جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

284 paragraphs · vol. 2, p. 69

Page 4 of 8

  1. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّد، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن شَبيبِ بن غَرْقَدةَ، قال: حدَّثني الحيُّ، عن عُروةَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعطَاه دينارًا يشتري له به أُضحيةً - أو قال: شاةً - فاشترى له ثِنْتَين، فباع إحداهما بدينار، وأتى بشاةٍ ودينارٍ، فدعَا له بالبَرَكة في بيعِه، فكان لو اشْتَرى تُرابًا لَرَبحَ فيه (١) .

    vol. 2, p. 110
  2. وهكذا رواه الشافعيُّ (٢) ، عن ابن عيينةَ بنحو روايةِ مُسَدَّد.

  3. وقد رُوِيَ من حديث حكيم بن حزامٍ نحوُ هذا المعنى (١) ، ولا خلافَ في جواز الوَكالة عندَ العلماء.

    قال أبو عُمر: وقد اختلفَ العلماءُ أيضًا في معنَى هذا الحديث في الوكيل يَشتَري زيادةً على ما وُكِّلَ به، هل يلزَمُ الآمِرَ ذلك أم لا؟ كرجلٍ قال له رجلٌ: اشْتَرِ لي بهذا الدِّرهَم رَطْل لحم صفَتُه كذا. فاشترى له أربعةَ أرطالٍ من تلك الصِّفة بذلك الدِّرهَم، والذي عليه مالكٌ وأصحابُه أنّ الجميعَ يلزَمُه إذا وافَقَ الصِّفَة وزاد من جِنْسِها؛ لأنه مُحسِنٌ. وهذا الحديث يَعضُدُ قولَهم في ذلك، وهو حديثٌ جيدٌ، وفيه ثبوتُ صحَّة مِلك النبيِّ عليه السلام للشَّاتين، ولولا ذلك ما أخَذَ منه الدِّينار، ولا أمضَى له البيعَ.

    vol. 2, p. 111
  4. وقد اختُلِفَ عن مالكٍ وأصحابِه فيمَن نُحِرَتْ أُضحِيَتُه بغيرِ إذنِه ولا أمرِه؛ فرُوِي عنه أنّها لا تُجْزئُ عن الذابح، وسواءٌ نوَى ذبحَها عن نفسِه أو عن صاحبِها، فعلى الذابح ضمانُها. ورُوِيَ عنه أن الذابحَ لها إذا كان مثلَ الولدِ أو بعضَ العيالِ فإنها تُجزئُ.

  5. وقال محمدُ بن الحسنِ في رجلٍ تطوَّعَ عن رجلٍ فذبَح له ضحيّةً قد أوجَبَها، أنّه إن ذبَحَها عن نفسِه متعمِّدًا لم تُجزِئْ عن صاحبِها، وله أن يُضَمِّنَ الذابحَ، فإن ضمَّنه إياها أجزَأت عن الضَّامنِ، وإن ذبَحها عن صاحبها بغيرِ أمرِه أجْزَأتْ عنه.

    وقال الثوريُّ: لا تُجْزِئُ، ويضمَنُ الذابحُ (٢) .

    vol. 2, p. 112وقال الشافعيُّ: تُجْزئُ عن صاحبِها، ويضمَنُ الذابحُ النقصانَ (١) .

  6. وروَى ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ: إن ذبَح رجلٌ ضَحِيّةَ رجلٍ بغير أمرِه لم تُجْزِئْ عنه، وهو ضامنٌ لضَحيَّته، إلّا أن يكونَ مثلَ الولد أو بعضَ العِيَال، إنّما ذَبَحوها على وَجْه الكفايةِ له، فأرجُو أنْ تُجْزئَ. وقال ابنُ القاسم عنه: إذا كانوا كذلك فإنّها تُجْزِئُ. ولم يقل: أرجو.

  7. وإن أخْطَأ رجلان فذبَح كلُّ واحدٍ منهما ضحيّةَ صاحبه، لم تُجْزِئْ عن واحدٍ منهما في قول مالكٍ وأصحابِه، ويَضْمَنُ عندَهم كلُّ واحدٍ منهما قيمةَ ضحيّة صاحبه. لا أعلمُ خلافًا بين أصحاب مالكٍ في الضَّحايا.

  8. وأمّا الهَدْيُ فاختُلِف فيه عن مالكٍ، والأشهرُ عنه ما حكاه ابنُ عبد الحَكَم وغيرُه، أنّه لو أخطَأ رَجُلان كلُّ واحدٍ منهما بهَدْي صاحبِه، أجْزَأهما، ولم يكنْ عليهما شيءٌ. وهذا هو تحصيلُ المذهبِ في الهَدْي خاصّةً، وقد رُوِي عن مالكٍ في المُعتَمِرَيْن إذا أهدَيا شاتَيْن فذبَح كلُّ واحدٍ منهما شاةَ صاحبِه خَطَأً، أنّ ذلك لا يُجزئُ عنهما، ويضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما قيمةَ ما ذَبَح، وائْتَنَفا الهديَ.

    وقال الشافعيُّ: يضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما ما بينَ قيمة ما ذَبَح حيًّا ومَذْبوحًا، وأجْزَأتْ عن كلِّ واحدٍ منهما أُضْحيَتُه أو هَدْيُه (٢) .

    وقال الطبريُّ: يُجزِئُ عن كلِّ واحدٍ منهما أضحيتهُ، أو هدْيُه، التي أوجَبَها، ولا شيءَ على الذَّابح؛ لأنّه فعَل ما لا بُدَّ منه، ولا ضمانَ على واحدٍ منهما، إلّا أنْ يَسْتَهلِكَ شيئًا من لحمِها، فيضمَن ما استهلَكَ.

    وقال ابنُ عبد الحكم أيضًا عن مالكٍ: لو ذَبَح أحدُهما - يعني المعتمِرَيْن - شاةَ صاحبِه عن نفسه، ضَمِنها، ولم تُجْزِئْه، وذَبَح شاتَه التي أوجَبَها، وغَرِم لصاحبه

    vol. 2, p. 113قيمةَ شاتِه التي ذبَحَها، واشترى صاحبُه شاةً وأهداها. قال ابنُ عبد الحكم: والقولُ الأولُ أعجبُ إلينا. يعني المعتمِرَيْن يَذْبَحُ أحدُهما شاةَ صاحبِه وهو قد أخطَأ بها، أنّ ذلك يُجزئُهما.

    قال أبو عُمر: في حديثِ مالكٍ الذي قدَّمْنا ذكرَه أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحَر بعضَ هَديِه بيَدِه، ونَحَر غيرُه بعضَه. وغيرُه في هذا الموضع هو عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وذلك صحيحٌ في حديث جابرٍ وحديث عليٍّ أيضًا.

  9. أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سعيدٍ الأصبهانيُّ وهارونُ بن معروفٍ؛ قالا: حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، في حديثه الطويلِ في الحجِّ، قال: ثم انصَرَف - يعني رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ أن رَمَى الجمرةَ من بَطنِ الوادي بسبع حَصَياتٍ، فنَحَر ثلاثًا وستِّين بَدَنَةً، ثم أعطَى عليًّا فنَحَر سائِرَها. وذكَر الحديث (١) .

  10. أخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ في الحديث الطويل في الحجِّ مثلَه، قال: فنَحَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا وستِّينَ بَدَنَةً، ثم أعطَى عليًّا فنَحَرَ ما غبَر، وذكَر الحديث (٣) .

  11. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال (٤) : أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، قال: ساق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مئةَ بَدَنةٍ، فنَحَرَ منها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا وستِّينَ بيدِه، ونَحَر عليٌّ ما بَقي،

    vol. 2, p. 114ثم أمَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ تُؤخَذَ بَضعَةٌ من كلِّ بدَنَةٍ فتُجعلَ في قِدْرٍ، فأكَلا من لحمِها وحَسَيَا من مَرَقِها (١) .

  12. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ النَّسائيُّ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الحكم، عن شُعيبِ بن الليث، قال: حدَّثني الليثُ، عن ابن الهادِ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، قال: قَدِم عليٌّ من اليمن بهَدْي لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان الهديُ الذي قَدِم به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعليٌّ من اليمن مئةَ بَدَنةٍ، فنَحَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منها ثلاثًا وستِّينَ بَدَنةً، ونحَر عليٌّ سبعًا وثلاثين، وأشرَكَ عليًّا في بُدْنِه، ثم أخَذ من كلِّ بَدنةٍ بَضعَةً، فجُعِلت في قِدْرٍ فطَبَخَه، فأكَلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعليٌّ رضيَ الله عنه من لَحْمِها، وشَرِبَا من مرَقِها.

  13. هكذا قال أكثرُ الرُّواة لهذا الحديث: عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَحَر من تلك البُدْن المئةِ ثلاثًا وستِّينَ، ونحَر عليٌّ بقيَّتَها، إلّا سفيانَ بن عيينةَ، فإنّه رَوَى هذا الحديثَ عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: ونَحَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ستًّا وستِّينَ بَدَنةً، ونَحَر عليٌّ أربعًا وثلاثين (٣) .

  14. وأمّا روايةُ عليّ بن أبي طالبٍ في ذلك، فحدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التَّمّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) :

    vol. 2, p. 115حدَّثنا هارونُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا محمدٌ ويَعْلى ابنا عُبيدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: لما نَحَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بُدْنَه فنحَر ثلاثين بَدَنةً بيَدِه، أمَرني فنَحَرْتُ سائِرَها.

  15. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الكريم الجَزَريُّ، قال: سمعتُ مجاهدًا يقولُ: سمعتُ عبدَ الرحمن بن أبي ليلى يقولُ: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب يقولُ: أمَرَني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقومَ على بُدْنِه، وأن أقسِمَ جِلالَها وجُلُودَها، وألّا أُعطِيَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: "نحن نُعطِيه من عندِنا" (٢) .

    قال سفيانُ: وحدَّثنا به ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ، وحديثُ عبد الكريم أتَمُّ (٣) .

    قال أبو عُمر: في حديث هذا الباب أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أكَل من هديِه الذي ساقَه في حَجَّتِه، وهَدْيُه ذلك كان تطوُّعًا عند كلِّ مَن جعَلَه مفرِدًا، وأجمَعَ العلماءُ على جوازِ الأكلِ من التَّطوُّع إذا بلَغ مَحِلَّه؛ لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: ٣٦] .

  16. واختلَفوا في جواز الأكلِ ممّا عدَا هديَ التَّطوُّع إذا بلَغ (٤) ؛ فقال مالكٌ: يُؤكَلُ من كلِّ هَدْي سيقَ في الإحرام إلّا جزاءَ الصيدِ، فديَةَ الأذَى، وما نُذِرَ

    vol. 2, p. 116للمساكين. والأصلُ في ذلك عندَ مالكٍ وأصحابِه أنّ كلَّ ما دخَلَه الإطعامُ من الهَدْي والنُّسُكِ لمَن لم يَجِدْه فسَبيلُه سبيلُ ما جُعِل للمساكين، ولا يجوزُ الأكلُ منه، وما سِوَى ذلك يُؤكَلُ منه؛ لأنّ اللهَ قد أطلَقَ الأكْلَ من البُدْنِ وهي من شعائرِ الله، فلا يجبُ أن يُمْتَنَعَ من أكلِ شيءٍ منها إلّا بدليلٍ لا مُعارِضَ له، أو بإجماع، وقد أجمَعُوا على إباحةِ الأكلِ من هَدْي التَّطوعِ إذا بلَغَ مَحِلَّه، ولم يجعلُوه رُجوعًا فيه، فكذلك كلُّ هَدْي إلّا ما اجتُمِعَ عليه (١) .

    وقال أبو حنيفة: يأكُلُ من هَدْي المُتْعة وهَدْي التَّطوُّع إذا بلَغَ مَحِلَّه لا غيرُه (٢) .

    وقال الشافعيُّ: لا يأكل من شيءٍ من الهَدْي الواجب. وقال في معنى قول الله عزّ وجلّ: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} : إنّ ذلك في هدْي التَّطوُّع لا في الواجب؛ بدليل الإجماع على أنّه لا يُؤكَلُ من جزاءِ الصيدِ وفديةِ الأذى، فكانت العلَّةُ في ذلك أنّه دمٌ واجبٌ في الإحرام من أجل ما أتاهُ المحرِمُ، فكلُّ هدي وجَبَ على المحرم بسبَبِ فعلٍ أتاه فهو بمنزلَته، والواجباتُ لا يجوزُ الرُّجوعُ في شيء منها، كالزكاة، وبالله التوفيق (٣) (٤) .

  17. حديثٌ سادسٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُنْقطع

    مالكٌ (١) ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ بن الخطاب ذكَر المجوسَ، فقال: ما أدْرِي كيف أصنعُ في أمرِهم؟ فقال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: أشهدُ لَسمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب" .

    vol. 2, p. 117
  18. هذا حديثٌ منقطعٌ؛ لأنّ محمدَ بن عليٍّ لم يَلقَ عُمرَ ولا عبدَ الرحمن بن عوفٍ (٢) .

  19. وقد رواه أبو عليٍّ الحنفيُّ، عن مالكٍ، فقال فيه: عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه. وهو مع هذا أيضًا منقطِعٌ؛ لأنّ عليَّ بن حسينٍ لم يلقَ عُمرَ ولا عبدَ الرحمن بن عوفٍ (٣) .

  20. أخبَرنا أحمدُ بن عبد الله بن محمدِ بن عليٍّ، أن أباه حدَّثه، قال: حدَّثنا محمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ الجارود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي الجَحِيم (٤) ، قال: حدَّثنا عَمْرو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عبد المجيدِ الحنفيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال عُمرُ: ما أدري ما أصنعُ بالمجوس؟ فقال له عبدُ الرحمن بن عوف: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ" (٥) .

  21. وأخبَرنا محمدٌ (١) ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مخلَدٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بن محمدٍ الدوريُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، قال: حدَّثني جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: ما أدري ما أصنعُ بالمجوس أهل الذِّمة؟ فقال عبد الرحمن بن عوفِ: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "سُنَّتُهم سنَّةُ أهل الكتاب" (٢) . قال مالكٌ: في الجزية.

    قال أبو الحسن عليُّ بن عُمر: لم يقل في هذا الإسناد: "عن جَدِّه" ممّن حدّث به عن مالكٍ غيرُ أبي عليٍّ الحَنَفيِّ، وكان ثقةً، وهو في "الموطأ" : جعفرٌ، عن أبيه، أنَّ عُمَرَ.

    قال أبو عُمر: وهو مع هذا كلِّه منقطِعٌ، ولكنّ معناه مُتَّصِلٌ من وجوهٍ حسان.

    vol. 2, p. 118
  22. وفيه أن العالمَ الحبرَ قد يخفى عليه ما يوجَدُ عندَ مَن هو دونَه في العلم. وهذا موجودٌ كثيرٌ في علم الخَبَر الذي لا يُدرَكُ إلّا بالتوقيف والسَّمْع، فإذا كان عُمرُ رضي اللهُ عنه لا يبلُغُه من ذلك ما سمع غيرُه منه، مع موضعِه وجلالتِه، فغيرُه ممّن ليس مثلَه أحرَى ألّا يُنْكِرَ على نفسِه ذلك، ولا ينكَرَ عليه.

  23. وفيه أنَّ العالمَ إذا جهِل شيئًا أو أشكَل عليه، لزِمه السؤالُ والاعترافُ بالتقصيرِ والبحثُ حتى يقِفَ على حقيقةٍ من أمرِه فيما أشكَل عليه.

  24. وفيه إيجابُ العمل بخبرِ الواحدِ العدلِ، وأنّه حجةٌ يلزَمُ العملُ بها والانقيادُ إليها؛ ألا تَرَى أنَّ عمرَ رضي الله عنه قد أَشكَلَ عليه أمرُ المجوس، فلمّا حدَّثه عبدُ الرحمن بن عوفٍ عن النبيِّ عليه السلامُ، لم يَحتَجْ إلى غير ذلك وقَضَى به.

    vol. 2, p. 119
  25. وأمّا قولُه: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" ، فهو من الكلام الذي خرَجَ مَخرَجَ العُمومِ والمرادُ به (١) الخُصُوصُ؛ لأنّه إنّما أراد: سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب في الجِزية. وعليها خرَجَ الجوابُ، وإليها أُشيرَ بذلك، ألا ترَى أن علماءَ المُسلمين مُجْتَمعون على ألّا يُسَنَّ بالمجوس سُنَّةُ أهل الكتاب في نِكاحِ نِسَائهم، ولا في ذبائحِهم، إلّا شيءٌ رُوِي عن سعيد بن المسيِّب، أنّه لم يَرَ بذبحِ المجوسيِّ لشاةِ المسلم إذا أمَره المُسلمُ بذبحِها بأسًا. وقد رُوِي عنه أنّه لا يَجُوزُ ذلك، على ما عليه الجماعةُ، والخبرُ الأولُ عنه هو خبرٌ شاذٌّ، وقد اجتمَع الفقهاءُ على خلافِه، وليست الجزيةُ من الذبائحِ في شيءٍ؛ لأنّ أخذَ الجزيةِ منهم صَغارٌ وذِلَّةٌ لكُفرِهم، وقد ساوَوا أهلَ الكتاب في الكُفْرِ، بل هم أشدُّ كُفرًا، فوجَب أن يُجْرَوا مُجْراهم في الذُّلِّ والصَّغَارِ وأخذِ الجزيةِ منهم؛ لأنّ الجزيةَ لم تُؤخذْ من الكتابيِّين رِفْقًا بهم (٢) ، وإنّما أُخِذت منهم تقويةً للمُسلمين وذُلًّا للكافرين، فلذلك لم يَفترِقْ حالُ الكتابيِّ وغيرِه عندَ مالكٍ وأصحابِه الذين ذهَبوا هذا المذهبَ في أخذِ الجزيةِ من جميعِهم، للعلةِ التي ذكَرنا. وليس نكاحُ نسائِهم ولا أكلُ ذبائحِهم من هذا الباب؛ لأنّ ذلك مَكرُمةٌ بالكتابيِّين لموضع كتابِهم واتّباعِهم الرُّسلَ، فلم يَجُزْ أن يُلحقَ بهم مَن لا كتابَ له في هذه المكرُمة.

  26. هذه جملةٌ اعتلَّ بها أصحابُ مالكٍ، ولا خلافَ بين علماءِ المسلمين أنَّ الجزيةَ تُؤخَذُ من المجوس؛ لأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذ الجزيةَ من مجوسِ أهل البَحْرين، ومن مجوس هَجَرَ، وفعَله بعدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ.

  27. روَى الزهريُّ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذ الجزيةَ من مجوسِ هَجَرَ، وأنَّ عمرَ بن الخطاب أخَذها من مجوسِ السَّواد، وأنَّ عثمانَ بن عفانَ أخَذها من مجوس (١) البَرْبر. هكذا رواه ابنُ وَهْبٍ (٢) ، عن يونسَ بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب. وأمّا مالكٌ (٣) ومَعْمَرٌ (٤) فإنهما جعَلاه عن ابن شهاب، ولم يذكُرا سعيدًا. ورواه ابنُ مهديٍّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن السائبِ بن يزيدَ. وقد ذكَرناه في باب مراسِل ابن شهابٍ.

    vol. 2, p. 120
  28. واختلف الفُقهاء في مُشركي العرب ومَن لا كتابَ له، هل تُؤخَذُ منهم الجزيةُ أم لا؟ فقال مالكٌ: تُقبلُ الجزيةُ من جميع الكُفار، عربًا كانوا أو عجمًا.

    وقال الشافعيُّ: لا تُقبلُ الجزيةُ إلّا من أهل الكتاب خاصةً، عربًا كانوا أو عجمًا؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة: ٢٩] . قال: وتُقبلُ من المجوس بالسُّنَّة. وعلى هذا مذهبُ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابه، وأبي ثورٍ، وأحمدَ وداودَ. وقال أبو ثورٍ: الجزيةُ لا تُؤخذُ إلّا من أهل الكتاب، ومن المجوسِ لا غيرُ. وكذلك قال أحمدُ بن حنبل. وكذلك قال أبو حنيفةَ وأصحابُه أنّ مشركي العرب لا يُقبلُ منهم إلّا الإسلامُ أو السَّيفُ، وتُقبلُ الجزيةُ من الكتابيِّين من العرب، ومن سائرِ كفار العجم.

    vol. 2, p. 121وقال الأوزاعيُّ، ومالكٌ، وسعيدُ بن عبد العزيز: إنَّ الفَرازِنةَ (١) ومَن لا دينَ له من أجناس التركِ والهندِ وعَبدَةِ النيرانِ والأوثان، وكُلَّ جاحدٍ ومُكَذِّبٍ بربوبيّةِ الله، يُقاتَلون حتى يُسلِموا أو يُعطُوا الجزيةَ، وإنْ بذَلوا الجزيةَ قُبِلَت منهم، وكانوا كالمجوسِ في تحريم مناكحِهم وذبائحِهم وسائرِ أمورِهم.

    وقال أبو عبيدٍ: كلُّ عَجَميٍّ تقبلُ منه الجزيةُ إن بذَلها، ولا تُقبلُ من العربِ إلا من كتابيٍّ.

  29. وحُجَّةُ الشافعيِّ ومَن يذهَبُ مذهَبَه ظاهرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: ٢٩] ؛ لأنّ قوله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يقتضي أن يُقتصرَ عليهم بأخذِ الجزيةِ دون غيرِهم؛ لأنهم خُصُّوا بالذِّكْر، فتوجَّه الحُكْمُ إليهم دونَ مَن سواهم؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: ٥] . ولم يقل: حتى يُعطُوا الجزيةَ، كما قال في أهل الكتاب. ومَن أوجَب الجزيةَ على غيرهم، قال: هم في معناهم. واستدَلَّ بأخذِ الجزيةِ من المجوسِ وليسوا بأهل كتاب (٢) .

    قال أبو عُمر: في قولِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجوس: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب" ، يعني: في الجزية، دليلٌ على أنهم ليسوا أهلَ كتابٍ. وعلى ذلك جمهورُ الفقهاء.

  30. وقد رُوِي عن الشافعيِّ أنهم كانوا أهلَ كتاب فبدَّلوه. وأظنُّه ذهب في ذلك إلى شيءٍ رُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ من وجهٍ فيه ضَعْفٌ، يدورُ على أبي سَعْد البقّال.

  31. ذكر عبدُ الرَّزَّاق (١) وغيرُه: عن سفيانَ بن عيينةَ - وهذا لفظُ حديثِ عبد الرَّزَّاق - قال: أخبَرنا ابنُ عيينةَ، عن شيخٍ منهم يُقالُ له: أبو سعدٍ، عن رجلٍ شهِد ذلك، أحسَبُه نَصرَ بن عاصم، أن المستوْرِدَ بن عُلَّفَةَ (٢) كان في مجلسٍ وفَرْوةُ بن نوفلٍ الأشجَعيّ، فقال رجلٌ: ليس على المجوسِ جزيةٌ، فقال المستوردُ: أنت تقولُ هذا وقد أخَذ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من مجوسِ هَجَرَ الجزيةَ، والله لَمَا أخفَيتَ أخبَثُ ممّا أظهَرتَ. فذهبَ به حتى دخَلا على عليٍّ رضي الله عنه وهو في قصرِه جالسٌ في قُبَّةٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، زعَم هذا أنّه ليس على المجوسِ جزيةٌ، وقد علِمتَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذها من مجوسِ هجرَ. فقال عليٌّ: اجلِسا، فوالله ما على الأرضِ اليومَ أحدٌ أعلمُ بذلك منِّي، كان المجوسُ أهلَ كتاب يقرؤونه وعِلْم يدرُسونه، فشرِب أميرُهم الخمرَ، فوقَع على أختِه، فرآه نفرٌ من المُسلمين، فلمّا أصبَح قالت أختُه: إنّك قد صنَعتَ بها كذا وكذا، وقد رآك نَفَرٌ لا يَسْتُرون عليك. فدَعا أهلَ الطَّمَع فأعطاهم، ثم قال لهم: قد عَلِمتم أنَّ آدمَ أنكَحَ بَنِيه بَناتِه. فجاء أولئك الذين رأوه، فقالوا: ويلًا للأبعدِ، إنَّ في ظهرك حدًّا. فقتَلهم وهم الذين كانوا عندَه، ثم جاءتِ امرأةٌ فقالت: بَلَى، قد رأيتُك. فقال لها: ويحًا لبغيِّ بني فلان. فقالت: أجلْ والله، لقد كنتُ بغيًّا ثم تُبْتُ. فقتَلَها، ثم أُسرِي على ما في قُلُوبهم وعلى كِتابِهم، فلم يُصبِحْ عندَهم شيءٌ منه (٣) .

    vol. 2, p. 122
  32. فإلى هذا ذهَب مَن قال: إنَّ المجوسَ كانوا أهلَ كتابٍ. وأكثرُ أهلِ العلم يأبَون ذلك، ولا يُصحِّحون هذا الأثرَ، والحجةُ لهم قولُ الله تبارك وتعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} [الأنعام: ١٥٦] يعني اليهودَ والنَّصارى، وقولُه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [آل عمران: ٦٥] ، وقال: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [المائدة: ٦٨] . فدَلَّ على أنَّ أهلَ الكتاب هم أهلُ التوراةِ والإنجيل؛ اليهودُ والنصارَى لا غيرُ، واللهُ أعلمُ.

    vol. 2, p. 123
  33. وأمّا قولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" ، فقد احتَجَّ مَن قال: إنّهم كانوا أهلَ كتابٍ؛ بأنّه يَحتملُ أن يكونَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أراد: سُنُّوا بهم سنّةَ أهل الكتاب الذين يُعلمُ كتابُهم علمَ ظهورٍ واستفاضةٍ. وأمّا المجوسُ، فعِلْمُ كتابِهم على خُصُوصٍ. والآيةُ محتملة للتأويلِ عندَهم أيضًا، وأيُّ الأمرين كان، فلا خلافَ بينَ العلماءِ أنَّ المجوسَ تُؤخذ منهم الجزيةُ، وأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذَها منهم، فأغنَى عن الإكثارِ في هذا.

  34. وقد روَى عبدُ الرَّزَّاق (١) عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاءٍ: المجوسُ أهلُ كتابٍ؟ قال: لا.

  35. وأمّا الآثارُ المتصلةُ الثابتةُ في معنى حديث مالكٍ في أخْذِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الجزيةَ من المجوسِ، فأحسنُها إسنادًا ما حدَّثناه سعيدُ بنُ نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ،

    vol. 2, p. 124قال: أخبَرني أبي، عن موسى بن عُقْبةَ (١) ، قال: قال ابنُ شهاب: حدَّثني عُروةُ بن الزبير، أن المِسْوَرَ بن مَخْرَمةَ أخبَره، أن عَمْرَو بن عوفٍ، حليفٌ لبني عامرِ بن لُؤَيٍّ وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أخبَره أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَث أبا عُبيدةَ بنَ الجراح يأتي بجِزيتِها، يعني البَحْرَيْن، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هو صالَحَ أهلَ البحرين، فأمَّرَ عليهم العلاءَ بن الحَضْرميِّ، فقدِم أبو عُبيدة بالمال من البَحْرين، فسمِعَتِ الأنصارُ بقدومِه فوافَوا صلاةَ الفجرِ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا صلَّى انصرَف، فعَرَضُوا له، فتبسَّم حينَ رآهم وقال: "أظنُّكم سَمِعتُم بقدومِ أبي عُبيدةَ، وأنه جاءَ بشيءٍ" . قالوا: أجلْ. فقال: "فأبشِرُوا وأمِّلُوا، فو الله ما الفَقْرَ أخْشَى عليكم، ولكنْ أخشَى أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَت على مَن كان (٢) قبلَكُم، فتَنافَسوها (٣) كما تنافَسوها، وتُلهِيَكم كما ألْهَتْهم" (٤) .

  36. وحدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن المنذرِ، قال: حدَّثنا محمد بن فُلَيْح، عن موسى بن عقبةَ، قال: حدَّثني ابنُ شهابٍ، قال: حدَّثني عُروةُ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ أخبره، أن عَمْرَو بن عوفٍ، وهو حليفٌ لبني عامر بن لُؤيٍّ، وكان قد شَهِدَ بدرًا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أخبَره، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صالَح أهلَ البَحْرين، وأمَّرَ عليهم العلاءَ بن الحَضْرَميِّ، وذكَر الحديثَ نحوَه، وفي آخرِه: "فتنافَسُوا فيها (٥) كما تنافَسوا، فتُهْلِكَكم كما أهلكتهم" (٦) .

  37. فإن قيل: إنَّ أهلَ (١) البحرين لعلَّهم لم يكونوا مَجُوسًا. قيل له: روَى قيسُ بن مسلمٍ، عن الحَسَنِ بن محمدٍ، أنَّ النبيَّ عليه السلامُ كتَب إلى مَجُوس البَحْرين يدْعُوهم إلى الإسلام؛ فمَن أسلَم منهم قُبِل، ومَن أبى وجَبت عليه الجزيةُ، و (٢) لا تُؤكَلُ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكَحُ لهم امرأةٌ (٣) .

    vol. 2, p. 125
  38. وقد كتَب عمرُ بن عبد العزيز إلى عديِّ بن أرطاةَ: أمّا بعدُ، فَسَلِ الحَسَنَ - يعني البصريَّ - ما منَع مَن قبلَنا من الأئمةِ أن يَحُولوا بينَ المَجُوس وبينَ ما يَجمَعون من النساء اللّاتي لا يَجمَعُهنَّ أحدٌ غيرُهم؟ فسأله، فأخبرَه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبِل من مجوسِ البحرين الجزيةَ، وأقرَّهم على مجوسيَّتِهم، وعامِلُ (٤) رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ على البحرين العلاءُ بن الحَضْرَميِّ، وفعَله بعدَه أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعثمانُ. ذكَره الطحاويُّ (٥) ، قال: حدَّثنا بكارُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن حُمْرانَ، قال: حدَّثنا عوفٌ (٦) ، قال: كتَب عمرُ بن عبدِ العزيز.

  39. وذكَر مالكٌ في "الموطأ" (٧) ، عن ابن شهابٍ، قال: بلَغني أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذ الجزيةَ من مجوسِ البحرين، وأن عمرَ بن الخطاب أخَذها من مجوسِ فارسَ، وإن عثمانَ أخَذها من البربر.

  40. وذكَر عبد الرَّزَّاق (١) ، قال: أخبَرنا معمر، قال: سمعتُ الزهريَّ سُئِلَ: أتُؤْخذُ الجزيةُ ممّن ليس من أهل الكتاب؟ قال: نعم، أخَذها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من أهلِ البحرين، وعُمرُ من أهل السواد، وعثمانُ من بربر.

    قال (٢) : وأخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صالَح عَبَدةَ الأوثانِ على الجزيةِ إلّا مَن كان منهم من العرب، وقَبِل الجزيةَ من أهلِ البحرين وكانوا مجوسًا.

    قال أبو عُمر: هذا يدلُّ على أنَّ مَذْهبَ ابن شهابٍ أن العربَ لا تُؤخذُ منهم الجزيةُ إلّا أن يَدينُوا بدينِ أهل الكتاب. وما أعلمُ أحدًا روَى هذا الخبرَ المُرْسلَ عن ابنِ شهابٍ إلّا مَعْمَرًا، أعني قولَه: صالَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَبَدَةَ الأوثانِ على الجزيةِ إلّا مَن كان منهم من العرب، فاستثنَى العربَ وإن كانوا عَبدَةَ أوثانٍ من بين سائرِ عَبدَةِ الأوثان. وبه يقولُ ابنُ وَهْب.

    vol. 2, p. 126