عبد الله بن أبي بكر بن حزم

825 paragraphs · vol. 11, p. 5

Page 8 of 21

  1. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا موسى بن إسماعيل. وأخبَرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا محمدُ (٢) بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه ابن عائشةَ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ (٣) بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعفرِ بن حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٤) : حدَّثنا عفّانُ، قالوا: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، قال: أخبرنا ثابتٌ، قال: حدَّثني ابنُ عُمرَ بن أبي سلمةَ بمِنًى، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمةَ، في حديثٍ طويلٍ ذكرهُ، في نِكاح رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمَّ سلمةَ، وفيه: فلمّا بَنَى بأهلِهِ، قال لها: "إن شِئتِ أن أُسبِّع لكِ سبَّعتُ للنِّساءِ (٥) " .

    vol. 11, p. 86
  2. وهذا لفظُ حديثِ أحمد بن حَنْبل، عن عفّان.

    قال (١) : وحدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا (٢) جعفرُ بن سُليمانَ، عن ثابتٍ، قال: حدَّثني عُمرُ (٣) بن أبي سَلَمةَ. قال: وقال سُليمانُ بن المُغيرةِ: عنِ ابنِ عُمرَ بن أبي سَلَمةَ.

    قال أبو عُمر: قولُ جَعْفرِ بن سُليمان في هذا الحديثِ، عن ثابتٍ: حدَّثني عُمرُ بن أبي سلمةَ. خطأٌ، وإنَّما هُو لثابتٍ: عنِ ابنِ عُمر بن أبي سلمةَ. كما قال حمّادُ بن سلمةَ، وسُليمانُ بن المُغيرةِ.

    vol. 11, p. 87
  3. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٤) : حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني محمدُ بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا تَزوَّجها أقامَ عندَها ثلاثةَ أيام، وقال: "إنَّهُ ليسَ بكِ على أهْلكِ هَوانٌ، إن شِئتِ سبَّعتُ لكِ، وإن سبَّعتُ لكِ، سبَّعتُ لنِسائي" .

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "إن سبَّعتُ لكِ، سبَّعتُ لنِسائي" ، فإنَّهُ لا يقولُ به مالكٌ ولا أصحابُهُ، وهذا مِمّا تَرَكُوهُ من رِوايةِ أهلِ المدينةِ،

    vol. 11, p. 88لحديثٍ بصريٍّ، رواهُ مالكٌ (١) ، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: للبِكْرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّبِ ثلاثٌ. قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عِندنا، ولا يُحسَبُ على التي تزوَّج ما أقامَ عندَها.

    قال أبو عُمر: من قال بحديثِ هذا البابِ يقولُ: إن أقام عندَ البِكرِ، أوِ الثَّيِّبِ سبعًا، أقامَ عندَ سائرِ نِسائهِ سبعًا سبعًا، وإن أقام عندَها ثلاثًا، أقامَ عندَ كلِّ واحِدةٍ منهُنَّ كذلك.

  4. وتأوَّلُوا في قولِهِ: "وإن شِئتِ ثلَّثتُ، ودُرتُ" ، أي: دُرتُ بثلاثٍ ثلاثٍ على سائرِهِنَّ. وهذا قولُ فُقهاءِ الكُوفيِّين.

  5. وفي هذا البابِ عَجَبٌ؛ لأنَّهُ صارَ فيه أهلُ الكُوفةِ إلى ما رَواهُ أهلُ المدينةِ، وصار فيه أهلُ المدينةِ، إلى ما رواهُ أهلُ البَصْرةِ.

  6. واختلَفَ الفُقهاءُ في هذا البابِ:
  7. فقال مالكٌ (٢) والشّافِعيُّ (٣) وأصحابُهُما والطَّبريُّ: يُقيمُ عندَ البِكرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، فإن كانت لهُ امرأةٌ أُخرَى غيرَ التي تزوَّجَ، فإنَّهُ يَقسِمُ بينهُما بعدَ أن تمضيَ أيامُ التي تزوَّجَ.

    وقال ابنُ القاسم عن (٤) مالكٍ: مُقامُهُ عندَ البِكرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، إذا كان لهُ امرأةٌ أُخرى، واجِبٌ (٥) .

    vol. 11, p. 89قال ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ: إنَّما ذلك مُستحبٌّ، وليس بواجِبٍ (١) .

    وقال الأوزاعيُّ: مَضَتِ السُّنّةُ: أن يجلِسَ في بيتِ البِكْرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ أربعًا، وإن تَزوَّجَ بكرًا، ولهُ امرأةٌ أُخْرى، فإنَّ للبِكرِ ثلاثًا، ثُمَّ يَقْسِمُ، وإن تزوَّج الثَّيِّب، ولهُ امرأةٌ كان لها ليلتانِ (٢) .

    وقال الثَّوريُّ: إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثَّيِّبِ، أقامَ عندَها ثلاثًا، ثمَّ يَقْسمُ بينَهُما، وإذا تَزوَّجَ الثَّيِّبَ على البكرِ (٣) ، أقامَ عندَها ليلتينِ، ثُمَّ قسم بينهُما بعدُ. قال: وقد سَمِعنا حديثًا آخرَ، قال: يُقيمُ مع البِكْرِ سبعًا، ومع الثَّيِّبِ ثلاثًا.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: القسمُ بينهُما سواءٌ: البِكرُ والثَّيِّبُ، ولا يقعُدُ عندَ الواحِدةِ، إلّا كما يَقعُدُ عندَ الأُخرى.

    قال محمدُ بن الحَسَنِ: لأنَّ الحُرمةَ لهما سواءٌ، ولم يكُن رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُؤثِرُ واحِدة على أُخرَى. واحتجَّ بحديثِ هذا البابِ، وما قدَّمنا في تأويلِهِ (٤) .

    قال أبو عُمر: الأحاديثُ المرفُوعةُ في هذا البابِ عن أنَسٍ (٥) ، على ما ذهَبَ إليه مالكٌ والشّافِعيُّ، وهُو الصَّوابُ، وليسَ فيما ذهَبَ إليه غيرُهُما حديثٌ مرفُوعٌ نصًّا.

  8. وعن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتّابِعين في هذا البابِ من الخِلافِ، مِثلُ ما ذكَرْنا عن فُقهاءِ الأمْصارِ، والحُجّةُ معَ من أدلى بالسُّنّةِ، وباللَّه التَّوفيقُ.

  9. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرِ بن داسةَ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ وإسماعيلُ، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: إذا تزوَّجَ البِكرَ على الثَّيِّبِ، أقامَ عندَها سبعًا، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثًا. ولو قلتُ: إنَّهُ رَفعهُ لصَدقتُ، ولكِنَّهُ قال: السُّنّةُ كذلك.

    قال (٢) : وحدَّثنا عُثمانُ بن أبي شيبةَ، عن هُشيم، عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، قال: لمّا أخذَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صفيّةَ، أقامَ عندَها ثلاثًا، وكانت ثيِّبًا.

    vol. 11, p. 90
  10. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن أيُّوبَ وخالدٍ الحذّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا تزوَّجَ البِكرَ أقامَ عندَها سبعًا، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثًا" (٣) .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ فيما يقولُونَ (٤) خطأٌ من أبي عاصِم النَّبيلِ، ولهُ

    vol. 11, p. 91خَطَأٌ كثيرٌ عن مالكٍ والثَّوريِّ، وإنَّما المحفُوظُ في حديثِ خالدٍ الحذّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنَسٍ، أنَّهُ قال: السُّنّةُ للبِكرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّبِ ثَلاثٌ.

  11. وأمّا رِوايةُ أيُّوبَ، فالمحفُوظُ فيها-عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) ، قال: حدَّثنا يَعْلَى، قال: حدَّثنا محمدٌ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "للبكرِ سَبعٌ، وللثَّيِّبِ ثلاثٌ" .

    قال أبو عُمرَ (٢) : لم يخُصَّ في هذا الحديثِ من كانت عِندهُ امرأةٌ، مِمَّن لم تَكُن عندَهُ امرأةٌ، بل قال: "للبِكرِ سَبْعٌ، وللثَّيِّب ثلاث" . قولًا مُطلقًا، وهذا عندَ جماعةٍ من أهلِ العِلْم لمن كانت لهُ غيرُها؛ لأنَّ من لم يكُن لهُ غيرُها، فمقامُهُ كلُّهُ عندَها، ومَبيتُهُ في بَيْتِها، والقسمُ إنَّما هُو في المبيتِ، لا في النَّهارِ.

    vol. 11, p. 92وقالت طائفةٌ من العُلماءِ: إنَّهُ يَلْزمُهُ المُقامُ عندَ البِكرِ سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، على ظاهِرِ الحديثِ نهارًا وليلًا، ثُمَّ يَقْسِمُ بعدُ في المبيتِ، إن كان لهُ غيرُها.

  12. وعلى حَسَبِ هذا الاختِلافِ، اختلفُوا في المُقام عندَها، هل هُو من حُقُوقِها، أو من حُقُوقِ الزَّوج على نِسائهِ غيرها؟

    فقالت طائفةٌ: هُو حقٌّ للمرأةِ، إن شاءَت طَلَبتهُ، وإن شاءَت تَرَكتهُ.

    وقال آخرُونَ: هُو حقٌّ للزَّوج على نِسائهِ، إن شاءَ أقامَ عندَها، وإن شاءَ لم يُقِمْ، وسوَّى بينها وبينَ سائرِ نِسائهِ.

  13. وكِلا القولينِ قد رُوي أيضًا عن مالكٍ، رحِمهُ اللَّه، وظاهِرُ الحديثِ يَشْهدُ لقولِ من جَعلهُ من حقِّ المرأةِ، لقولِهِ: "للبِكرِ سبعٌ، وللثَّيِّبِ ثلاثٌ" . ويُوجِبُ عليه (١) في البِكرِ على كلِّ حالٍ، أن يُقيمَ عندَها سبعًا، وعندَ الثَّيِّبِ ثلاثًا، على عُمُوم الآثارِ.

  14. وهُو قولُ جماعةٍ أيضًا من فُقهاءِ الأمصارِ، وهُو أمرٌ مَعمُولٌ به عندَهُم، وحسبُكَ بقولِ أنَسٍ: مَضَتِ السُّنّةُ بذلك. وباللَّه التَّوفيقُ.

  15. حديثٌ حاديَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، أنَّ أبا البدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ أخبَرهُ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرخصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ عن منًى، يرمُونَ يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ، أو من بَعدِ الغَدِ ليومينِ، ثُمَّ يرمُونَ يوم النَّفرِ.

    vol. 11, p. 93
  16. أبو بكر (٢) بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم الأنصاريُّ، أُمُّهُ كَبْشةُ ابنةُ عبدِ الرَّحمنِ بن سعدِ (٣) بن زُرارةَ خالتُهُ عَمْرةُ بنتُ عبدِ الرَّحمنِ، كان قاضيًا لعُمرَ بن عبدِ العزيزِ أيامَ إمْرتِهِ على المدينةِ، للوليدِ بن عبدِ الملكِ، فلمّا ولي عُمرُ الخِلافةَ، ولَّى أبا بكرٍ على المدينةِ، فاسْتَقضَى أبو بكرٍ أبا طُوالةَ، وكان أبو بكرٍ يُصلِّي بالنّاسِ، ويتولَّى أمْرَهُم، وتُوُفِّي أبو بكرٍ بالمدينةِ سنةَ عِشرينَ ومئةٍ وهُو ابنُ أربع وثمانينَ سنةً، في قولِ الواقِديِّ (٤) .

  17. أخبَرنا (٥) عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيُّ (٦) ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن

    vol. 11, p. 94عبدِ اللَّه بن دينار (١) ، قال: كتبَ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ إلى أبي بكر بن محمدٍ: انظُر ما كان من حَديثِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو سُنّةٍ ماضيةٍ، أو حَديثِ عُمرَ، فاكتُبْهُ، فإنِّي قد خِفْتُ دُرُوسَ العِلم، وذهابَ أهلِهِ.

  18. وأبو البدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ لا يُوقَفُ على اسمِهِ أيضًا، وكُنيتُهُ اسمُهُ، وقال الواقِديُّ: أبو البدّاح لَقَبٌ غلبَ عليه، ويُكْنَى أبا عَمرٍو، تُوُفِّي في سنةِ سبعَ عشْرةَ ومئةٍ، في خِلافةِ هشام بن عبدِ الملكِ وهُو ابنُ أربَع وثمانين سنةً، وهُو أبو البدّاح بن عاصِم بن عديِّ بن الجَدِّ بن العَجْلانِ، من بَليٍّ، من قُضاعةَ، حليفٌ لبني عَمرِو بن عَوْفٍ. وقد (٢) قال بعضُ النّاسِ: إنَّ لأبي البدّاح صُحْبةً. ولا يَصِحُّ ما قال، وإنَّما دخَلَ عليه ذلك، لقولِ ابنِ جُريج: إنَّ أُخت مَعقِلِ بن يَسارٍ كانت تحتَ أبي البدّاح، فطلَّقها، ثُمَّ أرادَ ردَّها، فعَضَلها أخُوها مَعقِلٌ، فنزَلَتِ الآيةُ. والصَّوابُ تحت أبي، أبي البدّاح (٣) .

  19. وذكَرَ أحمدُ بن خالدٍ، أنَّ يحيى بن يحيى وحدَهُ، من بينِ أصحابِ مالكٍ، قال في هذا الحديثِ عن مالكٍ باسنادِهِ: إنَّ أبا البدّاح: عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ. فجعَلَ أبا البدّاح كُنيةَ عاصِم بن عديٍّ، وجعلَ الحديث لهُ. والحديثُ إنَّما هُو لعاصِم بن عديٍّ، هُو الصّاحِبُ، وأبو البدّاح ابنُهُ يرويهِ عنهُ، وهُو الصَّحيحُ فيه عن أبي البَدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ، عن أبيه. قال: وكذلك رواهُ ابنُ وَهْبٍ (٤) ، وابنُ القاسم.

    قال أبو عُمر: لم نجِدهُ عندَ شُيُوخِنا في كِتابِ يحيى، إلّا: عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ. كما رواهُ جماعةُ الرُّواةِ، عن مالكٍ، وهُو الصَّحيحُ في إسنادِ هذا

    vol. 11, p. 95الحديثِ، كما قال أحمدُ، فإن كان يحيى رواهُ كما قال أحمدُ، فهُو غَلَطٌ من يحيى، واللَّهُ أعلمُ، أو من غيرِهِ.

  20. ولم يختلِفُوا في إسنادِ هذا الحديثِ عن مالكٍ، إلّا ما ذكَرَ أحمدُ بن خالدٍ، عن يحيى، وقدِ اختلفُوا عنهُ في ألفاظِهِ.

  21. وقد كان سُفيانُ بن عُيَينةَ يقولُ في إسنادِ هذا الحديثِ شيئًا يُشبِهُ ما حَكاهُ أحمدُ عن يحيى في رِوايتِهِ، عن مالكٍ، وَيعْضُدُهُ. وذلك أَنَّهُ قال فيه: عن أبي البَدّاح بن عديٍّ، عن أبيه. ومرّةً لم يقُل: عن أبيه (١) . والصَّوابُ في إسنادِ هذا الحديثِ، ما قالهُ مالكٌ في رِوايةِ جُمهُورِ الرُّواةِ عنهُ.

  22. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى القطّانُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رخَّصَ للرِّعاءِ في البيتُوتةِ، يرمُونَ يوم النَّحرِ، واليومينِ اللَّذينِ بَعَدهُ يجمعُونهُما في أحَدِهِما.

    قال أبو عُمر: هذا هُو الصَّحيحُ في إسنادِ هذا الحديثِ. وأمّا ألفاظُهُ، فلم يذكُر فيه: "في البيتُوتةِ عن منًى" .

  23. ومعلُومٌ أنَّهُ إنَّما رخَّص لهم في البيتُوتةِ عن منًى بمكّةَ، هذا ما لا شَكَّ فيه، رخَّصَ لهم في ذلك، ولمن ولي السِّقايةَ من آلِ العبّاسِ.

  24. وفي رِوايةِ القَطّانِ هذه، ما يدُلُّ على أنَّ الرِّعاءَ رُخِّصَ لهم في جَمْع رميِ اليومينِ في اليوم الواحِدِ، قَدَّمُوا ذلك، أو أخَّرُوهُ.

  25. ومالكٌ (١) لا يَرى لهمُ التَّقديم، إنَّما يَرى لهم تأخيرَ رَمْيِ اليوم الثّاني، إلى الثالثِ، ثُمَّ يرمُونَ في الثالثِ ليومينِ؛ لأنَّهُ لا يُقْضَى عندَهُ شيءٌ من ذلك، حتّى يجِبَ.

    vol. 11, p. 96
  26. وغيرُهُ يقولُ: لا بأسَ بذلك كلِّهِ؛ لأنَّها رُخصةٌ رُخِّصَ لهم فيها، كما رُخِّصَ لمن نفَرَ وتعجَّلَ في يومينِ.

  27. وعندَ مالكٍ (٢) : أنَّ الرِّعاءَ إذا رموا في اليوم الثالثِ، وهُو الثّاني من أيام التَّشريقِ لذلك اليوم، ولليوم الذي قبلهُ، نَفرُوا إن شاؤُوا في بَقيّةِ ذلك اليوم، فإن لم ينفِرُوا وبَقُوا إلى اللَّيلِ، لم يَنفِرُوا اليومَ الثالث من أيام التَّشريقِ حتّى يرمُوا في وَقْتِ الرَّميِ بعدَ الزَّوالِ.

  28. وإنَّما لم يُجِز مالكٌ للرِّعاءِ تقديمَ الرَّميِ؛ لأنَّ غيرَ الرِّعاءِ لا يجُوزُ لهم أن يرمُوا في أيام التَّشريقِ شَيْئًا من الجِمارِ قبلَ الزَّوالِ، ومن رَماها قبلَ الزَّوالِ، أعادَها، فكذلك الرِّعاءُ ليسَ لهمُ التَّقديمُ، وإنَّما رخَّصَ لهم في تأخيرِ رَمْيِ اليوم الثّاني إلى الثالثِ، فقِفْ على ذلك.

    قال أبو عُمر: لم يقُلِ القطّانُ في حديثهِ هذا، عن مالكٍ: ثُمَّ يرمُونَ يوم النَّفرِ. وهُو في "المُوطَّأ" .

  29. واجتمعَ العُلماءُ على أنَّ أيامَ التَّشريقِ كلَّها أيامُ رَمْيٍ، وهي الثَّلاثةُ الأيام بعدَ يوم النَّحرِ.

  30. وأجمعُوا أنَّ يومَ النَّحرِ لا يُرْمَى فيه غيرُ جَمْرةِ العَقَبةِ قبلَ الزَّوالِ، ووَقتُها من طُلُوع الشَّمسِ إلى الزَّوالِ. وكذلك أجمعُوا أنَّ وقتَ رَمْي الجَمَراتِ في أيام

    vol. 11, p. 97التَّشريقِ الثَّلاثةِ، التي هي أيامُ منًى بعدَ يوم النَّحرِ، وقتُ الرَّميِ فيها (١) بعدَ زوالِ الشَّمسِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ.

  31. واختَلفُوا في حُكم مَن تركَ الرَّميَ في اليوم الثّاني من أيام التَّشريقِ.

    فقال مالكٌ (٢) : من نَسِيَ رَمْي الجِمارِ حتّى يُمْسي، فلْيرم أيةَ ساعةٍ ذكرَ (٣) ، من ليلٍ أو نهارٍ، كما يُصلِّي أيةَ ساعةٍ ذكرَ، غيرَ أنَّهُ إذا مضَتْ أيامُ منًى، فلا رَمْيَ، فإن ذكَرَ بعدَ أن يصدُرَ، وهُو بمكّةَ، أو بعدَ ما يخرُجُ منْها، فعليه الهَدْيُ.

    قال ابنُ وَهْبٍ: فقلتُ لمالكٍ: أفرأيتَ الذي يَنْسَى، أو يجهلُ في غيرِ يوم النَّحرِ في أيام منًى، فلا يَرْمي حتّى اللَّيلِ؟ قال: يَرْمي ساعتَئذٍ، ويُهدِي أحبُّ إليَّ، وهُو أخفُّ عِندِي من الذي يفُوتُهُ الرَّميُ يومَ النَّحرِ، حتّى يُمْسي.

    وقال أبو حَنِيفةَ: إذا تركَ رَمْيَ الجِمارِ كلِّها يومهُ إلى اللَّيلِ وهُو في أيام الرَّمي: رَماها باللَّيلِ، ولا شيءَ عليه، وإن تركَ الرَّمي حتّى يَنْشقَّ الفجرُ، رَمَى وعليه دمٌ (٤) .

    قال: وإن تركَ من جَمْرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ ثلاثَ حَصَياتٍ إلى الغَدِ، رماهُنَّ، وعليه صَدَقةُ نِصفِ صاع لكلِّ حَصاةٍ، وإن تركَ أربعَ حَصَياتٍ فما فوْقهُنَّ، كان عليه دمٌ، ورَماهُنَّ إذا لم يَرْم حتّى طلعَ الفجرُ من الغَدِ.

    وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: يَرْمي ما تركَ من الغدِ، ولا شيءَ عليه (٥) .

    وقال الشّافِعيُّ (٦) : أيامُ منًى أيامٌ للرَّميِ، فمن أخَّرَ، أو نسي (٧) شيئًا، قَضَى

    vol. 11, p. 98في أيام منًى، فإن مضَتْ أيامُ منًى، ولم يَرْم، أهراقَ لذلك دمًا، إن كان الذي تركَ ثلاث حصياتٍ، وإن كان أقلَّ، ففي كلِّ حَصاةٍ مُدٌّ يتَصدَّقُ به. وهُو قولُ أبي ثورٍ.

    قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ من فاتَهُ رَمَيُ ما أُمِرَ برَميِهِ من الجِمارِ في أيام التَّشريقِ، حتّى غابتِ الشَّمسُ من آخِرِها، وذلك اليومُ الرّابعُ من يوم النَّحرِ، وهُو الثالثُ من أيام التَّشريقِ، فقد فاتَهُ وقتُ الرَّميِ، ولا سبيلَ لهُ (١) إلى الرَّميِ أبدًا، ولكن يَجبُرُهُ بالدَّم، أو بالطَّعام، على حَسَبِ ما للعُلماءِ في ذلك من الأقاويل.

  32. فمن ذلك، أنَّ مالكًا قال: لو تركَ الجِمار كلَّها، أو تركَ جمرةً منْها، أو تركَ حَصاةً من جَمْرةٍ، حتّى خرجت أيامُ منًى، فعليه دمٌ (٢) .

    وقال أبو حنيفةَ: إن تركَ الجِمار كلَّها، كان عليه دمٌ (٣) ، وإن ترك جمرةً واحِدةً كان عليه لكلِّ حصاةٍ من الجمرةِ إطعامُ مِسكينٍ نِصف صاع حِنطةٍ إلى أن يبلُغ دمًا فيُطعِم ما شاءَ، إلّا جمرةَ العقبةِ فمن تركها فعليه دمٌ (٤) .

  33. وكذلك قال الأوزاعيُّ، إلّا أَنَّهُ قال: إن تركَ حَصاةً، تَصدَّق بشيءٍ.

    وقال الثَّوريُّ: يُطْعِمُ في الحَصاةِ، والحَصاتَينِ، والثَّلاثِ، فإن تَركَ أربعًا فصاعِدًا، فعليه دمٌ (٥) .

    وقال اللَّيثُ: عليه في الحَصاةِ الواحِدةِ دمٌ.

    vol. 11, p. 99وقال الشّافِعيُّ (١) : في الحَصاةِ الواحِدةِ مُدٌّ من طَعام، وفي حَصاتينِ مُدّانِ، وفي ثلاثِ حَصَياتٍ دمٌ.

  34. ولهُ قولٌ (٢) آخرَ مِثلُ قولِ اللَّيثِ، والأوَّلُ أشْهَرُ عنهُ.

    قال أبو عُمر: وقد ذكَرْنا الرُّتبةَ في أوقاتِ رَمْيِ الجَمَراتِ، وذلك لمن لم يُرخَّص لَهُ من سائرِ الحاجِّ كلِّهِم.

  35. ورُخِّصَ لرِعاءِ الإبِلِ، ولأهلِ سقايةِ العبّاسِ في المَبيتِ بمكّةَ عن منًى، وكذلك رُخِّصَ لهم في جَمْع رَمْيِ يومَينِ في يوم واحِدٍ على ما جاءَ في الآثارِ المَذْكُور في هذا البابِ.

  36. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٣) : حدثنا القعنبيُّ، عن مالكٍ. قال أبو داودَ: وحدَّثنا ابنُ السَّرح، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البَدّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرخصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ يرمُونَ يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ، أو من (٤) بعدِ الغَدِ ليومينِ، ثُمَّ يرمُونَ يومَ النَّفرِ.

  37. وهذه الألفاظُ كألفاظِ رِوايةِ يحيى سَواءً، إلّا أنَّ القَعْنبيَّ وابن وَهْبٍ لم يذكُرا: عن منًى. وكذلك يحيى القطّانُ، لم يقُل فيه: عن منًى. ومعلُومٌ أنَّهُم إنَّما

    vol. 11, p. 100رُخِّصَ لهم في البيتُوتةِ عن منًى، وليسَ تَقْصيرُ من قصَّر عنهُ بشيءٍ، وكذلك رواهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مالكٍ كما قال هؤُلاءِ: في البيتُوتةِ، لم يقُل: عن منًى.

  38. ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مالكٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن أبي البدّاح بن عاصِم بن عديٍّ، عن أبيه، قال: رخَّصَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرِعاءِ الإبِلِ في البيتُوتةِ أن يرمُوا (١) يومَ النَّحرِ، ثُمَّ يجمعُونَ رَمْي يومينِ، بعدَ يوم النَّحرِ، فيَرْمُونهُ في أحدِهِما (٢) ، ثُمَّ يرمُونَ يوم النَّفرِ (٣) .

  39. وهذا مِثلُ رِوالة يحيى القطّانِ، في أنَّ لهم أن يَجْمَعُوا رَمْي يومينِ في يوم، قَدَّمُوا ذلك، أو أخَّرُوهُ. وألفاظُ "المُوطَّأ" تدُلُّ على هذا؛ لأنَّ قولهُ فيه: ثُمَّ يرمُونَ الغَدَ. يعني: من يوم النَّحرِ، أو منْ بَعدِ الغَدِ ليومينِ، ليَسْتَ: "أو" هاهُنا للشَّكِّ، وإنَّما هي للتَّخييرِ، بلا شكٍّ. وقد بانَ ذلك في رِوايةِ يحيى القطّانِ وعبدِ الرَّزّاقِ وغيرِهِما، عن مالكٍ.

  40. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ: ثمَّ (٤) يرمُونَ يوم النَّفرِ. وكذلك في "المُوطَّأ" ولم يذكُرهُ يحيى القطّانُ، وهُو شيءٌ نقَصَهُ.