مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 6 of 79

  1. وأمّا مالُ العَبْدِ، فليسَ اختِلافُهُم فيه، من جِنْسِ اختِلافِهِم في اشْتِراطِ ثَمَرِ (٣) النَّخل يُباعُ أصْلُه، ولكنّا نذكُرُ ما لهم في ذلكَ من القولِ ها هُنا، فهُو أوْلَى المواضِع به في كِتابِنا هذا، لأنَّ نافِعًا جعَلَ الحديث في مالِ العَبْدِ من قولِ عُمرَ، فلذلكَ لا مدخَلَ لهُ في مُسْندِ هذا الباب (٤) ، وبالله توفيقُنا (٥) .

    قال مالكٌ رَحِمهُ الله: الأمرُ المُجتَمعُ عليه عندَنا: أنَّ المُبتاعَ إذا اشْتَرطَ مالَ العبدِ، فهُو لهُ، نقدًا كان أو دينًا أو عَرْضًا، يُعلَمُ أو لا يُعلمُ، وإن كان للعَبْدِ

    vol. 8, p. 390من المال، أكثرُ مِمّا اشْتُرِيَ به، كان ثمنُهُ نقدًا أو دينًا (١) ، وذلكَ أنَّ مالَ العبدِ لا تجِبُ فيه الزَّكاةُ (٢) .

    قال ابنُ القاسم: ويجُوزُ لمُبتاع العبدِ أن يَشْترِطَ مالهُ، وإن كان مجهُولًا، من عَيْنٍ أو عرضٍ، بما شاءَ من ثَمنٍ، نقدًا أو إلى أجل.

    قال أبو عُمر: هذا ما لا أعلمُ فيه خِلافًا عن مالكٍ وأصحابِه: أنَّهُ يجُوزُ أن يُشْترَى العبدُ ومالُه بدراهِم إلى أجَل، وإن كان مالُهُ دراهِمَ ودنانيرَ، أو عُرُوضًا، وأنَّ مالهُ كلَّهُ تَبعٌ، كاللَّغوِ لا يُعتَبرُ فيه (٣) إذا اشْتُرطَ ما يُعتبرُ به في الصَّفقةِ المُفرَدةِ.

    vol. 8, p. 389
  2. وكان الشّافِعيُّ يقولُ ببغدادَ نحوَ قولِ مالكٍ هذا، وذكَرَ الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ، عن الشّافِعيِّ، في الكِتابِ البَغْداديِّ، أنَّهُ قال: اشتِراطُ مال العَبْدِ جائزٌ بالخبرِ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال: حُكمُهُ حُكمُ طُرُقِ الدّارِ ومسايلِ مائها، فيَجُوزُ البيعُ إذا كان إنَّما قُصِدَ به قَصْدُ البيع للعبدِ خاصَّةً، ويكونُ المالُ تَبعًا في المعنى، ليسَ معناهُ معنَى عَبْدينِ قُصِدَ قَصْدُهُما بالبيع. وهُو قولُ أبي ثورٍ أيضًا.

    قال الشّافِعيُّ: فإن قيلَ: كيفَ يجُوزُ أن يملِكَ بالعَقْدِ، ما لو قصدَ قَصدَه على الانفِرادِ لم يجُز؟ فقد أجازُوا بيعَ الطُّرُقِ والمَسايل (٤) والآبارِ، وما سمَّينا مع الدّارِ، ولو قَصَدَ قَصْدَها على الانْفِرادِ لم يَجُزْ (٥) . وقولُ عُثمان البتِّيِّ مِثلُ ذلكَ أيضًا، قال: إذا باعَ عبدًا، ولهُ مالٌ ألفُ دِرهم، فباعَهُ بألفِ دِرهم، فالبيعُ جائزٌ، إذا كانت رَغْبةُ المُبتاع في العَبْدِ، لا في الدَّراهِم التي لهُ (٦) .

  3. وقال الشّافِعيُّ بمصرَ في كِتابِهِ المِصريِّ، ذكرهُ عنهُ الرَّبيعُ والمُزنيُّ والبُويطيُّ: لا يجُوزُ اشتِراطُ مال العَبْدِ، إذا كان لهُ مالٌ فِضَّةٌ، فاشْتَراهُ بفِضَّةٍ، أو ذَهَبٍ، فاشتراهُ بذَهَبٍ، إلّا أن يكون مالُهُ خِلاف الثَّمنِ، أو يكونَ عُرُوضًا، كما يكونُ في سائرِ البُيُوع، الصَّرفِ وغيرِهِ، والمال والعَبْدُ، كشَيئينِ (١) بِيعا صَفْقةً واحِدةً. وهذا قولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ.

    vol. 8, p. 391
  4. وبيعُ العَبْدِ ومالهِ، عندهم كمَنْ باع شَيْئين (٢) لا يجُوزُ في ذلكَ، إلّا ما يجُوزُ في سائرِ البُيُوع. ولا يجُوزُ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه: أن يُباعَ العَبْدُ (٣) بألفِ دِرْهم ولهُ ألفُ دِرهم، حتَّى يكونَ مع الألفِ زيادةٌ, فيكونُ الألفُ بالألفِ، وتكونَ الزِّيادةُ ثمنًا للعَبْدِ (٤) على أصْلهِم في الصَّرفِ، وبيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، إذا كان مع أحدِهِما عَرْضٌ.

  5. وحجَّةُ من قال هذا القول وذهَبَ هذا المذهَبَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يجعَلْ مالَ العبدِ للمُبتاع إلّا بالشَّرطِ، فكان ذلك عندَهُم، كبَيعْ دابَّةٍ ومالٍ غيرها.

  6. والعبدُ عندَ الشّافِعيِّ في قولهِ بمِصرَ، وعندَ أبي حنيفةَ وأصْحابِه (٥) ، لا (٦) يملكُ شيئًا، ولا يجُوزُ لهُ التَّسرِّي فيما بيَدِهِ، أذِنَ لهُ مولاهُ، أو لم يأذَنْ، لأنَّهُ لا يَصِحُّ لهُ مِلكُ يَمينٍ، ما دام مملُوكًا، لأنَّهُ يَسْتحيلُ أن يكونَ مالكًا مملُوكًا في حال.

    vol. 8, p. 392وقال مالكٌ وأصحابُهُ: العبدُ (١) يملكُ مالهُ، كما يملكُ عِصْمةَ نِكاحِهِ، وجائزٌ لهُ التَّسرِّي فيما ملَكَ.

  7. وحُجَّتُهُم قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من باعَ عبدًا ولهُ مالٌ" (٢) . فأضافَ المالَ إليه، وقال الله عزَّ وجلَّ: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ٢٥] فأضافَ أُجُورهُنَّ إليهنَّ، إضافَةَ تمليكٍ. وهذا كلُّهُ قولُ داودَ أيضًا، وأصْحابِهِ، إلّا أنَّ داودَ يجعلُهُ مالكًا مِلْكًا صحيحًا، ويُوجِبُ عليه زكاةَ الفِطْرِ والزَّكاةَ في مالهِ.

  8. ومن الحُجَّةِ لمالكٍ أيضًا: أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان يأذنُ لعبيدِهِ في التَّسرِّي فيما بأيديهِم (٣) ، ولا مُخالفَ لهُ من الصَّحابةِ، ومُحالٌ أن يَتَسرَّى فيما لا يملكُ، لأنَّ الله لم يُبِح الوَطْءَ إلّا في نِكاح، أو مِلْكِ يمينٍ.

  9. وجعل الشّافِعيُّ والعِراقيُّون، ومن قال بقولهِم، إضافَةَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مالَ العَبْدِ إلى العَبْدِ، كإضافَةِ ثَمرِ النَّخلِ إلى النَّخل، وكإضافةِ بابِ الدّارِ إلى الدّارِ، بدليل قوله: "فمالُهُ للبائع" . أي: فمالُهُ للبائع حَقِيقةً. قالوا: والعَرَبُ تقولُ: هذا سَرْجُ الدّابَّةِ، وغَنَمُ الرّاعي. ولا تُوجِبُ هذه الإضافةُ تمليكًا، فكذلكَ إضافةُ مالُ العبدِ إليه عِندهُم.

  10. ومن حُجَّتهم (٤) أيضًا، الإجماعُ على أنَّ للسَّيِّدِ انتِزاعَ مالِ عبدِهِ من يَدِهِ، فلو كان مِلْكًا صحيحًا، لم يُنتزع منهُ. وإجماعُهُم على أنَّ مالَهُ لا يُورَثُ عنهُ وأنَّهُ لسيِّدِهِ.

  11. والحُجَّةُ لكِلا القولينِ تكثُرُ وتطُولُ، وقد أكثرَ القومُ فيها وطوَّلُوا، وفيما ذكَرْنا ولوَّحنا وأشَرْنا إليه كِفايةٌ.

  12. ولا يُجيزُ هؤُلاءِ للعَبدِ أن يتَسرَّى، ولا يحِلُّ لهُ عِندهُم وَطْءُ فَرْج، إلّا بنِكاح صَحيح.

    وقال الحسنُ والشَّعبيُّ: مالُ العبدِ تَبعٌ لهُ أبدًا في البَيع والعِتقِ جميعًا، لا يحتاجُ مُشْتريهِ فيه إلى اشْتِراطٍ. وهذا قولٌ مَرْدُودٌ بالسُّنَّةِ، لا يُعرَّجُ عليه.

    وقال مالكٌ وابنُ شِهاب وأكثرُ أهل المدينة: إذا أُعتِقَ العبدُ تَبِعهُ مالُهُ، وفي البَيْع لا يَتْبعُهُ مالُهُ، وهُو لبائعِه (١) .

    vol. 8, p. 393
  13. ورُوِيَ بنحوِ هذا القول في العِتْقِ أيضًا خَبرٌ مرفُوعٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ ابن عُمرَ (٢) . ولكنَّهُ خطأٌ عندَ أهل العِلم بالنَّقل (٣) .

  14. ورَوَى أصْبَغُ، عن ابن القاسم، قال: إذا وهَبَ الرَّجُلُ عبدَهُ لرَجُل، أو تصدَّقَ به عليه، فمالُ العبدِ للواهِبِ والمُتصدِّقِ. قال: وإذا أوْصَى بعَبدِهِ لرَجُل، فمالُهُ للمُوصَى لهُ.

    قال أصبغُ: بل كلُّ ذلك واحِدٌ، وهُو للموهُوبِ لهُ والمُتصدَّقِ عليه، ولا يكونُ المالُ للسَّيِّدِ، إلّا في البيع وحدَهُ، لأنَّ الصَّدَقاتِ تُشبِهُ العِتقَ، لأنَّ ذلكَ (٤) كلَّهِ قُربانٌ.

  15. ولم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، في العبدِ يَعتَقُ بأيِّ وَجْهٍ عَتَقَ، أنَّ مالَهُ تَبعٌ لهُ، ليسَ لسيِّدِهِ منهُ شيءٌ، إلّا أن يَنْتزِعهُ منهُ قبلَ ذلكَ، وسَواءٌ كان العِتقُ بَتْلًا (١) ، أو إلى أجَل، أو في (٢) وصيَّةٍ، أو عِتقٍ بالحِنثِ، أو بالنَّسبِ، مِمَّن يُعتَقُ على مالكِهِ، أو عتقَ بالمُثلةِ، كلُّ ذلكَ يتبَعُ العبد فيه مالُهُ، وكذلك المُدبَّرُ (٣) .

    vol. 8, p. 394
  16. واتَّفقَ ابنُ القاسم وابنُ وَهْب، في العَبدِ يُمثِّلُ به مولاهُ، وهُو مَحجُورٌ عليه سفيهٌ: أنَّهُ يُعتَقُ عليه. واختلَفا في مالِ ذلك العبدُ، فقال ابنُ القاسم: لا يَتْبعُهُ مالُهُ. وقال ابنُ وَهْب: يَتْبعُهُ مالُهُ. وبه قال أصبغُ.

    وقال الشّافِعيُّ بمِصر والكُوفيُّون: إذا عَتَق العَبْدُ، أو بِيعَ، لم يَتْبعهُ مالُهُ، ولا مال لهُ ولا مِلْكَ إلّا مجازًا واتِّساعًا، لا حقيقةً (٤) .

  17. حديثٌ خامِسٌ لنافِع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْع الثِّمارِ حتَّى يَبْدُو صَلاحُها، نَهَى البائع والمُشْتَرِيَ.

    vol. 8, p. 395
  18. قد مَضَى القولُ في مَعْنى (٢) هذا الحديثِ، في بابِ حُميدٍ الطَّويل، من كِتابِنا هذا.

  19. ورواهُ أيُّوبُ، عن نافِع، فزادَ فيه (٣) ألفاظًا.

  20. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْع النَّخلِ حتَّى تُزْهِيَ، وعنِ السُّنبُل حتَّى يَبْيضَّ، نَهَى البائعَ والمُشترِيَ (٤) .

  21. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ (٦) ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْع النَّخل حتَّى تَزْهُو، وعنِ السُّنبُل، حتَّى يبيضَّ ويأمَنَ العاهَةُ، نَهَى البائعَ والمُشترِيَ.

  22. وقد رَوَى حمّادُ بن سلَمَةَ، عن حُميدٍ، عن أنَس، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع العِنَبِ حتَّى يَسْودَّ، وعن بيع الحبِّ حتَّى يَشْتدَّ (١) .

    vol. 8, p. 396
  23. وقد كان الشّافِعيُّ مرَّةً يقولُ: لا يجُوزُ بيعُ الحبِّ في سُنبُلهِ، وإنَّ اشتدَّ، واسْتَغنى عن الماءِ. ثُمَّ بلَغَهُ هذا الحديثُ، فرجعَ إلى القولِ به، وأجازَ بَيْع الحِنْطةِ زرعًا في سُنبُلهِ، قائمًا على ساقِهِ إذا يبِسَ، واسْتَغنى عن الماءِ، كقولِ سائرِ العُلماءِ، وهُو ما لا خِلافَ فيه عن جَماعةِ فُقهاءِ الأمْصارِ، وأهل الحديثِ.

  24. وقد رُوِيَ عن ابن شِهاب: أنَّهُ أجازَ بَيْعهُ فَرِيكًا قبلَ أن يشتدَّ. وخالَفهُ مالكٌ وغيرُهُ، ومالُوا إلى ظاهِرِ الحديث: حتَّى يبيضَّ ويَشْتدَّ، ويستغني عن الماءِ.

  25. ومن قول الشّافِعيّ: أنَّ كلَّ ثمَرَةٍ وزَرْع دُونها حائلٌ من قِشْرٍ، أو أكمام، وكانت إذا صارَتْ إلى مالكيها، أخرَجُوها من قِشْرِها وأكمامِها ولم تَفْسُد بإخراجِهِم لها. قال: فالذي أختارُ فيها: أن لا يجُوز بَيْعُها في شَجَرِها، ولا موضُوعةً بالأرضِ للحائلِ دُونها (٢) .

  26. وحُجَّتُهُ في ذلكَ: الإجماعُ على لحم الشّاةِ المذبُوحةِ غيرِ المسلُوخة، أنَّهُ لا يجُوزُ بيعُهُ حتَّى تُسلَخَ، وتُخرج من الجِلدِ. قال: ولم أجِد أحدًا من أهلِ العِلْم

    vol. 8, p. 397يُجيزُ أخذ عُشْر الحِنْطةِ في أكمامِها، ولا عُشْرِ الحُبُوبِ ذَواتِ الأكمام، ولا بيعَها محصُودةً مدرُوسةً في التِّبنِ، غير مُنقّاةٍ.

    قال أبو عُمر: لم يُجمِعُوا على كراهيةِ بيع الشّاةِ المذبُوحةِ قبل السَّلخ، لأنَّ أبا يُوسُف يُجيزُ بيعها كذلك، ويرى السَّلخ على البائع، وأجاز بيع الطَّعام في سُنبُلهِ، وجعل على البائع تخليصهُ من تِبنِهِ وتمييزهُ (١) .

  27. والذي حكى الشّافِعيُّ عليه الجُمهُورُ.

  28. وذكر ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئهِ" عن مالك: أنَّهُ سُئل عن الدّاليةِ (٢) تكونُ على ساقٍ واحدة فيَطِيبُ منها العُنقُودُ والعُنقُودانِ. فقال مالكٌ: إذا كان طِيبُهُ مُتتابِعًا فاشيًا، فلا بأسَ بذلكَ. قال: ورُبَّما أزْهَى بعضُ الثَّمرِ واسْتَأخرَ بعضُهُ جِدًّا، فهُو الذي يُكرَهُ.

    قال: وسُئل مالكٌ عن الرَّجُل يبتاعُ الحائطِ فيه أصْنافٌ من الثَّمرِ، قد طابَ بعضُهُ، وبعضُهُ لم يَطِب، فقال: ما يُعجِبُني.

    قال: وسُئلَ مالكٌ عن بَيْع الأعْنابِ والفَواكِهِ من الثِّمارِ، فقال: إذا طابَ أوَّلُها وأُمِنَ عليها العاهَةُ، فلا بأس ببيعِها.

    قال: وسُئلَ عن الحائطِ الذي تُزْهي فيه أربَعُ نَخَلاتٍ أو خمسٌ، وقد تَعجَّل زَهْوُه قبلَ الحَوائطِ، أترى أن تُباع ثَمَرتُهُ؟ قال: نعم لا بأسَ به، وإن تَعجَّلَ قبل الحوائطِ.

    قال: وسُئلَ عن الحائطِ ليسَ فيه زُهُوٌ، وما حَوْلهُ قد أزْهَى، أتَرَى أن تُباعَ ثَمرُهُ، وليس فيه زُهُوٌ؟ قال: نعم لا أرَى به بأسًا، إذا كان الزَّمنُ

    vol. 8, p. 398قد أُمِنَت فيه العاهاتُ، فأزْهَتِ الحَوائطُ حولهُ، وإن لم يُزْهِ هذا، لأنَّ منها ما يتأخَّرُ (١) .

    قال: وسُئلَ عن الرَّجُل يبيعُ الثِّمارَ من النَّخيلِ والأعْنابِ، بعد أن تَطِيبَ، على من سَقيُها؟ فقال: سَقْيُها على البائع. قال: ولولا أنَّ السَّقي على البائع، ما اشتراهُ المُشْتري.

    قال: وقال مالكٌ بوَضْع الجائحةِ في الثَّمَرةِ إذا كانت من قِبَلِ الماءِ، قليلةً كانت أو كثيرةً، وإن كانت أقلَّ من الثُّلُثِ. قال: وليسَ الماءُ كغيرِهِ، لأنَّ ما جاءَ من قِبَلِ الماءِ، فكأنَّهُ جاءَ من قِبَلِ البائع.

    وقال الشّافِعيُّ: لو كان لرَجُلٍ حائطٌ آخر فأزْهَى حائطُ جارِهِ إلى جَنْبِهِ وبَدا صَلاحُهُ، حلَّ بيعُهُ، ولم يحِلَّ بيعُ هذا الحائطِ الذي لم يبدُ صَلاحُ أوَّلهِ. قال: وأقلُّ ذلك، أن تُزهي في شَيءٍ منهُ الحُمرةُ والصُّفرةُ (٢) ، ويُؤكَلُ شيءٌ منهُ.

    قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في هذا البابِ مُستَوعبًا، وفي الجائحةِ فيه، وفي أكْثرِ مَعانيهِ، في بابِ حُميدٍ الطَّويل من كِتابِنا هذا، وجَرَى منهُ ذِكرٌ صالحٌ في بابِ أبي الرِّجالِ منهُ أيضًا، وذكَرْنا منهُ ها هُنا ما لم يَقَع ذِكرُهُ في ذينك البابينِ.

  29. وأمّا الآثارُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا البابِ، فمُختلفةُ الألفاظِ، مُتَّفِقةُ المعنَى (٣) ، مُتقارِبةُ الحُكم، بعضُها فيه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمارِ حتَّى يَبْدُو صَلاحُها. وفي بعضِها: حتَّى تُطْعِم. وفي بعضِها: حتَّى تُزهِيَ. وفي بعضِها: حتَّى تحمرَّ وتصفرَّ. وفي بعضِها: حتَّى تُشْقِحَ. ومعنى تُشْقِحُ عندَهُم: تحمرُّ أو تَصْفرُّ، ويُؤكَلُ منها. وفي بعضِها: طُلُوعُ الثُّريّا.

  30. وهي كلُّها آثارٌ ثابتةٌ محفُوظةٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث: ابن عُمرَ (١) ، وأبي هُريرةَ، وجابرٍ، وابنِ عبّاس، وأبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وغيرِهِم.

    vol. 8, p. 399
  31. ولا خِلافَ بين العُلماء: أنَّ جميعَ الثِّمارِ داخِلٌ في معْنَى ثَمرِ النَّخل، وأنَّهُ إذا بَدا صَلاحُهُ، وطابَ أوَّلُهُ حلَّ بيعُهُ.

  32. وإنَّما اخْتَلف مالكٌ والشّافِعيُّ في الحائطِ إذا أزْهَى غيرُهُ قُرْبهُ ولم يُزهِ هُو، هل يحِلُّ بيعُهُ؟ على ما ذكَرْنا عنهُما.

  33. وقد رُوِيَ عن مالكٍ مِثلُ قول الشّافِعيِّ، والأوَّلُ عنهُ أشهرُ.

  34. وتحصيلُ مذهَبِ مالكٍ في ذلك: أنَّ الزَّمَن إذا جاءَ منهُ ما يُؤمَنُ مَعهُ على الثِّمارِ العاهَةُ، وبَدا صَلاحُ جِنسٍ ونوع منها، جازَ بيعُ ذلك الجِنْسِ والنَّوع، حيثُ كان من تلك البَلْدةِ.

  35. وكان يَلْزمُ الشّافِعيِّ أن يقول مِثل قولِ مالكٍ هذا، قِياسًا على قولهِ في الحائطِ إذا تأخَّر إبارُهُ وأُبِّر غيرُهُ، فإنَّهُ راعَى الوقتَ في ذلكَ، دُونَ الحائطِ، وراعى في بيع الثِّمارِ الحائطَ بنفسِهِ. وهُو أمرٌ مُتقارِبٌ، ولكلِّ واحِدٍ منهُما وجهٌ تدُلُّ عليه ألفاظُ الأحاديثِ لمن تَدبَّرها، وذلك واضِحٌ يُغني عن القولِ فيهِ.

  36. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْع الثِّمارِ حتَّى يبدُو صَلاحُها (٢) .

  37. حدَّثنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ الخَصِيبيُّ (١) ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدِ بن الحسنِ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى البَلْخيُّ بطرسُوسَ (٢) سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ ومِئَتينِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن الحارِثِ المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا شِبلُ بن عبّادٍ المكِّيُّ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، وابنِ عبّاس، وابنِ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بيع الثِّمارِ، حتَّى يبدُو صَلاحُها (٣) .

    vol. 8, p. 400
  38. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن الأشعث، قال (٤) : حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن خلّادٍ الباهِليُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن سُليم بن حيّانَ (٥) ، عن سَعيدِ بن مينا، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُباعَ الثَّمَرةُ حتَّى تُشْقِحَ. قيل: وما تُشْقِحُ؟ قال: تَحْمارُّ وتَصْفارُّ (٦) ويُؤكَلُ منها.

  39. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نَصْرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسلمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابر: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع النَّخل حتَّى يُطْعِمَ (١) .

    vol. 8, p. 401
  40. ويجُوزُ عندَ مالكٍ، وأصْحابِهِ بَيْعُ المُغيَّبِ في الأرضِ (٢) ، نحو الفُجْل، والجَزرِ، واللِّفتِ، حينَ يبدُو صلاحُهُ، ويُؤكَلُ منهُ، ويكونُ ما قُلِعَ (٣) منهُ ليس بفسادٍ. وكذلك البُقُولُ، يجُوزُ فيها بَيْعُها إذا بَدا صلاحُها وأُكِلَ منها، وكان ما قُطِعَ (٤) منها ليسَ بفسادٍ.