عبد الله بن أبي بكر بن حزم
825 paragraphs · vol. 11, p. 5
Page 20 of 21
- vol. 11, p. 233
وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بن حمّادٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، قال: في كِتابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمرِو بن حَزْم: "أن لا يُمسَّ القُرآنُ إلّا على طُهورٍ" (٢) .
-
وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بن سُليمانَ بن عَمْرٍو الجَرِيريُّ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ حامِدُ بن شُعيبٍ البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح الحَكَمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا يحيى بن حمزةَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ، قال: حدَّثني الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم،
vol. 11, p. 234عن أبيه، عن جدِّهِ أنَّ في الكِتابِ الذي كَتَبهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أهلِ اليمنِ في السُّننِ والفَرائضِ والدِّياتِ: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (١) . مُختصرٌ.
-
والدَّليلُ على صِحّةِ كِتابِ عَمرِو بن حَزْم، تلقِّي جُمهُورِ العُلماءِ لهُ بالقَبُولِ والعَمَل.
-
ولم يختلِف فُقهاءُ الأمصارِ بالمدينةِ، والعِراقِ، والشّام: أنَّ المُصحَفَ لا يَمسُّهُ إلّا طاهِرٌ (٢) على وُضُوءٍ.
-
وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمد بن حَنْبل، وإسحاقَ بنِ راهوية، وأبي ثورٍ، وأبي عُبيدٍ، وهؤُلاءِ أئمّةُ الفِقهِ والحديثِ في أعْصارِهِم.
-
ورُوِيَ ذلك عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، وطاوُوسٍ، والحَسَنِ، والشَّعبيِّ، والقاسم بن محمدٍ، وعَطاءٍ (٣) .
قال إسحاقُ بنُ راهوية: لا يَقْرأُ أحدٌ في المُصحفِ إلّا وهُو مُتوضِّئٌ، وليسَ ذلك لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] ولكِن لقولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (٤) .
قال أبو عُمر: وهذا يُشبِهُ مذهبَ مالكٍ، على ما دلَّ عليه قولُهُ في "مُوطَّئهِ" (٥) .
vol. 11, p. 235وقال الشّافِعيُّ والأوزاعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ: لا يَمَسَّ المُصحفَ: الجُنُبُ، ولا الحائضُ، ولا غيرُ المُتوضِّئ (١) .
وقال مالكٌ (٢) : لا يحمِلُهُ بعِلَاقتِهِ ولا على وِسادةٍ إلّا وهُو طاهِرٌ.
قال: ولا بأسَ أن يحمِلَهُ في التّابُوتِ، والخُرج (٣) ، والغرارةِ (٤) من ليسَ على وُضُوءٍ.
قال أبو ثور: وذلك أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} قال: وهذا قولُ مالكٍ، وأبي عبدِ اللَّه، يعني الشّافِعيَّ، رحِمهُ اللَّه (٥) .
قال أبو عُمر: إنَّما رخَّصَ مالكٌ في حَمْلِ غيرِ المُتوضِّئ للمُصحفِ في التّابُوتِ والغِرارةِ، لأنَّ القصدَ لم يكُن منهُ إلى حَمْلِ المُصحفِ، وإنَّما قُصِدَ إلى حملِ التّابُوتِ وما فيه من مُصحفٍ، وغيرِهِ.
-
وقد كرِهَ جماعةٌ من التّابِعين، منهُمُ: القاسمُ بن محمدٍ، والشَّعبيُّ، وعطاءٌ مسَّ (٦) الدَّراهِم فيها ذِكرُ اللَّه على غير وُضُوءٍ (٧) .
-
فهُو لا شَكَّ أشدُّ كراهيةً أن يَمَسَّ المُصحفَ غيرُ مُتوضِّئٍ.
- vol. 11, p. 236
وقد رُوِيَ عن عَطاءٍ، أنَّهُ قال: لا بأسَ أن تحمِلَ الحائضُ المُصحفَ بعِلَاقتِهِ (١) .
-
وأمّا الحكمُ بن عُتَيبةَ وحمّادُ بن أبي سُليمانَ، فلم يُختَلَف عنهُما في إجازةِ حملِ المُصحَفِ بعِلَاقتِهِ، لمن ليسَ بطاهِرٍ (٢) . وقولُهُما عِندي شُذُوذٌ، ومُخالفةٌ للأثرِ.
-
وإلى قولِهِما ذهَبَ داودُ بن عليٍّ، قال: لا بأسَ أن يَمَسَّ المُصحفَ، والدَّنانيرَ، والدَّراهِمَ التي فيها ذِكرُ اللَّه، الجُنُبُ والحائضُ (٣) .
قال: ومعنى قولِهِ: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] هُمُ الملائكةُ. قال: ولو كان ذلك نهيًا، لقال: لا يمسَّهُ. واحتجَّ أيضًا بقولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "المُؤمِنُ ليسَ بنجِسٍ" (٤) .
قال أبو عُمر: قد يأتي النَّهيُ بلفظِ الخبَرِ، ويكونُ معناهُ النَّهيَ، وذلك موجُودٌ في كِتابِ اللَّه كثيرٌ، نحو قولِهِ: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: ٣] جاءَ بلفظِ الخَبَرِ.
-
وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ وغيرُهُ يقولُ: إنَّها مَنْسُوخةٌ بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} (٥) [النور: ٣٢] .
- vol. 11, p. 237
ولو لم يكُن عندَهُ في هذا الخبرِ معنَى النَّهيِ، ما أجازَ فيه النَّسخ. ومِثلُهُ كثيرٌ.
-
وفي كِتابِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" بيانُ مَعْنَى قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: ٧٩] لاحتِمالِهِا للتَّأويلِ، ومَجِيئها بلفظِ الخبرِ.
-
وقد قال مالكٌ (١) في هذه الآيةِ: إنَّ أحسنَ ما سَمِعَ فيها: أنَّها مِثلُ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: ١١ - ١٦] .
-
وقولُ مالكٍ: أحسنُ ما سمِعتُ. يدُلُّ على أنَّهُ سَمِعَ فيها اختِلافًا، وأولى ما قيلَ به في هذا البابِ، ما عليه جُمهُورُ العُلماءِ، منِ امتِثالِ ما في كِتابِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمرِو بن حزم: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ أحدٌ، إلّا وهُو طاهِرٌ" . واللَّه أعلمُ وبه التَّوفيقُ.
- vol. 11, p. 238
حديثٌ رابعُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مقطُوعٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ صِحاح
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قاتَلَ اللَّهُ اليهُودَ، نُهُوا عن أكلِ الشَّحْم، فباعُوهُ فأكلُوا ثَمَنهُ" .
-
وهذا الحديثُ قد رُوي عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُسندًا مُتَّصِلًا من وُجُوهٍ شَتَّى، كلُّها ثابتةٌ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، من حديثِ عُمرَ، وأبي هريرةَ، وابنِ عبّاسٍ، وجابرٍ، وغيرِهِم.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينار، قال: أخبَرني طاوُوسٌ، أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عبّاسٍ، يقولُ: بلغَ عُمرَ بن الخطّابِ أنَّ سَمُرةَ باعَ خمرًا، فقال: قاتَلَ اللَّهُ سَمُرةَ، ألم يعلَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال (٣) : "قاتَلَ اللَّهُ اليهُودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فجمَلُوها فباعُوها" .
قال أبو عُمر: قولُهُ: "جمَلُوها" يعني: أذابُوها، لا خِلافَ بين أهلِ اللُّغةِ في ذلك، وقد جاءَ أيضًا مُفسَّرًا في الحديثِ.
- vol. 11, p. 239
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن سلّام الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، يعني ابنَ عيّاشٍ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لعَنَ اللَّهُ اليهُودَ، حُرِّمَتْ عليهم شُحُومُ الأنْعام، فأذابُوها، ثُمَّ باعُوها وأكَلُوا أثْمانها" (١) .
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) ، قال (٣) : حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرْهدٍ، أنَّ بِشرَ بن المُفضَّلِ وخالد بن عبدِ اللَّه حدَّثاهُمُ، المعنى، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن بَرَكةَ أبي الوليدِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسًا عندَ الرُّكنِ. قال: فرفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فضحِكَ، ثُمَّ قال: "لعَنَ اللَّهُ اليهُودَ" ثلاثًا. قال: "إنَّ اللَّهَ حرَّمَ عليهمُ الشُّحُومَ، فباعُوها وأكلُوا أثمانها، وإنَّ اللَّهَ إذا حرَّمَ على قوم أكلَ شيءٍ، حرَّمَ عليهم ثَمَنهُ" . ولم يقُل عن خالدِ بن عبدِ اللَّه: رأيتُ. وقال: "قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن بَرَكةَ أبي العُريانِ المُجاشعيِّ (٤) ، قال: سَمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يُحدِّثُ،
vol. 11, p. 240قال: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "لعَنَ اللَّه اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فباعُوها وأكلُوا أثْمانَها، وإنَّ اللَّهَ إذا حرَّمَ شيئًا، حرَّمَ ثَمَنهُ" (١) .
قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: كذا قال: عن بَرَكةَ أبي العُريانِ. وسمِعتُ أبي يقولُ: وأبو العُريانِ الذي يُحدِّثُ عنهُ خالدٌ، اسمُهُ أُنَيسٌ.
-
وأخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٢) : أخبَرنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: أخبَرنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعنَ اللَّهُ اليهُودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فباعُوها وأكلُوا أثْمانَها" .
قال أبو عُمر: قد فسَّرَ ابنُ عبّاسٍ رضي اللَّه عنهُ في حَديثهِ معنَى هذا الحديثِ، وذلك قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ إذا حرَّمَ على قوم أكلَ شيءٍ حرَّمَ ثَمَنهُ" .
-
وفي هذا ردٌّ على من ذهَبَ إلى إجازةِ بَيْع الزَّيتِ الذي تَقعُ فيه الميتةُ، معَ امتِناعِهِ من أكلِهِ، وإقْرارِهِ بنجاستِهِ.
-
وقد دفعَ هذا التَّأويلَ بعضُ من أجازَ ذلك، بأنْ قال: إنَّ (٣) هذا الحديثَ وما كان مِثلَهُ، إنَّما خرجَ على ما قد حُرِّم بذاتِهِ، مِثلَ الخمرِ، وشُحُوم الميتةِ. وأمّا الزَّيتُ الذي تموتُ فيه الفأرةُ، فإنَّما تنجَّسَ بالمُجاورةِ، وليسَ بنَجسِ الذّاتِ، ولو كان نجِسَ الذّاتِ، ما جازَ الانتِفاعُ به، ولا استِعمالُهُ في شيءٍ، كما لا يجُوزُ استِعمالُ الخَمْرِ، ولا الخِنْزيرِ، ولا الميتةِ في شيءٍ.
-
وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ مُجوَّدةً، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُبيدِ اللَّه من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
- vol. 11, p. 241
وفي هذا الحديثِ: إباحةُ الدعاءِ على اليَهُودِ، وإباحةُ لَعْنِهِم، اقتِداءً به في ذلك -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
أخبَرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافِظُ، قال: تفرَّدَ حَبِيبٌ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن خالدِ بن عبدِ اللَّه بن حَرْملةَ، عنِ الحارِثِ بن خُفافِ بن إيماءٍ، قال: ركَعَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ رفعَ رأسهُ، فقال: "غِفارُ غفَرَ اللَّهُ لها، وأسلمُ سالَمها اللَّه، وعُصيّةُ عَصَتِ اللَّهَ ورسُولَهُ، اللَّهُمَّ الْعَنْ بني لحيانَ، ورِعْلًا، وذكوانَ" . قال خُفافٌ: فجُعِلَ لعنُ الكُفّارِ من أجلِ ذلك. وتفرَّدَ به حبيبٌ، عن مالكٍ، وهُو صحيحٌ لمحمدِ بن عَمرٍو (١) .
-
وقد ثبَتَ عنِ ابنِ مسعُودٍ، أنَّهُ لمّا لعَنَ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ. . . الحديثَ. أنْكَرَتْ ذلك عليه امرأةٌ، فقال ابنُ مسعُودٍ: ما لي لا ألعَنُ من لَعَنهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن لَعنُهُ في كِتابِ اللَّه. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ فيما مَضَى من هذا الكِتابِ (٢) .
-
وقد لعَنَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلَهُ (٣) . واليهُودَ، وغيرَهُم، ومحُالٌ أن تكونَ لَعنتُهُ لهؤُلاءِ رَحْمةً عليهم، فمن لعَنَ من يستحِقُّ أن يُلعَنَ، فمُباحٌ، ومن لعَنَ من لا يستحِقّ اللَّعنَ، فقد أثِمَ، ومن تركَ اللَّعن عندَ الغَضَبِ، ولم يَلْعن مُسلِمًا ولم يسُبَّهُ، فذلك من عَزم الأُمُورِ.
-
أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: أخبَرنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ بن يزيد، عن نافع، قال: لم أسمَعْ
vol. 11, p. 242عبدَ اللَّه بن عُمرَ يلعَنُ خادِمًا قطُّ، غيرَ مرّةٍ واحِدةٍ، غضِبَ فيها على بعضِ خَدَمِهِ، فقال: لَعْنةُ اللَّه عليكَ، كلِمةٌ لم (١) أُحِبَّ أن أقولها. وقد لعَنَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المُخْتفِيَ، والمُخْتفيةَ (٢) ، يعني: نبّاشَ القُبُورِ (٣) . ولعَنَ الخمرَ وشارِبَها. . . الحديثَ (٤) .
-
وقد ذكر مالكٌ (٥) ، عن داود بن الحُصينِ، أنَّهُ سَمِعَ عبدَ الرَّحمنِ الأعرجَ يقولُ: ما أدركتُ النّاسَ إلّا وهُم يَلْعنُونَ الكفرةَ في رَمَضانَ.
-
قرأتُ على سَعيدِ بن نصرٍ وعبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ عبدُ اللَّه بن الزُّبيرِ، قال (٦) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا مِسعرٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ بن عُمَيرٍ، قال: أخبَرني فُلانٌ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأيتُ عُمر، يقولُ بيدِهِ، وهُو على المِنْبرِ هكذا، يعني يُحرِّكُها يمينًا وشِمالًا: عُوَيمِلٌ لنا بالعِراقِ، عُويمِلٌ لنا بالعِراقِ، خَلَط في فيْءِ المُسلِمينَ أثمانَ الخَنازيرِ والخَمْرِ، وقد قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمت عليهمُ الشُّحُومُ، فجمَلُوها فباعُوها" . قال سُفيانُ: جمَلُوها، يعني أذابُوها.
- vol. 11, p. 243
حديثٌ خامِسُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في سَيْلِ مَهزُورٍ، ومُذَيْنيب (٢) : "يُمسِكُ حتّى الكَعْبينِ، ثُمَّ يُرسِلُ الأعْلَى على الأسْفَلِ" .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ هذا الحديثَ في سَيْلِ مهزُورٍ ومُذَيْنيبٍ، هكذا يتَّصلُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وَجْهٍ من الوُجُوهِ، وأرفعُ أسانيدِه: ما حدَّثناهُ خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن محمدٍ أبو محمدٍ العطّارِ (٣) بمِصر، قال: حدَّثنا يحيى بن سُليمانَ بن صالح بن صفوانَ، قال: حدَّثنا أبو صالح الحرّانيُّ عبدُ الغفّارِ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن أبي مالكِ بن ثَعْلبةَ، عن أبيه، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتاهُ أهلُ مَهزُورٍ، فقَضَى: أنَّ الماءَ إذا بلَغَ إلى الكَعْبينِ، لم يَحْبِسِ الأعْلَى (٤) .
- vol. 11, p. 244
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) ، عن أبي حازِم القُرَظيِّ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في سَيْلِ مهزُورٍ: أن يُحبَسَ في كلِّ حائطٍ حتّى يبلُغَ الكَعْبينِ، ثُمَّ يُرسَلَ، وغيرُهُ من السُّيُولِ كذلك.
قال (٢) : وأخبَرنا مَعْمرٌ، قال: سَمِعتُ الزُّهريَّ، يقولُ: نَظَرنا في قولِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثُمَّ احْبِسِ الماءَ، حتّى يبلُغ إلى الجَدْرِ" فكانَ ذلك إلى الكَعْبينِ.
قال أبو عُمر: سئل أبو بكرٍ البزّارُ عن حَديثِ هذا البابِ، فقال: لَسْتُ أحفظُ فيه بهذا اللَّفظِ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثًا يثبُتُ.
قال أبو عُمر: في هذا المعنى، وإن لم يكُن بهذا اللَّفظِ، حديثٌ ثابتٌ مُجتَمعٌ على صِحَّتِهِ، رواهُ ابنُ وَهْبٍ، عنِ اللَّيثِ بن سَعْدٍ ويُونُس بن يزيدَ، جميعًا عنِ ابنِ شِهاب، أنَّ عُروةَ بن الزُّبيرِ حدَّثهُ، أنَّ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ حدَّثهُ، عنِ الزُّبيرِ: أنَّهُ خاصَمَ رجُلًا من الأنْصارِ قد شَهِدَ بدرًا مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إلى رَسُولِ اللَّه في شِراج الحرّةِ، كانا يَسْقيانِ به كِلاهُما النَّخل، فقال الأنْصاريُّ: سَرِّح الماءَ، فأبَى عليه، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اسْقِ يا زُبيرُ، ثُمَّ أرْسِلْ (٣) إلى جارِكَ" . فغضِبَ الأنْصاريُّ، فقال: يا رسُولَ اللَّه أن كان ابنَ عَمَّتِكَ. فتلوَّنَ وَجْهُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ قال: "يا زُبيرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حتّى يرجِعَ إلى الجَدْرِ" . قال الزُّبيرُ: لا أحسِبُ هذه الآيةَ أُنزِلَتْ إلّا في ذلك: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية (٤) [النساء: ٦٥] .
- vol. 11, p. 245
ومعنى هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان قد أشارَ على الزُّبيرِ بما فيه السَّعةُ للأنصاريِّ، فلمّا كان منهُ ما كان من الجَفاءِ، اسْتَوعبَ للزُّبيرِ حقَّهُ في صَريح الحُكم، واللَّه أعلمُ.
-
وقد حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر الحافِظُ، عن أبي (١) محمدِ بن صاعِدٍ، وعليِّ بن محمدٍ الإسكافيِّ، قالا: حدَّثنا أبو الأحْوَصِ محمدُ بن الهَيْثم القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح المِصْريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا
vol. 11, p. 246مالكٌ، عن أبي الرِّجالِ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في سيلِ مَهزُورٍ ومُذَيْنيبٍ أن يُمسِكَ الأعلى إلى الكَعْبينِ، ثُمَّ يُرسِلَ الأعلى إلى الأسْفَلِ (١) .
-
وهذا إسنادٌ غريبٌ جِدًّا عن مالكٍ، لا أعلمُهُ يُروى عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، من غيرِ هذا الوجهِ.
قال أبو عُمر: حديثُ سَيْلِ مهزُورٍ ومُذَيْنيبٍ، حديثٌ مدنيٌّ مشهُورٌ عندَ أهلِ المدينةِ، مُستَعمل عِندهُم، معرُوفٌ معمُولٌ به.
-
ومهزُورٌ: وادٍ بالمدينةِ، وكذلك مُذَيْنيبٌ: وادٍ أيضًا عِندهُم، وهُما جميعًا يُسقيانِ بالسَّيلِ، فكان هذا الحديثُ مُتوارثًا عندَهُمُ العَملُ به.
-
وذكرَ عبدُ الملكِ بن حبيبٍ (٢) أنَّ مَهْزُورًا ومُذَيْنيبًا واديانِ من أوْدِيةِ المدينةِ يَسِيلانِ بالمطَرِ، ويَتنافسُ أهلُ الحَوائطِ في سَيْلِهِما، فقَضَى به رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْلَى فالأعْلَى، والأقْرَبِ فالأقْرَبِ إلى ذلك السَّيلِ، يُدخِلُ صاحِبُ الحائطِ الأعلى اللّاصِقِ به السَّيلُ جميعَ الماءِ في حائطِهِ، ويصرِفُ مجراهُ إلى بِيبتِهِ (٣) ، فيَسِيلُ فيها، ويسقي به، حتّى إذا بلغَ الماءُ من قاعةِ الحائطِ إلى الكَعْبينِ من القائم، أغلقَ البيبةَ، وصرفَ ما زادَ من الماءِ على مِقدارِ الكعبينِ إلى من يليهِ لحائطِهِ، فيَصْنعُ فيه مِثلَ ذلك، ثُمَّ يصرِفُهُ إلى من يَليهِ أيضا، هكذا أبدًا يكونُ الأعْلَى فالأعْلَى أولى به على هذا الفِعلِ، حتّى يبلُغَ ماءُ السَّيلِ إلى أقْصَى الحوائطِ.
قال: وهكذا فسَّرهُ لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشُونِ، عندَ سُؤالِهِما عن ذلك.