عبد الله بن أبي بكر بن حزم
825 paragraphs · vol. 11, p. 5
Page 13 of 21
- vol. 11, p. 155
ومِن قولِ مالكٍ والشّافِعيِّ (١) : أنَّ الإحدادَ على كلِّ زَوْجةٍ، صَغيرةً كانت أو كبيرةً، أمةً كانت أو حُرّةً، مُسلِمةً كانت أو ذِمِّيّةً. وكذلك المُكاتَبةُ، والمُدبَّرةُ، إذا كانت زَوْجةً.
-
وكذلك امرأةُ المفقُودِ، الإحدادُ عليها عندَهُ. وقال ابنُ الماجِشُونِ: لا إحدادَ عليها.
-
وذكرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: الإحدادُ على الكِتابيّةِ في زَوْجِها المُسلِم (٢) . وقال أشهبُ: لا إحداد عليها. ورواهُ عن مالكٍ أيضًا.
وقال ابنُ نافع: لا إحدادَ على الذِّمِّيّةِ (٣) . وهُو قولُ أبي حنيفةَ (٤) ، لقولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ" .
قال أبو عُمر: هذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّ العِلّةَ حُرْمةُ المُسلِم الذي تَعتدُّ من مائهِ، وجاءَ الحديثُ بذِكْرِ من يُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ؛ لأنَّ الخِطابَ إلى من هذه حالُهُ كان يَتَوجَّهُ، فدخَلَ المُؤمِناتُ في ذلك بالذِّكرِ، ودخلَ غيرُ المُؤمِناتِ بالمعنَى الذي ذكَرْنا، كما يُقالُ: هذا طريقُ المُسلِمين.
- vol. 11, p. 156
ويدخُلُ في مَعناهُ أهلُ الذِّمّةِ، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَبِعْ أحدُكُم على بَيعْ أخِيهِ" (١) . يعني المُسلِم، فدخلَ في ذلك الذِّمِّيُّ بالمعنَى، وقد أوجبَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الشُّفعةَ للمُسلِم، وهي واجِبةٌ لأهلِ الذِّمّةِ، كما تجِبُ للمُسلِم، إلى أشياءَ يَطُولُ ذكرُها من هذا البابِ.
-
ولا خِلافَ أنَّ الزَّوجةَ الذِّمِّيّةَ في النَّفقةِ والعِدّةِ، وجَميع أحكام الزَّوجاتِ، كالمُسلِمةِ، وكذلك الإحدادُ.
-
ألا تَرى أنَّهُ حقٌّ للزَّوج الميِّتِ، من أجلِ ما يَلْحقُهُ من النَّسبِ، فأشْبَهَ الحُكمَ بينَ المُسلِم والذِّمِّيِّ، بحُكم الإسلام.
-
ولا خِلافَ عن مالكٍ، وأصحابِهِ: أنَّ المُطلَّقةَ المبتُوتةَ، وغيرها، لا إحدادَ عليها، وكذلك أُمُّ الوَلدِ، لا إحدادَ عليها عندَ وَفاةِ سيِّدِها، وإنَّما الإحْدادُ عندَهُم على المُتوفَّى عنها زَوْجُها، على حَسَبِ ما ذكَرْنا.
وقال الشّافِعيُّ (٢) : الإحدادُ في البَدنِ، وهُو تركُ زينةِ البَدَنِ، وذلك أن يدخُل على البَدَنِ شيءٌ من غيرِهِ بزينةٍ، من ثيابٍ يُتزيَّنُ بها، وطيبٍ يَظْهرُ على المرأةِ فيدعُوها (٣) إلى شَهْوتِها، فمِن ذلك الدُّهنُ كلُّهُ في الرَّأسِ، وذلك لأنَّ الأدهانَ كلَّها سَواءٌ في تَرجيلِ الشَّعرِ، وإذهابِ الشَّعثِ. ألا تَرى أنَّ المُحرِمَ يَفْتدي إن دهنَ رأسهُ ولِحيتهُ بزَيتٍ، لما وصفتُ. قال: وكلُّ كُحلٍ كان زينةً، فلا خيرَ فيه، فأمّا الفارِسيُّ، وما أشبههُ، إذا احتاجَتْ إليه، فلا بأسَ. لأنَّهُ ليسَ بزينةٍ، بل يَزِيدُ العين مَرَهًا (٤) وقُبحًا، وما اضطُرَّت إليه مِمّا فيه زينةٌ من الكُحلِ،
vol. 11, p. 157اكْتَحلَتْ به ليلًا، وتَمسحُهُ نهارًا. دخلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أُمِّ سَلَمةَ وهي حادٌّ على أبي سَلَمةَ، فقال: "ما هذا يا أُمَّ سَلَمة (١) ؟ " . فقالت: إنَّما هُو صَبْرٌ. فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجْعليه باللَّيلِ، وامْسَحيهِ بالنَّهارِ" (٢) .
قال أبو عُمر: حديثُ أُمِّ سَلَمةَ هذا في "المُوطَّأ" من بَلاغاتِ مالكٍ، وسَنذكُرُ ذلك في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه. ونَذكُرُ من طُرُقِهِ ما يَصِحُّ عندَنا مُتَّصِلًا مُسندًا بعونِ اللَّه.
-
وحديثُ أُمِّ سلمةَ هذا المُرسلُ، ظاهِرُهُ مُخالِفٌ لحديثِ أُمِّ سلمةَ المُسنَدِ المذكُورِ في هذا البابِ؛ لأنَّ حديث أُمِّ سلَمةَ في هذا البابِ، على ما رواهُ مالكٌ وغيرُهُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن حُميدِ بن نافع، عن زينبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، يدُلُّ على أنَّ المُتوفَّى عنها زَوْجُها لا تكتحِلُ أصلًا؛ لأنَّهُ اشْتَكَتْ إليه امرأةٌ عَيْنها، فلم يأذَنْ لها في (٣) الكُحلِ، لا ليلًا ولا نَهارًا، لا من ضَرُورةٍ ولا من غيرِها، وقال: "لا" مرَّتينِ أو ثلاثًا، ولم يَقُل: إلّا أن تُضطرَّ. وأصلُ المسألةِ كانَ على أنَّها اشْتَكت عينَيها، وهذه ضَرُورةٌ.
-
وقد حكى مالكٌ (٤) ، عن نافع، عن صفيّةَ ابْنةِ أبي عُبيدٍ: أنَّها اشْتَكت عينَها وهي حادٌّ على زوجِها عبدِ اللَّه بن عُمرَ، فلم تكتحِل، حتّى كادَتْ عَيناها تَرْمصانِ.
-
وقد قال بهذا طائفةٌ من أهلِ العِلم: أنَّ المرأةَ الحادَّ لا تكتحِلُ بحالٍ من الأحوالِ، على هذا الحديثِ، كما صَنَعت صَفيّةُ.
-
وأمّا حديثُ أُمِّ سلمةَ المُرسلُ، فإنَّ فيه: أنَّ امرأةً سَألَتها، وهي حادٌّ،
vol. 11, p. 158عنِ الكُحْلِ، وقدِ اشْتكَتْ عينَها، فبلغَ ذلك منها، فقالت لها أُمُّ سلمةَ: اكْتَحِلي بكُحلِ الجَلاءِ باللَّيلِ، وامْسَحيهِ بالنَّهارِ (١) .
-
وهذا عِندي، وإن كان ظاهِرُهُ مُخالِفًا لحديثِ هذا البابِ، لما فيه من إباحَتِهِ باللَّيلِ، وقولُهُ في هذا الحديثِ: "لا" مرَّتينِ، أو ثلاثًا، على الإطلاقِ، فإنَّ ترتيب الحديثِ، واللَّهُ أعلمُ، على أنَّ الشَّكاةَ التي قال فيها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا" لم تبلُغ، واللَّهُ أعلمُ، منها مبلغًا، لا بُدَّ لها فيه من الكُحلِ، بقولِهِ هاهُنا: ولو كانت مُحتاجةً إلى ذلك مُضطرّةً، تخافُ ذهابَ بصرِها، لأباحَ لها ذلك، واللَّهُ أعلمُ، كما صنَعَ بالتي قال لها: "اجعلَيهِ باللَّيلِ، وامسحيهِ بالنَّهارِ" .
-
والنَّظرُ يشهدُ لهذا التَّأويلِ؛ لأنَّ الضَّرُوراتِ تنقُلُ المَحظُور إلى حالِ المُباح، في الأُصُولِ.
-
وكذلك جَعلَ مالكٌ فتَوَى أُمِّ سَلَمةَ هذه، تفسيرًا للحَديثِ المُسندِ في الكُحلِ؛ لأنَّ أُمَّ سلمةَ روَتْهُ، وما كانت لتُخالِفَهُ إذا صحَّ عِندها، وهي أعلمُ بتأويلِهِ ومخرجِهِ، والنَّظرُ يشهدُ لذلك؛ لأنَّ المُضطرَّ إلى شيءٍ، لا يُحكمُ لهُ بحُكم المُترَفِّهِ المُتزيِّنِ، وليسَ الدَّواءُ (٢) والتَّداوي من الزِّينةِ في شيءٍ، وإنَّما نُهيتِ الحادُّ عنِ الزِّينةِ، لا عنِ التَّداوي، وأُمُّ سَلَمةَ أعلمُ بما روَتْ، مع صِحَّتِهِ في النَّظرِ، وعليه أهلُ الفِقهِ، وبه قال مالكٌ والشّافِعيُّ وأكثرُ الفُقهاءِ.
-
وقد ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣) أنَّهُ بَلَغهُ عن سالم بن عبدِ اللَّه وسُليمان بن يَسارٍ، أنَّهُما كانا يقولانِ، في المرأةِ -يُتوفَّى عنها زوجُها، أنَّها إذا خَشِيَتْ على بَصرِها من رَمدٍ بعَينِها، أو شَكْوَى أصابَتها: إنَّها تكتحِلُ وتَتَداوى بالكُحلِ، وإن كان فيه طِيبٌ.
vol. 11, p. 159قال أبو عُمر: لأنَّ المَقصِدَ إلى التَّداوي، لا إلى التَّطيُّبِ (١) ، والأعمالُ بالنِّيّاتِ.
وقال الشّافِعيُّ (٢) : الصَّبِرُ يُصفِّرُ، فيكونُ زينةً، وليسَ بطيبٍ، وهُو كُحلُ الجَلاءِ، فأذِنت فيه أُمُّ سلمةَ للمَرأةِ باللَّيلِ، حيثُ لا يُرَى، وتمسحُهُ بالنَّهارِ، حيثُ يُرى، فكذلك ما أشبههُ.
وقال (٣) : في الثِّيابِ زينتانِ، إحداهُما جمالُ الثِّيابِ على اللّابِسينَ، والسَّترُ للعَورةِ، فالثِّيابُ زينةٌ لمن لبِسَها، وإنَّما نُهيتِ الحادُّ عن زينةِ بَدَنِها، ولم تُنه عن سَترِ عَوْرِتِها، فلا بأسَ أن تلبسَ الحادُّ كلَّ ثَوْبٍ من البَياضِ؛ لأنَّ البياضَ ليسَ بمُزيِّنٍ، وكذلك الصُّوفُ، والوَبرُ، وكلُّ ما نُسِج على وَجهِهِ، ولم يدخُل عليه صِبْغٌ (٤) من خَزٍّ أو غيرِهِ، وكذلك كلُّ صِبْغٍ لم يُرَدْ به التَّزيُّنُ مثل السَّوَاد، وما صُبغَ ليَفْتُحَ، أو لنَفْيِ الوَسَخ عنهُ، فأمّا ما كان من زينةٍ، أو وَشْي في ثَوْبٍ، أو غيرِهِ، فلا تَلْبسُهُ الحادُّ، وذلك لكلِّ حُرّةٍ وأمةٍ، وكبيرةٍ وصغيرةٍ، مُسلِمةٍ أو ذِمِّيّةٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تلبسُ ثوبَ عَصْبٍ (٥) ، ولا خزٍّ، وإن لم يكُن مصبُوغًا، إذا أرادَتْ به الزِّينةَ، وإن لم تُرِدَ، فليس الثَّوبُ المصبُوغُ من الزِّينةِ، فلا بأسَ أن تلبسهُ، وإذا اشْتكت عينها، اكتحلَتْ بالأسودِ وغيرِهِ، وإن لم تَشْتكِ عينها لم تكتحِل.
وقال أحمدُ وإسحاقُ: المُتوفَّى عنها لا تختضِبُ، ولا تكتحِلُ، ولا تبيتُ عن بيتِها، ولا تلبسُ ثوبًا مصبُوغًا. قالا: والمُتوفَّى عنها، والمُطلَّقةُ في الزِّينةِ سواءٌ، للاحتياطِ (٦) .
vol. 11, p. 160قال أبو عُمر: قولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ نحوُ قولِ مالكٍ، إلّا أنَّهُ اختلَفَ قولُهُ في وُجُوبِ الإحْدادِ على المُطلَّقةِ التي لا تملكُ رَجْعتها، فمرّةً قال: عليها الإحدادُ، وهُو قولُ الكُوفيِّين؛ لأنَّها كالمُتوفَّى عنها، في أنَّهُما غيرُ ذواتَي زوج، وليسَتْ مِمَّن تملكُ رَجْعَتها. ومرّةً قال: لا يبينُ عِندِي أن أُوجِبَ عليها الإحدادَ؛ لأنَّهُما قد تختلِفانِ في حالٍ، وإنِ اجتمعتا في غيرِهِ (١) .
قال أبو عُمر: في قولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على ميِّتٍ، إلّا على زوج" دليلٌ على أنَّ الإحدادَ إنَّما يجِبُ على المَوْتَى، ومن أجْلِهِم، لا على المُطلَّقاتِ، واللَّه أعلمُ.
-
وأجمعُوا أن لا إحدادَ على المُطلَّقةِ الرَّجعيَّةِ، والمبتُوتةُ أشْبَهُ بها منها بالمُتوفَّى عنها، واللَّه أعلمُ.
-
وأجمعُوا أنَّ الإحدادَ واجِبٌ على ما ذكَرْنا، إلّا الحسَنَ البصريَّ، فإنَّهُ قال: ليسَ الإحدادُ بواجِبٍ (٢) .
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "دَخلَتْ حِفشًا، ولبِسَتْ شرَّ ثيابِها" . فالحِفشُ: البيتُ الصَّغيرُ. ذكرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ.
-
وكذلك قال الخليلُ (٣) ، قال: الحِفْشُ: البيتُ الصَّغيرُ. قال: والحِفْشُ أيضًا: الشَّيءُ البالي الخلقُ. والحِفشُ أيضًا: الفَرْجُ. والحِفشُ: الدُّرجُ الذي يكونُ فيه البخُورُ، كالقارُورةِ للطِّيبِ.
وقال ابنُ وَهْبٍ: قولُهُ: "تَفْتضُّ به" . قال: تُؤتَى بدابّةٍ، فتمسحُ على ظَهْرِها
vol. 11, p. 161بيَدِها، وتُؤتَى ببَعْرةٍ من بَعرِ الغَنَم، فتَرْمي بها من وَراءِ ظهرِها، ثُمَّ يكونُ إحلالًا لها بعدَ السَّنةِ.
وقال ابنُ بُكيرٍ: "تَفْتضُّ به" : تتمسَّحُ به.
-
وقد قيل في معنى تمسحُ به: تمُرُّ به.
وقال الأخفشُ: أصلُ الافتِضاضِ، التَّفرُّقُ، يُقالُ: قَدِ افتضَّ القومُ عن فُلانٍ، إذا تَفرَّقُوا عنهُ، وانْفَضُّوا عنهُ أيضًا، وكذلك انفضَّ السَّيلُ عنِ الجَبلِ، وافتضَّ، إذا انصدَعَ فصارَ فِرْقتينِ. ويُقالُ: افْتَضَّ الجاريةَ، واقتضَّها، بالفاءِ وبالقافِ أيضًا. ومنهُ: فضَضتُ الخاتمَ، إذا كَسَرتَهُ. قال: فلَعلَّ قولَهُ: "تفتضُّ بالدّابّةِ" ، أي: تنفرِجُ بها من الغَمِّ الذي كانت فيه، إذا تمسَّحت بها. قال: وأجودُ من ذلك عِندي، أنَّ "تَفتضّ" : ترجِعُ إلى الفِضّةِ، فكأنَّهُ يُريدُ تَتمسَّحُ بتلك الدّابّةِ، حتّى تَنْتقي من دَرَنِها ذلك، فتصيرُ كأنَّها فِضّةٌ، ليسَ أنَّ تلك الدّابّةَ تَغسِلُها، ولكِنَّها إذا تمسَّحَتْ بذلك الطّائرِ، أوِ الدّابّةِ، خرجَتْ فاغْتَسلَتْ وتَنَظَّفت وتَطيَّبت، ولبِسَتْ ثيابها النَّظيفةَ، وتَعرَّضَتْ للأزواج، فتَصِيرُ نقيّةً، كأنَّها الفِضّةُ. قال: هذا عندَنا حتّى يأتيَكَ غيرُهُ.
قال أبو عُمر: أمّا الخليلُ، فذكرَ في الافتِضاضِ ما ذكرَ الأخفشُ، وغيرُهُ. قال (١) : والفَضَضُ ماءٌ عَذَبٌ تَفْتضُّهُ، والفُضاضُ ما كُسِرَ من عَظْم، ودِرعٌ فضْفاضةٌ، والفَضضُ والفَضِيضُ: المُتفرِّقُ.
وقال أبو عُبيدٍ (٢) : الحِفْشُ: الدُّرجُ، وجمعُهُ أحْفاشٌ، يُشبَّهُ به البيتُ الصَّغيرُ.
قال أبو عُمر: وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حَدِيثِ شُعبةَ ويحيى بن سَعيدٍ المذكُورِ في هذا البابِ: عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ: "قد كانت
vol. 11, p. 162إحداكُنَّ تمكُثُ في شرِّ أحلاسِها في بَيْتِها إلى الحولِ، فإذا كان الحولُ، فمرَّ كلبٌ، رَمَتهُ ببَعرةٍ، ثُمَّ خرجَتْ، فلا، أربَعةَ أشْهُرٍ وعشرًا ".
-
فإنَّ الخليلَ رحِمهُ اللَّه، قال (١) : الحِلْسُ، واحِدُ أحْلاسِ البيتِ، وهُو كالمِسح، وحَلَستُ البعير (٢) ، أحلِسُهُ حِلسًا: إذا غشَّيتَهُ بحِلْسٍ، وهُو ما ولي ظهَرَ البَعيرِ، ورجُلٌ مُتَحلِّسٌ، إذا لزِم المكان، ومحُلِسٌ أيضًا، وأرضٌ محُلِسةٌ، إذا صارَ النَّباتُ على الأرْضِ كالحِلْسِ لها.
-
وذكرَ في الاسْتِحلاسِ، والإحْلاسِ وُجُوهًا كثيرةً.
وقال أبو عُبيدٍ (٣) : قولُهُ: "فمرَّ كلبٌ، رَمتهُ ببعرةٍ". بمَعنى أنَّها كانت في الجاهِليّةِ تَعْتدُّ على زوجِها إذا ماتَ عنها عامًا، لا تخرُجُ من بيتِها، ثُمَّ تَفعلُ ذلك في رَأسِ الحَولِ، لتُري النّاس أنَّ إقامَتها حَوْلًا بعدَ زوجِها، أهْوَنُ عليها من بَعْرةٍ يُرمَى بها كلبٌ.
قال: وقد ذَكرُوا هذه الإقامةَ عامًا في أشعارِهِم، قال لبيدٌ يمدحُ قَومهُ (٤) :
وهُمُ ربيعٌ للمُجاوِرِ فيهمُ ... والمُرملاتُ إذا تَطاولَ عامُها
ونزلَ بذلك القُرآنُ، قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: ٢٤٠] ثُمَّ نُسِخ ذلك بقولِهِ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] فقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: كيفَ لا تصبِرُ إحداكُنَّ هذا القدرَ، وقد كانت تصبِرُ حَوْلًا؟ وباللَّه التَّوفيقُ (٥) .
- vol. 11, p. 163
حديثٌ تاسع عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، مُرسلٌ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن عطَسَ فشمِّتهُ، ثُمَّ إن عطَسَ فشمِّتهُ، ثُمَّ إن عَطَس فشمِّتهُ، ثُمَّ إن عَطَسَ فقُل: إنَّك مَضْنُوكٌ" . قال عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ: لا أدري أبعدَ الثَّلاثةِ، أوِ الأربَعةِ.
قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ، وهُو حديثٌ يتَّصِلُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وُجُوهٍ.
-
منها: حديثُ سَلَمةَ بن الأكوع، وحديثُ أبي هريرةَ.
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ، قال: أخبَرنا إياسُ بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه: أنَّ رجُلًا عطَسَ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "رحِمكَ اللَّه" ، ثُمَّ عطسَ الثّانيةَ، فقال: "هُو مزكُومٌ" .
-
هكذا قال زيدُ بن الحُبابِ، عن عِكْرِمةَ بن عمّارٍ، أنَّ الثّانيةَ قال لهُ فيها: "هُو مزكُومٌ" . وتابَعهُ على هذا المعنى: ابنُ أبي زائدةَ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ.
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) :
vol. 11, p. 164حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عِكْرِمةَ بن عمّارٍ، عن إياسِ بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه: أنَّ رجُلًا عطَسَ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لهُ: "يَرْحمُكَ اللَّه" . ثُمَّ عطسَ، فقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ" .
-
ورواهُ القَطّانُ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ، فذكَرَ أنَّ ذلك إنَّما قالهُ في الثالثةِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن عِكْرِمةَ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا إياسُ بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه، قال: عَطَسَ رجُلٌ عندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَمَّتهُ، ثُمَّ عَطَسَ فشمَّتهُ، ثُمَّ عَطَسَ، فقال لهُ في الثالثةِ: "إنَّكَ مَزْكُومٌ" (١) .
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني سعيدُ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ (٣) بن مَسْعَدةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عَجْلانَ، عن سَعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: شمِّتْ أخاكَ ثلاثًا، فما زادَ فهُو زُكامٌ (٤) .
- vol. 11, p. 165
هكذا أوقَفهُ يحيى القطّانُ وحمّادُ بن مسعدةَ، على أبي هريرةَ. ورفعهُ اللَّيثُ بن سعدٍ على الشَّكِّ.
-
حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدٍ ومحمدُ بن حَكَم ومحمدُ بن محمدِ بن مُوسى بن نُصيرٍ وخلفُ بن أحمدَ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن يحيى، قال: حدَّثني أبي يحيى بن يحيى، عنِ اللَّيثِ بن سَعْدٍ.
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عيسى بن حمّادٍ المِصريُّ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن سَعيدِ بن أبي سَعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لا أعلمُ إلّا أنَّهُ رفَعَ الحديثَ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "يُشمَّتُ المُسلِمُ إذا عَطَسَ ثلاثَ مرّاتٍ، فإذا زادَ، فهُو زُكامٌ" .
-
وقد رُوِيَ حديثُ ابنِ عجلانَ هذا، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا هارُونُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا مالكُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن حَرْبٍ، عن يزيدَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن يحيى بن إسحاقَ بن عبدِ اللَّه بن أبي طَلْحةَ، عن أُمِّهِ حُميدةَ أو عُبيدةَ بنتِ عُبيدِ بن رِفاعةَ الزُّرَقيِّ، عن أبيها، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "شمِّتِ العاطِس ثلاثًا، وإن شِئتَ بعدُ فشمِّتهُ، وإن شِئتَ فاترُكهُ" .
vol. 11, p. 166قال أبو عُمر: في حَدِيثِ سلمةَ بن الأكوع: أن يشمِّت مرّةً، أو مرَّتينِ. ويُقالُ لهُ في الثالثةِ: إنَّهُ (١) مزكُومٌ. أو: هذا زُكامٌ.
-
وفي حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ الزُّرَقيِّ: أنَّهُ يُشمَّتُ ثلاثًا، ويُقالُ لهُ ذلك في الرّابعة.
-
وهي زيادةٌ يجِبُ قبُولُها، والقولُ بها أولى، وباللَّه توفيقُنا.
-
وأحسَنُ ما رُوي في كَيْفيّةِ تَشْميتِ العاطِسِ، حديثٌ من حديثِ أهلِ المدينةِ، وحديثٌ آخرُ من رِوايةِ أهلِ الكُوفةِ.
-
فأمّا حديثُ أهلِ المدينةِ؛ فحدَّثناهُ أحمدُ بن فَتْح بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن مُوسى بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعْدٍ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ الماجِشُونِ، عن عبدِ اللَّه بن دِينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ قال: "إذا عطَسَ أحدُكُم، فلْيقُل: الحمدُ للَّه. وإذا قال: الحمدُ للَّه، فليقُل لهُ أخُوهُ: يرحمُكَ اللَّه. فإذا قيلَ لهُ ذلك، فليقُل: يَهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالَكُم" (٢) .
-
وأخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، يعني: ابن عبدِ اللَّه بن أبي سَلَمةَ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-
vol. 11, p. 167قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحمدُ للَّه على كلِّ حالٍ. وليقُل أخُوهُ وصاحِبُهُ: يَرْحمُكَ اللَّه. ويقولُ هُو: يهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم" .