عبد الله بن دينار

581 paragraphs · vol. 10, p. 359

Page 7 of 15

  1. ومِن الحُجّةِ لهذا القولِ، قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} الآياتِ [الواقعة: ٧٦ - ٧٧] .

    vol. 10, p. 423
  2. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبَرنا إسماعيلُ بن مسعُودٍ، قال: أخبَرنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ،

    vol. 10, p. 424عن أبي عَوانةَ، عن حُصينٍ، عن سَعيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: نزلَ القُرآنُ جميعًا في لَيْلةِ القدرِ إلى السَّماءِ الدُّنيا (١) ، ثُمَّ فُصِّلَ، فنزلَ في السِّنينَ، وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: ٧٥] .

  3. وأمّا شأنُ القِبلةِ، فأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا أبو بكر بن نافع، قال: حدَّثنا بهزٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، عن أَنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَهُ كانوا يُصلُّونَ نحوَ بيتِ المقدِسِ، فلمّا نزلَتْ هذه الآيةُ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٤٤] مرَّ رجُلٌ من بني سَلِمةَ، فناداهُم وهُم رُكُوع في صَلاةِ الفَجْرِ: ألا إنَّ القِبلةَ قد حُوِّلَتْ إلى الكَعْبةِ. فمالُوا رُكُوعًا.

  4. وذكرَ سُنيدٌ، عن حَجّاج، عنِ ابنِ جُريج، قال: قال ابنُ عبّاس: كان النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسْتقبِلُ صَخْرةَ بيتِ المقدِسِ فأوَّلُ آيةٍ نُسخَتْ من القُرآنِ القِبْلةُ، ثمَّ الصِّيامُ الأوَّلُ. قال ابنُ جُريج: صلَّى أوَّلَ ما صلَّى إلى الكَعْبةِ، ثمَّ صُرِفَ إلى بيتِ القدسِ، فصَلَّتِ الأنصارُ نحوَ بَيْت المقدسِ (٣) قبلَ قُدُومِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثَ حِجَج، وصلَّى بعدَ قُدُومِهِ سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثُمَّ وجَّههُ اللَّهُ تباركَ وتعالى إلى البيتِ الحرام (٤) .

    قال أبو عُمر: من حُجّةِ الذينَ قالوا: إنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما صلَّى إلى بيتِ المقدِسِ بالمدينةِ، وأنَّهُ إنَّما كان يُصلِّي بمكّةَ إلى الكعبةِ:

    vol. 10, p. 425ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عنِ البَراءِ بن عازِبٍ، قال: لمّا قدِمَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينةَ صلَّى نحوَ بَيْتِ المقدِسِ سِتّةَ عشَرَ، أو سبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُحِبُّ أن يُوجَّه إلى الكَعْبةِ، فأنزلَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: ١٤٤] فوُجِّه نحوَ الكعبةِ، وكان يُحِبُّ ذلك (١) .

  5. فظاهِرُ هذا الخبرِ يدُلُّ على أنَّهُ لمّا قدِمَ المدينةَ صلَّى إلى بَيْتِ المقدِسِ، لا قبلَ ذلك، واللَّه أعلمُ.

  6. ويدُلُّ على ذلك أيضًا: ما حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان أوَّلُ ما نسَخَ اللَّهُ من القُرآنِ القِبلةَ، وذلك أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا هاجَرَ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهُودُ، أمرَهُ اللَّهُ أن يَسْتقبِلَ بيتَ المقدِسِ، ففرِحتِ اليهُودُ، فاستَقبلَها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بضعةَ (٢) عشَرَ شهرًا، وكان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) يُحِبُّ قِبلةَ إبراهيمَ، وكان يَدْعُو اللَّهَ، وينظُرُ إلى السَّماءِ، فأنزلَ اللَّه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} إلى قولِهِ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٤٤] يعني: نحوَهُ. فارتابَ اليهُودُ، وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} فأنزل اللَّهُ: {قُلْ لِلَّهِ

    vol. 10, p. 426الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (١) [البقرة: ١٤٢] ، وقال: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: ١٤٣] قال ابنُ عبّاس: ليَمِيزَ أهلَ اليَقينِ من أهلِ الشَّكِّ (٢) .

  7. وأجمعَ العُلماءُ أنَّ القِبلةَ التي أمرَ اللَّهُ نبيَّهُ وعِبادَهُ بالتَّوجُّهِ نحوها في صَلاتِهِم، هي الكعبةُ، البيتُ الحرامُ بمكّةَ، وأنَّهُ فرضٌ على كلِّ من شاهَدَها وعايَنَها اسْتِقبالُها وأنَّهُ إن تركَ اسْتِقبالَها (٣) ، وهُو مُعايِنٌ لها، أو عالِمٌ بجِهَتِها، فلا صلاةَ لهُ، وعليه إعادةُ كلِّ ما صلَّى كذلك.

  8. وأجمعُوا على (٤) أنَّهُ من صلَّى إلى غيرِ القِبلةِ من غيرِ اجتِهادٍ حَملهُ على ذلك، أنَّ صَلاتهُ غيرُ مُجزِئةٍ عنهُ، وعليه إعادتُها إلى القِبلةِ، كما لو صلَّى بغيرِ طَهارةٍ.

  9. وفي هذا المعنى حُكمُ من صلَّى في مَسْجِدٍ يُمكِنُهُ طلبُ القِبْلةِ فيه بالمِحرابِ وشِبههِ، فلم يَفْعل، وصلَّى إلى غَيرِها.

  10. وأجمعُوا على أنَّ على كلِّ من غابَ عنها، أن يَسْتقبِلَ ناحيتَها وشَطْرَها وتلْقاءَها، وعلى أنَّ على من خَفِيت عليه ناحيتُها، الاسْتِدلالُ عليها بكلِّ ما يُمكِنُهُ من النُّجُوم، والجبالِ، والرِّياح، وغيرِ ذلك، مِمّا يُمكِنُ أن يُستَدلَّ به على ناحيتِها.

  11. وفي حديثِ هذا الباب دَليلٌ على أنَّ من صلَّى إلى القِبْلةِ عندَ نفسِهِ باجتِهادِهِ، ثُمَّ بانَ لهُ، وهُو في الصَّلاةِ أنَّهُ اسْتَدبرَ القِبلةَ، أو شَّرقَ، أو غرَّبَ، أنَّهُ يَنْحرِفُ ويَبْني.

  12. وإنَّما قلتُ: إنَّ الاستِدبارَ، والتَّشريقَ، والتَّغريبَ، سواءٌ، لأنَّ بيتَ المقدِسِ لا يَكادُ أن يَسْتقبِلَهُ إلّا منِ اسْتَدبرَ الكعبةَ، وذلك بدليلِ حديثٍ ابنِ عُمرَ، قال: رأيتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُسْتقبِلَ الكَعْبةِ، مُسْتدبِرَ بيتِ المقدِسِ لحاجتِهِ (١) .

    vol. 10, p. 427
  13. وهذا موضِعٌ فيه اختِلافٌ كثيرٌ، وباللَّه التَّوفيقُ.

  14. واختلَفَ الفُقهاءُ فيمَنْ غابت عنهُ القِبلةُ، فصلَّى مُجتهِدًا كما أُمِرَ، ثُمَّ بانَ لهُ بعد فراغِهِ من الصَّلاةِ: أنَّهُ قد أخطأ القِبلةَ، بأنِ اسْتَدبرَها، أو شرَّقَ، أو غرَّبَ عنها، أو بانَ لهُ ذلك وهُو في الصَّلاةِ (٢) .

  15. فجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ من صلَّى مُجتهِدًا على قَدْرِ طاقتِهِ، طالِبًا للقِبلةِ وناحِيَتِها، إذا خَفيَتْ عليه، ثُمَّ بانَ لهُ بعدَ صلاتِهِ، أنَّهُ قدِ اسْتَدبرَها: أنَّهُ يُعيدُ ما دامَ في الوَقتِ، فإنِ انصرمَ الوقتُ، فلا إعادةَ عليه، والوقتُ في ذلك للظُّهرِ، والعَصْرِ، ما لم تصفرَّ الشَّمسُ.

  16. وقد رُوي عن مالكٍ أيضًا: أنَّ الوقتَ في ذلك: ما لم تغرُبِ الشَّمسُ، وفي المغرِبِ والعِشاءِ ما لم ينفجِرِ الصُّبحُ، وفي صلاةِ الصُّبح، ما لم تطلُع الشَّمسُ.

    وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ: ما لم تَصفرَّ (٣) جِدًّا. والأوَّلُ أصحُّ. فإن عَلِمَ أنَّهُ اسْتَدبرها، وهُو في صلاتِهِ، أو شرَّقَ أو غرَّبَ، قطَعَ وابتدأ، وإن لم يُشرِّق ولم يُغرِّب، ولكِنَّهُ انحرفَ انحِرافًا يسيرًا، فإنَّهُ ينحرِفُ إلى القِبلةِ إذا علِمَ، ويتمادى ويُجزِئُهُ، ولا شيءَ عليه.

    vol. 10, p. 428قال أشهبُ (١) : سُئلَ مالكٌ عمَّن صلَّى إلى غيرِ قِبلةٍ. فقال: إن كان انحرَفَ انحِرافًا يسيرًا، فلا أرَىَ عليه إعادة، وإن كان انحرَفَ انحِرافًا شديدًا، فأرَىَ عليه الإعادةَ ما كان في الوَقتِ.

    وقال الأوزاعيُّ: من تحرَّى فأخطَأ القِبلةَ، أعادَ ما دامَ في الوقتِ، ولا يُعيدُ بعدَ الوَقتِ.

    وقال الثَّوريُّ: إذا صلَّيتَ لغيرِ القِبلةِ، فقد أجزأكَ إذا لم تعمَّدْ ذلك، وإن كنتَ (٢) صلَّيتَ بعضَ صلاتِكَ لغيرِ القِبلةِ، ثُمَّ عرفتَ القِبلةَ بعدُ، فاسْتقبِلِ القِبلةَ ببقيّةِ صَلاتِكَ، واحتسِبْ بما صلَّيتَ.

  17. (٣) وقال الشّافِعيُّ: إذا صلَّى إلى الشَّرقِ، ثُمَّ رأى القِبلةَ إلى الغربِ، استأنفَ، فإن كان شرَّقَ أو غرَّب مُتَحرِّفًا، ثُمَّ رأى أنَّهُ مُتَحرِّفٌ، وتلك جِهةٌ واحِدةٌ، فإنَّ عليه أن ينحرِفَ، ويعتدَّ بما مَضَى.

  18. وذكر الرَّبيعُ، عنِ الشّافِعيِّ، قال: ولو دخلَ في الصَّلاةِ على اجتِهادٍ، ثُمَّ رأى القِبلةَ في غيرِ النّاحيةِ التي صلَّى إليها، فإن كان مُشرِّقًا، أو مُغرِّبًا، لم يعتدَّ بما مَضَى من صلاتِهِ، وسلَّمَ واستقبلَ الصَّلاةَ على ما بانَ لهُ واسْتَيقنهُ، وإن رأى أنَّهُ انحرفَ، لم يُلْغِ شيئًا من صلاتِهِ، لأنَّ الانحِرافَ ليسَ فيه يَقِينُ خَطَأ، وإنَّما هُو اجتِهادٌ لم يَرْجِع منهُ إلى يَقينٍ، وإنَّما رجعَ من دَلالةٍ إلى اجتِهادٍ مِثلِها.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: من تحرَّى القِبلةَ فأخْطَأ، ثُمَّ بانَ لهُ ذلك، فلا إعادةَ عليه في وَقْتٍ، ولا غير.

    قالوا: ولهُ أن يَتَحرَّى القِبلةَ، إذا لم يكُن على يَقينِ عِلْمٍ من جِهتِها.

  19. فإن أخطأ قومٌ القِبلةَ، وقد تَعمَّدُوها، فصلَّوا ركعةً، ثُمَّ علِمُوا بها، صَرفُوا وُجُوههُم فيما بَقِيَ من صلاتِهِم إلى القِبلةِ، وصلاتُهُم تامّةٌ، وكذلك لو أتمُّوا، ثُمَّ علِمُوا بعدُ، لم يُعيدُوا.

    وقال الطَّبريُّ: من تحرَّى فأخَطَأ القِبلةَ، أعادَ أبدًا إذا اسْتَدبرها. وهُو أحدُ قولي الشّافِعيِّ.

    قال أبو عُمر: النَّظرُ في هذا البابِ، يَشْهدُ أنْ لا إعادةَ على من صلَّى إلى القِبلةِ عندَ نفسِهِ مُجتهِدًا، لخفاءِ ناحيتِها عليه؛ لأنَّهُ قد عمِلَ ما أُمِرَ به، وأدَّى ما افتُرِضَ عليه منِ اجتِهابٍ بطلبِ الدَّليلِ على القِبْلةِ، حتّى حَسِبَ أنَّهُ مُسْتقبِلُها، ثُمَّ لمّا صلَّى بانَ لهُ خَطؤُهُ.

    vol. 10, p. 429
  20. وقد كان العُلماءُ مُجمِعينَ على أنَّهُ قد فعَلَ ما أُبِيحَ لهُ فِعلُهُ، بل ما لزِمهُ، ثُمَّ اختلفُوا في إيجابِ القَضاءِ عليه، إذا بان لهُ أنَّهُ أخطأ القِبلةَ، وإيجابُ الإعادةِ إيجابُ فرْضٍ، والفرائضُ تثبُتُ إلّا بيقينٍ لا مَدْفعَ لهُ.

  21. ألا تَرى إلى إجماعِهِم فيمَنْ خَفِي عليه موضِعُ الماءِ (١) ، فطَلَبهُ جهدَهُ، ولم يجِدهُ فتيمَّمَ وصلَّى، ثُمَّ وجدَ الماءَ: أنَّهُ لا شيءَ عليه، لأَنَّهُ قد فعلَ ما أُمِر به؟

  22. (٢) وأمّا قولُ من رأى عليه الإعادةَ في الوقتِ وبعدهُ، قياسًا على من صلَّى بغيرِ وُضُوءٍ، فليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ هذا ليسَ بمَوضِع اجتِهادٍ في الوُضُوءِ، إلّا عندَ عَدمِهِ، فإنَّهُ يُؤمَرُ بالاجتِهادِ في طَلبِهِ، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ.

  23. وأمّا قولُ من قال: يُعيدُ ما دامَ في الوَقتِ. فإنَّما هُو اسْتِحبابٌ؟ لأنَّ الإعادةَ لو وجبَتْ عليه، لم يُسقِطها خُرُوجُ الوَقتِ.

  24. وهذا واضِحٌ يُسْتَغْنَى عنِ القولِ فيه.

  25. وكذلك يشهدُ النَّظرُ لقولِ من قال في المُنحرِفِ عنِ القِبْلةِ يمينًا أو شِمالًا، ولم يَكُنِ انْحِرافُهُ ذلك فاحِشًا، فيُشرِّقُ أو يُغرِّبُ: أنَّهُ لا شيءَ عليه؛ لأنَّ السِّعةَ في القِبْلةِ لأهلِ الآفاقِ مَبْسُوطةٌ مَسْنُونةٌ.

    vol. 10, p. 430
  26. وهذا معنى قولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقولِ أصحابِهِ: "ما بين المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ" (١) .

  27. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا مُعلَّى (٣) بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرٍ، عن عُثمانَ بن محمدٍ الأخْنَسيِّ (٤) ، عنِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ" .

  28. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن عُبيدِ (٥) اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال عُمرُ: ما بينَ المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ (٦) .

    vol. 10, p. 431قال (١) : وحدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا المُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن محمدِ بن فضاءٍ (٢) ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: سمِعتُ عُثمان، يقولُ: كيفَ يُخطِئُ الرَّجُلُ الصَّلاةَ وما بينَ المَشْرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ، ما لم يتحرَّ الشَّرقَ عَمدًا؟

    قال: وحدَّثنا الفَضْلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ، عن عليٍّ، قال: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ (٣) .

    قال: وحدَّثنا الفضلُ بن دُكينٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعْلَى، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وعبدِ الأعلى، عن محمدِ ابنِ الحنفيّةِ، قالا: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ (٤) .

    قال: وسمِعتُ أبا عبدِ اللَّه، يعني أحمد بن حَنْبل، يقولُ: هذا في كلِّ البُلدانِ.

    قال (٥) : وتفسيرُهُ أنَّ هذا المشرِق -وأشارَ بيسارهِ- وهذا المغرِب، وأشارَ بيمينِهِ.

    قال: وهذه القِبلةُ فيما بينهُما، وأشارَ تِلقاءَ وجهِهِ.

    قال: وهكذا في كلِّ البُلدانِ، إلّا بمكّةَ عندَ البيتِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا استقبل الرُّكن، وزالَ عنهُ شيئًا، وإن قلَّ، فقد تركَ القِبلةَ؟

    قال: وليسَ كذلك قِبلةُ البُلدانِ.

  29. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: فإن صلَّى رجُلٌ فيما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ، ترى صلاتهُ جائزةً؟ قال: نعم، صلاتُهُ جائزةٌ، إلّا أنَّهُ يَنْبغي لهُ أن يتحرَّى الوَسَط. قال أبو عبدِ اللَّه: وقد كُنّا نحنُ وأهلُ بغداد نُصلِّي هكذا، نتيامَنُ قليلًا، ثُمَّ حُرِّفتِ القِبلةُ مُنذُ سِنينَ يَسِيرةٍ.

    vol. 10, p. 432
  30. قيل لأبي عبدِ اللَّه: قِبلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدْي (١) ، فجعل يُنكِرُ الجَدْي، وقال: ليس الجَدْي، ولكِن حديثُ عُمر: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: قبِلتُنا نحنُ أيُّ ناحيةٍ؟ قال: على البابِ قبِلتُنا، وقِبلةُ أهلِ المشرِقِ (٢) كلِّهِم وأهلِ خُراسان البابُ (٣) .

  31. أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى ويحيى بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: قال لنا أحمدُ بن خالدٍ - في قولِ عُمرَ بن الخَطّابِ: ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبلةٌ-: في هذا سَعةٌ للنّاسِ أجمعينَ. قيلَ لهُ: أنتُم تقولُونَ: إنَّهُ في أهلِ المدينةِ، قال: نحنُ وهُم سَواءٌ، والسَّعةُ في القِبْلةِ للنّاسِ كلِّهِم. قال: وهؤُلاءِ المُشرِّقُون لا عِلمَ عندَهُمُ بسَعةِ القِبْلةِ، وإنَّما هُو شيءٌ يَقعُ في نُفُوسِهِم.

  32. حديثٌ ثالِثَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا نادَى رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما تَرى في الضَّبِّ؟ فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَسْتُ بآكِلِهِ، ولا بمُحرِّمِهِ" .

    vol. 10, p. 433
  33. هكذا روى يحيى هذا الحديثَ عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ. وكذلك رواهُ أكثرُ الرُّواةِ "للمُوطَّأ" عن مالكٍ (٢) . ورَواهُ ابنُ بُكَيرٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. وكذلك رواهُ خالدُ بن مَخْلدٍ، عن مالكٍ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ.

  34. وهُو صحيحٌ لمالكٍ عنهُما جميعًا، وهُو محفُوظٌ من حديثِ نافع، كما هُو محفُوظٌ من حَديثِ ابنِ دينارٍ.

  35. وقد رواهُ قومٌ، منهُم: بِشرُ بن عُمرَ (٣) ، عن مالكٍ، عن نافع وعبدِ اللَّه بن دينارٍ، جميعًا عنِ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  36. ورواهُ عُبيدُ اللَّه بن عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ.

  37. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّه، قال: حدَّثني نافعٌ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: سألَ رجُل النَّبيَّ عليه السَّلامُ وهُو على المِنْبرِ عنِ الضَّبِّ، فقال: "لا آكُلُهُ، ولا أُحرِّمُهُ" (٤) .

  38. واختَلَفَ الفُقهاءُ في اكلِ الضَّبِّ، فذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ وأصحابُهُما إلى أنَّهُ لا بأسَ بأكلِهِ؛ لأنَّ اللَّهَ تبارَكَ وتعالى لم يُحرِّمهُ ولا رسُولُهُ، وقد أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبحَضْرتِهِ، ولو كان حرامًا لم يترُك رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا يأكُلُهُ (١) .

    vol. 10, p. 434
  39. وقد مَضَى في بابِ ابنِ شِهاب، عن أبي أُمامةَ من هذا الكِتابِ حديثُ ابنِ عبّاسٍ، عن خالدِ بن الوَليدِ في الضَّبِّ، حيثُ قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّهُ لم يكُن بأرضِ قومي، وأجِدُني أعافُهُ" . قال خالدٌ: فاجْتَررتُهُ وأكلتُهُ ورسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينظُرُ (٢) .

  40. فبهذا الحديثِ وما كان مِثلَهُ، أخَذَ مالكٌ والشّافِعيُّ في الضَّبِّ، فأجازا أكلهُ.