جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

284 paragraphs · vol. 2, p. 69

Page 3 of 8

  1. وقد رَوَينا عن عائشةَ، وعروةَ بن الزبير، كراهيةَ أنْ يطوفَ أحد بين الصَّفا والمَرْوة راكبًا (٤) ، وهو قولُ جماعةِ الفقهاء.

    vol. 2, p. 97
  2. فأمّا مالكٌ فلا أحفَظُ له فيه نصًّا، إلّا أنّه قال: مَن طاف بالبيت محمولًا أو راكبًا من غير عُذْرٍ لم يُجْزِئْه، وأعادَ (٥) .

  3. وكذلك السَّعيُ بين الصَّفا والمروة عندي في قوله، بل السَّعيُ أوكَدُ ماشيًا؛ لِما ورَد فيه من اشتِدَادِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سَعْيِه ماشِيًا على قدَمَيْه.

    vol. 2, p. 98وقال مالكٌ: أنّه إن سَعَى أحدٌ حاملًا صبيًّا بين الصَّفا والمروة، أجزَأه عن نفسِه وعن الصبيِّ، إذا نَوَى بذلك. وقال في الطَّائف بالبيت محمولًا: إن رَجَع إلى بلادِه كان عليه أن يُهَريقَ دَمًا (١) .

    وقال الليثُ بن سَعْدٍ: الطوافُ بالبَيْت وبين الصَّفا والمَرْوةِ سواءٌ، لا يُجْزِئُ واحدٌ منهما راكبًا إلّا أنْ يكونَ له عذْرٌ. وكذلك قال أبو ثَوْر (٢) : من سَعَى بين الصَّفا والمروة راكبًا لم يُجْزئْه، وعليه أن يُعيدَ.

    وقال مجاهدٌ (٣) : لا يركَبُ إلّا من ضرورةٍ، وهو قولُ مالكٍ.

    وقال الشافعيُّ (٤) : لا ينبغي له أن يطوفَ بالبيت ولا يسعَى راكبًا، فإن فعَلَ فلا دَمَ عليه، من عُذْرٍ كان ذلك أو من غير عُذْرٍ، وذكَرَ أنّ أنسَ بن مالكٍ وعطاءً طافا راكبَيْن.

    وقال أبو حنيفة (٥) : إنْ سَعَى راكبًا بين الصَّفا والمروةِ أعاد ما دام بمكة، وإن رَجَع إلى الكوفة فعليه دمٌ. وكذلك إن طافَ بالبيتِ راكبًا عندَه.

    وقال هشامُ بن عبيد الله، عن محمدِ بن الحسن: لو طاف بأُمِّه حاملًا لها، أجزَأه عنه وعنها، وكذلك لو استأجَرَتِ امرأةٌ رجلًا يطوفُ بها، كان الطوافُ لهما جميعًا، وكانت الأُجْرَةُ له (٦) .

    قال أبو عُمر: قولُ مالكٍ، والليث بن سعدٍ، وأبي ثورٍ، أسعَدُ بظاهرٍ الحديث، وأقْيَسُ في قولِ مَن أوجَبَ السَّعيَ بين الصَّفا والمروة فَرْضًا.

  4. وأمّا قولُ من قال: إنّ رسولَ الله كان شاكيًا، فحُجَّتُه في ذلك حديثُ عكرمة، عن ابن عباسٍ.

    vol. 2, p. 99
  5. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ مكةَ وهو يشْتَكي، فطاف على راحلته، كلّما أتى على الركنِ استلَمَ بمحْجَنٍ، فلمّا فَرَغ من طوافِه أناخ فصلَّى رَكْعتين. ومثلُ هذا قولُه - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ سلمةَ حين اشْتَكَت إليه: "طوفي من وراءِ الناس وأنتِ راكبةٌ" (٢) .

  6. وقد اختلف الفقهاءُ في السَّعي بينَ الصَّفا والمروة على الهيئةِ المذكورةِ فيه، هل هو من فروضِ الحجِّ أو من سُنَنِه؟ فالذي ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، ومن اتَّبَعهما وقال بقولِهما، أنّ ذلك فرضٌ لا ينوبُ عنه الدَّمُ، ولا بُدَّ من الإتيان به، كالطَّواف بالبيتِ الطَّوافَ الواجبَ سواءً. وهو قولُ أحمدَ بن حنبلٍ، وإسحاقَ بن راهُويَةَ، وأبي ثورٍ، وداودَ.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ: السَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ ليس بواجبٍ، فإنْ ترَكَه أحدٌ من الحجَّاج حتى يرجعَ إلى بلادِه جَبَره بالدَّم؛ لأنَّه سنَّةٌ من سُنن الحَجِّ، وسُننُ الحجِّ تُجبَرُ بالدَّم إذا سقَطَ الإتيانُ بها. هذا قولُ الثوريِّ (٣) .

  7. ورُوِي عن قتادةَ والحَسَنِ البصريِّ مثلُه (١) .

    vol. 2, p. 100
  8. وأمّا أبو حنيفة وأصحابُه فقالوا: إن تَرَك أربعةَ أشواطٍ من السَّعْي بين الصَّفا والمروةِ فعليه دمٌ، وإن ترَك أقلَّ كان عليه لكلِّ شوطٍ إطعامُ مسكينٍ نصفَ صَاعٍ من حِنْطَةٍ. قالوا: وإن ترَكَ ذلك في العمرة أو في الحجِّ ناسيًا فعليه دمٌ (٢) .

    وقال قومٌ: هو فرضٌ في العمرة، وليس بفَرضٍ في الحجِّ.

    وقال طاوسٌ: من تَرَك السَّعيَ بينَهما فعليه عُمرةٌ (٣) . واختَلَف فيه قولُ عطاءٍ.

  9. ورُوِيَ عن ابن عباسٍ، وابن الزبير، وأنس بن مالكٍ، وابن سيرينَ، أنّه تطَوُّعٌ.

  10. وحجَّةُ أبي حنيفةَ ومَن قال بقوله في السعي بين الصَّفا والمروةِ أنّه ليس بفَرْض قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحجُّ عرفاتٌ، فمَنْ أدرَكها فقد أدرَكَ الحَجَّ" (٤) . قالوا: فصار ما سواه ينُوبُ عنه الدَّمُ. قالوا: وإنّما السَّعْيُ بين الصَّفا والمروة تَبَعٌ للطَّوافِ، كما أنّ المبيتَ بالمزدَلِفَة تَبَعٌ للوقوفِ بعرَفَة، فلمّا ناب عن المبيتِ بجَمْع الدَّمُ، فكذلك ينُوبُ عن السَّعي الدَّمُ.

    قال أبو عُمر: أمّا الوقوفُ بعرفةَ ففرضٌ مجتمَعٌ عليه، وأمّا المبيتُ أو حُضورُ المزدَلفَةِ للصلاةِ والذِّكر بها، فمختَلَفٌ في فَرْضِه، وإن كان مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافِعيُّ، لا يَرَوْنَه فَرْضًا. وسيأتي ذِكْرُ حُكْمِ الوقوفِ بعرَفَة والمبيتِ بجَمْعٍ في بابِ ابن شهابٍ، عن سالمٍ، إن شاء الله.

  11. والحجَّةُ لمَن أوجَبَ السَّعيَ بين الصَّفا والمروةِ فرضًا على مَن لم يُوجِبْه، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فعَلَه وقال: "خُذوا عنِّي مناسِكَكم" (١) . فصار بيانًا لمُجمَلِ الحَجِّ، فالواجبُ أن يكون فَرْضًا، كبيانه لرَكَعات الصَّلواتِ وما كان مثلَ ذلك إذ لم يُتَّفَقْ على أنّه سُنَّةٌ أو تطَوُّعٌ، وقد قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] . فإن احتَجَّ مُحْتَجٌّ بقراءة ابن مسعودٍ وما في مُصْحَفه، وذلك قولُه: "فلا جُناحَ عليه ألّا يَطَّوَّفَ بهما" . قيل له: ليس فيما سقَطَ من مُصحفِ الجماعةِ حُجَّةٌ؛ لأنّه لا يُقطَعُ به على الله عزّ وجلّ، ولا يُحْكَمُ بأنّه قرآنٌ إلّا بما نَقَلتْه الجماعةُ بين اللَّوحين. وأحسنُ ما رُوِيَ في تأويل هذه الآية ما ذكَرَه هشامُ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت مَناةُ على ساحل البحر، وحولَها الفُرُوثُ والدِّماءُ ممّا يَذْبَحُ بها المشركون، فقالت الأنصارُ: يا رسولَ الله، إنّا كنّا إذا أحرَمْنا لمَناةَ (٢) في الجاهليّة لم يَحِلَّ لنا في ديننا أن نطوفَ بين الصَّفا والمروة، فأنزَل اللهُ عزّ وجلّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قال عروةُ: أمّا أنا فلا أُبالي ألّا أطُوفَ بين الصّفا والمروة. قالت عائشة: لم يا ابن أُختي؟ قال: لأنّ الله يقولُ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} . فقالت عائشةُ: لو كان كما تقولُ لكان: فلا جُناحَ ألّا يَطَّوَّفَ بهما. فلعَمْري ما تَمَّتْ حَجَّةُ أحدٍ ولا عُمرَتُه إن لم يَطُفْ بين الصَّفا والمروة (٣) .

    vol. 2, p. 101
  12. ورواه الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشة مثله (٤) .

    vol. 2, p. 102وقال فيه مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ: فذكَرْتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: هذا العِلْمُ (١) !

  13. وقد روَى مالكٌ هذا الحديث، عن هشامِ بن عروةَ بمعنًى واحدٍ، وسنذكُرُه في بابِ هشام من هذا الكتاب إن شاء الله (٢) .

  14. ورَوَى ابن جُرَيْج، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "طَوافُكِ بالبيت وبين الصَّفا والمروة يُجزِئُكِ - أو يَكفيكِ لحَجِّكِ وعُمْرتك" (٣) .

    قال أبو عُمر: ولو لم يكنْ واجبًا لما قال: "يُجْزِئُكِ" ، والله أعلمُ؛ فقد تبيَّنَ بما ذكَرَتْه عائشةُ مَخرَجُ نُزولِ الآيةِ على أيِّ شيءٍ كان، وبيَّن رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بطَوافِه بين الصَّفا والمَرْوة، وقوله: "اسْعَوا بينهما، فإنّ الله كَتَبَ عليكم السَّعيَ" (٤) .

  15. و "كتَبَ" بمعنى "أوجَبَ" ، كقول الله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣] . وكقول رسولِ الله في الخمس الصلوات: "كتَبَهُنَّ اللهُ على العباد" (٥) . ومثلُه كثيرٌ.

  16. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٦) : حدَّثنا سُرَيْجُ (٧) بن النُّعمان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المؤمَّل،

    vol. 2, p. 103عن عطاءٍ، عن صَفيَّة بنت شيبةَ، عن حبيبةَ بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَطُوفُ بين الصَّفا والمروة، والناسُ بين يديْه، وهو وراءَهم، وهو يَسْعَى حتى أرَى رُكبَتَيه من شدَّةِ السَّعي، وهو يقول: "اسْعَوا، فإنّ الله كتب عليكم السَّعيَ" .

  17. هكذا قال: عن عبدِ الله بن المؤمَّل، عن عطاءٍ. وبين عطاءٍ وعبد الله بن المؤمَّلِ في هذا الحديث عمرُ بن عبد الرحمن بن مُحَيصِنٍ السَّهْميُّ.

  18. أخبَرنا عبيدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكين، قال: أخبَرنا محمدُ بن سَنْجَرَ، قال: أخبَرنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن المؤَمَّل، عن عُمرَ بن عبد الرحمنِ السَّهْميِّ، عن عطاءٍ، عن صفيّةَ بنت شَيبةَ، عن حبيبةَ بنت أبي تَجْراةَ امرأةٍ من أهل اليمن، قالت: لما سعَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بين الصَّفا والمروةِ دخَلْنا في دار آل أبي حُسيْنٍ في نِسوةٍ من قريش، فرأيتُ النبيَّ عليه السلامُ يَسْعَى بين الصفا والمروة في بَطْنِ الوادي وهو يقول: "اسْعَوا، فإنّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْيَ" . حتى إن ثَوبَه يُديرُه من شِدَّةِ السَّعْي (١) .

  19. وكذلك رواه الشافعيُّ، عن عبد الله بن المُؤمَّل (٢) .

  20. أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا

    vol. 2, p. 104الشافعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن المُؤمَّلِ العائذيُّ (١) ، عن عمرَ بن عبد الرحمنِ بن مُحَيْصنٍ، عن عطاءِ بن أبي رباح، عن صفيَّةَ بنت شَيبةَ، قالت: أخبَرتني ابنةُ أبي تَجرَاةَ إحدى نساءِ بني عبد الدّار قالت: دخلتُ مع نسْوَةٍ من قريشٍ دارَ أبي حُسَينٍ ننظُرُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يَسْعَى بين الصَّفا والمروة، فرأيتُه يَسعَى وإنّ مئْزَرَه ليدُورُ من شدَّة السَّعْي حتى أقولَ: أنّي لأرَى رُكْبتَيْه، وسَمِعْتُه يقولُ: "اسْعَوا، فإنّ الله كَتَبَ عليكمُ السَّعيَ" (٢) .

  21. وذكَرَه أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ فأخطَأ في إسنادِه؛ إمّا هو، وإمّا محمدُ بن بشرٍ.

  22. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشرٍ، قال: حدَّثنا عبد الله بن المؤمَّل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أبي حسينٍ، عن عطاءٍ، عن حبيبةَ بنت أبي تَجْراةَ، قالت: نظَرْتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَرَ الحديث بمعنَى ما تقدَّمَ سواءً، ولكنّه أخطَأ في موضعين من الإسناد؛ أحدهما، أنّه جعَل في موضعِ عمرَ بن عبد الرحمن: عبدَ الله بن أبي حُسينٍ. والآخرُ، أنّه أسقَط صفيّةَ بنتَ شيبةَ من الإسناد، فأفسَدَ إسنادَ هذا الحديث، ولا أدري ممّن هذا؛ أمن أبي بكرٍ، أم من محمدِ بن بِشْرٍ؟ ومن أيِّهما كان فهو خَطَأٌ لا شكَّ فيه (٤) .

  23. وقد رواه محمدُ بن سِنانٍ العَوَقيُّ (١) ، عن عبد الله بن المؤمَّل، فجعَلَه بالطوافِ بالبيت.

    vol. 2, p. 105
  24. ذكَر أبو جعفرٍ العُقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: أخبرنا محمدُ بن سنانٍ العَوَقيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن المؤمَّل المكيُّ، قال: أخبَرنا عمرُ بن عبد الرحمن بن مُحَيْصنٍ السَّهْميُّ، عن صفيّة بنت شيبةَ، عن امرأةٍ يقالُ لها: حبيبةُ بنتُ أبي تَجْراةَ، قالت: دخلتُ المسجدَ أنا ونسوةٌ معي من قريش، قالت: والنبيُّ عليه السلام يطوفُ بالبيت. قالت: وإنّه لَيسْعَى حتى إنّي لأرْثي له، وهو يقولُ لأصحابه: "اسْعَوا، فإنّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْيَ" .

  25. هكذا قال: يطوفُ بالبيت. وأسقَط من إسنادِ الحديثِ عطاءً، والصحيحُ في إسنادِ هذا الحديث ومتْنِه ما ذكَره الشافعيُّ وأبو نُعيمٍ، إلّا أنّ قولَ أبي نعيم: امرأةٍ من أهلِ اليمن، ليس بشيءٍ، والصّوابُ ما قال الشافعيُّ، واللهُ أعلمُ.

  26. فإن قال قائل: إنّ عبدَ الله بن المؤمَّلِ ليس ممَّن يُحْتَجُّ بحديثِه لضَعْفِه، وقد انفَرَد بهذا الحديث. قيل له: هو سَيِّئُ الحفظ، فلذلك اضطرَبتِ الروايةُ عنه، وما علِمْنا له خُرْبَةً (٢) تُسقِطُ عدالتَه، وقد روَى عنه جماعةٌ من جلَّةِ العلماء، وفي ذلك ما يَرفَعُ من حالِه، والاضطرابُ عنه لا يُسْقِطُ حديثَه؛ لأنّ الاختلافَ على الأئمَّة كثيرٌ ولم يَقْدَحْ ذلك في روايَتِهم، وقد اتَّفَق شاهدانِ عَدْلانِ عليه؛ وهما الشافعيُّ وأبو نُعيمٍ، وليس مَن لم يَحفَظْ ولم يُقِمْ حُجَّةً على من أقامَ وحَفِظ (٣) .

  27. وممّا يشُدُّ حديثَ عبد الله بن المؤمَّلِ هذا، حديثُ المغيرَة بن حَكيمٍ، عن صفيّةَ بنت شيبةَ، فإنّه يبيِّنُ صِحَّةَ ما قاله عبدُ الله بن المؤمَّل (١) .

    vol. 2, p. 106
  28. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: أخبَرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٢) : أخبَرنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن بُدَيلٍ، عن المغيرةِ بن حكيمٍ، عن صفيةَ بنتِ شيبةَ، عن امرأةٍ قالت: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْعَى في بطنِ المَسِيلِ ويقول: "لا يُقطَعُ الوادي إلّا شدًّا" (٣) .

  29. وقد ذكَرَ أبو جعفرٍ العقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن موسى النَّهْرُتيريُّ، قال: أخبَرنا يوسفُ بن موسى القطانُ، قال: أخبَرنا مِهْرانُ بن أبي عُمرَ الرّازيُّ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مُثَنَّى بن الصَّبَّاح، عن المغيرةِ بن حكيمٍ، عن صفيّةَ بنتِ شيبةَ، عن تَمْلَكَ - قال العقيليُّ: يعني الشَّيْبيَّةَ - قالت: نظَرْتُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا في غُرفَةٍ لي بين الصَّفا والمروة، وهو يقول: "يا أيُّها الناسُ، إنّ اللهَ كَتَب عليكم السَّعْيَ، فاسْعَوا" (٤) .

    قال أبو عُمر: فهذا القولُ مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ: "طَوافُكِ بالبيتِ وبين الصَّفا والمروةِ يكفيكِ لحَجَّتِكِ وعُمرَتِكِ" يُوضِحُ وُجوبَ السَّعْي، وبالله التوفيق.

  30. وقد ذكَرنا اختلافَ أصحابنا فيمن ترك الرَّمَلَ في الطوافِ بالبيتِ، أو ترَك الهَرْوَلَة في السَّعْي بين الصَّفا والمروة، فيما تقَدَّم من كتابِنا هذا. والذي عليه أكثرُ الفقهاءِ أنّ ذلك خفيفٌ لا شيءَ فيه، وذلك، والله أعلمُ، لِمَا ذكَرَه عبدُ الرَّزَّاق، عن الثوريِّ، عن عبد الكريم الجزَريِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ

    vol. 2, p. 107يمشي بين الصَّفا والمروة، ثم قال: إن مشَيْتُ فقد رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمشِي، وإن سَعَيْتُ فقد رأيتُ رسولَ الله يَسْعَى (١) .

  31. وروَى سفيانُ أيضًا، عن عطاءِ بن السائب، عن كثيرِ بن جُمْهانَ، عن ابن عُمرَ مثلَه سواءً (٢) ، وزاد: وأنا شيخٌ كبير (٣) .

    قال أبو عُمر: لا ينبغي لأحدٍ قَوِيَ على السَّعْي والهَرْولَة والاشتدادِ تَرْكُه، ومن كان شيخًا ضعيفًا أو مريضًا، فاللهُ أعذَرُ بالعُذْرِ، ويُجزِئُه المشيُ، لأنّ السَّعْيَ العَمَلُ، وقد عَمِله بالمشي.

  32. واختلف العلماءُ فيمَن قدَّم السَّعيَ بين الصفا والمروة على الطواف بالبيت؛ فقال عطاءُ بن أبي رباح: يُجْزئُه، ولا يعيدُ السَّعيَ، ولا شيءَ عليه (٤) . وكذلك قال الأوزاعيُّ وطائفةٌ من أهل الحديث.

  33. واختُلفَ في ذلك عن الثوريِّ؛ فرُوِيَ عنه مثلُ قول الأوزاعيِّ وعطاء، ورُويَ عنه أنّه يُعيدُ السَّعْيَ.

    وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم: لا يُجزِئُه، وعليه أن يعيدَ، إلّا أنّ مالكًا وأبا حنيفةَ قالا: يُعيدُ الطَّوافَ والسَّعْيَ جميعًا.

    vol. 2, p. 108وقال الشافعيُّ: يُعيدُ السَّعْيَ وحدَه ليكونَ بعدَ الطَّواف، ولا شيءَ عليه. واختلَفوا، والمسألةُ بحالِها، إذا خرَج من مكةَ فأبْعَد، أو وطِئَ النساءَ؛ فقال مالكٌ: يرجِعُ فيطوفُ ويَسْعَى، وإن كان وطِئَ النساءَ اعتَمَر وأهْدَى. يعني إذا كان وَطْؤُه بعدَ رَمْيِه جَمْرةَ العَقَبةِ وبعدَ الوقوفِ بعرفَةَ.

    وقال الشافعيُّ: يرجِعُ حيثُ كان، فيسعَى ويُهْدي، ولا معنَى للعمرة هاهنا.

  34. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ مثلُ قولِ الشافعيِّ سواءً، ورُوِيَ عنه: إذا بلَغَ بلادَه أهدَى وأجزأه (١) .

    قال أبو عُمر: لا فَرْقَ عند مالكٍ والشافعيِّ بين مَن نَسِي السَّعْيَ بين الصَّفا والمروةِ وبين مَن قَدَّم السَّعْيَ على الطواف، وعليه أنْ يأتيَ بالسَّعْي عندَهما أبدًا وإن أبعَدَ، على ما قدَّمْنا من اختلافِهما في إعادةِ الطَّواف معه، فإن وَطِئَ كان عليه هَدْيُ بَدَنةٍ عندَ الشافعيِّ لا غيرُ، مع الإتيانِ بالسَّعْي، وكان عليه عندَ مالكٍ أن يطوفَ ويَسْعَى ويعتَمِرَ ويُهْدِيَ. وكذلك مَن نَسِي الطَّوافَ الواجبَ بالبيتِ سواءً عندَهما، كمَن نَسِي السَّعْيَ بين الصَّفا والمروة، على أصْل كلِّ واحدٍ منهما، لا فَرْقَ بين شيءٍ من ذلك عندَهما وعندَ من قال بقولِهما.

    قال مالكٌ في "مُوَطئِه" (٢) : من نَسِيَ السَّعْيَ بين الصَّفا والمروة في عُمْرَةٍ، فلم يَذْكُرْ حتى يستبْعِدَ من مكةَ، أنّه يَرجعُ فيَسْعَى، وإن أصاب النساءَ فليَرْجِعْ فليَسْعَ بين الصَّفا والمروة حتى يُتِمَّ ما بَقِيَ عليه من تلك العُمرة، ثم عليه عُمرةٌ أخرى والهَدْيُ.

    قال أبو عُمر: إنّما أوجبَ مالكٌ في هذه المسألة العمرةَ والهَدْيَ؛ ليكونَ سَعْيُه في إحرام صحيح، لا في إحرام فاسدٍ بالوَطْءِ، وليكونَ طَوافُه بالبيتِ في إحرام صحيح، لا في إحرام فاسدٍ، واللهُ أعلمُ.

  35. حديثٌ خامسٌ لجعفرِ بن محمد

    مالكٌ (١) ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحَرَ بعضَ هَدْيِه بيَدِه، ونَحَر غيرُه بعضَهُ.

    vol. 2, p. 109
  36. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ في هذا الحديث: عن عليٍّ. وتابَعَه القَعْنَبيُّ فجَعَلَه عن عليٍّ أيضًا كما رواه يحيى (٢) .

  37. ورواه ابن بُكير (٣) ، وسعيدُ بن عُفيرٍ، وابنُ القاسم (٤) ، وعبدُ الله بن نافعٍ، وأبو مصعبٍ (٥) ، والشافعيُّ (٦) ، فقالوا فيه: عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ.

    وأرسَلَه ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ، عن جعفرٍ، عن أبيه، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ... الحديثَ (٧) . لم يقلْ: عن جابرٍ، ولا عن عليٍّ.

    قال أبو عُمر: الصحيحُ: فيه جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. وذلك موجودٌ في رواية محمدِ بن عليٍّ، عن جابرٍ، في الحديث الطَّويل في الحجِّ، وإنّما جاء حديثُ عليٍّ رضي الله عنه من حديثِ عبد الرحمنِ بن أبي ليلى عنه، لا أحفَظُه من وجهٍ آخَرَ. وهذا المتْنُ صحيحٌ ثابتٌ من حديثِ جابرٍ وحديث عليٍّ.

  38. وفيه من الفقهِ أن يتولَّى الرجلُ نَحْرَ هَدْيِه بيَدِه، وذلك عندَ أهلِ العلم

    vol. 2, p. 110مُسْتحبٌّ مستحسَنٌ؛ لفِعْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك بيَدِه، ولأنّها قُربَةٌ إلى الله عزّ وجلّ، فمُباشَرَتُها أوْلَى. وجائزٌ أن ينحَرَ الهَدْيَ والضَّحايا غيرُ صاحِبها؛ ألا ترَى أنّ عليَّ بن أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه نَحَر بعض هَدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أمرٌ لا خلافَ بين العلماءِ في إجازَته، فأغْنَى عن الكلامِ فيه.

  39. وقد جاءَتْ روايةٌ عن بعض أهل العلم أنّ مَن نَحَر أُضْحيتَه غيرُه كان عليه الإعادةُ ولم يُجْزِئْه. وهذا محمولٌ عندَ أهلِ الفَهْم على أنّها نُحِرَتْ بغيرِ إذن صاحبِها، وهو موضِعُ اختلافٍ. وأمّا إذا كان صاحبُ الهَدْي أو الضَّحيّة قد أمَرَ بنَحْر هَدْيِه، أو ذَبْح أُضْحِيَته، فلا خلافَ بين الفقهاء في إجازَة ذلك، كما لو وكَّلَ غيرَه بشراءِ هَدْيِه فاشْتَراه، جاز بإجماع.

  40. وفي نحْرِ غير رسولِ الله عليه السلامُ دليلٌ على جوازِ الوَكالة؛ لأنّه معلومٌ أنّه لم يفعَلْ ذلك بغيرِ إذْنِه، وإذا صحَّ أنّه كذلك، صحَّت الوَكالةُ وجازَت في كلِّ ما يتصرَّفُ فيه الإنسانُ، أنّه جائزٌ أن يُولِّيَه غيرَه فينْفُذَ فيه فِعلُه، وقد روَى سفيانُ بن عيينةَ، عن شَبيبِ بن غَرْقَدَةَ في ذلك حديثَ عُروةَ البارقيِّ.