: الإبارُ عندَ أهل العِلم في النَّخلِ التَّلقيحُ، وهُو أن يُؤخَذَ شيءٌ من طَلْع النَّخل، فيُدخل بين ظَهْراني طَلْع الإناثِ، ومعنى ذلك في سائرِ الثِّمارِ، ظُهُورُ الثَّمَرَةِ من التِّينِ وغيرِهِ، حتَّى تكون الثَّمَرَةُ مرئيَّةً، منظُورًا إليها.
-
والمُعتَبرُ به عندَ مالكٍ، وأصحابِهِ، فيما يُذكَّرُ من الثِّمارِ التَّذكيرُ، وفيما لا يُذكَّرُ، أن يثبُتَ من نوّارِهِ ما يثبُتُ، ويسقُطَ ما يسقُطُ. وحدُّ ذلك في الزَّرع، ظُهُورُهُ من الأرْضِ؛ قالهُ مالكٌ. وقد رُوِيَ عنهُ: أنَّ إبارهُ، أن يتَحبَّب.
قال أبو عُمر: لم يختلفِ العُلماءُ: أنَّ الحائطَ إذا انشقَّ طَلْعُ إناثِهِ، فأُخِّر إبارُهُ، وقد أُبِّر غَيرُهُ مِمَّن حالُهُ مِثلُ حاله: أنَّ حُكمهُ، حُكمُ ما أُبِّر، لأنَّهُ قد جاءَ عليه وقتُ الإبارِ، وظَهَرتْ ثمرتُهُ بعد تَغيُّبِها في الجفِّ (٣) ، فإن أُبِّر بعضُ الحائطِ، كان ما لم يُؤَبَّر تبعًا لهُ، كما أنَّ الحائطَ إذا بَدا صلاحُهُ، كان سائرُ الحائطِ تبعًا لذلك الصَّلاح، في جَوازِ بيعِهِ.
- vol. 8, p. 388
وأصلُ الإبار: أن يكونَ في شيءٍ منهُ الإبارُ، فيَقَعُ عليه اسمُ أنَّهُ قد أُبِّر، كما لو بَدا صلاحُ شيءٍ منهُ. وهذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ وغيرِهِ من الفُقهاءِ.
قال الشّافِعيُّ (١) : والكُرسُفُ إذا بيعَ أصلُهُ، كالنَّخلِ إذا خرَجَ جوزُهُ، ولم يَتَشقَّق فهُو للمُشتري، وإذا انشقَ فهُو للبائع، مِثلُ الطَّلع قبل الإبارِ وبعدهُ.
قال: ومن باعَ أرضًا فيها زرعٌ، قد خرجَ من الأرضِ، فالزَّرعُ للبائع، إلّا أن يشترِطهُ المُبتاعُ.
قال أبو عُمر: وهُو قولُ مالكٍ وأصحابِهِ: إذا ظهرَ الزَّرعُ واستَقلَّ، فإن لم يَظْهرِ الزَّرعُ، ولم يخرُج، ولم يستقِلَّ، لم يجُز لمُبتاع الأرضِ استِثناؤُهُ. واشتِراطُهُ قولُ الشّافِعيِّ ومالكٍ في ذلك سواءٌ.
قال الشّافِعيُّ (٢) : فإن لم يَشْترِطِ المُبتاعُ الزَّرعَ، كان للبائع، فإن كان الزَّرعُ مِمّا يبقى لهُ أصُولٌ في الأرضِ تُفسِدُها، فعلى صاحِبِ الزَّرع نزعُها عن رَبِّ الأرضِ، إن شاءَ ربُّ الأرضِ. قال: وهذا إذا باعَهُ أرضًا فيها زَرْعٌ يُحصَدُ مرَّةً واحِدةً. وأمّا القَصبُ، فمن باعَ أرضًا فيها قَصَبٌ قد خرجَ من الأرضِ، فليسَ لهُ منهُ إلّا جَزَّةٌ واحِدةٌ، وليسَ لهُ قلعُهُ من أصْلهِ، لأنَّهُ أصلٌ. قال: وكلُّ ما يُجزُّ مِرارًا من الزَّرع، فمِثلُ القَصَبِ في الأصل والثَّمَرةِ، لا يُخالفُهُ.
قال أبو عُمر: أمّا أصحابُ مالكٍ، فإنَّهُم يُجيزُونَ بيعَ القَصبِ، والمَوزِ من عام إلى عام، إذا بَدا صلاحُ أوَّلهِ، وأمّا القُرْطُ (٣) فيُباعُ عندَهُم إذا بَدا صلاحُ أوَّلهِ على آخِرِهِ.
- vol. 8, p. 389
وكذلكَ قصبُ السُّكَّرِ، ويكونُ للمُشْتري من القُرطِ أعْلاهُ، وأسفلُهُ، ولا يجُوزُ أن يَشْترِطَ إبقاءَ خِلْفتِهِ برسيمًا (١) .
-
وتحصيلُ مذهَبِ مالكٍ، فيمَنْ حبَّسَ حائطًا لهُ بعدَ موتِهِ، أو تصدَّقَ به، أو أوْصَى ثُمَّ ماتَ، وقد أُبِّرت ثمَرَةُ الحائطِ، فإنَّ الثَّمَرَةَ للورَثةِ، لأنَّها كالوِلادةِ، فإن ماتَ قبلَ أن تُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ تَبَعٌ للحُبسِ والصَّدَقةِ والوَصيَّةِ.
-
وكذلك الشُّفعةُ فيما قد أُبِّرَ، الثَّمرةُ للمُسْتشفِع منهُ، لأنَّهُ كبيع حادِثٍ، وإن لم تُؤَبَّر، فالثَّمَرةُ للآخِذِ بالشُّفعة.
-
وفي هذه المسائل اختِلافٌ بين أصْحابِ مالكٍ، يَطُولُ اجتِلابُ ذلك.
قال أبو عُمر: قد ذكَرْنا ما للفُقهاءِ في بيع النَّخل المُؤَبَّرِ، وغيرِ المُؤَبَّرِ، واختِلافُهُم في معنَى هذا (٢) الحديثِ، والقولُ به، وتصريفِ وُجُوهِهِ.