صفوان بن سليم
145 paragraphs · vol. 10, p. 243
Page 2 of 4
- vol. 10, p. 254
وقولُهُم هذا يدُلُّ على أنَّ ذلك كان كثِيرًا ما يَرْكبُونهُ، لطلَبِ الرِّزقِ من أنواع التِّجارةِ وغيرِها، وللجِهادِ، وسائرِ ما فيه إباحةٌ أو فَضِيلة، واللَّهُ أعلمُ، فلم ينهَهُم عن رُكُوبِهِ.
-
وهذا عِندِي إنَّما يكونُ لمن سَهُلَ ذلك عليه، ولم يشُقَّ عليه ويصعُب به كالمائدِ (٣) المُفرِطِ الميدِ، أو من لا يقدِرُ معهُ على أداءِ فُرُوضِ الصَّلاةِ، ونَحْوِها من الفرائضِ.
-
ولا يجُوزُ عندَ أهلِ العِلم رُكُوبُ البَحْرِ في حِينِ ارتِجاجِهِ، ولا في الزَّمنِ الذي الأغلَبُ منهُ عَدَمُ السَّلامةِ فيه، والعَطَبُ والهلاكُ، وإنَّما يجُوزُ عندَهُم رُكُوبُهُ في زمانٍ تكونُ السَّلامةُ فيه الأغلبَ، واللَّه أعلمُ.
- vol. 10, p. 255
وفي قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: ٢٢] . وقولِهِ تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} [البقرة: ١٦٤] ما فيه كِفايةٌ ودلالةٌ واضِحةٌ في إباحةِ رُكُوبِ البَحْرِ، إذا كان كما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا.
-
وأمّا ما جاءَ عن عُمرَ بن الخطّابِ وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ وغَيْرِهِما من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا ينهَوْنَ عن رُكُوبِ البحرِ (١) ، فإنَّما ذلك على الاحتِياطِ، وتركِ التَّغرِيرِ بالمُهَجِ في طَلَبِ الاستِكثارِ من الدُّنيا، والرَّغْبةِ في المالِ، واللَّه أعلمُ.
-
وإذا جازَ رُكُوبُ البَحرِ في الجِهادِ، وطلَبِ المعِيشةِ، فرُكُوبُهُ للحَجِّ في أداءِ الفَرْضِ أجوَزُ، لمن قدرَ على ذلك، وسَهُلَ عليه.
-
وقد رُوِي عنِ الشّافعيِّ رحِمهُ اللَّه، أَنَّهُ قال: ما يبِينُ لي أنْ أُوجِبَ الحجَّ على من وراءَ البحرِ، ولا أدرِي كيفَ استِطاعتُهُ (٢) .
قال أبو عُمر: قد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ مَن بينَهُ وبين مَكّةَ من اللُّصُوصِ والفِتَنِ ما يقطعُ الطَّرِيقَ، ويخافُ منهُ في الأغلَبِ ذَهابُ المُهجةِ، أو المالِ (٣) ، فليسَ مِمَّنِ استطاعَ إليه سَبِيلًا، فكذلك أهوالُ البَحرِ، واللَّه أعلمُ.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا من الفِقهِ: أنَّ المُسافِرَ إذا لم يَكُن معهُ من الماءِ إلّا ما يَكْفيه لشُربِهِ، وما لا غِنَى به عنهُ لشَفَتِهِ: أَنَّهُ جائزٌ لهُ أن يتيمَّمَ، ويترُكَ ذلك الماءَ لنَفسِهِ، حتّى يجِدَ الماءَ.
- vol. 10, p. 256
وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الحِلُّ مَيْتتُهُ" . يقالُ: حِلٌّ وحلالٌ، وحِرمٌ وحرامٌ، بمعنًى واحِدٍ، فإنَّ العُلَماءَ اختَلَفُوا في ذلك (١) .
فقال مالكٌ: يُؤكَلُ ما في البَحرِ من السَّمكِ والدَّوابِّ، وسائرِ ما في البَحرِ من الحَيَوانِ، وسَواءٌ اصْطِيدَ، أو وُجِد ميِّتًا، طافِيًا وغير طافٍ. قال: وليسَ شيءٌ من ذلك يحتاجُ إلى ذَكاةٍ، لقولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ" .
-
وكرِهَ مالكٌ خِنْزِير الماءِ، من جِهةِ اسمِهِ، ولم يُحرِّمهُ، وقال: أنتُم تقولُونَ خِنزِيرٌ. وقال ابنُ القاسم: أنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حرامًا.
وقال ابنُ أبي ليلى: لا بأسَ بأكلِ كلِّ شيءٍ يكونُ في البَحْرِ، من الضُّفدُع، والسَّرطانِ (٢) وحيّةِ الماءِ، وغيرِ ذلك.
-
وهُو قولُ الثَّورِيِّ في رِوايةِ الأشْجَعِيِّ.
-
ورَوَى عنهُ أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، أَنَّهُ قال: لا يُؤكَلُ من صَيْدِ البَحرِ إلّا السَّمكُ.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا يُؤكَلُ السَّمكُ الطّافِي، ويُؤكلُ ما سِواهُ من السَّمَكِ، ولا يُؤكَلُ شيءٌ من حَيوانِ البَحرِ إلّا السَّمكُ.
وقال الأوزاعِيُّ: صَيْدُ البَحرِ كلُّهُ حَلالٌ. ورَواهُ عن مُجاهِدٍ.
-
وكرِهَ الحسنُ بن حيٍّ أكلَ الطّافِي من السَّمكِ.
وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: ليسَ بمَيْتةِ البحرِ بأسٌ. قال: وكذلك كَلْبُ الماءِ، وتُرسُ الماءِ (٣) . قال: ولا يُؤكَلُ إنسانُ الماءِ، ولا خِنْزِيرُ الماء.
vol. 10, p. 257وقال الشّافعيُّ: ما يَعِيشُ في الماءِ، فلا بأسَ بأكلِهِ، وأخذُهُ ذكاتُهُ، ولا بأسَ بخِنزِيرِ الماء.
قال أبو عُمر: قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ} [المائدة: ٩٦] فرُوِي عن عُمرَ بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عبّاسٍ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وأبي هريرةَ قالوا: طَعامُهُ: ما ألْقَى وقذفَ (١) .
-
ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ أنَّهُ قال: طعامُهُ: ميتتُهُ (٢) ، وهُو في ذلك المعنى، ورُوِي عنهُ أنَّهُ قال: طعامُهُ مَليحُهُ (٣) .
-
ورُوِي عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ قال: كلُّ دابّةٍ في البحرِ فقد ذَبَحها اللَّهُ لكُم (٤) .
-
ذكَرَ عبدُ الرَّزّاق، قال (٥) : أخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن مولًى لأبي بكرٍ، عن أبي بكرٍ، قال: كلُّ دابّةٍ في البَحرِ قد ذَبَحها اللَّهُ لكَ، فكُلها.
قال (٦) : وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن عبدِ الملِكِ بن أبي بَشِيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس، قال: أشْهَدُ على أبي بكرٍ أنَّهُ قال: السَّمكةُ الطّافِيةُ حلالٌ لمن أرادَ أكلَها.
-
ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالِبٍ: أنَّهُ كرِهَ الطّافِيَ من السَّمكِ، ورُوِي عنهُ:
vol. 10, p. 258أنَّهُ كرِهَ أكلَ الجِرِّي (١) ، من وَجْهٍ لا يثبُتُ. ورُوِيَ عنهُ: أَنَّهُ لا بأسَ بأكلِ ذلك كلِّهِ، وهُو أصحُّ عنهُ.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ الثَّورِيِّ، عن جَعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ رضِي اللَّه عنهُ، قال: الجَرادُ والحِيتانُ ذكِيٌّ كلُّهُ.
-
فعليٌّ مخُتلَفٌ عنهُ في أكلِ الطّافِيَ من السَّمكِ.
-
ولم يُختلَف عن جابرٍ: أنَّهُ كرِهَ أكلَ الطّافِيَ من السَّمَكِ (٣) .
-
وهُو قولُ طاوُوسٍ، ومحمدِ بن سِيرِين، وجابرِ بن زيدٍ (٤) ، وأبي حنِيفةَ وأصحابِه.
-
واحتجَّ لهم من أجازَ ذلك، بما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حَدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بن عَبْدةَ، قال: أخبرنا
vol. 10, p. 259يحيى بن سُلَيم الطّائفِيُّ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بن أُميّةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما ألْقَى البَحرُ أو جزَرَ عنهُ فكُلُوهُ، وما ماتَ فيه وطَفا فلا تأكُلُوهُ" . قال أبو داودَ: رَوَى هذا الحديثَ سُفيانُ الثَّورِيُّ وأيُّوبُ السَّختِيانِيُّ وحمّادُ بن سَلَمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، موقُوفًا من قولهِ، لم يُسنِدوه (١) .
قال: وقد أُسنِدَ هذا الحديثُ من وجهٍ ضعيف، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ (٢) (٣) .
-
وحُجّةُ مالكٍ والشّافعيِّ في هذا البابِ، قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- في البحرِ: "هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتتُهُ" . وأصحُّ ما في هذا البابِ من جِهةِ الإسنادِ، مِمّا هُو حُجّةٌ لمالكٍ والشّافعيِّ، حديثُ ابنِ عُمرَ، وحديثُ جابرٍ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ المدنِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: حدَّثني عُمرُ بن محمدٍ، أنَّ نافعًا حدَّثهُ، أنَّ ابنَ عُمرَ قال: غَزَونا، فجُعنا حتّى إنّا لنَقْسِمُ التَّمرةَ والتَّمْرَتينِ، فبَيْنما نحنُ على شاطِئ البَحرِ، إذ رَمَى البحرُ بحُوتٍ مَيْتةٍ، فاقتطَعَ النّاسُ منهُ ما شاؤُوا من شَحْم ولحم،
vol. 10, p. 260وهُو مِثلُ الظَّرِبِ (١) ، فبَلَغنِي أنَّ النّاس لمّا قَدِمُوا على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبَرُوهُ فقال: "هل مَعكُم منهُ شيءٌ؟ " (٢) .
-
وأمّا حديثُ جابر: فحدَّثنا سَعِيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمان بن حربٍ (٣) ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: بَعَثَنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٤) سرِيّةً، وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ بن الجرّاح، وزَوَّدنا جِرابًا من تمرٍ، فكان يقسِمُهُ بَيْننا قبضةً قبضةً، ثُمَّ أقامَ ذلك حتّى صارَ تمرةً تمرةً، فلمّا فقَدْناها وجَدْنا فَقْدَها، فمَرَرنا بساحِلِ البَحرِ، فإذا حُوت يقالُ لهُ: العَنْبرُ، ميِّتٌ، فأرَدْنا أن نُجاوِزهُ، ثُمَّ قُلنا: نَحْنُ جيشُ رسُولِ اللَّه، فأقَمْنا عليه عِشرِينَ ليلةً نأكُلُ منهُ، وادَّهنّا من ذلك الشَّحم، ولقد قعدَ في عينِهِ ثلاثةَ عشرَ رجُلًا منّا، فلمّا قَدِمنا ذكَرْنا ذلك للنَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "رِزقٌ ساقَهُ اللَّهُ إليكُم، فهل عندَكُم منهُ شيءٌ؟ " (٥) .
-
ففي هذا الحديثِ -وهُو من أثبتِ الأحادِيث- دليلٌ على أنَّ ما قذَفَ البحرُ، أو مات فيه، من دابّةٍ وسَمَكةٍ، حلالٌ كلُّهُ.
-
ولهذا الحديثِ طُرُقٌ كثِيرةٌ، قد ذكَرْنا كثِيرًا منها في غيرِ هذا الموضِع.
- vol. 10, p. 261
وفيه ما يُصحِّحُ حديثٌ صفوانَ بن سُلَيم، عن سعِيدِ بن سَلَمةَ، وأنَّ حديثَ سعِيدِ بن سلَمةَ، لهُ أصلٌ في رِوايةِ الثِّقاتِ.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا النُّفيلِيُّ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: بعَثَنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمَّرَ علينا أبا عُبَيدةَ بن الجرّاح نتلَقَّى عيرًا لقُريشٍ، فزَوَّدنا جرابًا من تمرٍ لم يجد لنا غيرَهُ، فكانَ أبو عبيدةَ (٢) يُعطِينا تَمْرةً (٣) تمرةً، كُنّا نَمُصُّها، كما يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نشربُ عليها من الماءِ، فتكفِينا يومًا (٤) إلى اللَّيل، وكُنّا نَضرِبُ بعِصِيِّنا الخَبَطَ (٥) ثُمَّ نبُلُّهُ بالماءِ فنأكُلُهُ، قال: فانْطَلقنا على ساحِلِ البَحرِ، فرُفِعَ لنا كهيئةِ الكَثِيبِ الضَّخم، فأتَيْناهُ فإذا هُو دابّةٌ تُدعَى العَنْبرَ، فقال أبو عُبيدةَ: مَيْتةٌ ولا تحِلُّ لنا. ثُمَّ قال: لا، بل نحنُ رُسُلُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفي سبِيلِ اللَّه، وقدِ اضْطُرِرتُم، فكُلُوا. فأقَمْنا عليها شهرًا، ونحنُ ثلاثُ مئةٍ، حتّى سَمِنّا، فلمّا قَدِمنا إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَرْنا ذلك لهُ، فقال: "هُو رِزقٌ أخرجَهُ اللَّهُ لكُم، فهل معكُم من لَحْمِهِ شيءٌ، فتُعطُونا؟ " . فأرسَلْنا إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منهُ فأكَلَ.
- vol. 10, p. 262
حديثٌ ثالِثٌ لصفوانَ بن سُليم مُرسَلٌ
مالكٌ (١) ، عن صفوانَ بن سُلَيم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سألَهُ رجُلٌ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، أستأذِنُ على أُمِّي؟ فقال: "نعَمْ" . فقال الرَّجُلُ: إنِّي معَها في البيتِ، قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استأذِنْ عليها" . فقال الرَّجُلُ: إنِّي خادِمُها، فقال لهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استأذِنْ عليها، أتُحِبُّ أن تَراها عُرْيانةً؟ " . قال: لا، قال: "فاستأذِنْ عليها" .
قال أبو عُمر: رَوَى هذا الحديثَ ابنُ جُرَيج، عن زِيادِ بن سَعْدٍ، عن صفوانَ بن سُليم، عن عَطاءِ بن يَسارٍ. مِثلَ حديثِ مالكٍ سَواءً (٢) .
-
وهذا الحديثُ لا أعلمُ يَسْتنِدُ من وجهٍ صحِيح بهذا اللَّفظِ، وهُو مُرسلٌ صحِيحٌ، مجُتمَعٌ على صِحّةِ معناهُ، ولا يجُوزُ عندَ أهلِ العِلم أن يَرى الرَّجُلُ أُمَّهُ، ولا ابنتَهُ، ولا أُختَهُ، ولا ذاتَ مَحْرم منهُ عُريانةً؛ لأنَّ المرأةَ عَوْرةٌ فيما عَدا وجهها وكفَّيها، ولا يحِلُّ النَّظرُ إلى عَوْرةِ أحدٍ عندَ الجميع، لا يختلِفُونَ في ذلك.
-
وتأمُّلُ وجهِ المرأةِ الحُرّةِ، وإدمانُ النَّظرِ إليها لشهوةٍ، لا يجُوز، لأنَّهُ داع إلى الفِتْنةِ.
-
وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، وفي قولِهِ: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ} [النور: ٣١] الآيةَ كلَّها، على ما نَذكُرُهُ في أوْلَى المواضِع به إن شاءَ اللَّه.
- vol. 10, p. 263
وجمن ذلك: ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثني أبو صالح عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني مُعاويةُ (١) بن صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ في قولِهِ: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} الآيةَ. قال: الزِّينةُ التي تُبدِيها لهؤُلاءِ (٢) : قُرْطاها، وقِلادتُها، وسِوارُها، فأمّا خَلْخالهُا وعَضُدُها (٣) ونَحرُها (٤) وشَعْرُها، فإنَّها لا تُبْدِي ذلك إلّا لزَوْجِها (٥) .
قال أبو عُمر: وهُو مذهبُ ابنِ مسعُودٍ، ومجُاهِدٍ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ (٦) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِير، قال (٧) : حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن منْهالٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن داود بن أبي هِنْدٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، وعِكْرِمةَ - في قولِهِ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ} الآيةَ [الأحزاب: ٥٥] - قلتُ: ما شأنُ العمِّ والخالِ لم يُذكَرا؟ قالا: لأنَّهُما يَنْعَتانِها لأبنائهِما.
-
وقد قيل: إنَّ العمَّ والخالَ يجرِيانِ مجرَى الوالِدينِ، لأنَّهُما ذوا مَحْرَم، فاسْتُغنِي بذِكرِ من ذُكِرَ من ذوِي المحارِم عن ذِكْرِهِما.
- vol. 10, p. 264
وحدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سَهْلٍ، قال: حدَّثنا زيدُ بن أبي الزَّرقاءِ، عن سُفيانَ، في المرأةِ تُخرِجُ ثَدْيها من كُمِّها، تُرضِعُ صبِيَّها، بين يَدَي ذي رَحِم (١) مَحْرَم منها، فكَرِههُ.
-
وقدِ اختلَفَ العُلماءُ أيضًا في هذا البابِ، فكان الشَّعبِيُّ، وطاوُوسٌ، والضَّحّاكُ يكرهُونَ أن ينظُر الرَّجُلُ إلى شَعْرِ أُمِّهِ، وذَواتِ مَحْرمِهِ (٢) .
-
ورُوِي عن جماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم كانوا يَفْلُونَ أُمَّهاتِهِم. ومِمَّن رُوِي ذلك عنهُ من العُلماءِ: أبو القاسم محمدُ بن عليِّ بن الحنفِيّةِ، وأبو جعفرٍ (٣) محمدُ بن عليِّ بن الحُسينِ، وطلقُ بن حبِيبٍ، ومُورِّقٌ العِجلِيُّ (٤) .
-
وعلى قولِ هؤُلاءِ أئمّةُ الفُتيا بالأمصارِ، في أنَّهُ لا بأسَ أن ينظُرَ الرَّجُلُ إلى شَعْرِ أُمِّهِ، وكذلك شُعُورُ ذَواتِ المحارِم العَجائزِ، دُونَ الشَّوابِّ، ومن تُخشَى (٥) منهُ الفِتنةُ، على ما ذكرتُ لك.