جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

284 paragraphs · vol. 2, p. 69

Page 5 of 8

  1. وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونُسَ، عن ابن شهابٍ، قال: أُنزِلت في كفارِ العرب: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: ٣٩] . وأُنزِلت في أهل الكتاب: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآيةَ [التوبة: ٢٩] . قال ابنُ شهابٍ: فكان أوّلَ مَن أعطَى الجزيةَ من أهل الكتابِ أهلُ نَجْرانَ فيما علِمْنا، وكانوا نصارَى. قال ابنُ شهاب: ثم قَبِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل البَحْرين الجزيةَ وكانوا مجوسًا، ثم أدَّى أهلُ أيلَةَ، وأهلُ أذرُحَ، وأهلُ أذرِعَاتٍ، إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقَرُّوا له في غزوةِ تبوكَ. قال ابنُ شهابٍ: ثم بعَث خالدَ بن الوليدِ إلى أهلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ، وكانوا من عِبَادِ (٣)

    vol. 2, p. 126
  2. الكُوفة، فأسَر رأسَهم أُكَيدِرَ، فقاضاه على الجَزْية. قال ابنُ شهاب: فمَن أسلَم من أولئك كلِّهم قُبِل منه الإسلامُ، وأَحْرَزَ له إسلامُه نفسَه ومالَه إلّا الأرضَ؛ لأنّها كانت من فَيءِ المسلمين.

    قال ابنُ وَهْبٍ: وأخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: حدَّثني ابنُ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذ الجزيةَ من مجوسِ هجرَ، وإنَّ عُمرَ بن الخطاب أخَذها من مجوسِ السوادِ، وإن عثمانَ أخَذها من بربرٍ.

    vol. 2, p. 127
  3. وذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن الثوريِّ، عن محمدِ بن قيسٍ، عن الشعبيِّ، قال: كان أهلُ السوادِ ليس لهم عهدٌ، فلمّا أُخِذ منهم الخراجُ كان لهم عهدٌ.

    قال أبو عُمر: أهلُ العهدِ وأهلُ الذمةِ سواءٌ، وهم أهلُ العَنوةِ يُقَرُّون بعدَ الغَلَبَةِ عليهم فيما جعَله اللهُ للمسلمينَ وأفاءَه عليهم منهم ومن أرْضِهم، فإذا أقَرُّوهم كانوا أهلَ عهدٍ وذمةٍ، تُضرَبُ على رءُوسِهم الجزيةُ ما كانوا كُفارًا، ويُضرَبُ على أرضِهم الخَرَاجُ فيئًا للمسلمين؛ لأنّها ممّا أفاءَ اللهُ عليهم، ولا يسقُطُ الخراجُ عن الأرضٍ بإسلام عامِلِها. فهذا حكمُ أهلِ الذِّمة، وهم أهلُ العَنوةِ الذين غُلِبُوا على بلادِهم وأُقِرُّوا فيها.

  4. وأمّا أهلُ الصُّلحِ فإنّما عليهم ما صُولِحوا عليه يُؤدُّونَه عن أنفسِهم وأموالِهم وأرْضِهم وسائرِ ما يَملِكُونه، وليس عليهم غيرُ ما صُولِحوا عليه إلّا أن يَنْقُضوا، فإن نَقَضُوا فلا عهدَ لهم ولا ذمةَ، ويعودونَ حربًا إلّا أن يُصالِحوا بعدُ.

  5. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن يحيى بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنةَ،

    vol. 2, p. 128عن عَمْرو بن دينار، سَمِع بَجَالَةَ يقول: كنتُ كاتبًا لجَزْءِ بن معاويةَ عمِّ الأحنف، فأتانا كتابُ عُمرَ قبلَ موتِه بسنةٍ؛ أن اقتُلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ. قال: ولم يكنْ عُمرُ أخَذ الجزيةَ من المَجُوسِ حتى شَهِد عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ أن النبيَّ عليه السلامُ أخَذها من مجوسِ هَجَرَ (١) .

  6. ورواه أبو مُعاويةَ، عن الحجَّاج بن أرطاةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن بَجَالةَ بن عَبْد (٢) ، قال: كنتُ كاتبًا لجَزْءِ بن معاويةَ على مَناذِرَ (٣) ، فقَدِم علينا كتابُ عُمرَ؛ أن انظُرْ وخُذْ من مجوسِ مَن قِبَلَك الجزيةَ، فإنَّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ أخبرَني أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذ من مجوسِ هَجَرَ الجزية (٤) .

  7. وحدَّثنا أبو القاسم خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح المقرئُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن سُليمانَ بن الأشعثِ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بن محمدِ بن شُجاع، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ بن بَشير، عن [داودَ، عن قُشَير (٥) بن] عَمْرٍو، عن بَجَالةَ بن عَبْد، أنَّ عبدَ الرحمن بن عوفٍ قال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أخَذ من مَجُوسِ هَجَرَ الجزيةَ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: فرأيتُ منهم رَجُلًا أتَى النبيَّ عليه السلامُ، فدخَل عليه ومكَث عندَه ما مكَث، ثم خرَج، فقلتُ: ما قضَى اللهُ ورسولُه؟ قال: شرٌّ. قلتُ: مَهْ؟ قال:

    vol. 2, p. 129الإسلامُ أو القتلُ. قال ابنُ عباسٍ: فأخَذ الناسُ بقولِ عبد الرحمن بن عوفٍ وترَكوا قولي (١) .

    قال أبو عُمر: كان ابنُ عباسٍ يذهَبُ إلى أنَّ أموالَ أهلِ الذمةِ لا شيءَ فيها.

  8. ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢) قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، أنَّ إبراهيمَ بن سَعْدٍ سأل ابنَ عباسٍ، وكان عاملًا بعَدَنَ، فقال لابن عباسٍ: ما في أموالِ أهلِ الذمةِ؟ قال: العَفْوُ (٣) . قال: إنَّهم يأمُرونَنا بكذا وكذا. قال: فلا تعمَلْ لهم. قلتُ له: فما في العَنْبَرِ؟ قال: إن كان فيه شيءٌ فالخُمسُ.

    قال أبو عُمر: قد رُوِي عنه أنَّ العَنْبرَ ليسَ فيه شيءٌ، إنّما هو شيءٌ دسَرَهُ البَحْرُ (٤) . وعلى هذا جمهورُ العلماءِ. وكان ابنُ عباسٍ لا يرى في أموالِ أهلِ الذمةِ شيئًا، تَجَرُوا في بلادِهم أو في غير بلادِهم، أو لم يتْجُروا، ولا يَرَى عليهم غيرَ جزيةِ رؤُوسِهم. وقد أخَذ عمرُ بن الخطابِ من أهلِ الذمةِ ممّا كانوا يَتجُرون به، ويختَلِفون به إلى مكةَ والمدينةِ وغيرِهما من البلدانِ. ومضَى على ذلك الخلفاءُ. وكان عمرُ بن عبدِ العزيزِ يأمرُ به عمالَه. وعليه جماعةُ الفقهاءِ، إلّا أنّهم اختَلفوا في المقدارِ المأخوذِ منهم. وكذلك اختلَفتِ الروايةُ في ذلك عن عمرَ بن الخطابِ

    vol. 2, p. 130رحِمه اللهُ؛ فروَى مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، عن أبيه، أن عمرَ بن الخطابِ كان يأخذُ من النَّبَطِ من الحنطةِ والزيتِ نصفَ العُشْرِ، يريدُ بذلك أن يكثُرَ الحَملُ إلى المدينةِ، ويأخُذُ من القِطْنِيَّةِ العُشرَ.

  9. وروَى مالكٌ (٢) أيضًا عن ابن شهابٍ، عن السائبِ بن يزيدَ، قال: كنتُ عاملًا مع عبدِ الله بن عُتبةَ بن مَسْعودٍ على سُوقِ المدينةِ في زمانِ عمرَ بن الخطابِ، فكان يأخُذُ من النَّبَطِ العُشرَ.

  10. وروَاه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن السائبِ بن يزيدَ، أنَّ عُمَرَ كان يأخُذُ من أهلِ الذمةِ نصفَ العُشرِ (٣) .

  11. وكذلك روَى أنسُ بن سيرينَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ عُمرَ كان يأخُذُ من المُسلمِ رُبُعَ العُشرِ، ومن الذميِّ نصفَ العُشْرِ، ومن الحربيِّ إذا دخَل من الشامِ العُشرَ (٤) . وبهذا يقولُ الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بن حيٍّ. ويعتبِرون النصابَ في ذلك والحَوْلَ، فيأخُذون من الذمِّيِّ نصفَ العُشرِ إذا كان معه مئتا درهم، ولا يؤخذُ منه شيءٌ إلى الحولِ، ومن المُسلمِ زكاةَ مالِه الواجبةَ رُبُعَ العُشر.

  12. هذه روايةُ الأشجعيِّ، عن الثوريِّ، كقولِ أبي حنيفةَ.

  13. وروَى عنه أبو أسامةَ أن الذميَّ يؤخذُ منه من كلِّ مئة درهمٍ خمسةُ دراهمَ،

    vol. 2, p. 131فإنْ نقَصَتْ من المئة، فلا شيءَ عليهم، لم (١) يَعْتَبِرُ النِّصابَ في هذه الروايةِ كنصابِ المُسلم.

    قال مالكٌ (٢) : يُؤخذُ من الذميِّ كلَّما تَجَر من بَلَدِه إلى غيرِ بلدِه، كما لو تَجَر من الشامِ إلى العراقِ أو إلى مِصرَ، من قليلِ ما يَتْجُرُ به في ذلك وكثيرِه كلَّما تَجَر، ولا يُرَاعَى في ذلك نصابٌ ولا حولٌ، وأمّا المقدارُ المأخوذُ فالعُشرُ، إلّا في الطعامِ إلى مكةَ والمدينةِ، فإنَّ فيه نِصفَ العُشْرِ على ما فعَل عُمرُ، ولا يُؤخذُ منهم إلّا مرةً واحدةً في كلِّ سَفْرةٍ عندَ البيعِ لما جَلَبُوه، فإن لم يبيعُوا شيئًا ودخَلوا بمالٍ ناضٍّ، لم يُؤخذْ منهم حتى يَشْتَروا، فإن اشتَرَوا أُخِذ منهم، فإن باعَ ما اشترَى لم يُؤخذْ منه شيءٌ ولو أقامَ سنينَ، وعَبِيدُهم كذلك، إن تَجَرُوا يُؤخذُ منهم مثلُ ما يُؤخذُ من ساداتِهم.

    وقال الشافعيُّ (٣) : لا يُؤخذُ من الذميِّ في السنةِ إلّا مرةً واحدةً، كالجزية، ويُؤخذُ منهم ما أخَذ عُمرُ بن الخطابِ، من المُسلمِ رُبُعُ العُشرِ، ومن الذميِّ نصفُ العُشرِ، ومن الحربيِّ العُشرُ، اتباعًا له. وهو قولُ أحمدَ (٤) .

  14. فإن قال قائلٌ: كيف ادَّعَيْتَ الإجماعَ على أنّه لا يجوزُ للمسلمينَ نكاحُ المجوسياتِ، وقد تزوَّج بعضُ الصحابةِ مجوسيةً؟ قيل له: هذا لا يصحُّ، ولا يُوجدُ من وجهٍ ثابتٍ (٥) ، وإنّما الصحيحُ، واللهُ أعلمُ، عن حذيفةَ، أنّه تزوَّج

    vol. 2, p. 132يهوديةً (١) ، وعن طلحةَ بن عُبَيدِ الله أنّه تزوَّج يهوديةً (٢) . وقد كرِه ذلك عمرُ بن الخطابِ لحذيفةَ رضِي اللهُ عنهما؛ خشيةَ أن يَظُنَّ الناسُ ذلك.

  15. ورَوَينا عن سعيدِ بن المسَيِّبِ، أنَّ عُمرَ بن الخطابِ كتَب إلى حذيفةَ بن اليمانِ وهو بالكوفةِ، وكان نَكَحَ امرأةً من أهلِ الكتابِ، فكتَب عُمرُ؛ أن فارِقْها فإنَّكَ بأرضِ المجوسِ، وإنّي أخشَى أن يقولَ الجاهلُ: قد تزوَّج صاحبُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كافِرةً، ويجهَلَ الرخصةَ التي كانت من الله عزَّ وجلَّ في نساءِ أهلِ الكتابِ، فيتزوَّجوا نساءَ المجوسِ. ففارَقها حذيفةُ (٣) . وإجماعُ فقهاءِ الأمصارِ على أن نكاحَ المجوسياتِ والوثنياتِ وما عدَا اليهودياتِ والنَّصْرانياتِ من الكافراتِ لا يَحِلُّ، يُغْني عن الإكثارِ في هذا.

  16. ذَكَرَ عبدُ الرزاقِ (٤) ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن قيسِ بن مُسلم، عن الحَسَنِ (٥) بن محمدِ بن عليٍّ قال: كتب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مجوسِ هَجَرَ يدعُوهم إلى الإسلام، فمَن أسلَم قُبِل منه، ومن أَبى كُتِبت (٦) عليه الجزيةُ، ولا تُؤكلُ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكحُ لهم امرأةٌ (٧) .

  17. واختلَف العلماءُ في مقدارِ الجزية؛ فقال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: لا توقيتَ في ذلك، وإنّما هو على ما صُولِحوا عليه. وكذلك قال يحيى بنُ آدمَ، وأبو عُبيدٍ، والطبريُّ، إلّا أن الطبريَّ قال: أقلُّه دينارٌ، وأكثرُه لا حدَّ له إلّا الإجحافَ (١) والاحتِمالَ. قالوا: الجزيةُ على قدرِ الاحتمالِ بغيرِ توقيتٍ، يجتهِدُ في ذلك الإمامُ، ولا يُكلِّفُهم ما لا يُطِيقون، وإنّما يُكلِّفُهم من ذلك ما يَستطيعُون ويَخِفُّ عليهم. هذا معنى قولِهم.

    vol. 2, p. 133
  18. وأظنُّ من ذهَب إلى هذا القولِ يحتجُّ بحديثِ عَمْرِو بن عوفٍ الذي قدَّمنا ذكرَه هذا البابِ؛ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صالَحَ أهلَ البَحْرين على الجزيةِ. وبما ذَكره محمدُ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عُمرَ، عن أنسٍ، أنَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعَث خالدَ بن الوليدِ إلى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فأخَذه وأتَى به، فحَقَن له دَمَه وصالَحَهُ على الجزيةِ (٢) ؛ وبحديثِ السُّدّيِّ، عن ابن عباسٍ، في مصالحةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أهلَ نَجْرانَ (٣) ؛ ولما روَاه مَعْمرٌ، عن ابن شهابٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صالَح عَبَدَةَ الأوثانِ على الجزيةِ، إلّا ما كان من العربِ. ولا نعلَمُ أحدًا روَى هذا الخبرَ بهذا اللفظِ عن ابن شهابٍ إلّا مَعْمرًا.

    وقال الشافعيُّ (٤) : المقدارُ في الجزيةِ دينارٌ على الغَنِيِّ والفقيرِ من الأحرارِ البالغينَ، لا يَنْقُصُ منه شيءٌ. وحُجَّتُه في ذلك أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فأمَره أن يأخُذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا في الجزية. وهو المبَيِّنُ عن الله عزَّ وجلَّ مُرادَه - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا قال أبو ثورٍ.

    قال الشافعيُّ (٥) : وإن صُولِحُوا على أكثَرَ من دينارٍ جازَ، وإن زادوا وطابَتْ بذلك أنفسُهم قُبِل منهم، وإن صُولِحُوا على ضِيافةِ ثلاثةِ أيَّامٍ جاز، إذا كانتِ

    vol. 2, p. 134الضِّيافةُ معلومةً في الخُبزِ والشعيرِ والتِّبْنِ والإدَام. وذُكِر ما على الوَسَطِ من ذلك، وما على الموسِرِ (١) ، وذُكِر موضعُ النُّزُولِ والكنُّ من البَردِ والحرِّ، ولا يُقْبَلُ من غَنِيٍّ ولا فقيرٍ أقلُّ من دينارٍ؛ لأنّا لم نَعلَمْ أنَّ النبيَّ عليه السَّلامُ صالحَ أحدًا على أقلَّ من دينَارٍ.

    وقال في مَوْضِع آخرَ (٢) : أَخْذُ عُمرَ الجِزْيَةَ من أهلِ الشَّام إنّما كان على وَجْهِ الصُّلْح، فلذلك اختلَفَت ضرائبُه (٣) ، ولا بأسَ بما صُولِحَ عليه أهلُ الذِّمَّةِ.

  19. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ النُّفَيْلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن معاذٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لما وجَّهَه إلى اليمنِ أمَره أن يأخُذَ من كُلِّ حالِمٍ - يعني مُحْتَلِمًا - دينارًا أو عَدْلَه من المَعافِرِ؛ ثيابٌ تكونُ باليَمَنِ (٥) .

  20. هكذا قال أبو معاويةَ في هذا الحديثِ: عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن معاذٍ. وإنَّما هو: عن أبي وائلٍ، عن مَسْروقٍ، عن مُعاذٍ (٦) .

  21. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن أبي وائل، عن مسروقٍ، قال: بعَث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليَمَنِ،

    vol. 2, p. 135فأمَرَه أن يأخُذَ من كُلِّ حالِمٍ في كلِّ عام دينارًا أو عَدْلَه مَعافِرَ، ومن البَقَرِ من كلِّ ثلاثينَ بَقَرَةً تَبِيعًا، ومن كلِّ أربعينَ مُسنَّةً (١) .

  22. وهكذا روَاه شعبةُ (٢) ، وجماعةٌ، عن الأعمشِ، كما روَاه أبو عَوانَةَ بإسنادِه هذا. وهو حديثٌ صحيحٌ. وكذلك رواه عاصِمُ بن بَهْدَلَة، عن أبي وائلٍ، عن مسروقٍ، عن مُعاذٍ (٣) .

    وقال مالكٌ: أربعةُ دَنانِيرَ على أهلِ الذَّهَبِ، وأربعون دِرْهَمًا على أهلِ الوَرِقِ، الغنِيُّ والفَقِيرُ سواءٌ، لا يُزَادُ ولا يُنْقَصُ على ما فرَضَ عُمَرُ، لا يُؤْخَذُ منهم غيرُه. وقال أبو حنيفَةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ حَيٍّ، وأحمدُ بن حنبلٍ: اثْنَا عشَرَ، وأربعةٌ وعشرُونَ، وثمانيةٌ وأربعونَ (٤) .

    وقال الثوريُّ: جاءَ عن عُمرَ بن الخطابِ في ذلك ضَرائبُ مختلفةٌ، فللْوالي أن يأخُذَ بأيِّها شاءَ إذا كانوا ذِمَّةً، وأما أهلُ الصُّلْح فما صُولحُوا عليه لا غيرُ.

    قال أبو عُمر: روَى مالكٌ (٥) ، عن نافعٍ، عن أسلَمَ، أنَّ عمرَ بن الخطابِ ضَرَب الجِزْيَةَ على أهلِ الذَّهَب أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهلِ الوَرِقِ أربعين دِرْهمًا، مع ذلك أرْزاقُ المُسلمين، وضِيافَةُ ثلاثةِ أيام.

  23. وروَى إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ، أنَّ عُمرَ بعَث

    vol. 2, p. 136عثمانَ بن حُنيفٍ، فوضَعَ الجِزيَةَ على أهلِ السَّوادِ؛ ثمانيةً وأربعين، وأربعةً وعشرين، واثنَي عشرَ (١) .

  24. وذكر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن الثوريِّ، قال: ذُكِرَت عن (٣) عمرَ ضرائبُ مختَلِفةٌ على أهلِ الذِّمَّةِ الذين أُخِذُوا عَنْوَةٌ. قال الثوريُّ: وذلك إلى الوالي، يَزيدُ عليهم بقَدْرِ يُسْرِهم، ويضَعُ عنهم بقَدْرِ حاجَتِهم، وليس لذلك وَقْتٌ، ولكنْ ينظُرُ في ذلك الوالي على قَدْرِ ما يُطِيقُونَ، فأمَّا ما لم يُؤْخَذْ عَنْوَةً حتى صُولِحُوا صُلْحًا، فلا يُزَادُ عليهم شيءٌ على ما صُولِحُوا عليه، والجزيةُ على ما صُولِحوا عليه من قليلٍ أو كثيرٍ، في أرضِهم وأعناقِهم، وليس في أموالِهم زَكاةٌ.

  25. وأجْمَع العلماءُ على أنْ لا زكاةَ على أهلِ الكتابِ ولا المجوسِ في شيءٍ من مَواشِيهم ولا زُرُوعِهم ولا ثمَارِهم، إلّا أن من العلماءِ من رأى تَضعِيفَ الصَّدَقةِ علي بني تَغْلِبَ دُونَ جِزْيَةٍ؛ وهو فعلُ عمرَ بن الخَطَّابِ فيما روَاه أهلُ الكوفَةِ.

  26. ومِمَّن ذهَب إلى تَضعيف الصَّدَقةِ على بَنِي تَغْلِبَ دونَ جِزْية: الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، قالوا: يُؤْخذُ منهم من كُلِّ ما يُؤْخَذُ من المُسلمِ مِثْلَا ما يُؤخَذ من المُسلمِ، حتى في الرِّكازِ يُؤْخَذُ منهم خُمُسانِ، وما يُؤْخَذُ من المُسلمِ فيه العُشرُ أُخِذ منهم عُشْرانِ، وما أُخِذ من المُسلمِ فيه رُبُعُ العُشْرِ أُخِذَ منهم نصفُ العُشْرِ. ويجرِي ذلك على أموالِهم ونِسائِهم ورِجالِهم

    vol. 2, p. 137بخِلافِ الجِزيةِ. وقال زُفَرُ: لا شيءَ على نِساءِ بني تَغْلِبَ في أموالِهم (١) .

  27. وليس عن مالكٍ في هذا شيءٌ مَنْصُوصٌ، ومذهبُه عندَ أصحابِه أنَّ بني تَغْلِبَ وغيرَهم سواءٌ في أخذِ الجِزْيَةِ منهم. وقد جاءَ عن عُمرَ أنّه إنّما فعَل ذلك بهم على ألّا يُنَصِّرُوا أولادَهم، وقد فعَلُوا ذلك، فلا عَهْدَ لهم. كذلك قال داودُ بن كُرْدُوسٍ، وهو راويةُ حديثِ عُمرَ في بَنِي تَغْلِبَ (٢) .

    قال أبو عُمر: قد عَمَّ اللهُ أهلَ الكتابِ في أخذِ الجِزيَةِ منهم، فلا وجهَ لإخراجِ بني تَغْلِبَ عنهم. وأجمَع العلماءُ على أن الجِزْيَةَ إنّما تُضربُ على البالغين من الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ والصِّبيانِ. وأجمَعوا أن الذِّمِّيَّ إذا أسلَمَ فلا جِزْيَةَ عليه فيما يُسْتَقْبَلُ، واختَلَفُوا فيه إذا أسلَمَ في بعضِ الحَوْلِ، أو مات قبلَ أن يَتِمَّ حولُه؛ فقال مالكٌ (٣) : إذا أسلَمَ الذِّمِّيُّ سقَطَ عنه كلُّ ما لَزِمَه من الجِزْيَةِ لما مَضَى، وسَواءٌ اجتمَعَ عليه حولٌ أو أحوالٌ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وعُبيد الله بن الحَسَنِ (٤) .

    وقال أبو حنيفةَ: إذا انْقَضَتِ السِّنَةُ ولم يُؤْخَذْ منه شيءٌ، ودخَلَتْ سنةٌ أُخرَى، لم يُؤخذْ منه شيءٌ لِمَا مَضَى.

    وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يُؤْخَذُ منه.

    وقال الشافعيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ: إذا أسلَمَ في بعض السَّنَةِ أُخِذَ منه بحساب.

    قال الشافعيُّ: فإن أفْلَسَ فالإمامُ غَرِيمٌ من الغُرَماءِ.

  28. وقولُ أحمدَ بن حنبلٍ في المسألةِ كقولِ مالكٍ، وهو الصوابُ إن شاءَ اللهُ، والحمدُ لله (٥) .

  29. حديثٌ سابعٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُرْسَل

    مالكٌ (١) ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليَمِينِ مع الشّاهدِ.

    vol. 2, p. 138
  30. وهذا الحديثُ في "الموطأ" عن مالكٍ مرسَلٌ عند جماعةِ رواتِه، وقد رُوِي عنه مُسندًا.

  31. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله القاضي، قال: حدَّثنا حامدُ بن محمدِ بن هارونَ الحَضْرميُّ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن مَنْصورٍ الدَّبَّاغُ، قال: حدَّثنا عثمانُ بن خالدٍ المدنيُّ العثمانيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى بشاهدٍ ويمينٍ (٢) .

  32. هكذا حدّث به عثمانُ بن خالدٍ المدَنيُّ، عن مالكٍ بإسنادِه هذا مُسْندًا، والصحيحُ فيه عن مالكٍ أنّه مرسلٌ في روايتِه (٣) .

  33. وقد تابَع عثمانَ بن خالدٍ العثمانيَّ على روايَتِه هذه في هذا الحديث عن مالكٍ، إسماعيلُ بن موسى الكوفيُّ، فرواه أيضًا عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر (٤) .

  34. ورواه محمدُ بن عبد الرحمن بن ردَّادٍ (١) ومسكينُ بن بُكيرٍ (٢) ، كلاهما عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمين مع الشاهد. والصحيحُ عن مالكٍ ما في "الموطأ" .

    vol. 2, p. 139
  35. وروَى أبو حُذافةَ، عن مالكٍ في هذا الباب حديثًا مُنْكَرًا (٣) ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ عليه السلام.

  36. حدَّثناه خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ المُطرِّز، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسن بن هارون، قال: حدَّثنا أبو حُذافةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمينِ مع الشاهد (٤) .

  37. وقد أسنَده عن جعفر بن محمدٍ جماعةٌ حُفّاظٌ، وزيادةُ الحافظِ مقبولةٌ، فممَّن أسنَده: عبيدُ الله بن عمرَ، وعبدُ الوهاب الثَّقفيُّ، ومحمدُ بن عبد الرحمن بن

    vol. 2, p. 140ردَّادٍ المَدَني (١) ويحيى بن سُليمٍ (٢) ، وإبراهيمُ بن أبي حيّة (٣) .

  38. وروَاه ابن عيينةَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه مرسلًا كما رواه مالكٌ. وكذلك روَاه الحكمُ بن عُتَيْبَة وعَمْرو بن دينارٍ جميعًا عن محمدِ بن عليٍّ مرسلًا.

  39. فأمّا حديثُ عبيدِ الله بن عمرَ، فحدَّثناه عبدُ الرحمن بن عبد الله بن خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بن محمد بن أحمدَ بن لُؤْلُؤٍ البغداديُّ، قال: حدَّثنا أبو الحسن عليُّ بن الحسنِ القافْلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو همّامٍ عبدُ الله بن عبد السلام، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عبد المجيد الحَنَفيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عمرَ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بن عبد الله، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَضَى باليمين مع الشاهد (٤) .

  40. وروَاه محمدُ بن عيسى بن سُمَيع، عن عُبيدِ الله بن عمرَ مثلَه سواءً (٥) .