أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287
Page 21 of 35
- vol. 11, p. 523
ورَوَى مُطرِّفٌ، عن مالكٍ مِثل ذلك (٢) .
وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ والثَّورِيّ واللَّيثُ بن سَعدٍ: سُؤرُ الكَلْبِ نجِسٌ (٣) . ولم يحُدُّوا الغسْل منهُ.
قالوا: إنَّما عليه أن يغسِلهُ حتَّى يغلِب على ظنِّهِ أنَّ النَّجاسةَ قد زالَتْ، وسواءٌ واحِدٌ، أو أكثرُ.
وقال الأوزاعِيُّ: سُؤرُ الكلبِ في الإناءِ نَجِسٌ، وفي المُستنقع ليس بنجِسٍ.
قال: ويُغسَلُ الثَّوبُ من لُعابه، ويُغسَلُ ما أصابَ لحمَ الصَّيدِ من لُعابه.
-
وقال الشّافِعِيُّ وأحمدُ بن حنبلٍ وإسحاقُ بن راهوية وأبو عُبَيدٍ وأبو ثورٍ والطَّبرِيّ: سُؤرُ الكلبِ نَجِسٌ، ويُغسَلُ الإناءُ منهُ سبعًا، أُولاهُنَّ بالتّرابِ (٤) . وهُو قولُ أكثرِ أهلِ الظّاهِرِ.
وقال داودُ: سُؤرُ الكلبِ طاهِرٌ، وغسلُ الإناءِ منهُ سبعًا فرْضٌ إذا ولغَ في الإناءِ، وسَواءٌ كان في الإناءِ ماءٌ، أو غيرُ ماءٍ، هُو طاهِرٌ، ويُغسَلُ منهُ الإناءُ سبعًا، ويتوضَّأُ بالماءِ الذي ولغَ فيه، ويُؤكلُ غيرُ ذلك من الطَّعام والشَّرابِ الذي ولغَ فيه.
vol. 11, p. 524قال أبو عُمر: من ذهَبَ إلى أنَّ الكلبَ ليس بنَجِسٍ، فسُؤرُهُ عِندَهُ طاهِرٌ، وغَسلُ الإناءِ من وُلُوغِهِ سبعَ مرّاتٍ هُو عِندَهُ تعبُّد في غَسلِ الطّاهِرِ خُصُوصًا لا يُتَعَدَّى.
-
ومن ذهبَ إلى أنَّ الكلبَ نجِسٌ، وسُؤرُهُ نَجِسٌ، ممَّن قال أيضًا: إنَّ الإناءَ من وُلُوغِهِ يُغسَلُ سبعًا، قال: التَّعبُّدُ إنَّما وقعَ في عَددِ الغَسَلاتِ من بينِ سائرِ النَّجاساتِ.
قال الشّافِعِيُّ (١) وأصحابُهُ: الكلبُ والخِنزِيرُ نَجِسانِ، حيَّينِ وميِّتين، وليس في حيٍّ نَجاسةٌ سِواهُما. قال: وجميعُ أعضاءِ الكَلْبِ، مقِيسةٌ على لسانِهِ، وكذلك الخِنزِيرُ، فمَتَى أدخل الكلبُ يَدهُ، أو ذَنبهُ، أو رِجلهُ، أو عُضوًا من أعضائهِ في الإناءِ، غُسِل سبعًا، بعدَ هَرْقِ ما فيها، وقد أفسدَ ما في الإناءِ بوُلُوغِهِ ونَجَسِهِ.
قال الشّافِعِيُّ: وفي قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الهِرِّ: "إنَّهُ ليس بنَجِسٍ" (٢) دليلٌ على أنَّ في الحيوانِ من البهائم ما هُو نجِسٌ وهُو حيٌّ، وما يُنجِّسُ وُلُوغُهُ. قال: ولا أعلمُهُ إلّا الكلب المنصُوص عليه دُونَ غيرِهِ. قال: والخِنزِيرُ شرٌّ منهُ؛ لأنَّهُ لا يجُوزُ اقتِناؤُهُ، ولا بيعُهُ ولا شِراؤُهُ عِندَ أحدٍ، مع تحرِيم عينِهِ.
-
ومِمَّا احتجَّ به أصحابُ الشّافِعِيِّ أيضًا: قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "طهُورُ إناءِ أحدِكُم إذا ولغَ فيه الكلبُ، أن يُغسَلَ سبع مرّاتٍ" . قالوا: فأمرَ بتطهِيرِ الإناءِ، فدلَّ على نَجاستِهِ.
-
واحتجُّوا بما رواهُ عليُّ بن مُسهِرٍ وغيرُهُ عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح وأبي رَزِينٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم، فليُهرِقهُ (٣) وليَغسِلهُ سبعَ مرّاتٍ" (٤) .
vol. 11, p. 525قالوا: فأمرَ بإراقةِ ما ولغَ فيه الكلبُ، كما أمرَ بإراقةِ السَّمنِ المائع إذا وُجِدَتْ فيه ميتةٌ، وبطرح السَّمنِ الجامِدِ الذي حول الفأرةِ، إذا ماتَتْ فيه.
قال أبو عُمر: أمّا هذا اللَّفظُ في حَدِيثِ الأعمشِ: "فليُهرِقهُ" (١) . فلم يَذْكُرهُ أصحابُ الأعمشِ الثِّقاتُ الحُفّاظُ، مِثل شُعبةَ وغيرِهِ.
-
وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "طُهُورُ إناءِ أحدِكُم" . فصحِيح، إلّا أنَّهُ قد يَقعُ التَّطهِيرُ على النَّجِسِ، وعلى غيرِ النَّجِسِ، ألا ترى أنَّ الجُنُب ليس بنَجِسٍ فيما مسَّ ولاصقَ، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] فأمرَ الجُنُب بالتَّطهِيرِ؟
وقال المُخالِفُ: الانْفِصالُ من هذا، أنَّ الجُنُبَ غُسلُهُ عِبادةٌ، وليس الإناءُ مِمّا يَلْحَقُهُ عِبادةٌ، ويدخُلُ عليه أنَّ الإناءَ يجُوزُ أن يكونَ مُتعبَّدًا فيه، كما أنَّ عددَ الغَسَلاتِ عِبادةٌ عِندَهُ.
-
وينفصِلُ من هذا أيضًا، أنَّ الأصلَ في الشَّرائع العِللُ، وما كان لغيرِ عِلَّةٍ (٢) وردَ به التَّوقِيفُ.
-
وفي هذه المسألةِ كلامٌ كثِيرٌ بينَ الشّافِعِيِّينَ والمالكِيِّينَ يَطُولُ الكِتابُ بذِكرِهِ.
-
وهي مسألةٌ قدِ اختلفَ فيها السَّلفُ والخَلَفُ، كما اختَلَفُوا في مِقدارِ الماءِ الذي تَلْحقُهُ النَّجاسةُ.
-
وفيما مَضَى في سائرِ الكِتابِ في ذلك كِفايةٌ.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عنِ الثَّورِيِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ.
- vol. 11, p. 526
وعن عبد الله (١) بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان يَكْرهُ سُؤرَ الكَلْبِ (٢) .
-
وذكرَ (٣) عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ولغَ الكلبُ في جَفنةٍ فيها لبنٌ، فأدركُوهُ عِندَ ذلك، فغَرَفُوا حولَ ما ولَغَ فيه، قال: لا يشربُوهُ.
-
وذكرَ الولِيدُ بن مُسلِم، عنِ الأوزاعِيِّ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ نَمِرٍ، أنَّهُما سَمِعا الزُّهرِيَّ يقولُ، في إناءِ قوم ولغَ فيه كلبٌ، فلم يجِدُوا ماءً غيرهُ، قال: يُتوضَّأُ به (٤) . قال: فقلتُ للأوزاعِيِّ: ما تقُولُ في ذلك؟ فقال: أرَى أن يُتوضَّأ به ويُتيمَّم.
قال الولِيدُ: فذكَرتُهُ لسُفيانَ الثَّورِيِّ، فقال: هذا والله الفِقهُ فيه (٥) ، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: ٤٣] . وهذا ماءٌ، وفي النَّفسِ منهُ شيءٌ، فأرَى أن يُتوضَّأ به ويُتَيمَّم (٦) .
قال الوليدُ: وقلتُ لمالكِ بنِ أنسٍ والأوزاعِيِّ، في كلبٍ ولغَ في إناءِ تَوْرٍ أو غيرر، فقالا: لا يُتوضَّأُ به. قلتُ لهما: فلم أجِد غَيرهُ، فقالا: توضَّأ به. قلتُ لهما: أيُغسَلُ الإناءُ من وُلُوغ الكلبِ المُعلَّم سَبْعًا، كما يُغسَلُ من غيرِ المُعلَّم؟ قالا: نعم (٧) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيم دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الولِيدُ، فذكرهُ.
- vol. 11, p. 527
حديث سادسُ عشرينَ لأبي الزِّنادِ
مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُجمَعُ بين المرأةِ وعمَّتِها، ولا بينَ المرأةِ وخالَتِها" .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ مُجتمعٌ على صِحَّتِهِ، رواهُ عن أبي هريرةَ جماعةٌ من أصحابه، منهُم: سعِيدُ بن المُسيِّبِ، وأبو سَلَمةُ، وأبو صالح، وغيرُهُم.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
قال: وحدَّثنا همّامٌ عن يحيى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أن تُنكَحَ المرأةُ على عَمَّتِها، وعلى خالَتِها (٣) .
-
وأخبرنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ (٤) بنِ إسحاقَ الرّازِيُّ،
vol. 11, p. 528قال: حدَّثنا أبو الزِّنباع رَوْحُ بن الفَرَج بنِ عبدِ الرَّحمنِ القَطّانُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الله بنِ بُكيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن أيُّوبَ بنِ موسى، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشجِّ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُنكحُ المرأةُ على عَمَّتِها، ولا على خالَتِها" (١) .
قال أبو عُمر: ورَوَى (٢) ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني قَبيصةُ بن ذُؤيبٍ الكَعْبيُّ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُجمعَ بينَ المرأةِ وعمَّتها، وبينَ المرأةِ وخالَتِها. قال ابنُ شهابٍ: فنُرَى خالةَ أبيها، أو عمَّةَ أبيها بتلكَ المَنْزلةِ (٣) .
-
أجمعَ العُلماءُ على القولِ بهذا الحديثِ، فلا يجُوزُ عِندَ جميعِهِم نِكاحُ الرأةِ على عَمَّتِها وإن علَتْ، ولا على ابْنةِ أخيها (٤) وإن سَفُلَتْ، ولا على خالَتِها وإن علَتْ، ولا على ابنةِ أُختها (٥) وإن سَفُلت.
- vol. 11, p. 529
والرَّضاعةُ في ذلك كالنَّسبِ.
-
وقد كان بعضُ أهلِ الحديثِ يزعُمُ، أنَّ هذا (١) الحديثَ لم يَروِهِ أحدٌ غيرُ أبي هريرةَ، وقد رواهُ: عليُّ بن أبي طالِبٍ (٢) ، وابنُ عبّاسٍ (٣) ، وابنُ عُمر (٤) ، وعبدُ الله بن عَمرِو بنِ العاصِ (٥) ، وجابرٌ (٦) ، كما رواهُ أبو هريرةَ.
-
حدَّثنا يحيى بن عبدِ الرَّحمنِ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمانَ، قال: قرأتُ على فُضَيلِ بنِ مَيْسرةَ، عن أبي حَرِيز (٧) قاضِي سِجِستانَ، أنَّ عِكْرِمةَ حدَّثهُم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُجمَعَ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، وبينَ المرأةِ وخالَتِها، وقال: "إنَّكُنَّ إذا فعلتُنَّ ذلك، قَطعتُنَّ أرحامكُنَّ" (٨) .
- vol. 11, p. 530
وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (١) وغيرُهُ (٢) ، عنِ الثَّورِيِّ، عن عاصِم، عنِ الشَّعبِيِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُنكحَ المرأةُ على عمَّتِها، أو على خالتِها.
-
وروى مَعمر، عن داود بنِ أبي هِندٍ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكحُ المرأةُ على ابنةِ أخِيها، ولا تُنكحُ المرأةُ على عَمَّتِها، ولا تُنكحُ المرأةُ على خالَتِها، ولا تُنكحُ المرأةُ على ابنةِ أُختِها" (٣) .
-
وأظُنُّ قائل ذلك القولِ لم يُصحِّح حديث الشَّعبِيِّ عن جابرٍ، وصحَّحَ حديث الشَّعبِيِّ عن أبي هريرةَ. والحديثانِ جميعًا صحِيحانِ.
-
وقد رُوِي هذا المعنى من حديثِ عَمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
-
وروى مالكٌ (٥) ، عن يحيى بنِ سعِيدٍ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّهُ كان يقولُ: كان يَنْهَى أن تُنكحَ المرأةُ على عَمَّتِها وعلى خالَتِها، وأن يطأ الرَّجُلُ وَلِيدةً وفي بَطْنِها جَنِينٌ لغيرِهِ.
قال أبو عُمر: أمّا النَّهيُ عن وَطْءِ المرأةِ وفي بَطنِها جنِينٌ لغيرِهِ، فمُجتَمعٌ أيضًا على تحرِيمِهِ.
-
وقد رُوِي بذلك من أخبارِ الآحادِ العُدُولِ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حديثانِ، أحدُهُما
vol. 11, p. 531من حديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (١) ، والآخرُ من حديثِ أنسٍ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُوطأُ حامِلٌ حتَّى تضَعَ، ولا حائلٌ (٢) حتَّى تحِيض" . وكِلاهُما طرِيقُهُ صالحٌ حسنٌ يُحتجُّ بمِثلِهِ.
وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ لأحدٍ يُؤمِنُ باللّه واليوم الآخِرِ، أن يَسْقِيَ ماءَهُ ولدَ غيرِهِ" .
-
وقد ذكَرْنا هذا الحديث في بابِ ربِيعةَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان.
-
وأمّا قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكحُ على عَمَّتِها، ولا على خالَتِها" فإجماعُ العُلَماءِ على القولِ بظاهِرِ هذا الحديثِ، يُغني عن قولِ كلِّ قائلٍ.
-
إلّا أنَّهُمُ اختَلَفُوا في المعنى المُرادِ به، فقالت فِرقةٌ: معناهُ كراهِيةُ القَطِيعةِ، فلا يجُوزُ أن يُجمعَ بين امرأةٍ وقَرِيبتِها، وسَواءٌ كانت عمَّةً، أو بنت عمٍّ، أو خالةً أو بنت خالٍ.
-
رُوِي ذلك عن إسحاقَ (٣) بنِ طَلْحةَ، وعِكْرِمةَ، وقَتادةَ، وعَطاءٍ في رِوايةِ ابنِ أبي نَجِيح عنهُ (٤) .
-
ورُوِيَ عنِ ابنِ جُرَيج عنهُ: أنَّهُ لا بأسَ بذلك. وهُو الصَّحِيحُ.
-
ذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٥) ، عنِ ابنِ عُيَينةَ، عنِ ابنِ أبي نَجِيح، عن عَطاءٍ: أنَّهُ كرِهَ أن يُجمعَ بينَ ابْنتَي (٦) العمِّ.
- vol. 11, p. 532
وذكر عبدُ الرَّزّاق (١) ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قلتُ لعَطاءٍ: أيُجمَعُ بينها وبينَ ابنةِ عمِّها؟ قال: لا بأسَ بذلك.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) عنِ ابنِ عُيَينةَ وابنِ جُرَيج، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، أنَّ حَسنَ بنَ محمدِ بنِ عليٍّ أخبَرهُ: أنَّ حَسنَ بنَ حسنِ بنِ عليٍّ نكحَ في ليلةٍ واحِدةٍ ابنةَ محمدِ بنِ عليٍّ وابنةَ عُمرَ بنِ عليٍّ، فجمعَ بين ابنتي عمٍّ. زاد ابنُ عُيينةَ في حدييهِ: فأصبحَ نِساؤُهُم لا يدرِينَ إلى أيَّتِهِما يذهبنَ.
-
وذكرَ (٣) عن مَعمرٍ، عن قَتادةَ، في ابنتيِ العمِّ يُجمعُ بينهُما، قال: ما هُو بحرام إن فعلتهُ، ولكنَّهُ يُكرَهُ، من أجلِ القَطِيعةِ.
-
وفي سَماع ابنِ القاسم: سُئلَ مالكٌ عنِ ابْنَتيِ العمِّ، أتُجمعانِ؟ قال: ما أعلَمُهُ حرامًا. قيلَ لهُ: أفتَكرهُهُ؟ قال: إنَّ ناسًا ليتَّقُونهُ. وقال لنا قبلَ ذلك: غيرُهُ أحسنُ منهُ. قال ابنُ القاسم: وهُو حلالٌ لا بأسَ به.
قال أبو عُمر: على هذا القَولِ جماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ من أهلِ الرَّأيِ والحديثِ، لا يختلِفُونَ في أَنَّهُ جائز الجمعُ بين ابنتيِ العمِّ من النَّسبِ والرَّضاعةِ، لأنَّ ابنَتيِ العمِّ لو كانت إحداهُما ذكرًا، حلَّ لهُ نِكاحُ الأُخرى (٤) ، وليس كذلك المرأةُ مع عمَّتِها.
-
ومعنى هذا الحديثِ عِندَهُم، كراهِيةُ الجمع وتحرِيمُهُ بينَ كلِّ امرأتينِ، لو كانت إحداهُما رجُلًا، لم يحِلَّ لهُ نِكاحُ الأُخرى من النَّسبِ خاصَّةً دُونَ المُصاهرهِ، فافهم هذا الأصل، فإنَّهُ مأخُوذٌ مِن (٥) تحرِيم الجَمع بينَ الأُختَينِ؛ لأنَّهُ لا يحِلُّ
vol. 11, p. 533لإحداهُما (١) لو كانت رَجُلًا نِكاحُ أُختِها، فكذلك كلُّ من كان بمَنزِلتِهِما من ذواتِ المحارِم، وإن بعُدنَ، إذا كانت إحدى المرأتينِ لو كان مكانها رَجُلٌ، لم يجُز أن يَتزوَّج الأُخرى، لم يحِلَّ الجَمعُ بينهُما لأحدٍ.
-
ورَوى مُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن فُضيلِ بنِ مَيْسرةَ، عن أبي حرِيز (٢) ، عنِ الشَّعبِيِّ، قال: كلُّ امرأتينِ إذا جَعلتَ موضِعَ إحداهُما ذكرًا، لم يجُز لهُ أن يتزوَّجَ بالأُخرى، فالجمعُ بينهُما باطِلٌ. فقلتُ لهُ: عمَّن هذا؟ فقال: عن أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .