عبد الله بن أبي بكر بن حزم

825 paragraphs · vol. 11, p. 5

Page 21 of 21

  1. وقالهُ ابنُ وَهْبٍ، قال: وقد كان ابنُ القاسم يقولُ: إذا انْتَهى الماءُ في الحائطِ إلى مِقدارِ الكعبينِ من القائم، أرسلهُ كلَّهُ إلى من تحتهُ، وليسَ يحبِسُ منهُ شيئًا في حائطِهِ.

    vol. 11, p. 247
  2. وقولُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشُونِ أحبُّ إليَّ في ذلك، وهُما أعلمُ بذلك؛ لأنَّ المدينةَ دارُهُما، وبها كانتِ القِصّةُ (١) ، وفيها جَرَى العَملُ بالحديثِ.

  3. ورَوَى زيادٌ، عن مالكٍ، قال: تفسيرُ قِسْمةِ ذلك: أن يُجريَ الأوَّلُ الذي حائطُهُ أقْرَبُ إلى الماءِ يُجْرِي الماءَ في ساقِييهِ إلى حائطِهِ بقَدْرِ ما يكونُ الماءُ في السّاقيةِ إلى حَدِّ كعبَيهِ، فيُجْريه كذلك في حائطِهِ، حتّى يرويَهُ، ثُمَّ يفعلُ الذي يَلِيهِ كذلك، ثُمَّ الذي يَلِيهِ كذلك، ما بَقِي من الماءِ شيءٌ. قال: وهذه السُّنّةُ فيهما، وفيما يُشبِهُهُما، مِمّا ليسَ لأحدٍ فيه حقٌّ مُعيَّنٌ، الأوَّلُ أحقُّ بالتَّبدِيةِ، ثُمَّ الذي يَلِيهِ، إلى آخِرِهِم رجُلًا.

    قال أبو عُمر: ظاهِرُ الحديثِ يَشْهدُ لما قالهُ ابنُ القاسم؛ لأنَّ فيه: "ثُمَّ يُرسِلُ الأعلى على الأسفل" ، ولم يَقُل: ثُمَّ يُرسِلُ بعضَ الأعلى. وفي الحديثِ الآخرِ: "ثُمَّ يحبِسُ الأعلى" ، وهذا كلُّهُ يشهدُ لابنِ القاسم.

  4. ومن جِهةِ النَّظرِ أيضًا: أنَّ الأعْلَى لو لم يُرسِل إلّا ما زادَ على الكَعْبينِ، لانقطَعَ ذلك الماءُ في أقلِّ مُدّةٍ، ولم يَنْتهِ حَيْثُ ينتهي، إذا أرسلَ الجميع.

  5. وفي إرسالِ الجَميع بعدَ أخْذِ الأعلى منهُ ما بلَغَ الكعبينِ، أعمُّ فائدةً، وأكثرُ نَفْعًا فيما قد جُعِل النّاسُ فيه شُركاءَ، فقولُ ابنِ القاسم أوْلَى على كلِّ حالٍ.

  6. وفي المسألةِ كلامٌ ومُعارضاتٌ لا معنَى للإتيانِ بها، والصَّحيحُ ما ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا.

    vol. 11, p. 248قال أبو عُمر: حُكمُ الأرْحاء (١) وسائرِ المنافع من النَّباتِ، والشَّجَراتِ فيما كان أصْلُ قِوامِهِ وحَياتِهِ من الماءِ، الذي لا صُنعَ فيه لآدميٍّ، كماءِ السُّيُولِ (٢) وما أشْبهَها (٣) ، كحُكم ما ذكَرْنا، لا فرقَ بين شيءٍ من ذلك في أثَرٍ ولا نظرٍ.

  7. وأمّا ما اسْتُحِقَّ بعَملٍ، أو بمِلكٍ صحيح، واستِحقاقٍ (٤) قَدِيم، وثُبُوتِ مِلْكٍ، فكلٌّ على حَقِّهِ، على حَسَبِ ما (٥) من ذلك بيَدِهِ، وعلى أصْلِ مَسْألتِهِ، واللَّه المُوفِّقُ للسَّدادِ، لا شريكَ لهُ.

  8. حديثٌ سادِسُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى جَمَلًا كان لأبي جَهْلِ بن هشام، في حَجٍّ، أو عُمرةٍ.

    vol. 11, p. 249
  9. وقع عندَنا، وعندَ غيرِنا في كِتابِ يحيى في "المُوطَّأ" في هذا الحديثِ: مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ (٢) .

  10. وهذا من الغَلَطِ البَيِّنِ، ولا أدْرِي ما وَجهُهُ، ولم يختلِفِ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ قديمًا وحَدِيثًا: أنَّ هذا الحديثَ في "المُوطَّأ" عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ. وليس لنافع فيه ذِكرٌ، ولا وجْهَ لذِكرِ نافع فيه، ولم يَرْوِ نافعٌ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ قطُّ شيئًا، بل عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ مِمَّن يصلُحُ أن يَرْويَ عن نافع، وقد رَوَى عن نافع من هُو أجلُّ منهُ.

  11. وهذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ رُواتِهِ لمالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ (٣) .

  12. ورواهُ سُوَيدُ بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن أنَسٍ، عن أبي بكرٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى جَملًا لأبي جَهْلٍ (٤) .

  13. وهذا من خَطَأ سُوَيدٍ وغَلَطِهِ، وهذا الحديثُ يَسْتنِدُ من حديثِ ابنِ عبّاسٍ.

  14. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: وقال عبدُ اللَّه بن أبي نَجِيح: حدَّثني مُجاهِدٌ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى عامَ الحُديبيةِ في هَداياهُ جَملًا لأبي جَهْلِ بن هشام، في رأسِهِ بُرّةٌ (١) من فِضّةٍ ليَغيظ به المُشرِكينَ (٢) .

    vol. 11, p. 250
  15. وحدَّثنا خلفُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العَزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ،

    vol. 11, p. 251عنِ ابنِ أبي ليلى، عنِ الحَكَم، عن مِقْسَم، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ساقَ مئةَ بَدَنةٍ، فيها جَملٌ لأبي جَهْلٍ، عليه بُرّةٌ من فِضّةٍ (١) .

  16. وأخبَرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن مَنصُورٍ. وأخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى (٢) بن مِسْكينٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ ابنِ أبي ليلَى، عنِ الحَكَم، عن مِقْسَم، عنِ ابنِ عبّاس، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ساقَ مئةَ بَدَنةٍ، فيها جَملٌ لأبي جَهْلٍ، عليه بُرّةٌ من فِضّةٍ (٣) .

  17. وقد رُوِيَ عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عليٍّ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى في حَجَّتِهِ مئةَ بَدَنةٍ، فيها جملٌ لأبي جَهْلٍ (٤) . وفي هذا اللَّفظِ بهذا الإسنادِ نظرٌ (٥) .

  18. في هذا الحديثِ دليلٌ على اسْتِسمانِ الهَدايا، واخْتِيارِها، وانْتِخابِها.

    vol. 11, p. 252
  19. وأنَّ الجَملَ، يُسمَّى بَدَنةً، كما أنَّ النّاقةَ تُسمَّى بَدَنةً، وهذا الاسمُ مُشتقٌّ من عِظَمِ البَدنِ عندَهُم.

  20. وفي هذا الحديثِ ردُّ قولِ من زعَمَ: أنَّ البَدَنةَ لا تكونُ إلّا أُنثى.

  21. وفيه إجازةُ هَدْيِ ذُكُورِ الإبِلِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه في الهَدْيِ.

  22. وأمّا اسْتِسمانُ الضَّحايا والهَدايا، والغُلُوُّ في ثَمَنِها واخْتِيارِها، فداخِلٌ عِندِي تحتَ عُمُوم قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: ٣٢] .

  23. وسُئلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أفْضَلِ الرِّقابِ، فقال: "أغْلاها ثمنًا" (١) .

  24. وهذا كلُّهُ مدارُهُ على صِحّةِ النِّيّةِ، قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأعمالُ بالنِّيّاتِ" (٢) . وقال (٣) اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: ٣٧] .

  25. وفي حديثِ مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، المذكُورِ في هذا البابِ، فيه قولُهُ: ليَغِيظَ به المُشرِكينَ. وذلك عِندِي تَفْسير لهذا الحديثِ، لمن تدبَّرَ، وباللَّه التَّوفيقُ.