عبد الله بن دينار
581 paragraphs · vol. 10, p. 359
Page 6 of 15
- vol. 10, p. 411
ولفظُ بكرٍ، عن (٣) النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أرادَ أن يأكُلَ وهُو جُنُبٌ، تَوضَّأ مِثلَ وُضوئهِ للصَّلاةِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا يحيى، قال: تركَ شُعبةُ حديث الحكم في الجُنُبِ إذا أراد أن يأكُل (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،
vol. 10, p. 412قال (١) : حدَّثنا مُوسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، قال: حدَّثنا عَطاءٌ الخُراسانيُّ، عن يحيى بن يَعْمر (٢) ، عن عمّارِ بن ياسِرٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رخَّصَ للجُنُبِ إذا أكلَ أو شرِبَ أو نامَ، أن يتوضَّأ. قال أبو داود: بينَ يحيى وعمّارٍ في هذا الحديثِ رَجُلٌ.
قال (٣) : وقال عليٌّ وابنُ عُمر: الجُنُبُ إذا أرادَ أن يأكُل توضَّأ.
-
ورَوَى سُفيانُ الثَّوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينامُ وهُو جُنُبٌ، ولا يَمسُّ ماءً (٤) .
قال سُفيانُ: وهذا الحديثُ خطأٌ. ونحنُ نقولُ به.
قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ الخطأ فيه (٥) من قِبَلِ أبي إسحاق (٦) ؛ لأنَّ إبراهيمَ النَّخعيَّ رَوَى عنِ الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أرادَ أن
vol. 10, p. 413ينامَ وهُو جُنُبٌ، توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ (١) . وزاد فيه الحكمُ، عن إبراهيم، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: إذا أرادَ أن يأكُلَ أو ينامَ.
-
وقد رَوَى هذا الحديثَ عن أبي إسحاقَ جماعةٌ، بمعنًى واحِدٍ (٢) ، منهُم: شُعبةُ (٣) ، والأعمشُ (٤) ، والثَّوريُّ (٥) ، وإسماعيلُ بن أبي خالدٍ (٦) ، وشَريكٌ (٧) ، وإسرائيلُ (٨) ، وزُهيرُ بن مُعاويةَ (٩) .
-
وأحسنُهُم لهُ سياقةً: إسرائيلُ وزُهيرٌ وشُعبةُ؛ لأنَّهُم ساقُوهُ بتمامِهِ، وأمّا غيرُهُم فاخْتَصرُوهُ.
-
ومِمَّنِ اختَصَرهُ: الأعمشُ، والثَّوريُّ، وشريكٌ، وإسماعيلُ، قالوا كلُّهُم: عن أبي إسحاق، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينامُ وهُو جُنُبٌ، ولا يَمسُّ ماءً.
- vol. 10, p. 414
وفي رِوايةِ شريكٍ، قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأتي بعضَ نِسائهِ، ثُمَّ يَهْجَعُ هَجْعةً (١) ، قال: قلتُ: مِن قَبلِ أن يتوضَّأ؟ قالت: نعَمْ.
-
وقد تأوَّلَ بعضُهُم في حديثِ شريكٍ هذا: أنَّها الهَجْعةُ التي كانت لهُ قبلَ الفَجرِ (٢) ، يَسْتريح فيها من نَصبِهِ باللَّيلِ.
-
وأمّا حديثٌ إسرائيل وشُعبةَ: فحدَّثنا أحمدُ بن فتْح، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَجاءٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ، عن صَلاةِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- باللَّيلِ، فقالت: كان ينامُ أوَّلَ اللَّيلِ ويقومُ آخِرَ اللَّيلِ، فيُصلِّي ما قُضِيَ لهُ، فإذا صلَّى صَلاتهُ، مالَ إلى فِراشِهِ، فإن كانت لهُ حاجةٌ إلى أهلِهِ، أتَى أهلهُ، ثُمَّ نامَ كهيئَتِهِ لم يَمسَّ ماءً، حتّى إذا سمِعَ المُناديَ الأوَّلَ، قالت: وثَبَ. وما قالت: قام. فإن كان جُنُبًا، أفاضَ عليه الماءَ. وما قالتِ: اغتسلَ. وإن لم يكُن جُنُبًا، توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ، ثُمَّ يُصلِّي ركعتينِ، ثُمَّ يخرُجُ إلى المَسجِدِ (٣) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا إسحاقُ (٤) بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: أخبرنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عنِ الأسودِ، قال: سألتُ عائشةَ عن صلاةِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: كان ينصِرفُ من المسجِدِ فيُوتِرُ برَكْعةٍ، فإذا كانت لهُ حاجةٌ
vol. 10, p. 415إلى أهلِهِ أتاهُم، ثُمَّ ينامُ، فإذا سمِعَ الأذانَ أفاضَ عليه من الماءِ إن كان جُنُبًا، وإلّا توضَّأ، ثُمَّ خرجَ إلى المسجِدِ (١) .
-
وكذلك رواهُ زُهَيرُ بن مُعاويةَ، عن أبي إسحاق، عنِ الأسودِ، عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ينامُ أوَّلَ اللَّيلِ، ويُحيي آخِرهُ، ثُمَّ إن كانت لهُ حاجةٌ، قَضَى حاجتهُ، ثُمَّ يَنامُ قبلَ أن يَمسَّ ماءً، فإذا كان عندَ النِّداءِ الأوَّلِ، قامَ فأفاضَ الماءَ عليه، وإن نامَ جُنُبًا، تَوضَّأ وُضُوءَ الرَّجُلِ للصَّلاةِ.
قال الطَّحاويُّ (٢) : قولُهُ في هذا الحديثِ: قَضَى حاجتهُ، ثُمَّ ينامُ قبلَ أن يَمسَّ ماءً. مَعناهُ: قبلَ أن يغتسِلَ، لئَلّا (٣) يتضادَّ، لأنَّهُ قد أخبَرَ في هذا الحديثِ: أنَّهُ إذا كان جُنُبًا، توضَّأ ثُمَّ نامَ.
-
وقد عارَضَ قومٌ حديثَ ابنِ عُمرَ وعائشةَ هذا، في الوُضُوءِ عندَ النَّوم، بحديثِ سعيدِ بن الحُوَيرِثِ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرَجَ من الخَلاءِ، فأُتي بطعام، فقالوا: ألا نأتيكَ بطُهرٍ؟ فقال: "أُصلِّي فاتطَهَّرُ؟ " . وبعضُهُم يقولُ فيه: فقيلَ لهُ: ألا تَتَوضَّأ؟ فقال: "ما أرَدتُ الصَّلاةَ فأتَوضَّأ" .
-
حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عُمرَ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرنا سعيدُ بن الحُويرِثِ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
vol. 10, p. 416تبرَّز لحاجتِهِ، فأُتِيَ بعَرْقِ لحم، فأكلَ منهُ، ولم يَمسَّ ماءً. قال ابنُ جُريج: فذكَرتُهُ لعَمرِو بن دينارٍ فعَرَفهُ، وزاد فيه: إنَّهُ قيلَ لهُ: ألا تتوضَّأ؟ فقال: "ما أرَدتُ الصَّلاةَ فأتوضأ" (١) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، قال: سمِعتُ سعيد بن الحُويرِثِ، يقولُ: سمِعتُ ابن عبّاسٍ، يقولُ: كُنّا عندَ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخرَجَ من الغائطِ، فأتي بطعام، فقيلَ لهُ: ألا تَتَوضَّأ، فقال: "أأُصلي فأتَوضَّأ؟ " .
-
ورواهُ أيُّوبُ (٣) وحمّادُ بن زيدٍ (٤) وغيرُهُما، عن عَمرِو بن دينارٍ بإسنادِهِ مِثلهُ.
قالوا: ففي هذا الحديثِ أنَّ الوُضُوءَ لا يكونُ إلّا لمن أرادَ الصَّلاةَ. وفي ذلك دَفْعٌ للوُضُوءِ عندَ النَّوم، وعندَ الأكلِ.
vol. 10, p. 417قالوا: وقد يُمكِنُ أن يكونَ الوُضُوءُ المذكُورُ عندَ النَّوم، هُو التَّنظُّفَ من الأذَى، وغَسلَ اليَدينِ، فلِذلك يُسمَّى وُضُوءًا في لسانِ العَربِ.
قالوا: وقد كان ابنُ عُمر لا يَتَوضَّأُ عندَ النَّوم الوُضُوءَ الكامِلَ للصَّلاةِ، وهُو رَوَى الحديث، وعلِمَ مخرجَهُ.
قال أبو عُمر: قد ذكرَ الحُفّاظُ في حديثِ عائشةَ المذكُورِ في هذا البابِ: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا ينامُ إذا كان جُنُبًا، حتّى يتوضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ (١) . وكذلك في حديثِ الثَّوريِّ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "يَغسِلُ ذكَرَهُ ويتوضَّأُ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ" .
-
وهذا اللَّفظُ يُوجِبُ أن يكونَ الوُضُوءَ السّابغَ الكامِلَ للصَّلاةِ، وهي زيادةٌ قصَّرَ عنها من لم يذكُرها، وليسَ في تقصيرِ من قصَّرَ عن ذِكرِ شيءٍ من الأحْكام، حُجّةٌ على من ذَكَرهُ.
-
وأوْلى الأُمُورِ عِندي في هذا البابِ أن يكونَ الوُضُوءُ للجُنُبِ عندَ النَّوم، كوُضُوءِ الصَّلاةِ، حَسَنًا (٢) مُستحبًّا، فإن تَرَكهُ تارِكٌ، فلا حرجَ، لأنَّهُ لا يُرفعُ به حدَثُهُ، وإنَّما جَعلتُهُ مُستحبًّا ولم أجعلهُ سُنّةً، لتعارُضِ الآثارِ فيه عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واختِلافِ ألفاظِ نَقَلتِهِ، ولا يُثبِتُ ما كانت هذه حالَهُ سُنّةً.
-
وأمّا من أوجَبهُ من أهلِ الظّاهِرِ، فلا معنى للاشتِغالِ بقولِهِ، لشُذُوذِهِ، ولأنَّ الفَرائضَ لا تثبُتُ إلّا بيقينٍ، وباللَّه التَّوفيقُ.
- vol. 10, p. 418
حديثٌ ثانيَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، قال: بينما النّاسُ بقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبح، إذ جاءَهُم آتٍ، فقال: إنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قُرآنٌ، وقَدْ أُمِرَ أن يَسْتقبِلَ الكَعْبةَ، فاسْتَقبِلُوها. وكانَتْ وُجُوهُهُم إلى الشّام، فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبةِ.
-
(٢) هكذا رَوى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ (٣) ، إلّا عبدَ العزيزِ بن يحيى، فإنَّهُ رواهُ عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. والصَّحيحُ ما في "المُوطَّأ" : مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، واللَّه أعلمُ.
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على قبُولِ خَبرِ الواحِدِ، وإيجابِ الحُكم والعَملِ به، لأنَّ الصَّحابةَ رضي اللَّهُ عنهُم، قدِ اسْتَعملُوا خَبرهُ، وقَضَوْا به، وتركُوا قِبلةً كانوا عليها، لخبرِهِ، وهُو واحِدٌ، ولم يُنكِر ذلك عليهم رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أنْكَرهُ واحِدٌ منهُم، وحَسْبُكُ بمِثلِ هذا قُوّةً من عَملِ القَرْنِ المُختارِ، خيرِ القُرُونِ، وفي حياةِ الرَّسُولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
- vol. 10, p. 419
ورُوِيَ أنَّ الآتيَ المُخبِرَ لهم بما في هذا الحديثِ، هُو عبّادُ بن بِشرٍ.
-
رَوَى إبراهيمُ بن حَمْزةَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن جَعْفرِ بن محمُودِ بن محمدِ (١) بن مَسْلمةَ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن جَدَّتِهِ نُوَيْلةَ (٢) بنتِ أسلمَ، وكانت من المُبايِعاتِ، قالت: كُنّا في صَلاةِ الظُّهرِ، فأقبلَ عبّادُ بن بِشرِ بن قَيْظيٍّ، فقال: إنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قدِ اسْتَقبلَ الكَعْبةَ - أو قال: البيتَ الحَرامَ- فتَحوَّل الرِّجالُ مكانَ النِّساءِ، وتحوَّلَ النِّساءُ مكانَ الرِّجالِ (٣) .
-
وفيه: أنَّ القُرآن كان يَنزِلُ على رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا بعدَ شيءٍ، وفي حالٍ بعدَ حالٍ، على حسَبِ الحاجةِ إليه، حتّى أكمَلَ اللَّهُ دينَهُ، وقَبَضَ رسُولَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنَّما أُنزِلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، ثُمَّ كان ينزِلُ به جِبريلُ عليه السَّلامُ، نَجْمًا بعدَ نجم، وحِينًا بعدَ حينٍ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: ١] يعني القُرآنَ. قالوا: إلى سماءِ الدُّنيا. وقال عزَّ وجلَّ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: ٣٢] .
- vol. 10, p. 420
وهذا الحديثُ أصلٌ في كلِّ من صلَّى على حالٍ، ثُمَّ تَغيَّرت به حالُهُ تلك قبلَ أن يُتِمَّ صلاتهُ، أنَّهُ يُتِمُّها، ولا يقطعُها ليَستأنِف غيرها، ويُجزئه ما مَضَى منها، وما أتمَّهُ على غيرِ سُنَّتِهِ.
-
كمَنْ صلَّى عُريانًا، ثُمَّ وجدَ ثوبًا في الصَّلاةِ، أوِ ابْتَدأ صلاتهُ صحيحًا، فمرِضَ، أو مَرِيضًا فصحَّ، أو قاعِدًا، ثُمَّ قدرَ على القيام.
-
وفي هذه المسائلِ، وفيمَنْ طرأ الماءُ عليه في الصَّلاةِ، تنازُعٌ بين العُلماءِ قد بيَّناهُ في غيرِ هذا الموضِع، والحَمدُ للَّه.
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ بيتَ المَقدِسِ كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابُهُ يُصلُّونَ إليه إذ قَدِمُوا المدينةَ، وذلك بأمرِ اللَّه لهم بذلك لا محالةَ، ثُمَّ نسَخَ اللَّهُ ذلك، وأمرَهُ أن يَسْتقبِلَ بصلاتِهِ الكَعْبةَ، وكان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُريدُ ذلك، ويَرْفعُ طرفهُ إلى السَّماءِ فيه، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} الآيةَ [البقرة: ١٤٤] .
-
وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ في أحكام اللَّه عزَّ وجلَّ ناسِخًا ومَنسُوخًا، على حسَبِ ما ذكَرَ في كِتابِهِ، وعلى لسانِ رسُولِهِ.
-
واجتمعَتْ على ذلك أُمَّتُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا وجهَ للقولِ في ذلك، وقد مَضَى من البيانِ فيه ما يُغني ويكفي، في بابِ زيدِ بن أسلمَ من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
أخبَرنا خلَفُ بن أحمدَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا عليُّ بن معبدٍ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن خالدٍ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوَرْدِ، قال:
vol. 10, p. 421حدَّثنا محمدُ بن عَمرِو بن خالدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عنِ البَراءِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى قِبلَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُهُ أن تكونَ قِبلتُهُ البيتَ، وأنَّهُ صلَّى أوَّل صَلاةٍ صلّاها، صلاةَ العَصْرِ، وصلَّى معهُ قومٌ، فخرَجَ رجُل مِمَّن كان صلَّى معهُ، فمرَّ على أهلِ مَسْجِدٍ، فقال: أشْهَدُ باللَّه لقد صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قِبلَ مَكّةَ. فدارُوا كما هُم قِبلَ البيتِ، وكانتِ اليَهُودُ أعْجَبهُم، إذ كان يُصلِّي إلى بيتِ المقدِسِ، فلمّا ولَّى وجهَهُ قِبلَ البيتِ، أنْكَرُوا ذلك. وذكرَ تمامَ الحديثِ (١) .
قال عليُّ بن مَعبدٍ: وأخبَرنا أحمدُ بن البَخْتريِّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عُمارةُ بن زاذانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: حُوِّل النَّبيُّ عليه السَّلامُ من بيتِ المقدِسِ إلى الكعبةِ، وهُو راكِعٌ، فاسْتَدارَ في رُكُوعِهِ، واسْتقبَلَ الكَعْبةَ (٢) .
-
وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ شأنَ القِبلةِ أوَّلُ ما نُسِخَ من القُرآنِ.
-
وأجمعُوا أنَّ ذلك كان بالمدينةِ، وأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما صُرِفَ عنِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المقدِسِ، وأُمِر بالصَّلاةِ إلى الكعبةِ بالمدينةِ.
- vol. 10, p. 422
واختَلفُوا في صَلاتِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ فُرِضَتْ عليه الصلاةُ بمكّةَ: هل كانت إلى بَيْتِ المقدِسِ، أو إلى مكّةَ؟
فقالت طائفةٌ: كانت صلاتُهُ إلى بيتِ المقدِسِ، من حينَ فُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ بمكّةَ، إلى أن قدِمَ المدينةَ، ثُمَّ بالمدينةِ سَبعةَ (١) عشرَ شهرًا، أو نحوها، حتّى صَرفهُ اللَّه إلى الكَعْبةِ.
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا وجيهُ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا بكّارُ بن قُتيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي نحو بيتِ المَقْدِسِ وهُو بمكّةَ، والكعبةُ بينَ يَديهِ، وبعدَما هاجَرَ إلى المدينةِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبةِ (٢) .
وقال آخرُونَ: إنَّما صلَّى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أوَّل ما افتُرِضَتْ عليه الصَّلاةُ إلى الكَعْبةِ، ولم يَزَل يُصلِّي إلى الكَعْبةِ طُولَ مُقامِهِ بمكّةَ.
-
ثُمَّ لمّا قدِمَ المدينةَ، صلَّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ثمانيةَ عشَرَ شهرًا، أو سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ صرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبةِ.
-
وسَنذكُرُ الرِّوايةَ بذلك عمَّن قالهُ، في هذا البابِ إن شاءَ اللَّه.
-
أخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا الحسنُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داود، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال ابنُ عبّاسٍ - وسُئلَ عن قَولِهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: ١] ، وقولِهِ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي
vol. 10, p. 423أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: ١٨٥] وهُو يَنزِلُ في غَيرِهِ- فقال: نزَلَ به جِبريلُ عليه السَّلامُ جُملةً واحِدةً، ثُمَّ كان يَنزِلُ منهُ في الشُّهُورِ (١) .
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبَرنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قولُهُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} قال: نزلَ القُرآنُ جُملةً واحِدةً في لَيْلةِ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، فكانَ اللَّهُ تباركَ وتعالى يُنزِّلُ على رسُولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعضَهُ في إثرِ بعضٍ، قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: ٣٢] .
قال أبو عُمر: ورُوي عن عِكرِمةَ، في قَولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: ٧٥] قال: القُرآنُ نزلَ جُملةً واحِدةً، فوُضِعَ مواقِعَ النُّجُوم، فجعَلَ جِبريلُ عليه السَّلامُ ينزِلُ بالآيةِ، والآيتَينِ (٣) .
وقال غيرُهُ: {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} : بمساقِطِ نُجُوم القُرآنِ كلِّها، أوَّلهِ وآخِرِهِ.