عبد الله بن أبي بكر بن حزم
825 paragraphs · vol. 11, p. 5
Page 10 of 21
- vol. 11, p. 109
وفي هذا الحديثِ دليلٌ واضِحٌ أيضًا على وُجُوبِهِ، وإن كان الإجماعُ يُغني عن ذلك.
-
ألا تَرى إلى قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعلَّها تحبِسُنا؟ " ، ثُمَّ قال: "ألم تَكُن طافَتْ معكُنَّ؟ " ، فلمّا قيلَ لهُ: بلى، قال: "فاخرُجنَ" . فلو قيلَ لهُ: لم تَطُف، لاحتبَسَ عليها حتّى تَطْهُر من حَيْضتِها وتطُوفَ.
-
لأنَّ من أدركَ عَرَفةَ قبلَ انفِجارِ الصُّبح، من يوم النَّحرِ، فقد أدركَ الحجَّ، فكلُّ فرْضٍ فيه سِواهُ يجيءُ به متى ما أمْكَنَهُ وقدَرَ عليه، وكلُّ سُنّةٍ فيه جَبْرُها بالدَّم، فالمرأةُ الحائضُ قبلَ طَوافِ الإفاضةِ، تبَقَى ويُحبَسُ عليها كَرِيُّها (٢) حتّى تَطْهُر فتفيضَ، فإذا كانت قد أفاضَتْ، ثُمَّ حاضَتْ وخرجَ النّاسُ، لم يَكُن عليها التقاءُ لوداع البيتِ ورُخِّصَ لها في أن تنفِرَ، وتَدَعَ السُّنّةَ في طَوافِ الوَداع، رُخصةً لها، وعُذرًا وسعةً (٣) .
- vol. 11, p. 110
ذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: إذا حاضَتِ المرأةُ أو نَفِسَتْ قبلَ الإفاضةِ، فلا تَبْرحْ حتّى تطهُرَ وتطُوفَ بالبيتِ، ويُحبَسُ عليها الكريُّ، ما يُحبَسُ على الحائضِ خمسةَ عشَرَ يومًا، ويُحبَسُ على النُّفساءِ حتّى تَطْهُرَ بأقْصَى ما يَحبِسُ النِّساءَ الدَّمُ، ولا حُجّةَ للكَرِيِّ أن يقول: لم أعلَمْ أنَّها حامِلٌ، وليسَ عليها أن تُعيِنهُ في العَلَفِ. قال: وإن حاضَتْ بعد الإفاضةِ، فلتنفِر. قال: وإنِ اشْتَرطَتْ عليه عُمرةَ المُحرِم، فحاضَتْ قبل أن تَعْتمِر، فلا يُحْبَسُ عليها كَرِيُّها، ولا يَرْجِعُ عليها من الكِراءِ شيءٌ. قال: وإن كان بينَ الحائضِ وبين طُهْرِها اليومَ واليَومَيْنِ، أقامَ معها أبدًا، وإن كان بين ذلك أيامٌ، لم يُحبَسْ إلّا كريُّها وحدَهُ (١) .
وقال محمدُ بن الموّازِ: لستُ أعرِفُ حَبْسَ الكريِّ وحدَهُ، كيفَ يحبِسُهُ وحدهُ، يُعرِّضُهُ ليُقطَعَ عليه الطَّريقُ للوَحْدةِ (٢) .
-
وفي الحَديثِ المذكُورِ في هذا البابِ دليلٌ واضِحٌ على ما ذكَرْنا، إلّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيمَنْ تركَ طوافَ الوَداع غيرَ الحائضِ.
فقال مالكٌ (٣) : من تركَ وداعَ البيتِ أساءَ، ولا دمَ عليه؛ لأنَّ الوداعَ عندَهُ (٤) من مُستحبّاتِ الحجِّ، بدليلِ قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فاخرُجنَ" . وفي غيرِ هذا الحديثِ: "فلا إذَنْ" (٥) . وهذا تنبيهٌ على أنَّهُ لم يبقَ عليها من النُّسُكِ شيءٌ.
-
ومِمّا يدُلُّ على ذلك، أنَّ أهلَ مكّةَ والمُقيمينَ بها، لا وداعَ عليهم، فعُلِمَ أنَّهُ استِحباب، والمُستَحَبُّ إذا تُرِكَ، ليسَ فيه دمٌ، ولمّا كان طوافُ الوداع بعدَ اسْتِباحةِ وطءِ النِّساءِ، أشبهَ طوافَ المكِّيِّ والمُعتمِرِ، فلا شيءَ فيه.
vol. 11, p. 111وقال أبو حَنِيفةَ (١) والثَّوريُّ والشّافِعيُّ (٢) وأصْحابُهُم: عليه دمٌ. ومن حُجَّتِهِم أنَّ ابنَ عبّاسٍ كان يقولُ: من تركَ شيئًا من نُسُكِهِ، فعليه دمٌ (٣) . ومن أصحابِ الشّافِعيِّ من يقولُ: إنَّ هذا الدَّمَ استِحبابٌ.
-
وقد أجمعُوا أنَّ طوافَ الوَداع من النُّسُكِ، ومن سُنَنِ الحجِّ المسنُونةِ.
قال أبو عُمر: قد رُوي ذلك عن عُمرَ، وابن عُمرَ (٤) ، وابنِ عبّاسٍ، وغيرِهِم. ولا مُخالِفَ لهم من الصَّحابةِ.
-
ورَوَى معمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ خطَبَ النّاس، فقال: إذا نَفَرتُم من منًى، فلا يصدُرْ أحدٌ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ، فإنَّ آخِرَ المناسِكِ الطَّوافُ بالبيتِ. ونافعٌ، عنِ ابنِ عُمر، عن عُمر مِثلهُ (٥) .
-
ومعمرٌ، عن أيُّوب، عن نافع.
-
وعن الزُّهريِّ، عن سالم: أنَّ صفيّةَ بنت أبي عُبيدٍ حاضَتْ يومَ النَّحرِ، بعدَما طافَتْ بالبيتِ، فأقامَ ابنُ عُمرَ عليها سبعًا، حتّى طهُرَتْ، فطافَتْ، فكانَ آخرَ عَهْدِها بالبيتِ.
قال الزُّهْريُّ: وأخبَرني طاوُوسٌ، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ قبلَ أن يمُوتَ بعام، أو بعامينِ، يقولُ: أمّا النِّساءُ فقد رُخِّصَ لهُنَّ (٦) . قال الزُّهريُّ: ولو رأيتَ طاوُوسًا، علِمتَ أنَّهُ لا يكذِبُ.
vol. 11, p. 112قال مَعْمرٌ: وأخبَرَنا ابنُ طاوُوسٍ، عن أبيه، أنَّهُ سمِعَ ابن عُمرَ، يقولُ: لا يَنْفِرنَّ أحدٌ من الحاجِّ، حتّى يطُوفَ بالبيتِ. فقلتُ: ما لهُ لم يسمع ما سمِعَ أصحابُهُ. ثُمَّ جلستُ إليه من العام القابِلِ، فسمِعتُهُ يقولُ: أمّا النِّساءُ فقد رُخِّصَ لهُنَّ (١) .
قال عبدُ الرَّزّاقِ: وأخبَرنا معمرٌ، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيه: أنَّ زيدَ بن ثابتٍ وابن عبّاسٍ تمارَيا (٢) في صَدَرِ الحائضِ قبلَ أن يكون آخِرَ عَهْدِها الطَّوافُ بالبيتِ، فقال ابنُ عبّاس: تَنْفِرُ، وقال زيدٌ: لا تَنْفِرُ. فدخَلَ زيدٌ على عائشةَ فسَألها، فقالت: تنفِرُ. فخرَجَ زيدٌ وهُو يتَبسَّمُ ويقولُ: ما الكلامُ إلّا ما قُلت (٣) .
قال أبو عُمر: هكذا يكونُ الإنصافُ، وزيدٌ مُعلِّمُ ابنِ عبّاسٍ، فما لنا لا نَقْتدِي بهم، واللَّه المُستعانُ.
قال أبو عُمر: كلُّ من لم يَطُفْ طوافَ الوَداع، وأمكنهُ الرُّجُوعُ إليه بغيرِ ضَررٍ يدخُلُ عليه، رجعَ فطافَ، ثُمَّ نفرَ، وقد كان عُمرُ بن الخطّابِ يرُدُّ من لم يُودعِّ البيتَ بالطَّوافِ من مرِّ الظَّهرانِ (٤) .
وقال مالكٌ: هذا عِندي بعيدٌ، وفيه ضَررٌ داخِلٌ على النّاسِ، وإنَّما يرجِعُ إلى طوافِ الوداع من كان قريبًا، ولم يكُن عليه في انصِرافِهِ ضرر (٥) .
- vol. 11, p. 113
يُقالُ: إنَّ بينَ مرِّ الظَّهرانِ ومكّةَ خمسةَ عشَرَ ميلًا.
-
وأهلُ العِلم كلُّهُم يَسْتحِبُّ أن لا يدَعَ أحدٌ وداعَ البيتِ، إذا كان عليه قادِرًا، فإن نفَرَ، ولم يُودِّع، فقد ذكَرْنا ما للعُلماءِ في ذلك من إيجابِ الدَّم.
وقال مالكٌ (١) : إذا حاضَتِ المرأةُ بمِنًى قبلَ أن تطُوفَ للإفاضةِ، فإنَّها تُقيمُ حتّى تَطْهُر، ثُمَّ تطُوفُ بالبيتِ للإفاضةِ، ويُحبَسُ عليها كَرِيُّها أكثَرَ ما يَحبِسُ الحائضَ الدَّمُ، حتّى تطوفَ طوافَ الإفاضة (٢) ، ثُمَّ تخرُجُ إلى بَلدِها. قال مالكٌ: وليسَ عليها أن تُعينهُ في العَلَفِ.
قال أبو عُمر: فهذانِ الطَّوَافانِ قد مَضَى حُكمُهُما، والإجماعُ (٣) والاختِلافُ فيهما.
-
وبقي الطَّوافُ الثالثُ، وهُو طوافُ الدُّخُولِ، الذي يصِلُهُ الحاجُّ بالسَّعيِ بينَ الصَّفا والمروةِ، إذا لم يَخْشَ فوتَ عَرَفةَ.
-
ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ هذا الطَّوافَ من سُننِ الحجِّ وشَعائرِهِ ونُسُكِهِ، واختَلَفُوا فيمَنْ قدِمَ مكّةَ وهُو قادِرٌ على الطَّوافِ غيرُ خائفٍ فوتَ عرفةَ، فلم يَطُف.
فقال مالكُ بن أنسٍ، فيمن قدِمَ يوم عَرَفةَ: إن شاءَ أخَّرَ الطَّوافَ إلى يوم النَّحرِ، وإن شاءَ طافَ وسَعَى، ذلك واسِعٌ كلُّهُ (٤) . قال: وإن قدِمَ يومَ التَّرويةِ، فلا يترُكِ الطَّوافَ (٥) .
vol. 11, p. 114قال أبو عُمر: فإن تَرَكهُ، فتَحصيلُ مذهبِ مالكٍ والشّافِعيِّ (١) : أنَّ عليه لتَرْكِهِ دمًا. والدَّمُ عندَهُم خَفِيفٌ في ذلك؛ لأنَّهُ نُسُكٌ ساقِطٌ عنِ المكِّيِّ، وعن المُراهِقِ، الذي يخافُ فوتَ عَرَفةَ.
وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ: إذا تركَ الحاجُّ طوافَ الدُّخُولِ، فطافَ طوافَ الزِّيارةِ، رمَلَ في ثلاثةِ أشْواطٍ منها (٢) ، وسَعَى بين الصَّفا والمروةَ، ولم يكُن عليه شيءٌ (٣) .
وقال أبو ثورٍ: إن تركَ الحاجُّ -إذا قدِمَ مكّةَ- الطَّوافَ للدُّخُولِ وهُو بمكّةَ حتّى أتى منًى، كان عليه دمٌ، وذلك أنَّ هذا شيءٌ من نُسُكِهِ تَرَكهُ.
قال أبو عُمر: حُجّةُ من أوجبَ فيه الدَّمَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فعَلَهُ في حجَّتِهِ، وقال: "خُذُوا عنِّي مناسِككُم" (٤) ، وهُو المُبيِّنُ عنِ اللَّه مُرادهُ، فصارَ من مَناسِكِ الحجِّ وسُننِهِ، فوجَبَ على تارِكِهِ الدَّمُ. وحُجّةُ من لم يرَ فيه شيئًا، أنَّ اللَّهَ لم يأمُر بذلك الطَّوافِ، ولا رسُولُهُ، ولا اتَّفقَ الجميع (٥) على وُجُوبِهِ سُنّةً، والقولُ الأوَّلُ أصحُّ وأقْيَسُ، واللَّه أعلمُ.
- vol. 11, p. 115
حديثٌ ثالِثَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عَمْرةَ بنْتِ (٢) عبدِ الرَّحمنِ، أنَّها أخبَرتهُ أنَّها سمِعَتْ عائشةَ تقولُ - وذُكِرَ لها أنَّ عبدَ اللَّه بن عُمرَ يقولُ: إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ- فقالت عائشةُ: يَغفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرَّحمنِ، أمَا إنَّهُ لم يَكْذِبْ، ولكِنَّهُ نَسِيَ، أو أخطَأ، إنَّما مرَّ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيهُوديّةٍ يَبْكي عليها أهلُها، فقال: "إنَّهُم ليَبْكُونَ عليها، وإنَّها لتُعذَّبُ في قَبْرِها" .
-
هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ (٣) ، إلّا القعنبيَّ، فإنَّهُ ليسَ عندَهُ في "المُوطَّأ" وهُو عندَهُ في الزِّياداتِ خارِج "المُوطَّأ" (٤) . وهُو حديثٌ ثابتٌ، وليسَ في "المُوطَّأ" لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ.
-
وقد رَوى الوليدُ بن مُسلِم، عن مالكٍ، عن نافع، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الميِّتُ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ عليه" (٥) . وهذا حديثٌ غريبٌ لمالك، لا أعلمُ أحدًا رواهُ عنهُ غيرَ الوليدِ بن مُسلِم، وليسَ فيه نكارةٌ؛ لأنَّهُ محفُوظٌ من رِوايةِ عُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٦) .
vol. 11, p. 116قال أبو عُمر: اختلَفَ النّاسُ في معنى قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ أهلِهِ عليه" ، فقال منهُم قائلُونَ: معناهُ أن يُوصِيَ بذلك الميِّتُ.
وقال آخرُونَ: معناهُ أن (١) يُمْدَحَ في ذلك البُكاءِ، بما كان يُمدَحُ به أهلُ الجاهِليّةِ من الفَتَكاتِ والغَدَراتِ وما أشْبَهها من الأفعالِ، التي هي عندَ اللَّه ذُنُوبٌ، فهُم يَبْكُونَ لفَقْدِها، ويَمْدحُونهُ بها، وهُو يُعذَّبُ من أجْلِها، فكأنَّهُ قال: يُعذَّبُ بما يُبْكَى عليه به، ومن أجلِهِ.
وقال آخرُونَ: البُكاءُ في هذا الحديثِ، وما كان مِثلَهُ، معناهُ: النِّياحةُ وشقُّ الجُيُوبِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، ونَحْوُ هذا من (٢) النِّياحةِ، وأمّا بُكاءُ العَيْنِ فلا.
-
وذهبت عائشةُ، إلى أنَّ أحدًا لا يُعذَّبُ بفِعلِ غيرِهِ.
-
وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] .
-
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لأبي رِمثةَ في ابنِهِ (٣) : "إنَّكَ لا تَجْني عليه، ولا يَجْني عليكَ" (٤) . وقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: ١٦٤] .
- vol. 11, p. 117
ولكِن قد صحَّ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديثِ عُمرَ بن الخطّابِ (١) ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، والمُغيرةِ بن شُعبةَ، وغيرِهِم: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يُعذَّبُ الميِّتُ بما نِيحَ عليه" . وهذا محمُولٌ عندَ جماعةٍ من أهلِ العِلم، على ما نذكُرُهُ في هذا (٢) البابِ عنهُم بعدَ ذِكرِ الآثارِ في ذلك إن شاءَ اللَّه.
-
فأمّا إنكارُ عائشةَ على ابنِ عُمرَ، فقد رُوِيَ من وُجُوهٍ:
منها: ما رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ الميِّت ليُعذَّبُ ببُكاءِ أهْلِهِ (٣) " . فذُكِرَ ذلك لعائشةَ، فقالت: وَهَلَ (٤) ابنُ عُمرَ، إنَّما مَرَّ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على يهُوديٍّ، فقال: "إنَّ صاحِبَ هذا القَبرِ يُعذَّبُ، وأهلُهُ يبكُونَ عليه" (٥) .
-
وروَىَ أيُّوبُ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، عنِ القاسم، قال: قالت عائشةُ: إنَّكُم لتُحدِّثُونَ عن غيرِ كاذِبَيْنِ: عُمر وابنِهِ، ولكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ (٦) .
قال أبو عُمر: ليس إنكارُ عائشةَ بشيءٍ. وقد وقفَ ابنُ عُمرَ على مِثلِ ما نزعَتْ به عائشةُ، فلم يَرْجِع، وثبتَ على ما سمِعَ، وهُو الواجِبُ كان عليه.
- vol. 11, p. 118
حدَّثنا يَعِيشُ بن سَعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عنِ ابنِ سيرينَ، قال: قال ابنُ عُمر: إنَّ المُعوَّلَ عليه يُعذَّبُ، فقال رجُلٌ: إنَّ اللَّهَ أضحكَ وأبْكَى، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] قال: فقال ابنُ عُمر: قد قالهُ (١) رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .
قال أبو عُمر: فهذا يُبيِّنُ لكَ، أنَّ ابن عُمرَ قد أثبتَ ما حفِظَ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك، ولم يَنْسَ، ومن حفِظَ فهُو حُجّةٌ على من لم يحفظ.
-
وليسَ يُسوَّغُ عندَ جماعةِ أهلِ العِلم الاعتِراضُ على السُّننِ بظاهِرِ القُرآنِ، إذا كان لها مخرجٌ ووَجهٌ صحيحٌ؛ لأنَّ السُّنّةَ مُبيِّنةٌ للقُرآنِ، قاضيةٌ عليه، غيرُ مُدافِعةٍ (٣) لهُ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] .
-
وقد أبَى جماعةٌ من العُلماءِ من نسخ السُّنّةِ بالقُرآنِ، فيما يُمكِنُ فيه النُّسخُ، وقالوا: لو جازَ ذلك، لارتَفعَ البيانُ، وهذه مسألةٌ من الأُصُولِ، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِها.
- vol. 11, p. 119
وقد رَوَى مِثلَ رِوايةِ ابنِ عُمر هذه جَماعةٌ من الصَّحابةِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، أَنَّهُ سمِعَ ابنَ أبي مُليكةَ، يقولُ: حَضَرتُ جِنازةَ أُمِّ أبانٍ، وفي الجِنازةِ عبدُ اللَّه بن عُمرَ وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، فجَلَستُ بينهُما، فبَكَى النِّساءُ، فقال ابنُ عُمرَ: إنَّ بُكاءَ الحيِّ على الميِّتِ عَذابٌ للميِّتِ. قال: فقال ابنُ عبّاس: صَدَرنا مع عُمرَ أميرِ المُؤمِنينَ، حتّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، إذا هُو بركبٍ نُزُولٍ تحتَ شَجَرةٍ، فقال: يا عبدَ اللَّه اذهَبْ، فانْظُر منِ الرَّكبُ، ثُمَّ الحَقْني. فذهَبتُ، فقلتُ: هذا صُهيبٌ مولى ابنِ جُدعانَ، فقال: مُرهُ فلْيلحَقْني. قال: فلمّا قَدِمنا المدينةَ، لم يلبَثْ عُمرُ أن طُعِنَ، فجاءَ صُهَيبٌ وهُو يقولُ: واأُخيّاهُ، واصاحِباهُ. فقال عُمرُ: مَهْ يا صُهيبُ، إنَّ الميِّت يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ عليه. فقال ابنُ عبّاس: فأتَيْتُ عائشةَ فسألتُها، فقالت: يَرْحمُ اللَّهُ عُمرَ، إنَّما قال رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ ليَزِيدُ الكافِرَ عذابًا ببعضِ بُكاءِ أهلِهِ عليه" . وقد قضى اللَّه {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: ٣٨] .
-
فهذا عُمرُ قد رَوَى في بُكاءِ الحيِّ على الميِّتِ، مِثلَ رِوايةِ ابنِهِ سَواءً، وهذا حديثٌ ثابتٌ عن عُمرَ صحيحُ الإسنادِ، لا مَقال فيه لأحَدٍ، وقد رواهُ عنِ ابنِ أبي (٢) مُليكةَ جماعةٌ، منهُم: أيُّوبُ السَّختِيانيُّ (٣) ، وغيرُهُ.
- vol. 11, p. 120
ورَوَى شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبيه عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ في قَبرِهِ بالنِّياحةِ" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال (٢) : حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُبيدٍ، عن عليِّ بن رَبِيعةَ: أَنَّهُ خرَجَ يومًا إلى المسجِدِ، والمُغيرةُ بن شُعبةَ أميرٌ على الكُوفةِ، فخرَجَ المُغيرةُ إلى المسجِدِ، فرَقِيَ المِنْبرَ، فحمِدَ اللَّه، وأثْنَى عليه، ثُمَّ قال: ما هذا النَّوحُ في الإسلام؟ قالوا: تُوُفِّي رجُل من الأنْصارِ، يُقالُ: لهُ قَرَظةُ بن كَعْبٍ، فنِيحَ عليه. فقال المُغيرةُ: إنِّي سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من نِيحَ عليه، فإنَّهُ يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلّام، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا أبو إسحاق الفَزاريُّ، عن سعيدِ بن عُبيدٍ، عن عليِّ بن ربيعةَ، قال: تُوُفِّي رجُلٌ من الأنصارِ، يُقالُ لهُ (٣) : قَرَظةُ بن كَعْبٍ، فنِيحَ عليه، فخرَجَ المُغيرةُ بن شُعبةَ، فقال: ما هذا النَّوحُ في الإسْلام؟ سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "من نِيحَ عليه، يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه" (٤) .
-
وحدَّثنا يَعيشُ بن سَعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن
vol. 11, p. 121أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن حُمَيدِ بن هِلالٍ، عن أبي بُرْدةَ الأشْعَريِّ، عن أبي موسى، قال: إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ما بُكِيَ عليه. قال: قلتُ: ما نِيحَ عليه؟ قال: ما بُكِيَ عليه. قلتُ: ما نِيحَ عليه؟ قال: فما سكَتَ، حتّى سَكَتُّ.
-
وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا غُندَرٌ، عن شُعبةَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بن صُبيح، قال: سمِعتُ ابن سِيرينَ، قال: ذكرُوا عندَ عِمرانَ بن حُصَينٍ: "الميِّتُ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ" . فقالوا: كيفَ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ؟ فقال عِمرانُ: قد قالهُ رَسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال أبو عُمر: فهؤُلاءِ جماعةٌ من الصَّحابةِ قد قالوا كما قال ابنُ عُمرَ، ورَوَوا مِثلَ ما رَوَى ابنُ عُمر.
-
إلّا أنَّ في حديثِ عُمرَ، وحديثِ المُغيرةِ بن شُعبةَ: النِّياحَ، دُون البُكاءِ، وهُو أصحُّ عندَ كلِّ من خالَفَ عائشةَ في هذا البابِ من العُلماءِ.
-
ولهم في ذلك قولانِ، أحدُهُما: أنَّ طائفةً من أهلِ العِلم ذهَبَتْ إلى تَصْويبِ عائشةَ في إنكارِها على ابنِ عُمرَ - منهُم: الشّافِعيُّ وغيرُهُ- وهُو عِندِي تحصيلُ مَذْهبِ مالكٍ، لأنَّهُ ذكرَ حديثٌ عائشةَ في "مُوطَّئهِ" (٢) ولم يُذكَر خِلافُهُ عن أحَدٍ، فأمّا الشّافِعيُّ، فذكَرَ حديثٌ عائشةَ، من رِوايةِ مالكٍ (٣) . على ما تَقدَّم ذِكرُهُ في
vol. 11, p. 122هذا البابِ، وذكَرَ حديثَ عُمرَ مع ابنِ عبّاسٍ، المذكُورَ أيضًا في هذا البابِ، عنِ ابنِ عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عنِ ابنِ أبي مُليكةَ (١) .
ثُمَّ قال الشّافِعيُّ (٢) : وأُرخِّصُ في البُكاءِ على الميِّتِ، بلا ندبةٍ ولا نياحةٍ، لما في النِّياحةِ من تجديدِ الحُزنِ، ومَنع الصَّبرِ، وعَظيم الإثم. قال: وقال ابنُ عبّاس: اللَّهُ أضْحَكَ وأبْكَى.
قال الشّافِعيُّ: فما رَوَتهُ عائشةُ وذهبَتْ إليه، أشبهُ بدلالةِ الكِتابِ، ثُمَّ السُّنّةِ، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: ٣٨] . وقال: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: ١٥] .
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم- لرجُلٍ في ابنِه: "أما إنَّهُ لا يَجْنِي عليكَ، ولا تَجْني عليه" (٣) . قال (٤) : وما زِيدَ في عذابِ كافرٍ، فباسْتِيجابه (٥) ، لا بذَنْبِ غيرِهِ (٦) .
وقال آخرُونَ، منهُم: داودُ بن عليٍّ وأصحابُهُ: ما رَوَى عُمرُ وابنُ عُمر والمُغيرةُ، أولى من قولِ عائشةَ ورِوايتِها.
قالوا: ولا يجُوزُ أن تُدفَعَ رِوايةُ العَدْلِ الثِّقةِ (٧) بمِثلِ هذا من الاعْتِراضِ؛ لأنَّ من رَوَى وسمِعَ وأثبَتَ، حُجّةٌ على من نَفَى وجهِلَ.
قالوا: وقد صبحَّ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّهُ نَهَى عنِ النِّياحةِ نَهْيًا مُطلقًا، ولعَنَ النّائحةَ، والمُستمِعةَ، وحرَّمَ أُجرةَ النّائحةِ.
vol. 11, p. 123وقال: "ليسَ منّا من حلَقَ، ومن سلَقَ، ومن خرَّقَ" (١) ، و "ليسَ منّا من لطَمَ الخُدُودَ، وشقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدعوى الجاهِليّةِ" .
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "ليس منّا من سلَقَ" فيَحْتِملُ مَعْنيينِ: أحدُهُما: لَطْمُ الخُدُودِ حتّى تَحْمرَّ، وخَدْشُها حتّى تعلُوَها الحُمْرةُ والدَّمُ، من (٢) قولِ العَربِ: سلقتُ الشَّيءَ بالماءِ الحارِّ.
-
والآخرُ: سلَقَ، بمعنى: صاحَ وناحَ، وأكثَرَ العولَ (٣) والعَوِيلَ بدَعوَى الجاهِليّةِ وشِبْهِها، من قَولِهِم: سَلَقهُ بلِسانِهِ، ولِسانٌ مِسْلَقٌ.
-
وأمّا الأحاديثُ التي ذَكَرُوها:
فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيُّوبَ، عن حَفْصةَ، عن أُمِّ عَطيّةَ، قالت: نَهانا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنِ النِّياحةِ.
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا إبراهيمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا محمدُ بن ربيعةَ، عن محمدِ بن
vol. 11, p. 124الحسنِ بن عطيّةَ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: لعَنَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- النّائحةَ والمُسْتمِعةَ.
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ. وحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي. قالا جميعًا: حدَّثنا جَريرٌ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، عن يزيد بن أوْسٍ، قال: دَخَلتُ على أبي مُوسى الأشْعَريِّ وهُو ثَقيلٌ، فذهَبَتِ امرأتَهُ لتَبْكي، أو تهمَّ به، فقال لها أبو موسى: أما سَمِعتِ ما قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: بلى، فسَكَتَتْ، فلمّا ماتَ أبو موسى، لَقِيتُ المرأةَ، فقلتُ لها (٢) ، فقالت: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليسَ منّا من حَلَقَ، ومن سلَقَ، ومن خَرَّقَ" .