عبد الله بن دينار
581 paragraphs · vol. 10, p. 359
Page 4 of 15
- vol. 10, p. 388
وكذلك رواهُ يحيى بن بُكَيرٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، مِثلهُ سَواءً (٥) .
-
والحديثُ لمالكٍ عنهُما جميعًا، عنِ ابنِ عُمر، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صحيحٌ.
-
والمعنى فيه عندَ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، النَّهيُ عن أن يُكَّفِرَ المُسلِمُ أخاهُ المُسلِم بذَنْبٍ، أو بتأويلٍ (٦) ، لا يُخرِجُهُ من الإسلام عندَ الجميع،
vol. 10, p. 389فوَردَ النَّهيُ عن تَكفيرِ المُسلِم في هذا الحديثِ، وغيرِهِ بلفظِ الخَبرِ، دُونَ لَفظِ النَّهي، وهذا (١) موجُودٌ في القُرآنِ والسُّنّةِ، ومعرُوفٌ في لسانِ العربِ.
-
وفي سَماع أشهَبَ: سُئلَ مالكٌ، عن قولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قال لرجُلٍ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" ، قال: أرَى ذلك في الحَرُوريّةِ. فقلتُ لهُ: أفتراهُم بذلك كُفّارًا؟ فقال: ما أدْرِي ما هذا (٢) .
-
ومِثلُ قَولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سِبابُ المُسلِم فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفرٌ" (٣) ، وقولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تَرجِعُوا بعدي كُفّارًا يَضرِبُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ" (٤) ، وقولُهُ: "لا تَرْغبُوا عن آبائكُم، فإنَّهُ كُفرٌ بكُم أن تَرْغبُوا عن آبائكُم" (٥) .
- vol. 10, p. 390
ومِثلُ هذا كثيرٌ من الآثارِ التي وردَتْ بلفظِ التَّغليظِ، وليسَتْ على ظاهِرِها عندَ أهلِ الحقِّ والعِلم، لأُصُولٍ تَدْفعُها أقْوَى منها، من الكِتابِ والسُّنّةِ المُجتمَع عليها، والآثارِ الثّابِتةِ أيضًا من جِهةِ الإسنادِ، وهذا (١) بابٌ يتَّسِعُ القولُ فيه ويَكثُرُ، فنَذكُرُ منهُ هاهُنا ما فيه كِفايةٌ إن شاءَ اللَّه (٢) .
-
وقد ضلَّت جماعةٌ من أهلِ البِدَع من الخَوارِج والمُعتزِلةِ في هذا البابِ، فاحتجُّوا بهذه الآثارِ ومِثلِها في تَكفيرِ المُذنِبينَ، واحتجُّوا من كِتاب اللَّه بآياتٍ ليسَتْ على ظاهِرِها، مِثل قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] ، وقولِهِ: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: ٢] ، وقولِهِ: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: ٣٢] ، وقولِهِ: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: ٢٠] ، وقولِهِ: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: ١٠٤] ، ونَحوِ هذا.
-
ورُوي عنِ ابنِ عبّاسٍ في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: ٤٤] ، قال: ليسَ بكُفرٍ ينقُلُ عنِ المِلّةِ، ولكِنَّهُ كفرٌ دُونَ كُفرٍ (٣) .
-
وقد أوضَحْنا معنَى الكُفرِ في اللُّغةِ، في مواضِعَ من هذا الكِتابِ، والحُجّةُ (٤) عليهم قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}
- vol. 10, p. 391
[النساء: ٤٨] . ومعلُومٌ أنَّ هذا بعد الموتِ لمن لم يَتُب (١) ، لأنَّ الشِّركَ من (٢) تابَ منهُ قبلَ الموتِ، وانتَهَى عنهُ، غُفِرَ لهُ، كما تُغفرُ الذُّنُوبُ كلُّها بالتَّوبةِ جميعًا، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] .
-
وقد وردَتْ آياتٌ في القُرآنِ مُحكماتٌ تدُلُّ أَنَّهُ لا يُكفَّرُ أحدٌ إلّا بعدَ العِلم والعِنادِ، منها: قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧١] ، {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: ٧٠] ، وقولُهُ: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: ٧٥] ، وقولُهُ: {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [النساء: ١٥٣] ، وقولُهُ: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} إلى قولِهِ: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٣] .
ثُمَّ قال على إثرِ ذلك: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥] . ثُمَّ قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: ٧٦] .
-
ثُمَّ ذكر الأُممَ فقال: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ} [غافر: ٥] .
-
ثُمَّ ذكر الأُممَ فقال: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] .
- vol. 10, p. 392
ولذلك قال: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: ١١٨] ، {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ} [التوبة: ٦٩] ، وقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف: ٥] ، وقال: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى: ١٤] ، وقال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢٢] ، وقال: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: ٧٠] ، وقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: ٢٣] ، وقال: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: ١٧] ، وقال: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ} الآيةَ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] ، وقال: {وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} [محمد: ٣٢] ، وقال: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: ١٤] ، إلى آياتٍ كثيرةٍ في معنى ما ذكَرْنا، كلُّها تدُلُّ على مُعانَدةِ الكُفّارِ، وأنَّهُم إنَّما كَفرُوا بالمُعاندةِ والاسْتِكبارِ.
وقال عزَّ وجلَّ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] ، وقولُهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: ١١٥] .
-
وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من مات لا يُشرِكُ باللَّه شيئًا دخلَ الجنّةَ، ومن ماتَ وهُو يُشرِكُ باللَّه شيئًا، فهُو في النّارِ" (١) .
-
وجعلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في بعضِ الكبائرِ حُدُودًا، جَعلَها طُهرةً، وفرضَ كفارّاتٍ في كِتابِهِ للذُّنُوبِ، من التَّقرُّبِ إليه بما يُرضيهِ، فجعَلَ على القاذِفِ جَلْدَ
vol. 10, p. 393ثمانينَ إن لم يأتِ بأرْبَعةِ شُهداءَ، ولم يجعلهُ بقَذفِهِ كافِرًا، وجعَلَ على الزّاني مئةً، وذلك طُهْرةً لهُ، كما قال -صلى اللَّه عليه وسلم- في التي رَجَمها: "لقد خَرَجَتْ من ذُنوبِها كيومَ ولَدَتها أُمُّها" (١) .
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أُقِيمَ عليه الحدُّ، فهُو لهُ كفّارةٌ، ومن لم يُقَم عليه حدُّهُ، فأمرُهُ إلى اللَّه، إن شاءَ غفَرَ لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ" (٢) .
-
وما لم يجعل فيه حدًّا، فرَضَ فيه التَّوبةَ منهُ، والخُرُوجَ عنهُ إن كان ظُلمًا لعِبادِهِ.
-
وليسَ في شيءٍ من السُّننِ المُجتمَع عليها، ما يدُلُّ على تَكفيرِ أحَدٍ بذنبٍ.
-
وقد أحاطَ العِلمُ بأنَّ العُقُوباتِ على الذُّنُوبِ كفّاراتٌ، وجاءَت بذلك السُّننُ الثّابِتةُ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما جاءَت بكفّارةِ الأيمانِ، والظِّهارِ، والفِطْرِ في رمضانَ.
-
وأجمعَ عُلماءُ المُسلِمينَ أنَّ الكافِرَ لا يرِثُ المُسلِم، وأجمعُوا أنَّ المُذنِبَ، وإن ماتَ مُصِرًّا، يرِثُهُ ورَثتُهُ، ويُصلَّى عليه، ويُدفَنُ في مَقابِرِ المُسلِمين.
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صلَّى صَلاتَنا، واسْتَقبلَ قِبلتَنا، ونسَكَ نُسُكنا، فهُو المُسلِمُ، لهُ ما للمُسلِم، وعليه ما على المُسلِم" (٣) .
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "النَّدَمُ توبةٌ" . رواهُ عبدُ اللَّه بن مَسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٤) .
vol. 10, p. 394وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ أحدٌ من خَلْقِ اللَّه إلّا وقد أخَطَأ، أو هَمَّ بخطيئةٍ، إلّا يحيى بن زكريّا" (١) .
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا أنَّكُم تُذنِبُونَ وتستغفِرُونَ (٢) ، لذهَبَ اللَّهُ بكُم، وجاءَ بقوم يُذنِبُونَ ويستغفِرُونَ، فيَغفِرُ لهم، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أن يغفِرَ لعِبادِهِ" (٣) .
-
ومِن هذا قولُ الأوَّلِ (٤) :
إنْ تغفِرِ اللَّهُمَّ تغفِرْ جمّا
وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألمّا
فهذه الأُصُولُ كلُّها تَشْهدُ على أنَّ الذُّنُوبَ لا يُكفَّرُ بها أحدٌ.
-
وهذا يُبيِّنُ لكَ أنَّ قولَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بها أحدُهُما" ، أنَّهُ ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ المعنَى فيه النَّهيُ عن أن يقول أحَدٌ (٥) لأخيهِ: كافِرٌ، أو: يا كافِرُ.
-
(٦) قيلَ لجابرِ بن عبدِ اللَّه: يا أبا محمدٍ، هل كنتُم تُسمُّونَ شيئًا من الذُّنُوبِ كُفرًا، أو شِركًا، أو نِفاقًا؟ قال: مَعاذَ اللَّه، ولكُنّا نقولُ: مُؤمِنينَ مُذنِبينَ (٧) .
- vol. 10, p. 395
رُوي ذلك عن جابرٍ من وُجُوهٍ.
-
ومِن حديثِ الأعمشِ، عن أبي سُفيانَ قال: قلتُ لجابرٍ: أكنتُم تقولُونَ لأحَدٍ من أهلِ القِبْلةِ: كافِرٌ؟ قال: لا. قلتُ: فمُشرِكٌ؟ قال: مَعاذَ اللَّه. وفَزِعَ (١) .
-
وقد قال جَماعةٌ من أهلِ العِلم، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات: ١١] ، هُو قولُ الرَّجُلِ لأخيهِ: يا كافِرُ، يا فاسِقُ.
-
وهذا مُوافِقٌ لهذا الحديثِ، فالقُرآنُ والسُّنّةُ (٢) يَنْهيانِ عن تَفْسيقِ المُسلِم وتكفير، إلّا (٣) ببيانٍ لا إشكالَ فيه.
-
ومِن جِهةِ النَّظرِ الصَّحيح، الذي لا مَدْفَعَ لهُ: أنَّ كلَّ من ثبتَ لهُ عَقْدُ الإسلام في وَقْتٍ بإجماع من المُسلِمينَ، ثُمَّ أذنَبَ ذنبًا، أو تأوَّلَ تأويلًا، فاختلَفُوا بعدُ في خُرُوجِهِ من الإسلام، لم يكُن لاختِلافِهِم بعدَ إجماعِهِم معنًى يُوجِبُ حُجّةً، ولا يُخرَجُ من الإسلام المُتَّفقِ عليه، إلّا باتِّفاقٍ آخرَ، أو سُنّةٍ ثابتةٍ لا مُعارِضَ لها (٤) .
-
وقدِ اتَّفقَ أهلُ السُّنّةِ والجَماعةِ، وهُم أهلُ الفِقهِ والأثَرِ، على أنَّ أحدًا لا يُخرِجُهُ ذنبُهُ، وإن عَظُمَ، من الإسلام. وخالَفهُم أهلُ البِدَع، فالواجِبُ في النَّظرِ، أن لا يُكفَّر إلّا منِ اتَّفقَ الجميعُ على تَكفيرِهِ، أو قامَ على تَكفيرِهِ دليلٌ لا مَدْفعَ لهُ، من كِتابٍ أو سُنّةٍ.
-
وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فقد باءَ بها" ، أي: قدِ احتمَلَ الذَّنبَ في ذلك القولِ أحَدُهُما.
vol. 10, p. 396قال الخليلُ بن أحمد (١) رحِمهُ اللَّه: باءَ بذنبِهِ، أي: احتَملهُ. ومثلُهُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: ٦١] ، وقولُهُ: {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: ١١٢] .
-
والمعنى في قولِهِ: "فقد باءَ بها أحدُهُما" ، يُريدُ أنَّ المقولَ لهُ: يا كافِرُ، إن كان كذلك، فقدِ احتَملَ ذَنْبَهُ، ولا شيءَ على القائلِ لهُ ذلك، لصِدقِهِ في قولِهِ.
-
فإن لم يَكُن كذلك (٢) ، فقد باءَ القائلُ بذَنْبٍ كبيرٍ، وإثم عظيم، واحتَمَلهُ بقولِهِ ذلك.
-
وهذا غايةٌ في التَّحذيرِ من هذا القولِ، والنَّهيِ عن أن يُقال لأحَدٍ من أهلِ القِبلةِ: يا كافِرُ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: أخبَرَنا شُعبةُ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، قال: سمِعتُ ابن عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "إذا قال الرَّجُلُ لأخِيهِ: يا كافِرُ، أو: أنتَ كافِرٌ، فقد باءَ بها أحدُهُما، فإن كان كما قال، وإلّا رَجَعَتْ إلى الأوَّلِ" .
-
وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ القاضي البِرْتيُّ ببغدادَ، قال: أخبَرنا أبو مَعْمرٍ عبد اللَّه بن
vol. 10, p. 397عَمرو (١) ، قال أخبَرنا (٢) عبدُ الوارثِ بن سعيدٍ، عنِ الحُسينِ المُعلِّم، عنِ ابنِ بُرَيدةَ، قال: حدَّثني يحيى بن يَعْمُر، أنَّ أبا الأسودِ الدّيليَّ حدَّثهُ، عن أبي ذرٍّ، أنَّهُ سمِعَ النَّبيَّ عليه السَّلامُ يقولُ: "لا يَرْمي رجُلٌ رجُلًا بالفِسْقِ، أو بالكُفرِ، إلّا رُدَّتْ عليه، إن لم يَكُن صاحِبُهُ كذلك" (٣) .
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا (٤) ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الأنباريُّ وموسى بن مُعاويةَ، قالا: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي قِلابةَ، عن ثابتِ بن الضَّحّاكِ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من رَمَى مُؤمِنًا بكُفرٍ، فهُو كقتلِهِ" (٥) .
- vol. 10, p. 398
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو عَمرٍو (٢) عُبيدُ بن عَقيلٍ، قال: سمِعتُ جَرير بن حازِم يُحدِّثُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن جابرِ بن سَمُرةَ، عن عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من سرَّتهُ حَسَنتُهُ، وساءَتهُ سَيِّئَتُهُ، فهُو مُؤمِنٌ" .
-
فليتَ شِعْري من قال لأخيهِ: يا كافِرُ، وهُو مِمَّن تسُرُّهُ حَسَنتُهُ، وتسُوءُهُ سيِّئتُهُ، لأيِّ شيءٍ تكونُ الشَّهادةُ عليه بالكُفرِ، أولى من الشَّهادةِ لهُ بالإيمانِ؟
-
ورَوى الأعمشُ، عنِ المعرُورِ بن سُويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: [يقولُ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ] (٣) : من عَمِلَ مِثلَ قُرابِ الأرضِ (٤) خَطيئةً، ثُمَّ لقيني لا يُشرِكُ بي شيئًا، جَعَلتُ لهُ مِثلها مَغْفِرةً" (٥) .
- vol. 10, p. 399
ورواهُ شُعبةُ، عن واصِلٍ، عنِ المعرُورِ بن سُويدٍ، قال: سمِعتُ أبا ذرٍّ قوله (١) (٢) .