أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287
Page 22 of 35
- vol. 11, p. 533
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عنِ الثَّورِيِّ، عنِ ابنِ أبي ليلى، عنِ الشَّعبِيِّ، قال: لا يَنْبغِي لرجُلٍ أن يجمعَ بينَ المرأتينِ، لو كانت إحداهُما رجُلًا، لم يحِلَّ لهُ نِكاحُهُما.
قال سُفيانُ: تفسِيرُهُ عِندَنا أن يكونَ من النَّسبِ، ولا يكونُ بمَنزِلةِ امرأةٍ وابنةِ زَوْجِها، يجمعُ بينهُما إن شاءَ.
قال أبو عُمر: وعلى هذا مذهبُ مالكٍ، والشّافِعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والأوزاعِيِّ، وسائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٥) من أهلِ الحديثِ وغيرِهِم، فيما علِمتُ، لا يختلِفُونَ في هذا الأصلِ.
-
وقد كرِهَ قومٌ من السَّلفِ، أن يجمعَ الرَّجُلُ بين ابنةِ رجُلٍ وامرأتِهِ، من أجلِ أنَّ إحداهُما لو كانت رجُلًا، لم يحِلَّ لهُ نِكاحُ الأُخرى.
- vol. 11, p. 534
والذي عليه الفُقهاءُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلك، وأنَّ المُراعَى في هذا المعنى النَّسبُ، دُونَ غيرِهِ من المُصاهرةِ.
-
فإنَّهُ لا بأسَ أن يُجمعَ بين امرأةِ الرَّجُلِ وابنتِهِ من غَيرِها.
-
وقد فرَّقَ قومٌ من جِهَةِ النَّظرِ، بين امرأةِ الرَّجُلِ وابنتِهِ، وبينَ المرأةِ وعمَّتِها، بأن قالوا في هاتينِ وما كان مثلهما: أيُّتُهُما جُعِلَتْ ذكرًا، لم يحِلَّ لهُ الأُخرى، وأمّا امرأةُ الرَّجُلِ وابنتُهُ من غيرِها، فإنَّهُ لو كان مَوْضِع البنتِ ابنٌ، لم يحِلَّ لهُ امرأةُ أبيهِ (١) .
-
وبَقِيَ فيها وجهٌ آخرُ، وذلك أن يجعلوا موضِع المرأةِ ذكرًا، فتحِلُّ لهُ الأُنثى؛ لأنَّهُ رجُلٌ أجنبِيٌ تزوَّجَ ابنةَ رجُل أجنبِيٍّ، وليس الأُختانِ، ولا العمَّةُ مع ابنةِ أخِيها، والخالةُ مع ابنةِ أُختِها كذلك؛ لأنَّ هؤلاءِ اسلتهما جُعلَتْ ذكرًا، لم تحِلَّ لهُ الأُخرى.
-
فقِفْ على هذا الأصلِ، فعليه جماعةُ أئمَّةِ الفتوى، والحمدُ للّه.
-
والرَّضاعةُ في هذا البابِ كالنَّسبِ.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ الثَّورِيِّ، عن جابرٍ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ: أنَّهُ كرِهَ العمَّةَ والخالةَ من الرَّضاعةِ.
-
وعنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: قلتُ لهُ: أيجمعُ الرَّجُلُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها من الرَّضاعةِ؟ قال: لا، ذلك مِثلُ الوِلادةِ (٣) .
-
وعن (٤) مَعمرٍ، عن قَتادةَ، أنَّ ابن مَسعُودٍ قال: وأكرَهُ عمَّتَكَ من الرَّضاعةِ، وخالتَك من الرَّضاعةِ (٥) .
- vol. 11, p. 535
حديثٌ سابعُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُتبِعَ أحدُكم على مليءٍ فليَتْبعَ" .
-
هذا يدُلُّ على أنَّ المطْلَ على الغنيِّ حرامٌ، لا يحِلُّ إذا مطلَ بما عليه من الدُّيُونِ، وكان قادِرًا على توصِيلِ الدَّينِ إلى صاحِبه، وكان صاحِبُهُ طالِبًا لهُ؛ لأنَّ الظُّلمَ حرامٌ قليلُهُ وكثِيرُهُ، وتختلِفُ آثامُهُ على قَدْرِ اختِلافِهِ؛ لأنَّ للظُّلم وُجُوهًا كثِيرةً، فأعظمُها الشِّركُ، وأقلُّها لا يكادُ يُعرَفُ من خَفائهِ، وجُملتُها لا تُحصى كثرةً.
-
وأصلُ الظُّلم في اللُّغةِ، أخذُكَ ما ليس لكَ، ووضعُكَ الشَّيءَ غيرَ موضِعِهِ (٢) ، ومنهُ قالوا (٣) :
ومن يُشْبِه أباهُ فما ظَلَمْ
أي: لم يضَع الشَّبهَ غيرَ مَوضِعِهِ (٤) ، ثُمَّ يضرَّفُ على كلِّ شيءٍ أُخِذَ من غيرِ وَجهِهِ.
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: ١٣] . وقال: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: ١٩] . {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: ٥٧] . وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، حاكِيًا عن ربِّهِ: "يا عِبادِي، حرَّمتُ عليكُمُ
vol. 11, p. 536الظُّلم فلا تَظالمُوا " (١) . وقال: " الظُّلمُ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَةِ " (٢) .
-
أخبَرنا أبو محمدٍ قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعدٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن عُمرَ بنِ لُبابةَ، قال: حدَّثني عُثمانُ بن أيُّوبَ، قال: سمِعتُ سُحنُونَ بن سعِيدٍ يقولُ: إذا مَطَلَ الغنيُّ بدَينٍ عليه، لم تَجُز شهادتُهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد سمّاهُ ظالِمًا، والدَّليلُ على أنَّ مطلَ الغنيِّ ظُلمٌ، لا يحِلُّ ما أُبِيحَ منهُ لغرِيمِهِ، من أخذِ عِرْضهِ (٣) ، والقولِ فيه بما هُو عليه من الظُّلم وسُوءِ الأفعالِ، ولولا مَطْلُهُ لهُ، كان ذلك فيه غيبةً، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ دِماءَكُم وأموالكُم وأعراضَكُم، عليكُم حَرامٌ " (٤) . يُرِيدُ من بعضِكُم على بعضٍ.
-
ثُمَّ أباحَ لمن مُطِلَ بدينِهِ، أن يقولَ فيمَن مَطَلهُ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ".
-
واللَّيُّ: المطلُ والتَّسوِيفُ. والواجِدُ: الغنيُّ.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن
vol. 11, p. 537أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا وكِيعٌ، قال: حدَّثنا وَبْرُ بن أبي دُليلةَ (٢) ، شيخٌ من أهلِ الطّائفِ، قال: حدَّثني محمدُ بن ميمُونِ بنِ مُسيكةَ، وأثنى عليه خيرًا، عن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ" .
قال أبو عُمر: هذا عِندِي نحو معنى قولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: ١٤٨] . وهذه الآيةُ نزلَتْ في رجُلٍ تضيَّفَ قومًا، فلم يُضيِّفُوهُ، فأُبِيحَ لهُ أن يقولَ فيهم: إنَّهُم لئامٌ لا خيرَ فيهم، ولولا منعُهُم لهُ من حقِّ الضِّيافةِ، ما جازَ لهُ أن يقولَ فيهم ما فيهم؛ لأنَّها غيبةٌ مُحَرَّمةٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُلتَ في أخِيكَ ما فيه، فقدِ اغْتَبتهُ، وإذا قُلتَ فيه ما ليس فيه، فذلك البُهتانُ" (٣) .
-
وهكذا لمّا كان مَطلُ الغنيّ ظُلمًا، أُبِيح لغرِيمِهِ عِرْضُهُ.
-
ومعنى قولِهِ في هذا الحديثِ: "وعُقُوبتهُ" - واللّه أعلمُ -: المُعاقبةُ لهُ بأخذِ ما له عِندهُ من مالِهِ إذا أمكَنهُ أخذُ حقِّهِ منهُ بغيرِ إذنِهِ، وكيفَ أمكنهُ من مالِهِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: ١٢٦] .
-
وقد شكت هِندٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ زَوْجها أبا سُفيانَ لا يُعطِيها ما يَكْفيها
vol. 11, p. 538وولدَها بالمعرُوفِ، فقال لها: "خُذي من مالِهِ ما يَكْفِيكِ وولَدَكِ بالمعرُوفِ" (١) . فأمَرَها أن تُعاقِبهُ بأخذِ ما لَها من حقٍّ عِندهُ.
-
فهذا معنى قولِهِ - صلى الله عليه وسلم - عندي واللّه أعلمُ: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضهُ وعُقُوبتهُ" .
-
حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، عن وَبْرِ بنِ أبي دُليلةَ (٢) ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ ميمُونٍ، قال: حدَّثني عَمرُو بن الشَّرِيدِ، عن أبيهِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضهُ وعُقُوبتهُ" (٣) .
-
وقدِ استدلَّ جَماعةٌ من أهلِ العِلم والنَّظرِ - على جَوازِ حَبْسِ من وجبَ عليه أداءُ الدَّينِ، حتَّى يُؤَدِّيهُ إلى صاحِبه، أو تثبُت عُسْرتُهُ - بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ" ، وبقولِه: "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرضهُ وعُقُوبتهُ" . قالوا: ومن عُقُوبتِهِ الحَبْسُ.
-
هذا إذا كان دينُهُ بعِوَضٍ حاصِلٍ بيدِهِ، إلّا أنَّ أكثر أصحابنا لا يُفرِّقُونَ بين وُجُوب الدَّينِ عليه من أجلِ عِوَضٍ، أو غيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّ الأَصلَ عِندهُمُ اليَسارُ، حتَّى يَثبُت العَدمُ، وعِندَ غيرِهِمُ الأصلُ في النّاسِ العَدمُ؛ لأنَّ الله لم يُخرِج خَلْقهُ إلى الوُجُودِ إلّا فقُراءَ، ثُمَّ تطرأُ الأملاكُ عليهم بأسبابٍ مُختلِفةٍ، فمَنِ
vol. 11, p. 539ادَّعى ذلك، فعليه البيِّنةُ، وأمّا من أقرَّ بالعِوَضِ، فقد أقرَّ باليسارِ، فإنِ ادَّعَى الفقر، لم يُقبَل منهُ بغيرِ بيِّنةٍ، ومطلُهُ ومُدافعتُهُ ظُلمٌ، وأمّا إذا صحَّ يَسارُهُ، وامتنعَ من أداءِ ما وجبَ عليه، فحَبسُهُ واجِبٌ، لأنَّهُ ظالِمٌ بإجماع، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} [الشورى: ٤٢] .
-
وهذا حديثٌ غرِيبٌ لا يجِيءُ إلّا بهذا الإسنادِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَقاضاهُ، فأغلَظَ لهُ، فهمَّ به أصحابُهُ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دَعُوهُ، فإنَّ لصاحِبِ الحقِّ مَقالًا" (١) .
-
وأمّا قولُهُ: "وإذا أُتبِعَ أحدُكُم على مليءٍ، فليَتْبعَ" . فمعناهُ الحَوَالةُ، يقولُ: وإذا أُحِيلَ أحدُكُم على مليءٍ فليتبعهُ.
-
وهذا يُبيِّنُهُ (٢) ويرفعُ الإشكالَ فيه: حديثُ يُونُس بنِ عُبيدٍ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُحِلتَ على مليءٍ فاتْبَعْهُ" (٣) .
-
وهذا عِندَ أكثرِ الفُقهاءِ ندبٌ وإرشادٌ لا إيجابٌ، وهُو عِندَ أهلِ الظّاهِرِ واجِبٌ، فقال ابنُ وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن تَفسِيرِ حديثِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من
vol. 11, p. 540أُتبِعَ على مليءٍ فليَتْبع". قال مالكٌ: هذا أمرُ تَرْغِيبٍ، وليس بالذي يُلزِمُهُ السُّلطانُ النّاس، ويَنْبغِي لهُ أن يُطِيع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: وسألتُ مالكًا عنِ الحولِ بالدَّينِ، فقال: انظُر ما أقولُ لك: احتل بما قد حلَّ من دينِكَ، فيما حلَّ وفيما لم يحِل، ولا تُحِلْ ما لم يحلُلْ في شيءٍ، لا فيما حلَّ، ولا فيما (١) لم يحِل.
-
واختلفَ الفُقهاءُ في معنى الحوالةِ.
-
فجُملةُ مَذهبِ مالكٍ وأصحابه فيها، أنَّ منِ احتالَ بدينٍ لهُ على رَجُلٍ على آخرَ، فقد برِئَ المُحِيلُ، ولا يرجِعُ إليه أبدًا، أفلسَ أو ماتَ، إلّا أن يغُرَّهُ من فلَسٍ، فإن غرَّهُ، انصرفَ عليه.
-
وهذا إذا كان لهُ عليه دينٌ، فإن لم يكُن لهُ عليه دينٌ، فهي حَمَالة، ويرجِعُ إليه أبدًا، فإن كان لهُ عليه دَيْنٌ، فهي الحوالةُ، ولا يكونُ للمُحتالِ أن يرجِعَ على المُحِيلِ بوَجهٍ من الوُجُوهِ تَوِيَ المالُ (٢) أو لم يَتْوَ، إلّا أن يغُرَّهُ من فلَسٍ قد علِمهُ. وهذا كلُّهُ مذهبُ الشّافِعِيِّ (٣) وأصحابه أيضًا.
قال ابنُ وَهْبٍ عن مالكٍ: إذا أُحِيل بدينٍ عليه فقد برِئَ المُحِيلُ، ولا يرجِعُ عليه بموتٍ ولا إفلاسٍ.
وقال ابنُ القاسم عنهُ: إن أحالهُ ولم يغُرَّهُ من فلَسٍ علِمهُ من غرِيمِهِ، فلا يرجِعُ عليه، إذا كان عليه دينٌ لهُ، فإن غرَّهُ، أو لم يكُن لهُ عليه شيءٌ، فإنَّهُ يرجِعُ عليه إذا أحالهُ.
وقال الشّافِعِيُّ (٤) : يبرأُ المُحِيلُ بالحوالةِ، ولا يرجِعُ عليه بمَوتٍ ولا إفلاسٍ.
vol. 11, p. 541وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: يبرأُ المُحِيلُ بالحوالةِ، ولا يرجِعُ عليه إلّا بعدَ التَّوَى.
-
والتَّوى - عِندَ أبي حنِيفةَ -: أن يمُوتَ المُحالُ عليه مُفلِسًا، أو يحلِفَ ما لهُ عليه من شيءٍ، ولم يكُن للمُحِيلِ بيِّنةٌ (١) .
وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: هذا تَوًى (٢) ، وإفلاسُ المُحالِ عليه أيضًا تَوًى.
وقال عُثمانُ البتِّيُّ: الحَوالةُ لا تُبرِّئُ المُحِيل، إلّا أن يشترِطَ البراءَةَ، فإنِ اشترطَ البَراءَةَ، برِئَ المُحِيلُ، إذا أحالهُ على مليءٍ، وإن أحالَهُ على مُفلِسٍ، ولم يُعلِمهُ أنَّهُ مُفلِسٌ، فإنَّهُ يرجِعُ عليه، وإن أبرأهُ، وإن أعلَمهُ أنَّهُ مُفلِسٌ وأبْرَأهُ، لم يَرْجِع على المُحِيلِ.
وقال ابنُ المُباركِ، عنِ الثَّورِيِّ: إذا أحالَهُ على رجُلٍ فأفلَسَ، فليس لهُ أن يرجِعَ على الآخرِ إلّا بمَحضرِهِما، وإن ماتَ ولهُ وَرَثةٌ، ولم يترُك شيئًا رجعَ، حضرُوا أو لم يحضُرُوا.
وقال اللَّيثُ في الحَوالةِ: لا يرجِعُ إذا أفلسَ المُحتالُ عليه.
وقال ابنُ أبي ليلى: يَبْرأُ صاحِبُ الأصلِ بالحَوالةِ.
وقال زُفَرُ والقاسمُ بن مَعنٍ (٣) في الحَوالةِ: لهُ أن يأخُذ كلَّ واحِدٍ منهُما بمَنزِلةِ الكفالةِ.
قال أبو عُمر: لمّا قال - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا أُحِيلَ أحدُكُم، أو أُتبِع أحدُكُم، على مليءٍ فليَتْبَعْ" .
- vol. 11, p. 542
دلَّ على أنَّ من غرَّ غَرِيمهُ من غيرِ مِليءٍ، لم يكُن لهُ أن يتبَعهُ، وكان لهُ أن يرجِعَ عليه بحقِّهِ؛ لأَنَّهُ لم يُحِلهُ على مليءٍ، وإذا أحالَهُ على مليءٍ، ثُمَّ لحِقَتهُ (١) بعد ذلك آفةُ الفَلَسِ، لم يكُن لهُ أن يرجِعَ، لأنَّهُ قد فعلَ ما كان لهُ فِعلُهُ، ثُمَّ أتى من أمرِ الله غيرَ ذلك، وقد كان صحَّ انتِقالُ ذِمَّةِ المُحِيلِ، إلى ذِمَّةِ المُحْتال عليه، فلا يُفسَخُ ذلك أبدًا، وما اعتَراهُ بَعدُ من الفَلَسِ، فمُصِيبتُهُ من المُحتالِ، لأَنَّهُ لا ذِمَّةَ لهُ غير ذِمَّةِ غرِيمِهِ الذي احتالَ عليه، وهذا بيِّن إن شاءَ الله.
-
ومن حُجَّةِ أبي حنِيفةَ وأصحابه: أنَّ المِلْءَ لمّا شرِطَ في الحَوالةِ، دلَّ على أنَّ زوالَ ذلك يُوجِبُ عودَ المالِ عليه (٢) . وشبَّهَهُ ببيع الذِّمَّةِ بالذِّمَّةِ في الحوالةِ، كابتِياع عبدٍ بعبدٍ، فإذا ماتَ العبدُ قبلَ القَبضِ، بطلَ البيعُ. قالوا: فكذلك موتُ المُحْتال عليه مُفلِسًا، قالوا: وإفلاسُ المُحْتال عليه، مِثلُ إباقِ العَبدِ، من يَدِ البائع، فيكونُ للمُشترِي الخِيارُ في فسخ البيع، فإن كان قد يُرجَى رُجُوعُهُ وتسلِيمُهُ، كذلك إفلاسُ المُحتالِ عليه (٣) .
-
فهذا ما للعُلماءِ في الحَوالةِ من المعاني، والأصلُ فيها حديثُ هذا البابِ.
-
والحَوالةُ أصلٌ في نَفسِها خارِجةٌ عنِ بيع الدَّينِ بالدَّينِ، وعن بيع ذهَبِ بذهبٍ، أو وَرِقٍ بوَرِقٍ، وليس يدًا بيدٍ (٤) ، كما أنَّ العَرايا أصلٌ في نفسِها، خارِجٌ عنِ المُزابنةِ، وكما أنَّ القِراضَ والمُساقاةَ أصلانِ في أنفُسِهِما، خارِجانِ عن معنَى الإجاراتِ، فقِفْ على هذه الأُصُولِ تفْقَهْ إن شاءَ الله، وليس هذا مَوْضِع ذِكرِ الكَفالةِ، واللّهُ المُوفِّقُ للصَّوابِ.
- vol. 11, p. 543
حديثٌ ثامنُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا اشْتَدَّ الحرُّ، فأبرِدُوا (٢) عنِ الصَّلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فيْح جهنَّمَ" .
-
لم يُختَلف عن مالك في إسنادِ هذا الحديثِ، ولفظُهُ كلُّهُم يقولُ فيه: "إذا اشْتَدَّ الحرُّ، فأبرِدُوا عنِ الصَّلاةِ" ، هكذا (٣) .