أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287

Page 6 of 35

  1. فليس في حديثِ قتادةَ ذِكرُ: "مُسلِمِينَ" ، وهُو في حديثِ ثورِ بنِ يزِيدَ بإسنادِهِ.

    vol. 11, p. 344
  2. وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {حُنَفَاءَ} [الحج: ٣١] فرُوِي عنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ في قولِهِ: {حُنَفَاءَ} قالا: حُجّاجًا (٥) .

  3. ورُوِي عنِ الحَسنِ قال: الحنيفِيَّةُ (١) : حَجُّ البيتِ (٢) .

    vol. 11, p. 345
  4. وعن مُجاهِدٍ {حُنَفَاءَ} قال (٣) : مُتَّبِعِين (٤) .

  5. وهذا كلُّهُ يدُلُّ على أنَّ الحنيفِيَّةَ (٥) : الإسلامُ.

  6. ويشهدُ لذلك قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران: ٦٧] ، وقال: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج: ٧٨] .

  7. فلا وجهَ لإنكارِ من أنكَرَ رِوايةَ من رَوَى: "حُنَفاءَ مُسلِمِينَ" ، قال الشّاعِرُ، وهُو الرّاعِي (٦) :

    أخلِيفةَ الرَّحمنِ إنّا مَعْشرٌ ... حُنفاءُ نَسْجُدُ بُكرةً وأصِيلا

    عَرَبٌ نَرَى للَّه في أموالِنا ... حقَّ الزَّكاةِ مُنزَّلًا تَنْزِيلا

    فهذا قد وصفَ الحنيفِيَّةَ (٧) بالإسلام، وهُو أمرٌ واضِحٌ لا خَفاءَ به.

  8. وقيلَ: الحنِيفُ: من كان على دِينِ إبراهيمَ، ثُمَّ سُمِّي من كان يَخْتتِنُ، ويحُجُّ البيت في الجاهِلِيَّةِ حَنِيفًا.

  9. والحنِيفُ اليومَ: المُسلِمُ.

  10. ويُقالُ: إنَّما سُمِّي إبراهيمُ حنِيفًا، لأنَّهُ كان حنَفَ عمّا كان يعبُدُ أبوهُ وقومُهُ من الآلهِةِ إلى عِبادةِ اللَّه، أي: عدَلَ عن ذلك ومالَ، وأصلُ الحنَفِ: ميلٌ من إبهامَيِ القَدَمينِ، كلُّ واحِدةٍ منهُما على صاحِبتها.

    vol. 11, p. 346
  11. ومِمّا احتجَّ به (١) من ذهَبَ إلى أنَّ الفِطْرةَ الإسلامُ، قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خَمْسٌ من الفِطْرةِ" (٢) ، فذكرَ منهُنَّ: قصَّ الشّارِبِ، والاخْتِتانَ، وهي من سُننِ الإسلام.

  12. وممَّن ذهَبَ إلى أنَّ الفِطرةَ في معنَى هذا الحديثِ الإسلامُ: أبو هريرةَ، وابنُ شِهاب (٣) .

  13. حدَّثني محمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ حَكَم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمِيدِ بن حبِيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: سألتُ الزُّهْرِيَّ عن رجُلٍ عليه رَقَبةٌ مُؤمِنةٌ: أيُجزِئُ عنهُ الصَّبِيُّ أن يُعتِقَهُ وهُو رضِيعٌ؟ قال: نعم؛ لأنَّهُ وُلِدَ على الفِطْرةِ. يعني الإسلامَ.

  14. وعلى هذا القولِ يكونُ معنى قولِهِ في الحديثِ: "من بَهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ " ، يقولُ: خُلِقَ الطِّفلُ سلِيمًا من الكُفرِ، مُؤمِنًا مُسلِمًا، على المِيثاقِ الذي أخذهُ اللَّه على ذُرِّيَّةِ آدمَ حِينَ أخرَجهُم من صُلبه، وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ١٧٢] .

    قال أبو عُمر: يستحِيلُ أن تكونَ الفِطرةُ المذكُورةُ في قولِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ" الإسلامَ؛ لأنَّ الإسلامَ والإيمانَ: قولٌ باللِّسانِ، واعتِقادٌ

    vol. 11, p. 347بالقلبِ، وعَملٌ بالجَوارِح، وهذا مَعدُومٌ من الطِّفلِ، لا يجهلُ ذلك ذو عَقلٍ، والفِطرةُ لها مَعانٍ ووُجُوهٌ في كلام العربِ. وإنَّما أجْزَأ الطِّفلُ المُرضَعُ عِندَ من أجازَ عِتقهُ في الرِّقابِ الواجِبةِ، لأنَّ حُكمَهُ حُكمُ أبوَيهِ.

  15. وخالَفهُم آخرُونَ فقالوا: لا يُجزِئُ في الرِّقابِ الواجِبةِ، إلّا من صامَ وصلَّى. وقد مَضَى في هذا البابِ من هذا المعنى ما يَكْفِي، والحمدُ للَّه.

    وقال آخرُونَ: معنى قولِهِ عليه السَّلامُ: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ" يعني على البَدْأةِ التي ابتَدَأهُم عليها، أي: على ما فطَرَ اللَّهُ عليه خَلْقَهُ، من أَنَّه (١) ابتَدَأهُم للحياةِ والموتِ والشَّقاءِ والسَّعادةِ وإلى ما يَصِيرُونَ إليه عِندَ البُلُوغِ، من قَبُولِهِم (٢) عن آبائهِم (٣) واعتِقادِهِم، وذلك ما فطَرهُمُ اللَّهُ عليه، مِمّا لا بُدَّ من مَصِيرِهِم إلَيهِ. قالوا: والفِطرةُ في كلام العَرَبِ البَدْأةُ، والفاطِرُ: المُبدِئُ والمُبتدِئُ، فكأنَّهُ قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على ما ابتدَأهُ اللَّهُ عليه من الشَّقاءِ والسَّعادةِ، مِمّا يصِيرُ إليه.

  16. واحتَجُّوا بما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: لم أكُن أدْرِي ما {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الشورى: ١١] ، حتّى أتى أعرابِيّانِ يَخْتصِمانِ في بئرٍ، قال أحدُهُما: أنا فطَرتُها. أيِ: ابْتَدأتُها (٤) .

    vol. 11, p. 348قالوا: فالفِطرةُ: البَدْأةُ، واحتجُّوا بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: ٢٩ - ٣٠] . وذكُروا ما يُروى عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ في بعضِ دُعائهِ: اللَّهُمَّ جبارَ القُلُوبِ على فِطْرتِها، شَقِيِّها وسَعِيدِها (١) .

    قال أبو عبدِ اللَّه محمد بن نَصرٍ المروزِيُّ: وهذا المذهبُ شَبِيهٌ بما (٢) حَكاهُ أبو عُبيدٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ المُباركِ، أنَّهُ سُئلَ عن قولِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" ، فقال: يفسِّرُه الحديثُ الآخرُ، حِين سُئلَ عن أطفالِ المُشرِكينَ، فقال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِين" (٣) .

    قال المروزِيُّ: وقد كان أحمدُ بن حنبلٍ يذهَبُ إلى هذا القولِ، ثُمَّ تركهُ.

    قال أبو عُمر: ما رَسَمهُ مالكٌ في "المُوطَّأ" وذكرهُ في أبوابِ القَدَرِ، فيه من الآثارِ ما يدُلُّ على أنَّ مذهبَهُ في ذلك نحوُ هذا، واللَّه أعلمُ.

  17. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا موسى بن عُبيدةَ، قال: سمِعتُ محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيَّ، في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: ٢٩ - ٣٠] ، قال: منِ ابتدأ اللَّهُ خلقَهُ للضَّلالةِ، صيَّرهُ إلى الضَّلالةِ، وإن عمِلَ بأعمالِ الهُدى، ومنِ ابتدَأ اللَّهُ خلقَهُ على الهُدى، صَيَّرهُ اللَّهُ إلى الهُدى، وإن عملَ بأعمالِ الضَّلالةِ، ابتَدَأ خلقَ إبلِيسَ على الضَّلالةِ، وعمِلَ بعمَلِ السَّعادةِ مع الملائكةِ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إلى ما ابتَدَأ اللَّهُ عليه خلقهُ من

    vol. 11, p. 349الضَّلالةِ. قال: وكان من الكافِرِينَ. وابتَدَأ خلقَ السَّحَرةِ على الهُدَى، وعَمِلوا بعملِ الضَّلالةِ، ثُمَّ هداهُمُ اللَّهُ إلى الهُدى والسَّعادةِ، وتوفّاهُم عليها مُسلِمِينَ (١) .

  18. وبهذا الإسنادِ عن محمدِ بنِ كعبٍ، في قولِهِ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (٢) [الأعراف: ١٧٢] ، يقولُ: فأقرُّوا لهُ بالإيمانِ والمعرِفةِ، الأرواحُ قبلَ أن تُخلقَ أجْسادُها (٣) .

  19. أخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي الوضّاح، عن سالم الأفطسِ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، في قولِهِ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: ٢٩] ، قال: كما كتبَ عليكُم تكونُونَ (٤) .

    وقال ابنُ أبي نَجِيح، عن مُجاهِدٍ (٥) : {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ، قال: شَقِيًّا وسَعِيدًا.

    وقال وقاءُ (٦) بن إياسٍ، عن مُجاهِدٍ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ، قال: يُبعثُ المُسلِمُ مُسلِمًا، والكافِرُ كافِرًا (٧) .

    vol. 11, p. 350وقال الرَّبِيعُ بن أنَسٍ، عن أبي العالِيةَ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ، قال: عادُوا إلى عِلمِهِ فيهم {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} (١) [الأعراف: ٣٠] .

  20. واحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهبَ -في تَأوِيلِ الفِطْرةِ المذكُورةِ، في الحديثِ المَذكُورِ في هذا البابِ- بما ذَكرهُ أبو عبدِ اللَّه محمدُ بن نَصْرٍ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا حكّامُ (٢) بن سَلْم، عن عَنْبسةَ، عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ، عن أبي محمدٍ، رجُلٌ من أهلِ المدِينةِ، قال: سألتُ عُمر بن الخطّابِ عن قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٣) } الآيةَ، فقال: سألتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كما سَألَتني، فقال: "خلَقَ اللَّهُ آدمَ بيدِهِ، ونفخَ فيه من رُوحِهِ، ثُمَّ أجلَسَهُ ومسَحَ ظَهرَهُ، فأخرجَ منهُ ذَرْءًا، قال: ذرءٌ ذَرأتُهُم للجنّةِ، يعملُونَ بما شِئتُ من عَملٍ، ثُمَّ أختِمُ لهم بأحْسَنِ أعمالِهِم، فأُدخِلُهُمُ الجنّةَ. ثُمَّ مسَحَ ظهرَهُ، فأخرجَ ذَرْءًا، فقال: ذَرْءٌ ذرأتُهُم للنّارِ، يَعْملُون بما شِئتُ من عَملٍ، ثُمَّ أختِمُ لهم بسُوء (٤) أعمالِهِم، فأُدخِلُهُمُ النّارَ" (٥) .

  21. وذكرَ حديث مالكٍ (٦) ، عن زيدِ بنِ أبي أُنيسةَ، عن عبدِ الحَمِيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن مُسلِم بنِ يَسارٍ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ سُئلَ عن هذه الآيةِ، فذكر الحديثَ مرفُوعًا بمعنى ما تقدَّمَ، على حسَبِ ما في "المُوطَّأ" .

    vol. 11, p. 351قال أبو عُمر: ليس في قولِهِ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} . ولا في: أن (١) يختِمَ اللَّهُ للعبدِ بما قَضاهُ لهُ وقدَّرهُ عليه، حِينَ أخرجَ ذرِّيَّةَ آدمَ من ظهرِهِ، دليلٌ على أنَّ الطِّفلَ يُولَدُ حِينَ يُولدُ مُؤمِنًا أو كافِرًا، لما شهِدَتْ به العُقُولُ، أَنَّهُ في ذلك الوَقتِ ليس ممَّن يَعْقِلُ إيمانًا ولا كُفرًا.

  22. والحديثُ الذي جاءَ فيه أنَّ النّاس خُلِقُوا طَبَقاتٍ، فمنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا، على حسَبِ ما تقدَّم ذِكرُهُ في هذا الباب (٢) ، ليس من الأحادِيثِ التي لا مَطعنَ فيها؛ لأنَّهُ انفردَ به عليُّ بن زيدِ بنِ جُدعانَ، وقد كان شُعبةُ يتكلَّمُ فيه، على أنَّهُ يحتملُ قولُهُ: "يُولَدُ مُؤمِنًا" : يُولَدُ ليكون مُؤمِنًا، ويُولَدُ ليكونَ كافِرًا، على سابِقِ عِلم اللَّه (٣) فيه.

  23. وليس في قَولِهِ في الحديثِ: "خَلَقتُ هؤلاءِ للجنّةِ، وخلقتُ هؤلاءِ للنّارِ" أكثرُ من مُراعاةِ ما يُختمُ به لهم، لا أنَّهُم في حِينِ طُفُولتِهِم ممَّن يستحِقُّ جنّةً أو نارًا، أو يَعقِلُ كُفرًا أو إيمانًا. وقد أوضَحْنا الحُجَّةَ في هذا لمن أُلهم رُشدَهُ فيما تقدَّم، والحمدُ للَّه، وفي اختِلافِ السَّلفِ، واختِلافِ ما رُوِي من الآثارِ في الأطفالِ، ما يُبيِّنُ لك ما قُلنا إن شاءَ اللَّه.

    وقال آخرُونَ: معنى قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ" : أنَّ اللَّهَ قد فطرَهُم على الإنكارِ والمعرِفةِ، وعلى الكُفرِ والإيمانِ، فأخذَ من ذُرِّيَّةِ آدمَ المِيثاقَ حِين خلَقهُم، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: ١٧٢] قالوا جميعًا: {بَلَى} فأمّا أهلُ السَّعادة فقالوا: {بَلَى} على مَعرِفةٍ لهُ، طوعًا من قُلُوبهم، وأمّا أهلُ الشَّقاءِ، فقالوا: {بَلَى} كُرهًا، لا طوعًا.

    vol. 11, p. 352قالوا: وتصدِيقُ ذلك، قولُهُ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: ٨٣] . قالوا: وكذلك قولُهُ: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: ٢٩ - ٣٠] .

    قال المروزِيُّ: وسمِعتُ إسحاقَ بن إبراهيمَ، يعني: ابن راهوية، يذهَبُ إلى هذا المعنى، واحتجَّ بقولِ أبي هريرةَ: اقرؤُوا إن شِئتُم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: ٣٠] ، قال إسحاقُ: يقولُ: لا تبدِيلَ لخِلقتِهِ التي جُبِلَ عليها ولدُ آدم كلُّهُم، يعني: من الكُفرِ والإيمانِ، والمعرِفةِ والإنكارِ. واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآيةَ.

    قال إسحاقُ: أجمعَ أهلُ العِلم أنَّها الأرواحُ (١) قبلَ الأجسادِ، اسْتَنطَقهُم وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ، فقال: انظُرُوا ألّا تقُولوا: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] .

    قال أبو عُمر: من أحسنِ ما رُوِي في تأوِيلِ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (٢) الآيةَ: ما حدَّثناهُ محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكِينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عَمرُو بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بن نصرٍ الهمدانيُّ، عنِ السُّديِّ (٣) ، عن أصحابه، قال عَمرو: أصحابُهُ: أبو مالكٍ. وعن أبي صالح، عنِ ابنِ عبّاسٍ. وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عنِ ابنِ مسعُودٍ. وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،

    vol. 11, p. 353في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} . قالوا: لمّا أخرجَ اللَّهُ آدمَ من الجنّةِ قبلَ أن يُهبِطُهُ من السَّماءِ، مسحَ صفحةَ ظهرِهِ اليُمنَى، فأخرجَ مِنها ذرِّيَّةً بيضاءَ مِثل اللُّؤلُؤِ، كهيئَةِ الذَّرِّ، فقال لهمُ: ادخُلوا الجنّةَ برحمتِي، ومسَحَ صفحةَ ظهرِهِ اليُسرَى فأخرجَ مِنها ذرِّيَّةً سوداءَ كهيئةِ الذَّرِّ، فقال: ادخُلوا النّار ولا أُبالِي، فذلك قولُهُ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ} [الواقعة: ٢٧] ، {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ} [الواقعة: ٤١] . ثُمَّ أخذَ منهُمُ المِيثاقَ، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} فأعطاهُ طائفة طائعِينَ، وطائفة كارِهِينَ على وَجهِ التَّقِيَّةِ، فقال: هُو والملائكةُ: {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] ، قالوا: فليس أحدٌ من ولَدِ آدمَ، إلّا وهُو يَعرِفُ اللَّهَ أَنَّهُ ربُّهُ، وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: ٨٣] ، وذلك قولُهُ: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: ١٤٩] ، يعني يومَ أخَذَ المِيثاقَ (١) .

  24. واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بحديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ، في قِصَّةِ الغُلام الذي قَتَلهُ الخَضِرُ، قال: أخبَرنا سَلْمُ (٢) بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبّارِ بن عبّاسٍ الهمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الغُلامُ الذي قَتَلهُ الخضِرُ، طَبعهُ اللَّهُ يومَ طَبعهُ كافِرًا" (٣) . قال إسحاقُ: وكان

    vol. 11, p. 354الظّاهِرُ ما قال موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} (١) [الكهف: ٧٤] ، فأعلَمَ اللَّهُ الخَضِرُ ما كان الغُلامُ عليه في الفِطرةِ التي فطرهُ عليها؛ لأنَّهُ كان قد طُبِعَ يومَ طُبِعَ كافِرًا.

    قال إسحاقُ: وأخبَرنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّهُ كان يقرأُ: "وأمّا الغُلامُ فكان كافِرًا وكان أبواهُ مُؤمِنينِ (٢) " (٣) .

    قال إسحاقُ: فلو تركَ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النّاسَ ولم يُبيِّن لهم حُكمَ الأطفالِ، لم يَعرِفُوا المُؤمِنِين منهُم منِ الكافِرِينَ؛ لأنَّهُم لا يدرُونَ ما جُبِل كلُّ واحِدٍ منهُم عليه، حِين أُخرِج من ظَهرِ آدمَ. فبيَّنَ لهمُ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حُكمَ الطِّفلِ في الدُّنيا، فقال: "أبواهُ يُهوِّدانِهِ، ويُنصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ" . يقولُ: أنتُم لا تعرِفُونَ ما طُبِع عليه في الفِطرةِ الأُولى، ولكنَّ حُكمَ الطِّفلِ في الدُّنيا، حُكمُ أبوَيهِ، فاعرفُوا ذلك بالأبوَينِ، فمن كان صغيرًا بينَ أبوينِ له كافِرينِ أُلحِق بحُكمِهِما، ومن كان صغِيرًا بين أبوينِ مُسلِمينِ أُلحِق بحُكمِهِما، وأمّا إيمانُ ذلك وكُفرُهُ مِمّا يصِيرُ إليه، فعِلمُ ذلك إلى اللَّه، وبعلم (٤) ذلك فضَلَ الخَضِرُ موسى، إذ أطلَعهُ اللَّهُ عليه في ذلك الغُلام، وخصَّهُ بذلك العِلم.

    قال أبو عُمر: ما بيَّنَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأحَدٍ من أُمَّتِهِ حُكمَ الأطفالِ الذين يمُوتُونَ صِغارًا بيانًا يَقْطعُ بمَجيئهِ (٥) العُذرَ، بلِ اختلفتِ الآثارُ عنهُ في ذلك، بما سنُورِدُهُ بعدَ هذا إن شاءَ اللَّه.

  25. واحتجَّ إسحاقُ أيضًا بحديثِ عائشةَ، حِين ماتَ صبِيٌّ من الأنصارِ بينَ أبوَينِ مُسلِمينِ، فقالت عائشةُ: طُوبَى لهُ، عُصفُورٌ من عَصافِيرِ الجنّةِ. فردَّ عليها النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "مَهْ يا عائشةُ، وما يُدرِيكِ؟ إنَّ اللَّهَ خلقَ الجنّةَ، وخلقَ لها أهلَها، وخلقَ النّارَ، وخلقَ لها أهلَها" (١) .

    قال إسحاقُ: فهذا الأصلُ الذي يَعتمِدُ عليه أهلُ العِلم.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُ إسحاقَ ومن قال بقولِهِ، في تأوِيلِ الحديثِ في الفِطرةِ التي يُولدُ عليها بنُو آدم: إنَّها المعرِفةُ والإنكارُ، والكُفرُ والإيمانُ، فإنَّهُ لا يخلُو من أن يكونوا أرادُوا بقولِهِم ذلك، أنَّ اللَّهَ خلقَ الأطفالَ، وأخرجهُم من بُطُونِ أُمَّهاتِهِم، ليعرِفَ منهُمُ العارِفُ ويَعترِفَ فيُؤمِنَ، وليُنكِر منهُمُ المُنكِرُ ما يعرِفُ فيكفُرَ، وذلك كلُّهُ قد سبقَ به لهم قَضاءُ اللَّه، وتقدَّمَ فيه عِلمُهُ، ثُمَّ يصِيرُونَ إليه في حِينِ تصِحُّ منهُمُ المَعرِفةُ والإيمانُ والكُفرُ والجُحُودُ، وذلك عِندَ التَّميِيزِ والإدراكِ، فذلك ما قُلنا.

    vol. 11, p. 355
  26. أو يكونوا أرادُوا بقولِهِم ذلك، أنَّ الطِّفل يُولَدُ عارِفًا مُقِرًّا مُؤمِنًا، أو عارِفًا جاحِدًا مُنكِرًا كافِرًا في حِينِ وِلادتِهِ. فهذا ما يُكذِّبُهُ العيانُ والعقلُ، ولا عِلمَ أصحُّ من ذلك، لأنَّها شواهِدُ الأُصُولِ، ودلائلُ العُقُولِ.

  27. وليس في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآيةَ دليل يشهدُ لهم بما ادَّعوهُ من ذلك، ولا فيه ردّ لما قُلنا، وإنَّما فيه أنَّ الخلقَ يُجْزَون ويصِيرُونَ إلى ما سبقَ لهم في عِلمِهِ، وهذا ما لا يختلِفُ أهلُ الحقِّ فيه.

  28. ومعنى الآيةِ والحديثِ: أنَّهُ أخرجَ ذرِّيَّةَ آدمَ من ظهرِهِ، كيفَ شاءَ ذلك، وألهمهُم أنَّهُ ربُّهُم، فقالوا: بلى، لئلّا يقولوا يومَ القِيامةِ: إنّا كُنّا عن هذا غافِلِينَ،

    vol. 11, p. 356ثُمَّ تابَعهُم بحُجَّةِ العَقلِ عِندَ التَّميِيزِ، وبالرُّسُلِ بعد ذلك، استِظهارًا بما في عُقُولِهِم من المُنازعةِ إلى خالِقٍ مُدبِّرٍ حكِيم يُدبِّرُهُم بما لا يتهيَّأُ لهم، ولا يُمكِنُهُم جَحدُهُ. وهذا إجماعُ أهلِ السُّنَّةِ، والحمدُ للَّه.

  29. وإنَّما اختلفُوا فيمَنْ مات وهُو طِفل لم يُدرِك، من أولادِ المُؤمِنِينَ والكافِرِينَ، على ما نُوضِّحُهُ بعد الفراغِ من القولِ في الفِطرةِ التي يُولدُ المولُودُ عليها، واختِلافِ أهلِ العِلم في معناها إن شاءَ اللَّه.

  30. وأمّا الغُلامُ الذي قتَلهُ الخضِرُ، فأبواهُ مُؤمِنانِ، لا شكَّ في ذلك، فإن كان طِفلًا، ولم يكُن كما قال بعضُ أهلِ العِلم رَجُلًا قاطِعًا للسَّبِيلِ، فمعلُومٌ أنَ شَرِيعتَنا ورَدَت بأنَّ كلَّ أبوينِ مُؤمِنينِ، لا يُحكَمُ لطِفلِهِما الصغِيرِ بحالِ الكُفرِ، ولا يحِلُّ قَتلُهُ بإجماع، وكَفَى بهذا حُجَّةً في تخصِيصِ غُلام الخَضِرِ.

  31. وقد أجمعَ المُسلِمُونَ من أهلِ السُّنَّةِ وغيرِهِم، إلّا المُجبِرةَ (١) ، أنَّ أولادَ المُؤمِنِينَ في الجنّةِ، فكيفَ يجُوزُ الاحتِجاجُ بقِصَّةِ الغُلام الذي قتَلهُ الخضِرُ اليومَ في هذا البابِ؟

  32. وأمّا حديثُ عائشةَ الذي احتجَّ به إسحاقُ، فإنَّهُ حَدِيثٌ ضعِيفٌ، انفردَ به طلحةُ بن يحيى، فأنكَرُوهُ عليه، وضعَّفُوهُ من أجلِهِ، وقد بيَّنتُ ذلك في بابِ ابنِ شِهابٍ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ.

  33. وقولُ إسحاق في هذا البابِ، لا يرضاهُ الحُذّاقُ الفُقهاءُ (٢) من أهلِ السُّنَّةِ، وإنَّما هُو قولُ المُجبِرةِ، وفيما مَضَى كِفايةٌ، والحمدُ للَّه.

    vol. 11, p. 357وقال آخرُونَ: معنَى الفِطْرةِ المذكُورةِ في المولُودِينَ، ما أخذَ اللَّهُ من ذُرِّيَّةِ آدمَ من المِيثاقِ قبلَ أن يخرجُوا إلى الدُّنيا، يوم استخرجَ ذرِّيَّةَ آدمَ من ظهرِهِ فخاطبهُم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} فأقرُّوا جميعًا لهُ بالرُّبُوبيَّةِ عن مَعرِفةٍ منهُم به، ثُمَّ أخرَجهُم من أصلابِ آبائهِم مخلُوقِينَ، مَطبُوعِينَ على تلك المعرِفةِ وذلك الإقرارِ.

    قالوا: وليست تلك المعرِفةُ بإيمانٍ، ولا ذلك الإقرارُ بإيمانٍ، ولكنَّهُ إقرار من الطَّبِيعةِ للرَّبِّ، فِطْرةٌ ألزمها قُلُوبَهُم، ثُمَّ أرسلَ إليهمُ الرُّسُلَ فدعَوْهُم إلى الاعتِرافِ لهُ بالرُّبُوبيَّةِ والخُضُوع، تَصدِيقًا بما جاءَت به الرُّسُلُ، فمنهُم من أنكرَ وجحَدَ بعد المعرِفةِ، وهُو به عارِفٌ، لأنَّهُ لم يكُنِ اللَّهُ ليدعُوَ خلقهُ إلى الإيمانِ به وهُو لم يُعرِّفْهُم نفسهُ، لأنه كان يكونُ حِينئذٍ قد كلَّفهُمُ الإيمان بما لا يعرِفُونَ، قالوا: وتصدِيقُ ذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: ٨٧] ، وذكرُوا ما ذكرهُ السُّدِّيُّ عن أصحابه، وعن أبي صالح، عنِ ابنِ عبّاسٍ، وعن مُرَّةَ، عنِ ابنِ مسعُودٍ (١) على حسَبِ ما ذكرناهُ قبلَ هذا، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٢) } الآيةَ [الأعراف: ١٧٢] .

  34. وذكرُوا أيضًا ما حدَّثناهُ إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ صالح، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن موسى، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ الرّازِيُّ، عنِ الرَّبِيع بنِ أنَسٍ، عن أبي العالِيةِ، عن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} إلى قولِهِ: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] . قال: جَمعهُم جميعًا، فجَعَلهم أرواحًا، ثُمَّ صوَّرهُم، ثُمَّ اسْتَنطقهُم، فقال: ألستُ بربِّكُم؟

    vol. 11, p. 358قالوا: بلى شهِدنا. أن تقُولوا يومَ القِيامةِ: لم نعلم هذا. قالوا: نَشْهدُ أَنَّك ربُّنا وإلهُنا، لا ربَّ لنا غيرُك، ولا إله لنا غيرُك. قال: فإنِّي أُرسِلُ إليكُم رُسُلي، وأُنزِلُ عليكُم كُتُبِي، فلا تُكذِّبُوا رُسُلي، وصَدِّقُوا بوَعدِي، وإنِّي سَأنتقِمُ ممَّن أشركَ بي، ولم يُؤمنْ بي. قال: فأخذَ عَهدَهُم وميثاقَهُم، ورفعَ أباهُم آدمَ فنظرَ إليهم، فرَأى منهُمُ (١) الغنيَّ والفَقِير، وحسنَ الصُّور وغير ذلك، فقال: يا ربِّ، لو سوَّيتَ بين عِبادِكَ. قال: أحببتُ أن أُشكرَ. قال: والأنبِياءُ يَومئذٍ بينهُم مِثلُ السُّرُج. قال: وخُصُّوا بمِيثاقٍ آخرَ للرِّسالةِ (٢) أن يُبلِّغُوها، قال: فهُو قولُهُ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} [الأحزاب: ٧] ، قال: وهي فِطْرةُ اللَّه التي فطَرَ النّاس عليها. قال (٣) : وذلك قولُهُ: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: ١٠٢] ، وذلك قولُهُ: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: ١٠٢] ، قال: فكان في عِلم اللَّه من يُكذِّبُ به ومن يُصدِّقُ، قال: وكان رُوحُ عيسى عليه السَّلامُ من تلك الأرواح التي أخذَ عَهْدَها ومِيثاقَها في زَمنِ آدم. وذكرَ تمامَ الحديثِ (٤) .

  35. وسُئل حمّادُ بن سلمةَ عن قولِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ" ، فقال: هذا عِندَنا حيثُ أُخِذَ العَهدُ عليهم في أصلابِ آبائهِم.

    vol. 11, p. 359قال أبو عُمر: القولُ فيما تقدَّم قبلَ هذا يُغني عنِ القولِ هاهُنا، وقد قال هؤلاءِ: ليست تلك المعرِفةُ بإيمانٍ، ولا ذلك الإقرارُ بإيمانٍ، ولكنَّهُ إقرارٌ من الطَّبِيعةِ للرَّبِّ، فِطرةٌ ألزَمَها قُلُوبهُم، فكفَوْنا بهذه المقالةِ أنفُسَهُم.

    وقال آخرُونَ: الفِطرةُ: ما يُقلِّبُ اللَّهُ قُلُوبَ الخلقِ إليه مِمّا يُرِيدُ ويشاءُ، فقد يكفُرُ العبدُ ثُمَّ يُؤمِنُ، فيمُوتُ مُؤمِنًا، وقد يُؤمِنُ ثُمَّ يكفُرُ، فيمُوتُ كافِرًا، وقد يَكْفُرُ ثُمَّ لا يزالُ على كُفرِهِ حتّى يمُوتَ عليه، وقد يكونُ مُؤمِنًا حتّى يمُوتَ على الإيمانِ، وذلك كلُّهُ تقدِيرُ اللَّه وفِطرتُهُ لهم.

  36. واحتجُّوا من الأثرِ بحديثِ عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ قال: "ألا إنَّ بني آدم خُلِقُوا على طَبقاتٍ، فمنهُم من يُولدُ مُؤمِنًا ويحيا مُؤمِنًا ويمُوتُ مُؤمِنًا، ومنهُم من يُولَدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولَدُ مُؤمِنًا ويحيا مُؤمِنًا ويمُوتُ كافِرًا، ومنهُم من يُولدُ كافِرًا ويحيا كافِرًا ويمُوتُ مُؤمِنًا" (١) . وقد مَضَى القولُ في إسنادِ هذا الحديثِ، فيما تقدَّم من هذا البابِ.

  37. والفِطرةُ عِندَ هؤلاءِ: ما قَضاهُ اللَّهُ وقدَّرهُ لعِبادِهِ من أوَّلِ أحوالِهِم إلى آخِرِها، كلُّ ذلك عِندَهُم فِطْرةٌ، سَواءٌ كانت عِندَهُم حالًا واحِدةً لا تنتقِلُ، أو حالًا بعدَ حالٍ، كقولِهِ عزَّ وجلَّ: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: ١٩] ، أي: حالًا بعدَ حالٍ، على ما سبقَ لهم في عِلم اللَّه.

  38. وهذا القولُ وإن كان صحِيحًا في الأصلِ، فإنَّهُ أضعفُ الأقاوِيلِ من جِهةِ اللُّغةِ في معنَى الفِطْرةِ، واللَّه أعلمُ.

  39. فهذا ما انتهى إلَينا عنِ العُلماءِ أهلِ الفِقهِ والأثرِ، وهُمُ الجماعةُ، في تأوِيلِ حديثِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ مولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ" .

  40. وأمّا أهلُ البِدَع، فمُنكِرُونَ لكلِّ ما قالهُ العُلماءُ في تأوِيلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآيةَ.

    قالوا: ما أخذَ اللَّهُ من آدمَ ولا من ذُرِّيَّتِهِ مِيثاقًا قطُّ قبلَ خَلْقِهِ إيّاهُم، وما خَلَقهُم قَطُّ إلّا في بُطُونِ أُمَّهاتِهِم، وما استخرَجَ قطُّ من ظَهرِ آدمَ من ذُرِّيَّةٍ تُخاطَبُ، ولو كان ذلك لأحياهُم ثلاث مرّاتٍ، والقُرآنُ قد نطقَ على أهلِ النّارِ بأنَّهُم قالوا ما لم يرُدَّهُ عزَّ وجلَّ عليهم من قولِهِم: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: ١١] .

    وقال عزَّ وجلَّ تصدِيقًا لذلك: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} يعني: في حالِ عدم غيرِ وُجُودٍ، {فَأَحْيَاكُمْ} يُرِيدُ بخلقِهِ إيِّاكُم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: ٢٨] ، فجعلَ الحياةَ مرَّتينِ والموتَ مرَّتينِ.

    قالوا: وكيفَ يُخاطِبُ اللَّهُ من لا يَعقِلُ؟ وكيفَ يُجِيبُ من لا عقلَ لهُ؟ أو كيف يحتجُّ عليهم بمِيثاقٍ لا يَذكُرُونهُ؟ وهُم لا يُؤاخَذُونَ بما نَسُوا، ولا نَجِدُ أحدًا يَذكُرُ أنَّ ذلك عرضَ لهُ، أو كان منهُ.

    قالوا: وإنَّما أرادَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بقولِهِ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآيةَ، إخراجَهُ إيّاهُم في الدُّنيا، وخلقَهُ لهم، وإقامَةَ الحُجَّةِ عليهم، بأن فطَرهُم وبناهُم (١) ، فِطرةً إذا بلغُوا وعَقَلوا، عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ ربَّهُم، وخالِقُهُم.

    وقال بعضُهُم: أخرجَ الذُّرِّيَّةَ قرنًا بعد قرنٍ، وعصرًا بعد عَصرٍ، وأشْهَدهُم على أنفُسِهِم بما جعلَ في عُقُولِهِم مِمّا تُنازِعُهُم به أنفُسُهم إلى الإقرارِ بالرُّبُوبيَّةِ، حتّى صارُوا بمَنزِلةِ من قِيل لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .

    قال بعضُهُم: قال لهم: ألستُ بربِّكُمْ، على لسانِ بَعضِ أنبِيائهِ.

    vol. 11, p. 360