عبد الله بن أبي بكر بن حزم

825 paragraphs · vol. 11, p. 5

Page 12 of 21

  1. وهذا عِندي، واللَّهُ أعلمُ، إنَّما جاءَ من قِبَلِ الأعمشِ؛ لأنَّهُ كان يُدلِّسُ أحيانًا، وقد يُمكِنُ أن يكونَ من قِبَلِ حِفْظِ وكيع لذلك، وإن كان حافِظًا، أو من قِبَلِ أبي خَيْثمةَ، لأنَّ فيه: حدَّثنا هِلالُ بن يِسافٍ، وليس بشيءٍ، وإنَّما الحديثُ للأعمشِ، عن عليِّ بن مُدرِكٍ، عن هِلالٍ، واللَّه أعلمُ (٤) .

    vol. 11, p. 139
  2. وقد روى الأعمشُ، عن هِلالِ بن يِسافٍ غير ما حديثٍ.

    vol. 11, p. 140
  3. وقد رَوَى هذا الحديِث شُعبةُ، عن عليِّ بن مُدرِكٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن رجُلٍ من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لم يقُل: عن عِمران بن حُصينٍ.

  4. أخبَرناهُ محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن عليِّ بن مُدْرِكٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، قال: قدِمتُ البَصْرةَ، فإذا رَجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ليسَ أنس بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خيرُ النّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يلُونهُم، ثُمَّ يجيءُ قومٌ سِمانٌ، يُعطُونَ الشَّهادةَ، ولا يُسألُونها" .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ في إسنادِهِ اضْطِرابٌ، وليسَ مِثلُهُ يُعارَضُ به حديثُ مالكٍ؛ لأنَّهُ من نَقلِ ثِقاتِ أهلِ المدينةِ، وهذا حديثٌ كُوفيٌّ لا أصلَ لهُ، ولو صحَّ، كان معناهُ كمَعنَى حديثِ ابنِ مسعُودٍ، على ما فسَّرهُ إبراهيمُ النَّخعيُّ فقيهُ الكُوفةِ.

  5. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مَنصُورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبيدةَ السَّلمانيِّ، عن عبدِ اللَّه، قال: سُئلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أيُّ النّاسِ خَيْرٌ؟ قال:

    vol. 11, p. 141"قَرْني، ثُمَّ الذين يلُونهُم، ثُمَّ الذين يلُونهُم، ثُمَّ يجيءُ قومٌ تَبْدُرُ شَهادةُ أحدِهِم يَمِينَهُ، ويمينُهُ شَهادَتَهُ" . قال إبراهيمُ: كانوا يَنْهُوننا ونحنُ صِبيانٌ عنِ العَهدِ، والشَّهاداتِ.

    قال أبو عُمر: معنى هذا عندَهُمُ: النَّهيُ عن قولِ الرَّجُلِ: أشهدُ باللَّه، وعليَّ عَهدُ اللَّه، ونحو ذلك، والبِدارِ إلى ذلك، وإلى اليمينِ في كلِّ ما لا يصلُحُ، وما يَصْلُحُ، واللَّه أعلمُ.

  6. وليسَ هذا الحديثُ من بابِ أداءِ الشَّهادةِ في شيءٍ، وقد سَمَّى اللَّهُ عزَّ وجلَّ أيمانَ اللِّعانِ شهاداتٍ، فقال: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: ٦] وهذا واضِحٌ، يُغني عنِ الإكثارِ فيه.

  7. وحديثُ أهلِ المدينةِ في هذا البابِ حديثٌ صحيحٌ مُستعملٌ، لا يدفعُهُ نَظَرٌ، ولا خبرٌ واللَّه المُستعانُ.

  8. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) ، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُسلِم، عن عَمرِو بن دينارٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: إذا كان عندَكَ لأحَدٍ شَهادةٌ، فسألكَ عنها فأخبِرهُ بها، ولا تَقُلْ: لا أُخبِرُكَ إلّا عندَ الأميرِ، أخبِرهُ بها لَعلَّهُ أن يرجِعَ، أو يَرْعوي.

    قال (٢) : وأخبَرنا محمدُ بن مُسلِم، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، قال: بَلَغني أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "خَيْرُ الشُّهداءِ من أدَّى شَهادتَهُ قبلَ أن يُسألَ عنها" .

    قال أبو عُمر: أبو عَمْرةَ الأنصاريُّ، والِدُ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَمرةَ هذا، اسمُهُ ثعلبةُ بن عَمرِو بن مُحصِنٍ.

  9. حديثٌ سادِسَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقيِّ، أنَّهُ قال: أخبَرني أبو حُميدٍ السّاعِديُّ، أنَّهُم قالوا لرسُولِ (٢) اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: كيفَ نُصلِّي عليكَ؟ فقال: "قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ (٣) ، وبارِك على محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ (٤) ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ" (٥) .

    vol. 11, p. 142
  10. اسْتَدلَّ قومٌ بهذا الحديثِ، على أنَّ آلَ محمدٍ، هُم أزواجُهُ وذُرِّيَّتُهُ خاصّةً، لقولِهِ في حديثِ مالكٍ (٦) ، عن نُعيم المُجمِرِ، وفي غيرِ ما حديثٍ: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ" . وفي هذا الحديثِ: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِه" . فقالوا: هذا يُفسِّرُ ذلك الحديثَ، ويُبيِّنُ أنَّ آلَ محمدٍ، هُم أزواجُهُ وذُرِّيَّتُهُ.

  11. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ رُواتِهِ، فيما عَلِمتُ.

    vol. 11, p. 143
  12. ورُوِيَ عن عيسى بن يُونُسَ، عن مالكٍ، عن محمدٍ وعبدِ اللَّه ابْنَي أبي بكرٍ، عن أبيهما، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي حُميدٍ السّاعِديِّ (١) . وذِكرُ محمدِ بن أبي بكرٍ فيه غريبٌ، إن صحَّ.

    قالوا: فجائزٌ أن يقولَ الرَّجُلُ لكلِّ من كان من أزواج محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن ذُرِّيَّتِهِ: صلَّى اللَّهُ عليكَ، إذا واجَههُ (٢) ، وصلَّى اللَّهُ عليه، إذا غابَ عنهُ، ولا يجُوزُ ذلك في غيرِهِم (٣) .

    قالوا: والآلُ، والأهلُ سواءٌ، وأهلُ الرَّجُلِ وآلُهُ سواءٌ، وهُمُ الأزواجُ، والذُّرِّيّةُ، بدليلِ هذا الحديثِ.

    وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: الأهلُ معلُومٌ، والآلُ الأتباعُ.

  13. وقد ذكَرْنا وجهَ قولِ كلِّ واحِدٍ، في بابِ نُعيم المُجمِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

    وقال آخرُونَ: لا يجُوزُ أن يُصلَّى على أحدٍ، إلّا على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وحَدهُ، دُونَ غيرِهِ، لأنَّهُ خُصَّ بذلك.

  14. واستدلُّوا بقولِهِ عزَّ وجلَّ: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: ٦٣] .

    قالوا: وإذا ذكَرَ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدٌ من أُمَّتِهِ، انْبَغَى لهُ أن يُصلِّي عليه، لما جاءَ في ذلك عنهُ، من قولِهِ عليه السَّلامُ: "من صلَّى عليَّ مرّةً، صلَّى اللَّهُ عليه

    vol. 11, p. 144عَشْرًا" (١) . ولا يجُوزُ أن يُتراحَمَ عليه، لأنَّهُ لم يَقُل: من تراحَمَ عليَّ. ولا: من دعا لي. وإن كانتِ الصَّلاةُ هاهُنا، معناها الرَّحمةُ، فكأنَّهُ خُصَّ بهذا اللَّفظِ، تعظيمًا لهُ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: ٥٦] ، ولم يقُل: إنَّ اللَّهَ وملائكتهُ يتراحمُونَ على النَّبيِّ، وإن كان المعنى واحِدًا، ليخُصَّهُ بذلك، واللَّه أعلمُ.

  15. واحتجَّ قائلُو هذه المقالةِ، بأنَّ عبدَ اللَّه بن عبّاسٍ كان يقولُ: لا يُصلَّى على أحَدٍ، إلّا على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

  16. وبِما رُوي عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّهُ كان يَقِفُ على قَبْرِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ، فيُصلِّي عليه، ويدعُو لأبي بكرٍ، وعُمرَ. وقد رُوي في خَبرِهِ هذا: أنَّهُ كان يُصلِّي على النَّبيِّ عليه السَّلامُ، وعلى أبي بكرٍ، وعُمرَ (٣) .

  17. والأوَّلُ عندَ قائلي هذه المقالةِ أثبتُ عنهُ.

    وقال آخرُونَ: جائزٌ أن يُصلَّى على كلِّ أحدٍ من المُسلِمينَ، وقالوا: آلُ محمدٍ أتباعُهُ وشِيعتُهُ، وأهلُ دينِهِ هُم آلُهُ.

  18. واحتجُّوا بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: ٤٦] قالوا: ومعلُومٌ أنَّ آل فِرعونَ، أتباعُهُ على دينِهِ.

  19. واحتجُّوا أيضًا بحديثِ عبدِ اللَّه بن أبي أوفَى؛ حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرِو (١) بن مُرّةَ، عن عبدِ اللَّه بن أبي أوْفَى: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أتاهُ قومٌ بصَدَقتِهِم، قال: "اللَّهُمَّ صلِّ عليهم" . فأتاهُ أبي بصدَقتِهِ، فقال: "اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (٢) .

    قالوا: ففي هذا الحديثِ بيانُ أنَّ الصَّلاةَ على كلِّ أحَدٍ جائزةٌ من كلِّ أحَدٍ، اقتِداءً برسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتأسِّيًا به، لأنَّهُ كان عليه السَّلامُ يَمْتثِلُ قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: ١٠٣] .

    قالوا: ومعلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ هاهُنا الرَّحمةُ والتَّراحُمُ، فغيرُ نَكيرٍ أن يجُوزَ من كلِّ أحَدٍ، على كلِّ أحدٍ (٣) من المُسلِمينَ، بدليلِ الكِتابِ والسُّنّةِ.

    قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا، قد قالهُ العُلماءُ فيما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا.

    vol. 11, p. 145
  20. وقد أخبَرَنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو قُتَيبةَ، قال: حدَّثنا الثَّوريُّ، عنِ الأسْوَدِ بن قَيْسٍ، عن نُبَيح العَنَزيِّ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: أتاني النَّبيُّ عليه السَّلامُ، فقلتُ لامرأتي: لا تسألي النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا، فقالت: يخرُجُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من عِندِنا، ولا نسألُهُ شيئًا. قالت: يا رسُولَ اللَّه، صلِّ على زَوْجي. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلَّى اللَّهُ عليكِ، وعلى زَوْجِكِ (١) " (٢) .

    vol. 11, p. 146
  21. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في وُجُوبِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكيفيّةِ وُجُوبِها، وموضِعِ ذلك، فقد مَضَى فيما سلفَ من كِتابِنا، في بابِ نُعَيم المُجمرِ، والحمدُ للَّه.

  22. حديثٌ سابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ أخبرهُ: أنَّ أُمَّ سُلَيم بنتَ مِلْحانَ اسْتَفتَتْ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحاضَتْ، أو ولدَتْ بعدَ ما أفاضَتْ يومَ النَّحرِ، فأذِنَ لها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرجَتْ.

    vol. 11, p. 147
  23. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ، فيما علِمتُ (٢) ، ولا أحْفَظُهُ عن أُمِّ سُلَيم إلّا من هذا الوَجهِ، وهُو مُنقطِعٌ، وأعرِفُهُ أيضًا من حديثِ هشام، عن قَتادةَ، عن عِكْرِمةَ: أنَّ أُمَّ سُلَيم اسْتَفتَتْ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، بمعناهُ (٣) .

  24. وهذا أيضًا مُنْقطِعٌ، والمحفُوظُ في هذا الحديثِ: عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قِصّةُ صفيّةَ. وحديثُ عائشةَ في قِصّةِ صفيّةَ مُتواتِرُ الطُّرُقِ عن عائشةَ.

  25. وأمّا حديثُ أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ في ذلك: فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبَرنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عنِ ابنِ شِهاب، عن أبي سَلَمةَ وعُروةَ، أنَّ عائشةَ

    vol. 11, p. 148قالت: حاضَتْ صفيّةُ بنتُ حُييٍّ بعدَ ما أفاضَتْ، قالت عائشةُ: فذَكَرتُ حَيْضَتَها لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أحابِستُنا هي؟ " . فقلتُ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّها قد كانت أفاضَتْ وطافَتْ بالبيتِ، ثُمَّ حاضَتْ بعدَ الإفاضةِ. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فَلْتنفِرْ" .

  26. ورَواهُ ابنُ وَهْبٍ (١) ، عن يُونُس، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ وعُروةَ (٢) ، عن عائشةَ مِثلهُ.

  27. ورواهُ محمدُ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ التَّيميُّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، مِثلهُ بمعناهُ (٣) .

  28. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤) : أخبَرنا عبدُ الملكِ بن شُعَيبِ بن اللَّيثِ بن سعدٍ، قال: أخبَرني أبي، عن جدِّي، قال: حدَّثني جَعْفرُ بن ربيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن هُرمُز، عن أبي سَلَمةَ، أنَّ عائشةَ قالت: حَجَجنا مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأفَضْنا يومَ النَّحرِ، وحاضَتْ صفيّةُ، فأرادَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منها ما يُريدُ الرَّجُلُ منَ امرأتِهِ، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّها حائضٌ، فقال: "أحابِستُنا هي؟ " . قالوا: يا رسُولَ اللَّه، قد أفاضَتْ يومَ النَّحرِ، قال: "اخرُجُوا" .

  29. وقد رَوَى هذا الحديثَ محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ صفيّةَ حاضَتْ. . . الحديثَ (١) .

    vol. 11, p. 149
  30. والصَّوابُ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ في هذا الإسْنادِ، قولُ الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ.

  31. وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ فيما تقدَّمَ، في بابِ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه، وبه التَّوفيقُ.

  32. حديثٌ ثامِنَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ، أنَّها أخبَرتهُ هذه الأحاديثَ الثَّلاثةَ، قالت زَيْنبُ: دَخلتُ على أمِّ حَبِيبةَ زَوْج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حينَ تُوُفِّي أبوها، أبو سُفيانَ بن حربٍ، فدَعَتْ أُمُّ حبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفرةٌ خلُوقٌ، أو غيرُهُ، فدهَنَتْ به جاريةً، ثُمَّ مَسَحَتْ بعارِضَيْها، ثُمَّ قالت: واللَّه ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غيَر أنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقوُل: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثِ ليالٍ، إلّا على زَوْج، أربَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا" .

    قالت زينبُ: ثُمَّ دَخَلتُ على زَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ زَوْج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حينَ تُوُفِّي أخُوها، فدعَتْ بطيبٍ، فمسَّت منهُ، ثُمَّ قالت: واللَّه ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غير أنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقوُل: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه، واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاث إلّا زَوْج، أربَعةَ أشهُرٍ وعشرًا" .

    قالت زينبُ: وسَمِعتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمةَ، زَوْجَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تقوُل: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ ابْنَتي تُوُفِّي عنها زَوْجُها، وقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنيها، أفتُكحِّلُهُما؟ فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا" مرَّتينِ، أو ثلًاثا، كلُّ ذلك يقولُ: "لا" . ثُمَّ قال: "إنَّما هي أربَعةُ أشْهُرٍ وعشرًا، وقَدْ كانت إحْداكُنَّ في الجاهِليّةِ تَرْمِي بالبَعْرةِ على رأسِ الحَوْلِ" .

    قال حُميدُ بن نافع: فقلتُ لزَيْنب: وما تَرْمي بالبَعْرةِ على رأسِ الحولِ؟ فقالت زينبُ: كانتِ المرأةُ إذا تُوُفِّي عنها زَوْجُها، دَخلَتْ حِفشًا (٢) ، ولَبِسَتْ شرَّ ثيابِها، ولم تَمسَّ طيبًا، ولا شيئًا، حتّى تمُرَّ بها سَنةٌ، ثُمَّ تُؤتى بدابّةٍ: حِمارٍ، أو شاةٍ، أو

    vol. 11, p. 151طائرٍ، فتَفتضُّ به، فقلَّما تَفتضُّ بشيءٍ، إلّا مات، ثُمَّ تخرُجُ، فتُعطَى بَعْرةً، فتَرْمِي بها، ثُمَّ تُراجِعُ بَعدُ ما شاءَت من طِيبٍ، أو غيرِهِ.

    قال مالكٌ: الحِفْشُ: البيتُ الرَّديءُ. وتَفْتضُّ: تَمْسحُ به جِلْدَها، كالنُّشرةِ (١) .

    قال أبو عُمر: حُميدُ (٢) بن نافع هذا، هُو أبو أفْلَحَ بن حُميدٍ، وهُو مولى صَفْوان بن خالدٍ، ويُقالُ: مولى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، يُقالُ إنَّه: حُميدٌ صُفَيْرا (٣) . رَوَى عن أبي أيُّوبَ، وحجَّ معهُ، ورَوَى عنِ ابنِ عُمرَ، وعن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ. وهُو ثِقةٌ مأمُونٌ. وهذه الجُملةُ من خَبرِهِ، عن أحمد بن حَنْبل، ومُصعبٍ الزُّبيريِّ، ولم يَسْمع مالكٌ منهُ شيئًا، ولا الثَّوريُّ، وهُما يرويانِ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عنهُ، وقد سمِعَ منهُ شُعبةُ هذا الحديثَ، وغيرهُ.

    vol. 11, p. 150
  33. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ عُبيد اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ حدَّثهُم ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (٤) : حدَّثنا إبراهيمُ بن هانئ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، قال: قال شُعبةُ: سألتُ عاصِمًا عنِ المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حَفْصةُ بنتُ سيرين: كتَبَ حُميدُ بن نافع إلى حُميدٍ الحِمْيريِّ، فذكرَ حديث زَيْنب بنتِ أبي سلمةَ. قال شُعبةُ: فقلتُ لعاصِم: أنا قد سَمِعتُهُ من حُميدِ بن نافع، قال: أنت؟ قلتُ: نعم، وهُو ذاك حيٌّ. قال شُعبةُ: وكان عاصِمٌ يرى أنَّهُ قد مات مُنذُ مئةِ سَنةٍ.

  34. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، قال: قال شُعبةُ: سألتُ عاصِمًا الأحْوَل، عنِ المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حَفْصةُ بنتُ سِيرينَ: كتَبَ حُميدُ بن نافع إلى حُميدٍ الحِميَريِّ، فذكَرَ حديثَ زَيْنبَ بنتِ أُمِّ (٢) سَلَمةَ. قال شُعبةُ: قلتُ لعاصِم: قد سَمِعتُهُ أنا من حُميدِ بن نافع. قال: أنتَ؟ قلتُ: نعم، وهُو ذاكَ حيٌّ. قال شُعبةُ: وكان عاصِمٌ يَرى أنَّهُ قد ماتَ مُنذُ مئةِ سَنةٍ.

    vol. 11, p. 152
  35. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن حُميدِ بن نافع، قال: سمِعتُ زَيْنبَ بنتَ أبي سَلَمةَ، تُحدِّثُ عن أُمِّها: أنَّ امرأةً تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فرمِدَتْ عينُها، فأتَوُا النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فاستأذنُوهُ في الكُحلِ، فقال: "لا" . وقال: "أربَعةَ أشهُرٍ وعشرًا" .

    قال البَغَويُّ (٤) : روى هذا الحديثَ عن شُعبةَ: النَّضرُ بن شُمَيلٍ، ويحيى بن أبي بُكيرٍ، وأبو النَّضرِ، فزادُوا فيه كلامًا ليسَ في حديثِ عليِّ بن الجعدِ. حدَّثناهُ جدِّي، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ. وحدَّثنا خلّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضرُ بن شُمَيلٍ. وحدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ. وهذا لفظُ حديثِ يَعقُوب، قال: أخبَرنا شُعبةُ، قال: حُميدُ بن نافع أخبَرني، قال: سمِعتُ زينبَ بنتَ أُمِّ سلمةَ

    vol. 11, p. 153تُحدِّثُ، عن أُمِّها: أنَّ امْرأةً تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فاشْتَكَتْ عينَها، وخَشُوا على عَينِها، فسُئلَ عن ذلك النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "قد كانت إحداكُنَّ تمَكُثُ في شرِّ أحْلاسِها في بَيْتِها إلى الحَوْلِ، فإذا كان الحَوْلُ، فمرَّ كَلْبٌ، رَمَتهُ ببعرةٍ، ثُمَّ خرجَتْ، فلا، أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا" .

    قال البَغَويُّ (١) : ورَواهُ يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن حُميدِ بن نافع. وزادَ فيه: أُمَّ حبيبةَ. حدَّثناهُ جدِّي ويعقُوبُ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ. وحدَّثنا أبو خَيْثمةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ. جميعًا عن يحيى بن سعيدٍ، عن حُميدِ بن نافع، أنَّهُ سمِعَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ تُحدِّثُ، عن أُمِّ سَلَمةَ وأُمِّ حبيبةَ، تذكُرانِ: أنَّ امرأةً أتَتِ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرَتْ: أنَّ ابْنةً لها تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فاشْتَكَتْ عينها. وذكرَ الحديثَ.

    قال (٢) : وحدَّثني جَدِّي، قال: حدَّثنا أبو قَطَنٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ حَبِيبةَ: أنَّ نَسِيبًا لها، أو حميمًا تُوُفِّي، وأنَّها دعَتْ بصُفرةٍ، فمَسحَتْ يَدَيها وقالت: إنَّما أصْنَعُ هذا لأنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلّا على زوج" .

    قال (٣) : وحدَّثنيهُ يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ (٤) ، قال: حدَّثنا شُعبةُ بإسنادِهِ مِثلهُ. وزادَ فيه: "أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا" .

    قال البَغويُّ (٥) : وأخبَرنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن حُمَيدِ بن نافع، فذكَرَ الأحاديثَ الثَّلاثةَ، عن زَيْنب، عن أُمِّ حَبِيبةَ، وزَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ، وأُمِّ سَلَمةَ سَواءً.

    vol. 11, p. 154قال أبو عُمر: أمّا صُفْرةُ الخَلُوقِ، فمعرُوفةٌ.

  36. وأمّا الإحْدادُ: فتركُ المرأةِ للزِّينةِ كلِّها، عندَ موتِ زَوْجِها، ما دامَتْ في عِدَّتِها، يُقالُ لها حينئذٍ: امرأةٌ حادٌّ، ومُحِدٌّ؛ لأنَّهُ يُقالُ: أحدَّتِ المرأةُ تُحِدُّ، وحدَّتْ تَحِدُّ، فهي محُدٌّ وحادٌّ. إذا تَركَتِ الزِّينةَ لموتِ زَوْجِها.

  37. هذا كلُّهُ قولُ الخَليلِ (١) ، وغيرِهِ.

  38. وأمّا الإحْدادُ عندَ العُلماءِ: فالامتِناعُ من الطِّيبِ والزِّينةِ بالثِّيابِ والحُليِّ وما كان من الزِّينةِ كلِّها، الدّاعيةِ إلى الأزْواج.

  39. وجُملةُ مَذهبِ مالكٍ في ذلك: أنَّ المرأةَ المُحِدَّ، لا تلبسُ ثوبًا مَصبُوغًا، إلّا أن يُصبغَ بسَوادٍ، وتلبسُ البياضَ كلَّهُ، رَقِيقَهُ وغليظَهُ، ولا تلبسُ رقيقَ ثِيابِ اليَمنِ، وتلبسُ غَلِيظَها إن شاءَت، وتلبسُ الكتّانَ كلَّهُ، رَقِيقَهُ وغليظَهُ، ما لم يَكُن مصبُوغًا، وكذلك القُطنُ، ولا تَلْبسُ خَزًّا، ولا حَرِيرًا، ولا تَلْبسُ خاتمًا من ذَهَبٍ، ولا من فِضّةٍ، ولا من حَديدٍ أيضًا، ولا حُليًّا، ولا قُرطًا، ولا خَلْخالًا، ولا سِوارًا، ولا تمسُّ طيبًا بوَجهٍ من الوُجُوهِ، ولا تُحنِّطُ ميِّتًا، ولا تَدَّهِنُ بزَنبقٍ (٢) ، ولا خيريٍّ (٣) ، ولا بَنَفسج، ولا بأسَ أن تدهُن بالشَّيرقِ (٤) ، والزَّيتِ، ولا تَختضِبُ بحِنّاءٍ، ولا كَتَم (٥) ، ولا بأسَ أن تَمْتشِطَ بالسِّدرِ، وما لا يَخْتمِرُ في رأسِها، ولا تكتحِلُ إلّا من ضرُورةٍ (٦) .

  40. فإن كانت ضرُورةٌ، فقد أرخَصَ لها مالكٌ وأصحابُهُ في الكُحلِ، تجعلُهُ باللَّيلِ، وتمسحُهُ بالنَّهارِ.

    vol. 11, p. 155