عبد الله بن أبي بكر بن حزم
825 paragraphs · vol. 11, p. 5
Page 17 of 21
- vol. 11, p. 201
وأظُنُّ رَوْثَتَهُ مارِنَهُ، وأرْنَبتَهُ طرَفَهُ. وقد قيل: الأرنبةُ، والرَّوثةُ، والعَرْتَمةُ: طَرَفُ الأنفِ.
-
وأمّا الهَبْرُ، فهُو القَطْعُ في اللَّحم، والمهبُورُ: المَقطُوعُ منهُ، والهَبْرةُ: بضْعةٌ من اللَّحم، والمْنَخِرانِ: السَّمّانِ اللَّذانِ يخرُجُ منهُما النَّفسُ، والخَياشيمُ: عِظامٌ رِقاقٌ فيما بينَ أعلاهُ إلى الرَّأسِ. ويُقالُ: الخَياشيمُ: عُرُوقٌ في باطِنِ الأنفِ، والأخشَمُ: الذي قد مُنِعَ الشَّمَّ.
قال أبو عُمر: الذي عليه الفُقهاءُ: مالكٌ، والشّافِعيُّ، والكُوفيُّونَ، ومن تَبِعهُم في الشَّمِّ إذا نَقَصَ، أو فُقِدَ، حُكُومةٌ، ويحتَمِلُ كلُّ ما جاءَ في هذا البابِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، ومُجاهِدٍ، وغيرِهِم، أن يكونَ على وَجْهِ الحُكُومةِ، واللَّهُ أعلمُ، فلا يكونُ مُخالِفًا لما عليه الفُقهاءُ في ذلك.
-
وأمّا قولُهُ في حَدِيثنا المذكُورِ في هذا البابِ: "وفي المأمُومةِ ثُلُثُ الدِّيةِ" . فالمأمُومةُ: لا تكونُ إلّا في الرَّأسِ، وهي: التي تخرِقُ إلى جِلْدِ الدِّماغ، وفيها ثُلُثُ
vol. 11, p. 202الدِّيةِ، وهو أمرٌ مُجتَمَعٌ عليه، على ما في كِتابِ عَمرِو بن حزم الذي كَتَبهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أهلِ اليَمنِ، على حَسَبِ ما ذكَرْنا من ذلك، في هذا البابِ.
-
ويُقالُ للمأمُومةِ: الآمّةُ. كذلك يقولُ لها أهلُ العِراقِ، وقال أهلُ الحِجازِ: المأمُومةُ.
-
وأمّا الجائفةُ: فكلُّ ما خرقَ إلى الجَوْفِ، من بَطْنٍ، أو ظَهْرٍ، أو ثُغْرةِ النَّحرِ، وفيها ثُلُثُ الدِّيةِ، لا يختلِفُونَ في ذلك أيضًا، على ما في كِتابِ عَمرِو بن حَزْم.
-
فإن نَفَذَتْ من جِهَتَينِ، فهي عندَهُم جائفتانِ، وفيهما (١) من الدِّيةِ الثُّلُثانِ.
-
واختلَفَ قولُ مالكٍ في عَقلِ المأمُومةِ، والجائفةِ، فقال (٢) : عَقْلُهُما في العَمدِ والخَطَأ، في كلِّ واحِدةٍ منهُما على العاقِلةِ. وقال أيضًا: إن كان لجانِيهِما عَمْدًا مالٌ، فالعَقلُ في مالِهِ، فإن لم يَكُن لهُ مالٌ، فالعَقْلُ على عاقِلتِهِ. وبهذا كان يأخُذُ ابنُ كِنانةَ.
-
وكان ابنُ القاسم يقولُ: كلُّ من أصابَ من أحدٍ شيئًا من جَسدِهِ، ولهُ مِثلُ الذي أصابَ، فلم يكُن إلى القِصاصِ سَبيلٌ، لسُنّةٍ مضت فيه، فِديةُ ذلك على العاقِلةِ إذا بلغَ ذلك ثُلُثَ الدِّيةِ، عمدًا كان أو خطأً، مِثل المأمُومةِ والجائفةِ. قال: وكلُّ من أصابَ شيئًا من أحدٍ من النّاسِ عمدًا مِمّا فيه القِصاصُ، إلّا أنَّهُ ليس لهُ مِثلُهُ، فلم يُوجَد إلى القِصاصِ سبيلٌ، فإنَّ ذلك على الجاني في مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ، وإلّا اتُّبِعَ به مِثلُ ديةِ الرِّجلِ واليَدِ والذَّكرِ.
قال أبو عُمر: الذي عليه جُمهُورُ العُلماءِ وعامّةُ الفُقهاءِ: أنَّ العاقِلةَ لا تحمِلُ عمدًا، ولا اعْتِرافًا، ولا صُلْحًا، ولا تَعقِلُ عمدًا، ولا تَحمِلُ من دِيةِ الخطأ، إلّا ما جاوَزَ الثُّلُث.
- vol. 11, p. 203
وقد رُوي عن مالكٍ (١) مِثلُ ذلك كلِّهِ، وهُو الصَّحيحُ في مَذْهبِهِ إن شاءَ اللَّه.
قال أبو عُمر: لا يختلِفُونَ أنَّ المُوضِحةَ فيها خَمْسٌ من الإبِلِ، على ما في كِتابِ عَمرِو بن حزم أيضًا، والمُوضِحةُ عندَهُم هي التي تُوضِحُ عنِ العَظْم، وتُبرِزُهُ حتّى يُنظَرَ إليه في الرَّأسِ خاصّةً، ولا تكونُ في البَدَنِ مُوضِحةٌ بحالٍ، وعلى ذلك جماعةُ الفُقهاءِ، إلّا اللَّيثَ بن سَعْدٍ، فإنَّهُ قال: المُوضِحةُ تكونُ في الجَسَدِ أيضًا.
وقال الأوزاعيُّ: المُوضِحةُ في الوَجْهِ والرَّأسِ سَواءً. قال: وهي في جِراحةِ الجَسَدِ، على النِّصفِ مِمّا في جِراحةِ الرَّأسِ (٢) .
-
واتَّفقَ مالكٌ (٣) والشّافِعيُّ وأبو حَنِيفةَ والبتِّيُّ وأصحابُهُم: أنَّ المُوضِحةَ لا تكونُ إلّا في الوَجْهِ، والرَّأسِ، ولا تكونُ الجائفةُ إلّا في الجَوْفِ (٤) .
وقال الشّافِعيُّ (٥) وأبو يُوسُف (٦) : لا تكونُ المُوضِحةُ، ولا المُنقِّلةُ، ولا الهاشِمةُ، ولا السِّمحاقُ، ولا الباضِعةُ، ولا المُتلاحِمةُ، ولا الدّاميةُ، إلّا في الرَّأسِ والجَبْهةِ والصُّدْغينِ واللَّحيينِ وموضِع اللَّحم (٧) من اللَّحيينِ والذَّقنِ.
وقال الشّافِعيُّ (٨) : كلُّ جُرْح عَدَا الوَجْهِ والرَّأسِ، ففيه حُكُومةٌ، إلّا الجائفةَ، ففيها ثُلُثُ النَّفسِ.
vol. 11, p. 204وقال مالكٌ (١) : المأمُومةُ، والمُنقِّلةُ، والمُوضِحةُ لا تكونُ إلّا في الرَّأسِ، والوَجْهِ، ولا تكونُ المأمُومةُ إلّا في الرَّأسِ خاصّةً، إذا وَصَل إلى الدِّماغِ. قال: والمُوضِحةُ: ما تكونُ في جُمجُمةِ الرَّأسِ، وما دُونَها فهُو من العُنُقِ، ليس فيه مُوضِحةٌ. قال مالكٌ: والأنفُ ليسَ من الرَّأسِ، فليسَ فيه مُوضِحةٌ، وكذلك اللَّحيُ الأسفلُ ليسَ فيه مُوضِحةٌ. وقال مالكٌ: في الخدِّ مُوضِحةٌ، فإن شانَتِ الوَجْه زيدَ في الأرْشِ (٢) ، فإن لم تَشِنْ، لم يُزَدْ على أرشِ المُوضِحةِ، وذلك على الاجتِهادِ (٣) .
قال: ولم يأخُذ مالكٌ بقَولِ سُليمانَ بن يَسارٍ، في مُوضِحةِ الوَجْهِ (٤) : أنَّهُ يُزادُ فيها لشَيْنِها ما بَيْنَها (٥) وبين نِصْفِ عَقلِها (٦) . قال مالكٌ: وما سمِعتُ أحدًا قالهُ غيرَهُ.
وقال أشهبُ: لا يُزادُ لشَيْنِها شيءٌ، كانت في الوجهِ، أو في الرَّأسِ. قال مالكٌ: والجائفةُ: ما أفضَتْ إلى الجَوْفِ.
وقال ابنُ القاسم: حَدُّ المُوضِحةِ ما أفْضَى إلى العَظْم، ولو بقَدْرِ إبرةٍ، كانت في الوَجْهِ، أو في الرَّأسِ، والمُنقِّلةُ: التي يطيِّرُ فِراشَها (٧) من العَظم، وإن قلَّ، ولا تخرِقُ إلى الدِّماغ، إذا استُوقِنَ أنَّهُ من الفِراشِ. والجائفةُ: ما أفْضَى إلى الجَوْفِ، ولو بمَدْخلِ إبرةٍ. قال: فإن نفَذَتْ من الجانِبِ الآخرِ، ففيها ثُلُثا الدِّيةِ (٨) .
- vol. 11, p. 205
وهُو أحسنُ قَولِ (١) مالكٍ.
قال أبو عُمر: لا خِلافَ أنَّ المُنقِّلةَ فيها خمسَ عشْرةَ من الإبِلِ، ولا تكونُ إلّا في الرَّأسِ.
قال أشهبُ: وكلُّ ما ثُقِبَ منهُ، فوصَلَ إلى الدِّماغ، فهُو من الرَّأسِ.
وقال أشهبُ، وابنُ القاسم: ليسَ في مُوضِحةِ الجَسَدِ، ومُنقِّلتِهِ، ومأمُومتِهِ، إلّا الاجتِهادُ.
قال أبو عُمر: كذلك مذهبُ الشّافِعيِّ والعِراقيِّينَ؛ أنَّ فيها حُكُومةً. وليسَ عِند مالكٍ وأصحابِهِ في الدّاميةِ، والباضِعةِ، والسِّمحاقِ، والمِلْطاةِ (٢) ديةٌ، فإن برِئَت على غيرِ شينٍ، فلا شيءَ فيها عِندهُم، وإن برِئَت على شينٍ، ففيها الاجتِهادُ (٣) .
-
واتَّفق مالكٌ (٤) والشّافِعيُّ وأصحابُهُم: أنَّ من شجَّ رجُلًا مأمُومتينِ، أو مُوضِحتَيْنِ، أو ثلاثَ مأمُوماتٍ، أو مُوضِحاتٍ، أو أكثرَ في ضربِهِ: أنَّ فيهنَّ دِيَتَهُنَّ كلَّهُنَّ، وإنِ انخرَقَتْ، فصارت واحِدةً، ففيها دِيةٌ واحِدةٌ.
-
واتَّفق مالكٌ وأبو حنيفةَ والشّافِعيُّ والأوزاعيُّ على أنَّهُ ليسَ فيما دُون المُوضِحةِ من الشِّجاج أرشٌ مُقدَّرٌ، إنَّما (٥) فيه حُكُومةٌ.
قال مالكٌ (٦) : ولم يعقِلْ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما دُونَ المُوضِحةِ من جِراح الخطأ عقلًا مُسمًّى. قال مالكٌ: وهُو الأمرُ المُجتمَعُ عليه.
vol. 11, p. 206قال أبو عُمر: رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ رضي اللَّه عنهُ: أنَّهُ قَضَى في التَّرقُوةِ بجَملٍ، وفي الضِّلَع بجَملٍ (١) .
-
وعن عليٍّ -في السِّمحاقِ-: أربعةٌ من الإبِل (٢) . وبه قال الحسنُ بن صالح.
-
وعن زيدِ بن ثابتٍ في العينِ القائمةِ إذا طُفِئت بمئةِ دينارٍ (٣) .
-
وهذا كلُّهُ محمُولٌ عندَ مالكٍ والشّافِعيِّ وأبي حنيفةَ، على أنَّ ذلك كان منهُم على وَجْهِ الحُكُومةِ، لا على التَّوقيفِ.
-
والمُوضِحةُ عندَ أبي حنيفةَ والشّافِعيِّ وأصحابِهِم: في الذَّقنِ، وما فوقهُ من اللَّحيِ الأسفلِ، وغيرِهِ، خِلافُ قولِ مالكٍ.
-
ومن حُجَّتِهِم، أنَّ ابنَ عُمرَ كان يقولُ: ما فوقَ الذَّقنِ من الرَّأسِ، فلا يُغطِّيهِ المُحرِمُ (٤) .
-
وذلك عندَهُم محمُولٌ على أنَّهُ أرادَ الذَّقن وما فوقهُ، بدليلِ الإجماع على أنَّ المُحرِمَ لا يُغطِّي ذَقنهُ، كما لا يُغطِّي وجههُ.
قالوا: وذلك نحوُ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال: ١٢] وإنَّما أرادَ الأعناقَ وما فوْقها.
قالوا: وإذا كان ذلك من الوَجْهِ، وجبَ أن تكون فيه مُوضِحةٌ.
وقال أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ (٥) : قولُ اللَّيثِ لا معنى لهُ في قولِهِ: المُوضِحةُ في
vol. 11, p. 207الجَسدِ؛ لأنَّ ما في البَدَنِ لا يُسمَّى شِجاجًا، وإنَّما يُسمَّى شَجّةً ما كان في الرَّأسِ. قال: ويُسمَّى ما في البَدنِ جِراحةً.
قال أبو عُمر: وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "وفي العَيْنِ خمسُونَ" . فأجمعَ العُلماءُ على أنَّ من فُقِئَت عينُهُ خطأً، أنَّ فيها نِصفَ الدِّيةِ: خمسُونَ من الإبِلِ، أو عِدْلُها من الذَّهَبِ والوَرِقِ، على حَسَبِ ما قدَّمنا ذِكرَهُ عنهُم في هذا البابِ.
- واختَلَفُوا في الأعْورِ تُفْقأُ عَيْنُهُ الصَّحيحةُ خَطَأً (١) :
-
فقال مالكٌ (٢) واللَّيثُ بن سعدٍ: فيها الدِّيةُ كامِلةً.
-
ورُوِيَ ذلك عن عُمرَ، وعُثمانَ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ (٣) .
قال مالكٌ: ومن كان ذاهِبَ السَّمع من إحدى أُذُنَيهِ، فضرَبَ الإنسانُ الأُذُنَ الأُخْرَى، فذهَبَ (٤) سَمْعُهُ، فعليه نِصفُ الدِّيةِ، وكذلك الرِّجْلَينِ واليَدَينِ إذا قطَعَ إنسانٌ الباقيةَ منهُما، فعليه نِصفُ الدِّيةِ (٥) .
قال ابنُ القاسم: وإنَّما قال ذلك مالكٌ في عَينِ الأعْوَرِ وَحْدَها دُونَ غيرِها (٦) .
-
وقال أبو حَنِيفةَ والشّافِعيُّ (٧) وأصحابُهُما والثَّوريُّ وعُثمانُ البتِّيُّ -في عَيْنِ الأعورِ إذا فُقِئَت خَطَأً-: نِصفُ الدِّيةِ (٨) .
- vol. 11, p. 208
ومِن حُجَّتِهِم: أنَّ القِصاصَ فيها إذا كانت عَمْدًا بعينٍ واحِدةٍ، فكذلك يجِبُ أن تكون ديتُها في الخَطَأ ديةَ عينٍ واحِدةٍ.
-
واحتجُّوا بكِتابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، الذي كتَبهُ لعَمرِو بن حزم: "وفي العَيْنِ خمسُونَ، وفي اليَدِ خمسُونَ، وفي الرِّجلِ خمسُونَ" . ولم يخُصَّ عينًا من عينٍ، ولا يَدًا من يَدٍ، ولا رِجلًا من رِجلٍ.
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ غُنَدرٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن القاسم الأنْباريُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني أبو عِكْرِمةَ الضَّبِّيُّ، قال: تقدَّمَ إلى الشَّعبيِّ رَجُلٌ، في رَجُلٍ (١) ضربَ عَيْنَ رجُلٍ، فاحمرَّتْ (٢) فدَمَعَتْ، فشرِقَتْ فاغْرَورقَتْ. فقال الشَّعبيُّ: يحكُمُ فيها بيتُ الرّاعي (٣) :
لها أمرُها حتّى إذا ما تبوَّأَتْ ... بأخفافِها مأوًى (٤) تبوَّأَ مضْجَعا
قال أبو عِكْرِمةَ: ومعناهُ أنَّ العينَ يُنتظرُ بها أن تبلُغَ غايةَ ما تَنْتهي إليه، ثُمَّ يُقْضَى فيها حَينئذٍ.
قال أبو عُمر: وكذلك السُّنّةُ في الجِراح كلِّها عندَ مالكٍ (٥) وأصحابِهِ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ، والثَّوريِّ، والحسنِ بن حيٍّ. لا يُقتَصُّ عندَهُم من جُرْح عَمْدٍ، ولا يُودَى جُرحٌ خَطَأٌ، حتّى يبرأ، ويُعلَمَ ما يؤُولُ إليه.
- vol. 11, p. 209
وأجازَ الشّافِعيُّ (١) القِصاصَ قبلَ البُرءِ، إذا سألَ ذلك المجرُوحُ، فإن زادَ ذلك، وآلَ إلى ذَهابِ عُضوٍ، أو نَفْسٍ، كان فيه الأرشُ والدِّيةُ.
-
وهذه مسألةٌ فيها ضُرُوب من الاعْتِراضِ والحِجاج للفَريقينِ، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِ شيءٍ من ذلك.
-
وذكرَ بعضُ أهلِ اللُّغةِ عنِ العَربِ: لَطَمهُ فشرِقَ الدَّمُ في عينِهِ، إذا احمرَّت، وشرِقَ الثَّوبُ بالصَّبغ، إذا احمرَّ واشتدَّت حُمرتُهُ.
-
وذكَرَ الأصمعيُّ: أنَّ رجُلًا لطَمَ رجُلًا، فاشرَورَقَتْ عينُهُ واغْرَورَقَتْ، فقدِمَ إلى الشَّعبيِّ، فقال:
لها أمرُها حتّى إذا ما تبوَّأتْ ... بأخفافِها مأوًى تبوَّأَ مَضْجَعا
وأمّا قولُهُ: "في اليَدِ خمسُونَ، وفي الرِّجلِ خمسُونَ" فأمرٌ مُجتمَعٌ عليه أيضًا، على ما في كِتابِ عَمرِو بن حزم.
- إلّا أنَّهُمُ اختَلفُوا في اليَدِ تُقطعُ من السّاعِدِ:
-
فقال مالكٌ (٢) والثَّوريُّ والشّافِعيُّ (٣) وابنُ أبي ليلى: في (٤) اليَدِ نِصفُ الدِّيةِ، وسواءٌ قُطِعت من السّاعِدِ، أو قُطِعتِ الأصابعُ، أو قُطِعتِ الكفُّ. ورَوَى بِشرُ بن الوليدِ، عن أبي يُوسُف مِثل ذلك.
-
وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُف في رِوايةِ محمدٍ عنهُ، في رَجُلٍ قَطعَ يدَ رجُلٍ
vol. 11, p. 210من نِصفِ السّاعِدِ: أنَّ في اليَدِ نِصفَ الدِّيةِ، وفيما قُطِعَ من السّاعِدِ حُكُومةً. وهُو قولُ محمدِ بن الحَسَنِ (١) .
-
واتَّفق مالكٌ والشّافِعيُّ (٢) وأبو حَنِيفةَ: أنَّ اليَدَ الشَّلّاءَ، إنَّما فيها حُكُومةٌ. والقولُ في الرِّجلِ، كالقَولِ في اليَدِ سَواءٌ.
-
وكذلك اتَّفقُوا: في أنَّ الأسنانَ كلَّها سواءٌ، وأنَّ دِيةَ كلِّ واحِدٍ منها (٣) خمسٌ من الإبِلِ، على ما في كِتابِ عَمرِو بن حَزْم.
-
وأمّا ما رَوى مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٤) عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّ عُمر قَضَى في الأضْراسِ ببعيرٍ بعيرٍ، وأنَّ مُعاويةَ قَضَى فيها بخَمْسةِ أبِعِرةٍ خمسةِ أبِعِرةٍ. وأنَّ سعيدَ بن المُسيِّبِ قال: لو كنتُ أنا، لجعلتُ في الأضراسِ بعيرينِ بعيرينِ، فتِلك الدِّيةُ سواءٌ.
-
فإنَّ المعنى في ذلك: أنَّ الأضراسَ عِشرُونَ ضِرسًا، والأسنان اثنا عشرَ سِنًّا، أربعُ ثَنايا، وأربعُ رَباعياتٍ، وأربعة أنيابٍ، فعلَى (٥) قولِ عُمر، تَصِيرُ الدِّيةُ ثمانينَ بعيرًا: في الأسنانِ خمسةٌ خمسةٌ، وفي الأضراسِ بَعيرٌ بعيرٌ، وعلى قولِ مُعاويةَ، في الأضْراسِ والأسنانِ خمسةُ أبعِرةٍ خمسةُ أبعِرةٍ، فتصيرُ الدِّيةُ سِتِّين ومئةَ بعيرٍ، وعلى قولِ سَعيدِ بن المُسيِّبِ: بَعِيرينِ بَعِيرينِ في الأضراسِ، وهي عِشرُونَ ضِرسًا، يجِبُ لها أربعُونَ بعيرًا، وفي الأسنانِ خَمْسةُ أبعِرةٍ خمسةُ أبعِرةٍ، فذلك سِتُّونَ بَعِيرًا، تتِمّةُ المئةِ بعيرٍ، وهي الدِّيةُ كامِلةً من الإبِلِ.
- vol. 11, p. 211
والاختِلافُ بينهُم، إنَّما هُو في الأضْراسِ، لا في الأسنانِ، على ما ذكرتُ لك.
-
واختِلافُ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتّابِعين في دِياتِ الأسنانِ، وتَفضيلِ بعضِها على بعضٍ، كثير جِدًّا، والحُجّةُ قائمةٌ لما ذهَبَ إليه الفُقهاءُ: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، بظاهِرِ قولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وفي السِّنِّ خمسٌ من الإبِلِ" (١) . والضِّرسُ سِنٌّ من الأسنانِ.
-
وكذلك اختِلافُ الفُقهاءِ في قَطْع اليَدِ النّاقِصةِ الأصابع، وفيمَنْ قَطَعَ الأصابعَ، أو بعضَها، ثُمَّ قَطَعَ الكفَّ، ونحوُ ذلك من المَسائلِ النَّوازِلِ كَثِيرةٌ جِدًّا.