عبد الله بن دينار
581 paragraphs · vol. 10, p. 359
Page 10 of 15
- vol. 10, p. 457
وفي قولِهِ عزَّ وجلَّ: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} دليلٌ على أنَّهُ أرادَ التَّحيّةَ الحَسَنةَ.
-
وأمّا التَّحيّةُ السَّيِّئةُ فليسَ على سامِعِها أن يُحيِّيَ بأحسنَ منها، وإن فعلَ، فقد أخذَ بالفضلِ، وعليه أن يرُدَّ مِثلَها، بدليلِ هذا الحديثِ، قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فقُل: وعليكَ" .
-
وقد سلَفَ القولُ في معنى وُجُوبِ السَّلام وردِّهِ، للجماعةِ والواحِدِ، في بابِ زيدِ بن أسلم من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك ها هُنا.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (٣) : حدَّثنا أشْهَلُ (٤) بن حاتِم، عنِ ابنِ عَوْنٍ،
vol. 10, p. 458قال: أنبأني حُميدُ بن زاذُوية (١) ، عن أنَسٍ، قال: أُمِرنا، أو نُهينا أن لا نزيدَ أهلَ الكِتابِ على: وعليكُم.
-
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن عَوْنٍ. فذكَرَهُ بإسنادِهِ سواءً (٢) .
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ أصحابَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قالوا للنَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ أهلَ الكِتابِ يُسلِّمُونَ علينا، فكيفَ نرُدُّ عليهم؟ قال: " قولُوا: وعليكُم ".
-
(٤) وأمّا ابتِداءُ أهلِ الذِّمّةِ بالسَّلام، فقَدِ اختلَفَ فيه السَّلفُ ومَن بعدَهُم، فكرِهَتْ طائفةٌ أن يُبتَدأ أحدٌ منهُم بالسَّلام، لحديثِ سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تبدؤُوهُم بالسَّلام، وإذا لَقِيتُمُوهُم في طَريقٍ، فاضْطَرُّوهُم إلى أضْيَقِهِ" (٥) .
وقال أحمدُ بن حَنْبل: المصيرُ إلى هذا الحديثِ، أولى مِمّا خالَفهُ.
- vol. 10, p. 459
وذكر أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١) ، عن إسماعيلَ بن عيّاشٍ، عن محمدِ بن زيادٍ الألهانيِّ وشُرحبيلَ بن مُسلِم، عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ: أنَّهُ كان لا يمُرُّ بمُسلِم، ولا يهُوديٍّ، ولا نَصْرانيٍّ، إلّا بدأهُ بالسَّلام.
-
ورُوي عنِ ابنِ مسعُودٍ وأبي الدَّرداءِ وفَضالةَ بن عُبيدٍ: أنَّهُم كانوا يبدءُونَ أهلَ الذِّمّةِ بالسَّلام (٢) .
-
وعن ابنِ عبّاسٍ (٣) ، أنَّهُ كتبَ إلى رجُلٍ من أهلِ الكِتابِ: السَّلامُ عليكَ (٤) .
-
وعنهُ أيضًا أنَّهُ قال: لو قال لي فِرعونُ خيرًا، لرَدَدتُ عليه مِثلَهُ.
-
ورَوَى الوليدُ بن مُسلِم، عن عُروةَ بن رُوَيم، قال: رأيتُ أبا أُمامةَ الباهِليَّ يُسلِّمُ على كلِّ من لقِيَ من مُسلِم وذِمِّيٍّ، ويقولُ: هي تحيّةٌ لأهلِ مِلَّتِنا، وأمانٌ لأهلِ ذِمَّتِنا، واسمٌ من أسماءِ اللَّه نُفْشيهِ بيننا.
-
وقيل لمحمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ: إنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ سُئلَ عنِ ابتِداءِ أهلِ الذِّمّةِ بالسَّلام (٥) فقال: نرُدُّ عليهم، ولا نَبْدؤُهُم. فقال: أمّا أنا، فلا أرى بأسًا أن نَبَدأهُم بالسَّلام. قيل لهُ: لم؟ قال: لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَاصْفَحْ (٦) عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: ٨٩] .
-
ومذهَبُ مالكٍ في ذلك، كمذهبِ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ. وأجازَ ذلك ابنُ وَهْبٍ.
-
وقد يحتمِلُ عِندي حديثُ سُهَيلٍ، أن يكون معنى قولِهِ: "لا تبدؤُوهُم" .
- vol. 10, p. 460
أي: ليسَ عليكُم أن تبدؤُوهُم، كما تصنعُونَ بالمُسلِمينَ، وإذا حُمِلَ على هذا، ارتفع الاختِلافُ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١) ، قالا جميعًا: حدَّثنا حفصُ بن عُمرَ الحَوْضيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سُهيلِ بن أبي صالح، قال: خرجتُ مع أبي إلى الشّام، قال: فجعلُوا يمُرُّون بصوامِعَ فيها نَصارى، فيُسلِّمُونَ عليهم، فقال أبي: لا تبدؤُوهُم بالسَّلام، فإنَّ أبا هريرةَ حدَّثنا عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لا تَبْدؤُوهُم بالسَّلام، وإذا لَقِيتُمُوهُم في طريقٍ، فاضْطَرُّوهُم إلى أضْيَقِ الطَّريقِ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ عبدُ اللَّه، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن أبي حَبِيبٍ، عن مَرْثدِ بن عبدِ اللَّه اليَزَنيِّ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الجُهَنيِّ، قال: سَمِعتُ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "إنِّي راكِبٌ غدًا إلى يهُود، فلا تَبْدؤُوهُم بالسَّلام، فإذا سلَّمُوا عليكُم فقولُوا: وعليكُم" (٢) .
vol. 10, p. 461قال أبو عُمر: فهذا الوجهُ المعمُولُ به في السَّلام على أهلِ الذِّمّةِ، والرَّدِّ عليهم، ولا أعلمُ في ذلك خِلافًا، واللَّه المُستعانُ.
-
وقد رَوَى سُفيانُ بن عُيينةَ، عن زَمْعةَ (١) بن صالح، قال: سمِعتُ ابن طاووُس، يقولُ: إذا سلَّمَ عليكَ اليهُوديُّ أو النَّصرانيُّ، فقُل: علاكَ السَّلامُ، أي: ارتفَعَ عنكَ السَّلامُ (٢) .
قال أبو عُمر: هذا لا وجهَ لهُ، معَ ما ثبتَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو جازَ مُخالَفةُ الحديثِ إلى الرَّأيِ في مِثلِ هذا، لاتَّسعَ في ذلك القولُ، وكثُرتِ المعاني.
-
ومِثلُ قولِ ابنِ طاووُس في هذا البابِ، قولُ من قال: يُرَدُّ على أهلِ الكِتابِ: عليكَ السِّلام. بكسرِ السِّينِ، يعني الحِجارةَ.
-
وهذا غايةٌ في ضَعفِ المعنَى، ولم يُبَحْ لنا أن نَشْتُمَهُمُ ابتِداءً، (٣) وحَسْبُنا أن نرُدَّ عليهم بمِثلِ ما يقولُونَ في قولِ: "وعليكَ" . معَ امتِثالِ السُّنّةِ التي فيها النَّجاةُ لمن تَبِعها، وباللَّه التَّوفيقُ.
-
(٤) وقد ذكَرْنا في بابِ ابنِ شِهاب، حُكمَ من سبَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من أهلِ الذِّمّةِ؛ لأنَّ بعضَ الفُقهاءِ جعلَ قولَ اليَهُودِ ها هُنا من بابِ السَّبِّ، قولُهُ: السّامُ عليكُم. وهذا عِندي لا وجهَ لهُ، واللَّه أعلمُ.
- vol. 10, p. 462
حديثٌ ثامِنَ عشَر لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَلْبَسُ خاتمًا من ذَهَب، ثُمَّ قامَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فنَبذهُ، وقال: "لا ألبسُهُ أبدًا" . قال: فنَبذَ النّاسُ خَواتِمَهُم.
-
في هذا الحديثِ (٢) دليلٌ على أنَّ الأشياءَ على الإباحةِ، حتّى يَرِدَ الشَّرعُ بالمنع منها، ألا تَرى أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَتَختَّمُ بالذَّهبِ، وذلك واللَّهُ أعلمُ، على ما كانوا عليه، حتّى أمَرهُ اللَّهُ بما أمَرهُ به، من تَرْكِ التَّختُّم بالذَّهبِ، فنَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التَّختُّم بالذَّهبِ للرِّجالِ؟
قال سعيدُ بن جُبيرٍ: كان النّاسُ على جاهِليَّتِهِم، حتّى يُؤمرُوا، أو يُنهَوْا (٣) .
-
ومِن حديثِ مالكٍ (٤) ، عن نافع، عن إبراهيمَ بن عبدِ اللَّه بن حُنَينٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن لُبسِ القَسِّيِّ، والمُعصفَرِ، وعن تختُّم الذَّهبِ. . . الحديثَ.
-
(٥) وهذا لو حَمَلناهُ على عُمُومِهِ، ما جازَ للرِّجالِ، ولا للنِّساءِ، ولكِن قد جاءَت آثارٌ تخُصُّ النِّساءَ، قد ذكَرْناها -والحمدُ للَّه- في بابِ نافع وغيرِهِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا
vol. 10, p. 463قَتادةُ، عنِ النَّضرِ بن أنَسٍ، عن بَشيرِ بن نَهيكٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن خاتم الذَّهَبِ (١) .
قال (٢) : وحدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن يزيد الرَّقِّيِّ (٣) ، قال: أخبرنا شُعبةُ، قال: أخبرنا أشعثُ بن سُلَيم، قال: سمِعتُ مُعاويةَ بن سُويدِ بن مُقرِّنٍ، قال: سمِعتُ البَراءَ بن عازِبٍ، يقولُ: نَهَى (٤) رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن خاتم الذَّهبِ، أو حِليةِ الذَّهبِ. شكَّ شُعبةُ (٥) .
قال: وحدَّثنا محمدُ بن يُونُس الكُدَيميُّ (٦) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ عبدُ الكبيرِ بن عبدِ المجيدِ، قال: حدَّثنا مِسعرُ بن كِدام، عن أشعثَ بن أبي الشَّعثاءِ، عن مُعاويةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ، قال: نُهينا عن سَبْع، وأُمِرنا بسَبع: أُمِرنا باتِّباع الجنائزِ (٧) ، وتَشْميتِ العاطِسِ، وعِيادةِ المريضِ، وإجابةِ الدّاعي،
vol. 10, p. 464وإبرارِ القَسَم، ونَصْرِ المظلُوم، ورَدِّ السَّلام. ونُهينا عن: خاتم الذَّهبِ، وآنيةِ الفِضّةِ، والقَسِّيِّ، والمِيثَرةِ (١) ، والحَريرِ، والدِّيباج، والإسْتَبرقِ (٢) .
-
وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ في بابِ إسحاقَ بن أبي طَلْحةَ، وفي بابِ نافع أيضًا.
-
ورُوِيَ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّهُ نَهَى عن خاتم الذَّهبِ. من وُجُوهٍ، منها: حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ (٣) ، وحديثُ عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ، وحديثُ عليِّ بن أبي طالِبٍ، وغيرِهِم. وهُو أمرٌ مُجتمَعٌ عليه للرِّجالِ.
-
ورَوَى شعبةُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن أبي سَعْدٍ (٤) ، عن أبي الكَنُودِ، قال: أصَبْتُ خاتمًا من ذَهَبٍ، فأتيتُ عبدَ اللَّه بن مَسعُودٍ، فرآهُ عليَّ، فأخَذَهُ (٥) فجَعَلهُ بين لحييهِ فمَضَغهُ، وقال: نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن خاتم الذَّهبِ (٦) .
- vol. 10, p. 465
(١) وذكرهُ أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢) ، عن عبدِ اللَّه بن إدريس، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن أبي سَعْدٍ (٣) ، عن أبي الكنُودِ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، مِثلهُ مرفُوعًا.
-
وأبو الكنُودِ هذا من أصحابِ ابنِ مسعُودٍ، اسمُهُ عبدُ اللَّه، لم يختلِفُوا فيه، واختَلفُوا في اسْم أبيه، فقال ابنُ معينٍ (٤) : هُو عبدُ اللَّه بن عِمران.
وقال البُخاريُّ (٥) : عبدُ اللَّه بن عُوَيمِرٍ (٦) .
وقال خليفةُ (٧) : هُو عبدُ اللَّه بن عامرٍ. ونسبهُ في الأزدِ.
-
وأبو سَعْد أزديٌّ أيضًا لا يُوقَفُ لهُ على اسم، يُقالُ لأبي سعدٍ: قارِئُ الأزدِ. روى عنهُ السُّدِّيُّ، ويزيدُ بن أبي زيادٍ.
-
وروى عن أبي الكنُودِ أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، وأبو سَعْد الأزديُّ، سمِعَ خبّابَ بن الأرتِّ، وابنَ مَسعُودٍ.
-
وأخبرنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْويُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بن عُقبةَ، عن كُريبٍ، عنِ (٨) ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى خاتمًا من ذَهَبٍ في يَدِ رجُلٍ، فنَزَعهُ فطَرحهُ، وقال: "يَعمِدُ أحدُكُم إلى جَمْرةٍ
vol. 10, p. 466من نارٍ، فيَجْعلُها في يدِهِ ". فقيل للرَّجُلِ بعدَما ذهَبَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: خُذ خاتمكَ فانْتَفِعْ به. فقال: لا واللَّه لا آخُذُهُ أبدًا وقد طَرَحهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ في الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.
-
ولا خِلافَ أنَّ لباسَ الحريرِ والذَّهبِ للنِّساءِ حَلالٌ، وقد مَضَى فيما تَقدَّم من كِتابِنا هذا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- في لُبسِ الحَريرِ والذَّهَبِ: "هذانِ حَلالانِ لإناثِ أُمَّتي، حرامٌ على ذُكُورِها" (٢) . ومَضَى هُنالك في هذا المعنى ما فيه كِفايةٌ، في بابِ نافع من كِتابِنا هذا، فلا معنى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
وأمّا نَبْذُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خاتمَهُ، ونبذُ النّاسِ لخواتِمِهِم، فكذلك يَلْزمُهُمُ اقتِداءً برسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذا أمرٌ واضِحٌ.
-
ويحتمِلُ أن يكونَ نَبذُهُ لهُ، طرحَهُ لهُ عن يَدِهِ، وكذلك طَرْحُ النّاسِ لخواتِمِهِم عن أيدِيهِم، تركُهُم للُبسِها واستِعمالهِا، لمّا نُهُوا عن ذلك.
-
ومِمّا يدُلُّ على صِحّةِ هذا التَّأويلِ، نَهْيُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن إضاعةِ المالِ (٣) . والذَّهَبُ مالٌ، فجائزٌ سَبْكُهُ وبيعُهُ من النِّساءِ اللَّواتي يجُوزُ لهُنَّ اتِّخاذُهُ، وإنَّما حُرِّمَ على الرَّجُلِ حبسُهُ في أُصبُعِهِ تزيُّنًا به، دُونَ سائرِ تملُّكِهِ، وإن كان -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى به، فيجُوزُ أن يكونَ كان ذلك منهُ أوَّلًا، ثُمَّ نَهَى بعدَ ذلك عن إضاعةِ المالِ؛ لأنَّهُ أمرٌ لا خِلافَ فيه، وباللَّه التَّوفيقُ.
- vol. 10, p. 467
وأمّا اتِّخاذُ خاتم الوَرِقِ للرِّجالِ والنِّساءِ، فمُجتَمَعٌ على إجازتِهِ.