أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287
Page 2 of 35
- vol. 11, p. 296
وهذا صحِيحٌ؛ لأنَّ رُوحَهُ لم تجتمِعْ برُوح موسى، ولم يَلْتقِيا، واللَّه أعلمُ، إلّا بعدَ الوَفاةِ، وبعدَ رَفْع أرواحِهِما في عِلِّيِّين، فكان التِقاؤُهُما كنحوِ الْتِقاءِ نبِيِّنا -صلى اللَّه عليه وسلم- بمَنْ لَقِيهُ في المِعراج من الأنبِياءِ، على ما جاءَ في الأثرِ الصَّحِيح، وإن كان ذلك عِندِي لا يحتمِلُ تَكْيِيفًا، وإنَّما فيه التَّسلِيمُ؛ لأنّا لم نُؤتَ من جِنسِ هذا العِلم إلّا قَليلًا.
- vol. 11, p. 297
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن عمّارِ بنِ أبي عمّارٍ، قال: سَمِعتُ أبا هريرةَ يُحدِّثُ عَنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
قال حمّادٌ: وأخبَرنا حُميدٌ، عنِ الحَسنِ، عن جُنْدبٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لقِيَ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى" (٢) .
قال أبو عُمر: معنَى "حَجَّهُ" : غلبهُ وظهرَ عليه في الحُجَّةِ.
-
وفي ذلك دليلٌ على فضْلِ من أدلى (٣) عِندَ التَّنازُع بحُجَّتِهِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لَقِي آدمُ موسى، فقال لهُ موسى: يا آدمُ، أنتَ الذي خلقَكَ اللَّهُ بيدِهِ، وأسْكنَكَ جنَّتَهُ، وأسجَدَ لكَ مَلائِكتَهُ، ونفَخَ فيكَ من رُوحِهِ، فعلتَ ما فعلتَ، فأخرَجْتَ ذرِّيَّتكَ من الجنّةِ؟ قال آدمُ: يا موسى، أنتَ الذي اصطفاكَ اللَّهُ برِسالتِهِ وبكلامِهِ، وقرَّبكَ نَجِيًّا، وآتاكَ التَّوراةَ، فبكم تجِدُ الذَّنبَ الذي عَمِلتُهُ مَكتُوبًا عليَّ قبلَ أن أُخلقَ؟ قال: بأربعِيَن سَنة. قال: فلِمَ تلُومُنِي؟ " . قال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فحَجَّ آدمُ موسى" . يقولُها ثلاثًا (٤) .
vol. 11, p. 298قال أبو عُمر: هذا الحديثُ من أوضَح (١) ما رُوِي عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في إثباتِ القَدَرِ، ودَفْع قولِ القَدَرِيَّةِ، وباللَّه التَّوفيقُ.
-
ورُوِيَ أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ كتبَ إلى الحسنِ البصرِيِّ: إنَّ اللَّهَ لا يُطالِبُ خَلْقَهُ بما قَضَى عليهم وقدَّرَ، ولكن يُطالِبُهُم بما نَهاهُم عنهُ وأمرَ، فطالِبْ نفسكَ من حيثُ يُطالِبُكَ ربُّكَ، والسَّلامُ (٢) .
-
وروينا أنَّ النّاسَ لمّا خاضُوا في القَدَرِ بالبصرةِ، اجتمعَ مُسلِمُ بن يَسارٍ ورُفيعٌ أبو العالِيةِ، فقال أحدُهُما لصاحِبه: تعال حتّى ننظُر فيما خاضَ النّاسُ فيه من (٣) هذا الأمر، قال: فقعَدا ففكَّرا، فاتَّفقَ رأيُهُما: أنَّهُ يَكْفي المُؤمنَ من هذا الأمرِ أن يعلمَ أنَّهُ لن يُصِيبَهُ إلّا ما كتَبَ اللَّهُ لهُ، وأنَّهُ مَجْزِيٌّ بعَملِهِ (٤) .
- vol. 11, p. 299
حديثٌ رابعٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إيّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحديثِ، ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تَنافسُوا، ولا تَحاسدُوا، ولا تَباغضُوا، ولا تَدابرُوا، وكُونوا عِبادَ اللَّه إخوانًا" .
قال أبو عُمر: احتجَّ قومٌ من الشّافِعِيَّةِ بهذا الحديثِ ومِثلِهِ في إبطالِ الذَّرائِع في البُيُوع، فقالوا: قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: ٣٦] . وقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إيّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديثِ" . وقال: "إنَّ اللَّهَ حرَّمَ من المُؤمِنِ دَمَهُ، وعِرْضَهُ، ومالَهُ، وألّا يُظنَّ به إلّا الخيرُ" (٢) . وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا ظَنَنتُم، فلا تُحقِّقُوا" (٣) .
قالوا: وأحكامُ اللَّه عزَّ وجلَّ على الحَقائِقِ، لا على الظُّنُونِ، فأبْطَلوا القولَ بالذَّرائِع في الأحْكام من البُيُوع وغيرِها، فقالوا: غيرُ جائِزٍ أن ويُقال: إنَّما أردتُ بهذا البيع كذا، بخِلافِ ظاهِرِهِ، وصارَ هذا كأنَّهُ كذا، ويدخُلُهُ كذا، لما يُنكِرُ فاعِلُهُ أنَّهُ أرادهُ.
-
وللقولِ عليهم مَوْضِعٌ غيرُ هذا من جِهَةِ النَّظرِ.
-
رَوَى أشهبُ، عن نافِع بنِ عُمرَ الجُمحِيِّ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: لا يحِلُّ لامرِئٍ مُسلِم سمِعَ من أخِيهِ كلِمةً، أن يظُنَّ بها سُوءًا، وهُو يجِدُ لها في شَيءٍ من الخَيْرِ مَصْدرًا (٤) .
- vol. 11, p. 300
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح بنِ عُمرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بنِ محمدٍ المُنادِي، قال: أخبَرنا ابنُ سَيْف (١) ، عنِ السَّرِيِّ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا يَعْلى بن عُبَيدٍ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: الظَّنُّ ظنّانِ: ظَنٌّ فيه إثمٌ، وظنٌّ ليس فيه إثمٌ، فأمّا الظَّنُّ الذي فيه إثمٌ فالذي يُتَكلَّمُ به، وأمّا الظَّنُّ الذي ليس فيه إثمٌ، فالذي لا يُتكلَّمُ به (٢) .
-
ومن حُجَّةِ من ذهَبَ إلى القولِ بالذَّرائِع، وهُم أصحابُ الرَّأيِ من الكُوفيِّين، ومالكٌ وأصحابُهُ من المدنِيِّين، من جِهَةِ الأثرِ، حديثُ عائِشةَ، في قِصَّةِ زَيْدِ بنِ أرقَمَ (٣) ، وهُو حديثٌ يدُورُ على امْرأةٍ مجهُولةٍ، وليس عِندَ أهلِ الحديثِ بحُجَّةٍ.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا" . فهُما لفَظْتانِ معناهُما واحِدٌ، وهُو البَحثُ والتَّطلُّبُ لعايِبِ النّاسِ ومَساوِئهِم، إذا غابت واسْتَتَرَتْ (٤) ، لم يحِلَّ لأحَدٍ أن يسألَ عنها، ولا يكشِفَ عن خَبرِها.
vol. 11, p. 301قال ابنُ وَهْبٍ: ومنهُ: لا يَلِي (١) أحدُكُمُ استِماعَ ما يقولُ فيه أخُوهُ.
-
وأصلُ هذه اللَّفظةِ في اللُّغةِ، من قولِكَ: حسَّ الثَّوبَ، أي: أدرَكَهُ بحسِّهِ وجسِّهِ، من المحسَّةِ والمجسَّةِ، وذلك حَرامٌ كالغِيبةِ، أو أشدَّ من الغِيبةِ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: ١٢] فالقُرآنُ والسُّنَّةُ ورَدا جميعًا بأحْكام هذا المعنى، وهُو قدِ استُسهِلَ في زَمانِنا، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجِعُونَ على ما حلَّ بنا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٣) . قالا: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، عنِ الأعْمَشِ عن زَيْدٍ، يعني: ابنَ وَهْبٍ، قال: أُتِي ابنُ مَسْعُودٍ، فقيلَ لهُ: هذا فُلانٌ تقطُرُ لحيتُهُ خمرًا. فقال عبدُ اللَّه: إنّا قد نُهِينا عنِ التَّجسُّسِ، ولكن إن يَظهَرْ (٤) لنا شيءٌ نأخُذْه به.
-
ورَوَى ابنُ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، في قولِهِ تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} قال: خُذُوا ما ظهَرَ، ودَعُوا (٥) ما سَتَر اللَّه (٦) .
-
وأمّا قولُهُ: "ولا تَنافسُوا" . فالمُرادُ به التَّنافُسُ في الدُّنيا، ومَعناهُ: طَلَبُ
vol. 11, p. 302الظُّهُورِ فيها على أصحابها، والتَّكبُّرُ عليهم، ومُنافستُهُم في رِياستِهم، والبَغْيُ عليهم، وحَسَدُهُم على ما آتاهُمُ اللَّه مِنْها.
-
وأمّا التَّنافُسُ، والحَسَدُ على الخَيْرِ، وطُرُقِ البِرِّ، فليس من هذا في شيءٍ.
-
وكذلك من سألَ عمّا غابَ عنهُ من عِلم وخيرٍ، فليس بمُتجسِّسٍ، فقِفْ على ما فسَّرتُ لك.
-
وقد مَضَى في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن أنسٍ، من هذا الكِتابِ، في معنى التَّحاسُدِ، والتَّدابُرِ، والتَّباغُضِ، ما فيه كِفايةٌ، فلا مَعنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا.
-
ومعنى قولِهِ: "لا تَدابَرُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تقاطَعُوا" مَعنًى مُتداخِلٌ كلُّهُ مُتقارِبٌ، والمَقْصَدُ فيه إلى النَّدبِ على التَّحابِّ، ودَفْع ما نَفَى ذلك؛ لأنَّكَ إذا أحببتَ أحدًا وأصْفَيتهُ الوُدَّ، لم تُعرِضْ عنهُ بوجهِكَ، ولم تُولِّهِ دُبُرَكَ، بل تُقبِلُ عليه، وتُواجِهُهُ، وتَلْقاهُ بالبِشْرِ، ومن أبْغَضتَهُ ولَّيتهُ دُبُرَكَ، وأعْرَضتَ عنهُ.
-
وقد فسَّرنا هذه المعانيَ في مواضِعَ سلفت، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عيسى بنُ محمدٍ وابنُ عوفٍ، وهذا لفظُهُ، قالا: حدَّثنا الفِريابِيُّ، عن سُفيانَ، عن ثَوْرٍ، عن راشِدِ بنِ سعدٍ، عن مُعاوِيةَ، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "إنَّكَ إنِ اتَّبعتَ عَوراتِ النّاسِ أفْسَدتَهُم، أو كِدتَ أن تُفسِدَهُم" . قال أبو الدَّرداءِ: كَلِمةٌ سَمِعها مُعاوِيةُ من (٢) رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَفَعهُ اللَّهُ بها.
vol. 11, p. 303قال أبو عُمر: ورَوَى هذا الحديثَ عبدُ الرَّحمنِ بن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ، عن أبيهِ، عن مُعاوِيةَ، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ مِثلهُ بمعناهُ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بنِ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن الحارِثِ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن سالم، عنِ الزُّبَيدِيِّ (١) ، قال: حدَّثني يحيى بن جابرٍ، أنَّ عبد الرحمنِ بن جُبيرٍ حدَّثهُ، أنَّ أباهُ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ مُعاوِيةَ بن أبي سُفيان، قال: إنِّي سَمِعتُ من رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلامًا نَفَعني اللَّهُ به، سمِعتُهُ يقولُ: "أعرِضُوا عنِ النّاسِ، ألم تَرَ أنَّكَ إذا اتَّبعتَ الرِّيبةَ في النّاسِ أفْسَدتهُم، أو كِدتَ أن تُفسِدهُم؟ " (٢) .
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا سعِيدُ بن عَمرٍو الحضرمِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا ضمضمُ بن زُرعةَ، عن شُريح بنِ عُبيدٍ، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ وكثِيرِ بنِ مُرَّةَ وعَمرِو بنِ الأسودِ، عنِ (٤) المِقدام بنِ مَعْدِي كَرِبَ وأبي أُمامةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ الأمِيرَ إذا ابْتَغى الرِّيبةَ في النّاسِ أفْسَدهُم" .
- vol. 11, p. 304
حديثٌ خامِسٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرة (٢) ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّهُ تبارَكَ وتَعالَى: إذا أحَبَّ عبدِي لقائِي، أحْبَبتُ لقاءَهُ، وإذا كرِهَ لقائِي، كَرِهتُ لقاءَهُ" .
-
وهذا الحديثُ معناهُ -عِندَ أهلِ العِلم-: فيما يُعانِيهِ المرءُ عِندَ حُضُورِ أجْلِهِ، فإذا رَأى ما يَكْرَهُ، لم يُحِبَّ الخُرُوجَ من الدُّنيا، ولا لقاءَ اللَّه، لسُوءِ ما عاينَ مِمّا يَصِيرُ إلَيهِ، وإذا رَأى ما يُحِبُّ، أحبَّ لقاءَ اللَّه، والإسْراعَ إلى رحمتِهِ، لحُسنِ ما عاينَ وبُشِّر به، وليس حُبَّ الموتِ ولا كَراهِيتَهُ، والمرءُ في صِحَّتِهِ من هذا المعنى في شيءٍ، واللَّه أعلمُ.
وقال أبو عُبيد (٣) في معنى قولِهِ عليه السَّلامُ: "من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ" ، قال: ليس وجهُهُ عِندِي أن يكونَ يكرهُ عَلَزَ الموتِ (٤) وشِدَّتهُ؛ لأنَّ هذا لا يَكادُ يخلُو منهُ أحدٌ، نبِيٌّ ولا غيرُهُ، ولكنَّ المكرُوهَ من ذلك، إيثارُ الدُّنيا، والرُّكُونُ إليها، والكَراهةُ أن يصِيرَ إلى اللَّه والدّارِ الآخِرةِ، ويُؤثِرَ المُقامَ في الدُّنيا. قال: ومِمّا يُبيِّنُ ذلك، أنَّ اللَّهَ قد عابَ قومًا في كِتابه بحُبِّ الحياةِ، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} [يونس: ٧] ، وقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة: ٩٦] ، وقال: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}
- vol. 11, p. 305
[الجمعة: ٧] . قال: فهذا يدُلُّ على أنَّ الكَراهِيةَ للِقاءِ اللَّه، ليست بكراهِيةِ الموتِ، وإنَّما هُو الكَراهَةُ للنُّقلةِ من الدُّنيا إلى الآخِرةِ.
قال أبو عُمر: نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمَّتَهُ عن أن يَتَمنَّى أحدُهُمُ الموتَ لضُرٍّ نزَلَ به، فالمُتمنِّي للمَوتِ، ليس بمُحِبٍّ للِقاءِ اللَّه، بل هُو عاصٍ للَّه عزَّ وجلَّ في تمنِّيهِ الموتَ، إذا كان بالنَّهيِ عالِمًا.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ وعبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ وعليِّ بنِ زيدٍ، كلُّهُم عن أنَسٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يَتَمنَّى أحدُكُمُ الموت لضُرٍّ نَزلَ (١) به، فإن كان لا بُدَّ قائِلًا، فلْيَقُل: اللَّهُمَّ أحْيِني ما كانتِ الحَياةُ خيرًا لي، وتوَّفَّني إذا كانتِ الوَفاةُ خيرًا لي" (٢) .
-
ورَوَى عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النَّهيَ عن تمنِّي الموتِ جَماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُم: خبّابُ بن الأرَتِّ (٣) ، وأُمُّ الفَضلِ بنتُ الحارِثِ أُمُّ ابنِ عبّاس (٤) ، وعابِسٌ الغِفارِيُّ (٥) ، وأبو هريرةَ، وغيرُهُم.
- vol. 11, p. 306
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، قال: حدَّثني قَيْسٌ، قال: أتيتُ خبّابًا وقدِ اكْتَوى سبعًا في بَطنِهِ، فقال: لولا أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهانا أن ندعُوَ بالموتِ، لدَعَوتُ به (١) .
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ الوَرْكانيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَتَمنَّى أحدُكُمُ الموت، إمّا مُحسِنٌ، فلَعلَّهُ يَزْدادُ خيرًا، وإمّا مُسِيءٌ، فلَعلَّهُ يسْتَعتِبُ" (٢) .
-
فهذه الآثارُ وما كان مِثْلَها، يدُلُّك على أنَّ حُبَّ لقاءِ اللَّه ليس بتمنِّي الموتِ، واللَّهُ أعلمُ.
-
وقد يجُوزُ تمنِّي الموتِ لغيرِ البَلاءِ النّازِلِ، مِثلَ أن يخافَ على نفسِهِ المرءُ فِتنةً في دِينِهِ.
قال مالكٌ: كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ لا يبلُغُهُ شيءٌ عن عُمرَ بنِ الخطّابِ، إلّا أحبَّ أن يعملَ به، حتّى لقد بلَغَهُ أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ دَعا على نفسِهِ بالموتِ، فدَعا عُمرُ بن عبدِ العزيزِ على نَفسِهِ بالموتِ، فما أتَتِ الجُمُعةُ حتّى ماتَ رحِمهُ اللَّه.
- vol. 11, p. 307
وقد أوْضَحنا هذا المعنى، في هذا الكِتابِ، عِند قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تقُومُ السّاعةُ حتّى يمُرَّ الرَّجُلُ بقبرِ أخِيهِ، فيقولُ: يا ليتني مَكانهُ" (١) .
-
وأمّا معنَى حديثِ هذا البابِ، فإنَّما هُو، واللَّه أعلمُ، عِندَ حُضُورِ الموتِ، ومُعاينَةِ بُشرَى الخيرِ أوِ الشَّرِّ، فعلى هذا تَنَزَّلُ الآثارُ، وعلى ذلك فسَّرهُ العُلماءُ.
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى وخَلَفُ بن القاسم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بنِ الحدّادِ بُكيرٌ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارُونَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن عُمارةَ بنِ غَزِيَّةَ، عن موسى (٣) بنِ وَرْدانَ المِصرِيِّ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن المُسلِم إذا حَضَرهُ الموتُ رأى بُشُرَهُ، فلم يكُن شيءٌ أبغَضَ إليه من المُكْثِ في الدُّنيا، وإذا حَضَرَ الكافِرُ الموتُ رأى بُشُرَهُ، فلم يكُن شيءٌ أحَبَّ إليه من المُكْثِ في الدُّنيا" .
قال أبو عُمر: بُشُرٌ، جمعُ بشِيرٍ، مِثل سرِيرٍ وسُرُرٍ، وقد يُخفَّفُ ذلك ويُثقَّلُ، مِثل رُسُلٍ ورُسْلٍ، وسُبُلٍ وسُبْلٍ.
-
وقد تكونُ البُشْرَى بالخيرِ والشَّرِّ، كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: ٢١] . وقال أهلُ اللُّغةِ أيضًا: إنَّهُ قد يكونُ البُشُرُ، جمعَ بشارةٍ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا شَبَابةُ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن محمدِ بنِ عَمرِو بنِ عطاءٍ، عن سعِيدِ بنِ يَسارٍ،
vol. 11, p. 308عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الميِّتُ تحضُرُهُ الملائِكةُ، فإذا كان الرَّجُلَ الصّالِحَ، قالوا: اخرُجِي أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، كانت في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخرُجِي حَمِيدةً، وأبشِرِي برَوْح ورَيْحانٍ وربٍّ غيرِ غَضْبانَ" . قال: "فلا تَزالُ يُقالُ لها ذلك، حتّى تخرُج، ثُمَّ يُعرَجُ بها إلى السَّماءِ، فيُفتحُ لها، فيُقالُ: مَن هذا؟ فيقولُونَ: فُلانٌ، فيُقالُ: مَرحبًا بالنَّفسِ الطَّيِّبةِ، كانت في الجسدِ الطَّيِّبِ، ادخُلي حَمِيدةً، وأبشِرِي برَوح ورَيْحانٍ، ورَبٍّ غيرِ غَضْبانَ، فلا يَزالُ يُقالُ ذلك، حتّى يُنتَهى بها إلى السَّماءِ، يَعني السّابعةَ، وإذا كان الرَّجُلَ السُّوءَ، وحَضَرتهُ الملائِكةُ عِندَ مَوتِهِ، قالت: اخرُجِي أيَّتُها النَّفسُ الخَبِيثةُ، كانت في الجَسدِ الخَبِيثِ، اخرُجِي ذمِيمةً، وأبشِرِي بحمِيم وغسّاقٍ، وآخَرَ من شكلِهِ أزواجٌ، فلا تَزالُ يُقالُ لها ذلك، حتّى تخرُجَ" . وذكَرَ الحديثَ (١) .
-
وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ ما ذكَرْنا من حُبِّ لقاءِ اللَّه وكراهتِهِ، إنَّما ذلك عِندَ حُضُورِ الوَفاةِ، ومُعايَنةِ ما لهُ عِندَ اللَّه، واللَّه أعلمُ.
-
وفيه ما يَدُلُّ على أنَّ البِشارَةَ قد تكونُ بالخيرِ والشَّرِّ، وبما يَسُوءُ وبما يُسرُّ.