أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287
Page 3 of 35
- vol. 11, p. 308
وقد رُوِي عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ (٢) قال لبَعضِ أصحابه في حديثٍ ذَكَرهُ: "أيْنَما مَررتَ بقبرِ كافِرٍ، فبشِّرهُ بالنّارِ" (٣) .
- vol. 11, p. 309
ورُوِي عن عليٍّ رضِي اللَّهُ عنهُ، أنَّهُ قال: بشِّرْ قاتِلَ ابنِ صفِيَّةَ بالنّارِ (١) .
-
وقد حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزِيدُ بنُ هارُونَ، قال: أخبرنا محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّهُ، كَرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ" . قيلَ: يا رسُولَ اللَّه، ما مِنّا أحدٌ، إلّا وهُو يكرَهُ الموتَ، ويَفْظَعُ (٢) به. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا كان ذلك كُشِفَ لهُ" (٣) .
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبَرنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، عن أبي زُبيدٍ، عن مُطرِّفٍ، عن عامِرٍ الشَّعبِيِّ، عن شُريح بنِ هانِئٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّه، كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ" . قال شُريحٌ:
vol. 11, p. 310فأتَيْتُ عائِشةَ، فقلتُ: يا أُمَّ المُؤمِنِينَ، سمِعتُ أبا هريرةَ يذكُرُ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثًا، إن كان كذلك، فقد هَلَكنا، فقالت: وما ذلك؟ قلتُ: قال: "من أحبّ لقاءَ اللَّه، أحبّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّه، كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ" . وليس مِنّا أحدٌ إلّا وَيكْرهُ الموتَ. قالت: قد قالهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكن ليس بالذي تذهبُ إليه، ولكنْ إذا طَمَحَ البصرُ، وحَشْرجَ الصَّدرُ، واقْشَعرَّ الجِلدُ، فعِندَ ذلك من أحبَّ لقاءَ اللَّه، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّه، كرِه اللَّهُ لقاءَهُ.
-
فهذه الآثارُ كلُّها، قد بانَ فيها أنَّ ذلك عِندَ حُضُورِ الموتِ، ومُعاينةِ ما هُنالكَ (١) ، وذلك حِين لا تُقبلُ تَوْبةُ التّائِبِ، إن لم يَتُبْ قبلَ ذلك.
-
وقد ذكرنا هذا المعنى مُجوَّدًا في بابِ نافِع، والحمدُ للَّه (٢) .
- vol. 11, p. 311
حديثٌ سادِسٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن لبْسَتينِ، وعن بَيْعتينِ: عنِ المُلامَسَةِ والمُنابذةِ، وعن أن يَحْتبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ واحِدٍ ليس على فرجِهِ منهُ شيءٌ، وعن أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ الثَّوبَ على أحَدِ شِقَّيهِ.
-
أمّا المُلامسةُ والمُنابذةُ، فقد مَضَى تَفْسِيرُها في بابِ محمدِ بنِ يحيى بنِ حِبّان من هذا الكِتابِ (٢) .
-
وهذا الحديثُ أيضًا بيِّن مُسْتَغنٍ عنِ التَّفسِيرِ، بل هُو مُفسِّرٌ للِبْسَةِ الصَّمّاءِ المنهِيِّ عنها.
-
وفيه دليلٌ، كالنَّصِّ، على النَّهيِ عن كَشْفِ العَوْر. وهُو أمرٌ مُجتمعٌ عليه، لا خِلافَ فيه، والحمدُ للَّه.
-
حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ، قال: حدَّثنا الخضِرُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، يعني: الأثْرَمَ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّه، يَعني: أحمدَ بن حنبلٍ، يُسألُ عن الصَّمّاءِ في غيرِ الصَّلاةِ. فقال: كُرِهَتْ في الصَّلاةِ. ثُمَّ قال: أكْرَهُها إذا لم يكُن على عاتِقِهِ قمِيصٌ. قال أبو بكرٍ: الصَّمّاءُ مُفسَّرةٌ في حديثِ مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَشْتمِلَ الرَّجُلُ بالثَّوبِ الواحِدِ على أحَدِ شِقّيهِ؛ حدَّثناهُ القَعْنبِيُّ، عن مالكٍ.
vol. 11, p. 312قال أبو عُمر: الصَّمّاءُ كما جاءَ في حديثِ أبي الزِّنادِ: أن (١) يَشْتمِل الثَّوبُ على أحَدِ شِقَّيهِ، يعني: ولا يرفعُهُ عنهُ، يَتْرُكُهُ مُطبِقًا.
-
وإنَّما سُمِّيتِ الصَّمّاءَ، لأنَّها لبْسَةٌ لا انْفِتاح فيها، كأنَّهُ لفظٌ مأخُوذٌ من الصَّمم الذي لا انفِتاحَ فيه، ومنهُ الأصمُّ الذي لا انفِتاحَ في سَمعِهِ، ويُقالُ للفَرِيضةِ، إذا لم تتَّفِقْ سِهامُها وانغَلَقَت: صمّاءُ؛ لأنَّهُ لا انفِتاحَ فيها للاخْتِصارِ.
-
وقد جاءَ في تَفسِيرِ الصَّمّاءِ حديثٌ مرفُوعٌ؛ حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا كثِيرُ بن هشام، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ بُرقانَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبْسَتينِ: الصَّمّاءِ، وهُو أن يَلْتحِفَ الرَّجُلُ بالثَّوبِ الواحِدِ، وَيحْتبِيَ الرَّجُلُ في الثَّوبِ الواحِدِ، ليس بينَ فرجِهِ وبين السَّماءِ سِتْرٌ.
-
وحديثُ أبي الزِّنادِ أقْوَى من هذا الإسنادِ (٣) .
-
وقد مَضَى القولُ في الصَّمّاءِ، في أبي الزُّبيرِ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.
- vol. 11, p. 313
حديثٌ سابعٌ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عنِ الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال رجُلٌ لم يَعْمَل حَسَنةً قطُّ لأهلِهِ: إذا ماتَ فحرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصفَهُ في البَرِّ، ونِصفَهُ في البَحرِ، فواللَّه لَئِن قدرَ اللَّهُ عليه، لَيُعذِّبنَّهُ عذابًا لا يُعذِّبُهُ أحدًا من العالمينَ. فلَمّا ماتَ الرَّجُلُ، فعلوا ما أمَرهُم به، فأمرَ اللَّهُ البَرَّ فجمَعَ ما فيه، وأمرَ البَحرَ فجمَعَ ما فيه، ثُمَّ قال: لمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خَشْيتِكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلَمُ. فغَفَر لهُ" .
قال أبو عُمر: تابَعَ يحيى على رَفْع هذا الحديثِ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ أكثرُ رُواةِ "المُوطَّأ" ، ووَقفهُ مُصعبُ بن عَبدِ اللَّه الزُّبيرِيُّ وعبدُ اللَّه بن مَسْلمةَ القَعْنبِيُّ، فجَعَلاهُ من قَولِ أبي هريرةَ، ولم يَرْفعاهُ.
-
وقد رُوِي عنِ القَعْنبِيِّ مرفُوعًا، كرِوايةِ سائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ. وممَّن رَواهُ مرفُوعًا عن مالكٍ: عبدُ اللَّه بن وَهْب (٢) ، وابنُ القاسم (٣) ، وابنُ بُكَيرٍ، وأبو المُصْعَبِ (٤) ، ومُطرِّفٌ، ورَوْحُ بن عُبادَةَ (٥) ، وجماعةٌ.
-
أخبَرنا أبو القاسم خَلَفُ بن القاسم بنِ سهلٍ، قال: حدَّثنا أبو الفَوارِسِ أحمدُ بن محمدِ بنِ الحُسينِ بنِ السَّندِيِّ العَسْكرِيُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى والرَّبِيعُ بن سُليمانَ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ
vol. 11, p. 314ومالكُ بن أنَس، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال رجُلٌ لم يعمَلْ خَيْرًا قطُّ لأهلِهِ: إذا ماتَ فأحْرِقُوهُ، واذرُوا نِصفهُ في البَرِّ، ونِصفهُ في البَحرِ، فواللَّه لئِن قدرَ اللَّهُ عليه، ليُعذِّبنَّهُ عذابًا لا يُعذِّبُهُ أحدًا من العالمينَ. فلمّا ماتَ، فعلوا به، فأمَرَ اللَّهُ البَحرَ فجمَعَ ما فيه، وأمرَ البرَّ فجمَعَ ما فيه، ثُمَّ قال: لمَ فعلتَ هذا؟ قال: من خَشْييكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلمُ، فغفَرَ لهُ" (١) .
قال أبو عُمر: رُوِي من حديثِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، عن أبي هريرةَ، قال: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "أسرَفَ رجُلٌ على نفسِهِ، حتّى إذا حَضَرتهُ الوَفاةُ قال لأهلِهِ: إذا أنا مُتُّ فأحرِقُوني. . . " الحديثَ. كحديثِ مالكٍ عن أبي الزِّنادِ سواءً (٢) .
-
ورُوِي من حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ هذا المعنى أيضًا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو هِلالٍ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الغافرِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: كان فيمَنْ كان قبلَكُم رجُلٌ من الأُمم السّالِفةِ، أفادَهُ اللَّهُ مالًا وولدًا، فلمّا ذهَبَ، يعني:
vol. 11, p. 315أكثرَ عُمرِهِ، قال لولدِهِ: لا أدعُ لكُم مالًا، أو تفعلُونَ ما أقولُ. قالوا: يا أبانا، لا تأمُرُ بشيءٍ إلّا فعلناهُ. قال: إذا أنا مُتُّ، فأحرِقُوني، ثُمَّ اسحقُوني، ثُمَّ اذرُوني في يوم رِيح عاصِفٍ، لعلِّي أُضِلُّ اللَّهَ. ففعلوا ذلك به، فقال اللَّهُ لهُ: كُنْ. فإذا هُو رجُلٌ قائِمٌ، قال: ما حملكَ على ما صنعتَ؟ فقال: مخافتُكَ. فما تَلافاهُ (١) غيرُها، فغفر لهُ.
قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: كذا قال أبو هِلالٍ، أوقفَ الحديثَ على أبي سعِيدٍ، ورَفعهُ سُليمانُ التَّيمِيُّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمان، قال: أخبرنا أبي، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الغافِرِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّهُ ذكرَ رَجُلًا فيمَنْ كان سلفَ. ثُمَّ ذكرَ نَحوهُ (٢) .
قال أبو عُمر: رُوِي من حديثِ أبي رافِع، عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ، أنَّهُ قال: "قال رجُلٌ لم يعمَلْ خيرًا قطُّ إلّا التَّوحِيدَ" (٣) . وهذه اللَّفظةُ إن صحَّت، رَفَعتِ الإشكالَ في إيمانِ هذا الرَّجُلِ، وإن لم تَصِحَّ من جِهَةِ النَّقلِ، فهي صَحِيحةٌ من جِهةِ المعنى، والأُصُولُ كلُّها تَعضُدُها، والنَّظرُ يُوجِبُها؛ لأنَّهُ مُحالٌ غيرُ جائِزٍ أن يُغفرَ للَّذِينِ يمُوتُونَ وهُم كُفّار، لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد أخبَر أنَّهُ لا يَغفِرُ أن يُشركَ به لمن ماتَ كافِرًا (٤) ، وهذا ما لا مدفعَ لهُ، ولا خِلافَ فيه بينَ أهلِ القِبلةِ.
- vol. 11, p. 316
وفي هذا الأصلِ ما يدُلُّك على أنَّ قولَهُ في هذا الحديثِ: "لم يعمَلْ حَسَنةً قطُّ" ، أو "لم يعمَلْ خيرًا قطُّ" ، لم يُعْنَ به (١) إلّا ما عَدا التَّوحِيد من الحَسَناتِ والخَيْرِ، وهذا سائِغٌ في لسانِ العربِ، جائِزٌ في لُغتِها، أن يُؤتَى بلفظِ الكلِّ والمُرادُ البَعضُ.
-
والدَّليلُ على أنَّ الرَّجُلَ كان مُؤمِنًا، قولُهُ حِين قِيل لهُ: "لِمَ فعلتَ هذا؟ فقال: من خَشْيتِكَ يا ربِّ" . والخَشْيةُ لا تكونُ إلّا لمُؤمِنٍ مُصدِّقٍ، بل ما تَكادُ تكونُ إلّا لمُؤمِنٍ عالِم، كما قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨] .
قالوا: كلُّ من خافَ اللَّه، فقد آمنَ به وعَرَفهُ، ومُستحِيلٌ أن يَخافَهُ من لا يُؤمِنُ به. وهذا واضِحٌ لمن فهِمَ وأُلهِمَ رُشدهُ.
-
ومِثلُ هذا الحديثِ في المعنى، ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، عنِ ابنِ العَجْلانِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ رَجُلًا لم يعملْ خيرًا قطُّ، وكان يُدايِنُ النّاسَ، فيقولُ لرسُولِهِ: خُذ ما يَسِرَ، واترُك ما عَسِرَ، وتَجاوَزَ، لعلَّ اللَّهَ يَتَجاوزُ عنّا، فلمّا هلكَ، قال اللَّه: هل عمِلتَ خيرًا قطُّ؟ قال: لا، إلّا أنَّهُ كان لي غُلامٌ، فكنتُ أُدايِنُ النّاس، فإذا بَعثتُهُ يَتَقاضى قلتُ لهُ: خُذ ما يَسِرَ، واترُك ما عَسِرَ، وتَجاوُزَ، لعلَّ اللَّهَ يَتَجاوزُ عنّا. قال اللَّه: قد تَجاوزتُ عنكَ" (٢) .
vol. 11, p. 317قال أبو عُمر: فقولُ هذا الرَّجُل، الذي لم يعمَلْ خيرًا قطُّ، غيرَ تَجاوُزِهِ عن غُرمائهِ: "لعلَّ اللَّهَ يَتَجاوزُ عنّا" إيمانٌ، وإقرارٌ بالرَّبِّ ومُجازاتِهِ، وكذلك قولُ (١) الآخرِ: "خَشْيتُكَ يا ربِّ" إيمان باللَّه، واعتِرافٌ لهُ بالرُّبُوبيَّةِ، واللَّه أعلمُ.
-
وأمّا قولُهُ: "لئن قَدَرَ اللَّهُ عليَّ" . فقدِ اختلفَ العُلماءُ في مَعناهُ، فقال منهُم قائلونَ: هذا رجُلٌ جهِلَ بعضَ صِفاتِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وهي القُدرةُ، فلم يعلَمْ أنَّ اللَّهَ على كلِّ ما يَشاءُ قدِيرٌ.
قالوا: ومن جهِلَ صِفةً من صِفاتِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وآمنَ بسائرِ صِفاتِهِ وعَرَفَها، لم يكُن بجهلِهِ بعضَ صِفاتِ اللَّه كافِرًا. قالوا: وإنَّما الكافِرُ: من عاندَ الحقَّ، لا من جَهِلهُ.
-
وهذا قولُ المُتقدِّمِينَ من العُلماءِ، ومن سلكَ سَبِيلَهم من المُتأخِّرِينَ (٢) .
وقال آخرُونَ: أرادَ بقولِهِ: "لئن قَدَرَ اللَّهُ عليه" من القَدَرِ، الذي هُو القَضاءُ، وليس من باب القُدْرةِ والاسْتِطاعةِ في شيءٍ. قالوا: وهُو مِثلُ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ في ذي النُّونِ: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: ٨٧] .
-
وللعُلماءِ في تأوِيلِ هذه اللَّفظةِ قولانِ:
أحدُهُما: أنَّها من التَّقدِيرِ والقَضاءِ.
-
والآخرُ: أنَّها من التَّقتِيرِ والتَّضيِيقِ.
-
وكلُّ ما قالهُ العُلماءُ في تأوِيلِ هذه الآيةِ، فهُو جائزٌ في تأوِيلِ هذا الحديثِ، في قولِهِ: "لئن قَدَر اللَّهُ عليَّ" .
- vol. 11, p. 318
فأحَدُ الوجهينِ تَقْدِيرُهُ: كأنَّ الرَّجُلَ قال: لئن كان قد سبَقَ في قَدَرِ اللَّه وقَضائهِ أن يُعذِّبَ كلَّ ذي جُرم على جُرمِهِ، ليُعذِّبَنِّي اللَّهُ على إجْرامِي وذُنُوبي عذابًا لا يُعذِّبُهُ أحدًا من العالمين غيرِي.
-
والوجهُ الآخرُ تقدِيرُهُ: واللَّه لئن ضَيَّق اللَّهُ عليَّ، وبالغَ في مُحاسَبتِي وجَزائي على ذُنُوبي، ليكوننَّ ذلك، ثُمَّ أمرَ بأن يُحرَقَ بعد موتِهِ، من إفراطِ خَوْفِهِ.
قال ابنُ قُتيبةَ (١) : بَلَغني عنِ الكِسائيِّ، أنَّهُ قال: يُقالُ: هذا قَدَرُ اللَّه وقَدْرُهُ. قال: ولو قُرِئَت: "أوْدِيةٌ بقَدْرِها" (٢) مُخفَّفًا، أو قُرِئَت "وما قَدَّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ" (٣) ، مُثقَّلًا جاز، وأنشَدَ:
وما صَبَّ رِجلِي في حَدِيدِ مُجاشِع ... معَ القَدْرِ إلّا حاجةٌ لي أُرِيدُها (٤)
-
أرادَ: القَدَر. قال: ويُقالُ: هذا على قَدْرِ هذا وقَدَرِهِ.
قال الأصمعِيُّ: أنشَدَنِي عيسى بن عُمر لبَدَوِيّ (٥) :
كلُّ شيءٍ حتّى أراكٍ (٦) مَتاعُ ... وبقَدْرٍ تفرُّقٌ واجتِماعُ
ومن هذا حديثُ ابنِ عُمرَ، عنِ النَّبيِّ عليه السَّلامُ في الهِلالِ: "فإنَّ غُمَّ عليكُم، فاقْدُرُوا لهُ" (٧) . وقد ذكرتُهُ في بابه وموضِعِهِ من هذا الكِتابِ.
- vol. 11, p. 319
وقد رَوينا عن أبي العبّاسِ أحمد بنِ يحيى ثعلبٍ، أنَّهُ قال في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: ٨٧] . قال: هُو من التَّقديرِ (١) ، ليس من القُدْرةِ، يُقالُ منهُ: قَدَّرَ اللَّهُ لكَ الخيرَ يُقدِّرُهُ قدرًا. بمعنَى: قدَرَ اللَّهُ لكَ الخيرَ. وأنشد ثعلبٌ:
ولا عائدًا ذاك الزَّمانُ الذي مَضَى ... تباركت ما تَقْدُرْ يقَعْ ولك الشُّكرُ
يعني: ما تُقدِّرُهُ وتقضِي به يقعُ، يعني: ينزِلُ وينفذُ ويمضِي.
قال أبو عُمر: هذا البيتُ لأبي صخرٍ الهُذلِيِّ (٢) ، في قَصِيدةٍ لهُ أوَّلُها:
لليْلَى بذاتِ الجَيْشِ دارٌ عرفتُها ... وأُخْرَى بذاتِ البَيْنِ آياتُها سُطْرُ
- وفيها يقولُ:
-
وليس عشِيّاتُ الحِمَى برواجِع ... لنا أبدًا ما أبْرَمَ السَّلَمَ النَّضرُ
ولا عائدٌ ذاك الزَّمانُ الذي مضى ... تباركت ما تَقْدُرْ يَقعْ ولك الشُّكرُ
السَّلَمُ: شَجَرٌ من العِضاهِ يُدبغُ به. والنَّضرُ: النَّضارةُ والتَّنعُّمُ. وأبْرَمَ السَّلَمَ: أخْرَجَ بَرَمَتَهُ، وأبْرَمتُ الأمرَ: أحْكَمتَهُ.
وقال غيرُهُ:
فما النّاسُ أرْدَوهُ ولكن أقادَهُ ... يَدُ اللَّه والمُسْتنصِرُ اللَّهَ غالِبُ
فإنَّكَ ما يَقْدُرْ لكَ اللَّهُ تَلْقَهُ ... كِفاحًا وتجلِبْهُ إليكَ الجَوالِبُ
وقال ابنُ قُتيبةَ، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: ٨٧] : أن لن نُضيِّق عليه. قال: يُقالُ (٣) : فُلانٌ مُقدَّرٌ عليه، ومُقتَّرٌ عليه. ومنهُ قولُهُ
vol. 11, p. 320عزَّ وجلَّ: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: ١٦] . أي: ضيَّقَ عليه في رِزقِهِ. وقولُهُ: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: ٧] أي: ضُيِّق عليه في رِزقِهِ.
وقال ثعلبٌ، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: ٨٧] قال: مُغاضِبًا للملِكِ.
قال أبو عُمر: قد قيلَ ما قال ثعلبٌ، وقيل: إنَّهُ خرجَ مُغاضِبًا لنبيٍّ كان في زَمانِهِ.
-
وهذانِ القولانِ للمُتأخِّرِين، وأمّا المُتقدِّمُونَ، فإنَّهُم قالوا: خرَجَ مُغاضِبًا لربِّهِ. رُوِي ذلك عنِ ابنِ مسعُودٍ، والشَّعبِيِّ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وغيرِهِم (١) .
-
ولولا خُرُوجُنا عمّا لهُ قَصَدْنا، لذكَرْنا خَبرَهُ وقِصَّتَهُ هاهُنا.
-
وأمّا جَهلُ هذا الرَّجُلِ المذكُورِ في هذا الحديثِ، بصِفةٍ من صِفاتِ اللَّه في عِلْمِهِ وقَدَرِهِ، فليس ذلك بمُخرِجِهِ من الإيمانِ، ألا تَرَى أنَّ عُمر بن الخطّابِ (٢) ، وعِمران بن حُصين (٣) ، وجَماعةً من الصَّحابةِ، سَألوا رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنِ القَدرِ، ومعلُومٌ أنَّهُم إنَّما سألُوهُ عن ذلك وهُم جاهِلُونَ به، وغيرُ جائزٍ عِندَ أحدٍ من المُسلِمِينَ أن يكونوا بسُؤالِهِم عن ذلك كافِرِين، أو يكونوا في حِينِ سُؤالِهِم عنهُ غيرَ مُؤمِنين.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن فَرُّوخ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن يزِيدَ
vol. 11, p. 321الرِّشْكِ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: قلتُ يا رسُولَ اللَّه، أعُلِم أهلُ الجنّةِ من أهلِ النّارِ؟ وذكر الحديثَ (١) .
-
ورَوَى اللَّيثُ، عن أبي قَبِيل (٢) ، عن شُفيٍّ الأصبَحِيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ عَمرِو بنِ العاصِ. فذكر حديثًا في القَدَرِ، وفيه: فقال أصحابُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: فلأيِّ شيءٍ نَعملُ، إن كان الأمرُ قد فُرخَ منهُ (٣) ؟
-
فهؤلاءِ أصحابُ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُمُ العُلماءُ الفُضَلاءُ، سألوا عنِ القَدَرِ سُؤالَ مُتعلِّم جاهِلٍ، لا سُؤال مُتَعنِّتٍ مُعانِدٍ، فعلَّمهُم رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما جَهِلوا من ذلك، ولم يضُرَّهُم جهلُهُم به قبلَ أن يَعْلمُوهُ، ولو كان لا يَسَعُهُم جهلُهُ وَقْتًا من الأوقاتِ، لعَلَّمَهم ذلك مع الشَّهادة بالإيمانِ، وأَخَذَ ذلك عليهم في حِينِ إسْلامِهِم، ولجعَلَهُ عمُودًا سادِسًا للإسلام، فتدبَّر، واستعِن باللَّه.