أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287
Page 7 of 35
- vol. 11, p. 361
وكلُّهُم يقولُ: إنَّ الحديث المأثُورَ، ليس بتأوِيلٍ للآية (١) .
-
ثُمَّ اختلفَ القائلونَ بهذا كلِّهِ في المعرِفةِ، هل تقعُ ضَرُورةً، أوِ اكتِسابًا؟ وليس هذا مَوْضِعَ ذِكرِ ذلك، والحمدُ للَّه.
-
وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في الأطفالِ، فقالت طائفة: أولادُ النّاسِ كلِّهِم، المُؤمنين منهُم والكافرين، إذا ماتُوا أطفالًا صِغارًا لم يبلُغُوا، في مشِيئةِ اللَّه عزَّ وجلَّ يُصيِّرُهُم إلى ما شاءَ من رَحمةٍ أو عذابٍ. وذلك كلُّهُ عدلٌ منهُ، وهُو أعلَمُ بما كانوا عامِلِينَ.
وقال آخرُونَ -وهُمُ الأكثرُ-: أطفالُ المُسلِمِين في الجنّةِ، وأطفالُ الكُفّارِ في المشِيئَةِ.
وقال آخرُونَ: حُكمُ الأطفالِ كلّهِم، كحُكم آبائهِم في الدُّنيا والآخِرةِ، هُم مُؤمِنُون بإيمانِ آبائهِم، وكافِرُون بكُفرِ آبائهِم، فأطفالُ المُسلِمِينَ في الجنّةِ، وأطفالُ الكُفّارِ في النّارِ.
وقال آخرُونَ: أولادُ المُسلِمِينَ وأولادُ الكُفّارِ إذا ماتُوا صِغارًا: جميعًا في الجنّةِ.
وقال آخرُون: أولادُ المُشرِكِين خَدَمُ أهلِ الجنّةِ.
وقال آخرُونَ: يُمتَحنُون في الآخِرةِ.
-
ورَوَتْ كلُّ طائفةٍ فيما ذهَبت إليه من ذلك آثارًا وقفَتْ عِندَها، ودانت بها لصِحَّتِها لَدَيها، ونحنُ نذكُرُ مِنها ما حَضَرنا ذِكرُهُ، بعَونِ ربِّنا لا شرِيكَ لهُ، وباللَّه التَّوفيقُ.
- vol. 11, p. 362
بابُ ذِكِرِ الأخبارِ التي احتجَّ بها من أوجبَ الوُقُوفَ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُسلِمِين وغيرِهِم بجنّةٍ أو نارٍ، وجعلَ جميعَهُم في مشِيئةِ الجبّار
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعيب، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني جعفرُ بن ربِيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ هُرمُز الأعرج، أنَّهُ قال: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ بني آدمَ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِهِ، كما تُنتَجُ الإبِلُ من بهِيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ من جَدعاءَ؟ " قيلَ: أفرأيتَ من يَمُوتُ وهُو صغِيرٌ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (١) .
-
هكذا قال: "كلُّ بني آدمَ (٢) " ، وهذا يَقْتضِي كلَّ مولُودٍ، لمُسلِم وغيرِ مُسلِم، على ظاهِرِهِ وعُمُومِهِ.
-
وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّانَ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سُئلَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنِ الأطفالِ، فقال: "اللَّهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ" (٣) .
-
هكذا قال: الأطفالُ، لم يخُصَّ شيئًا.
- vol. 11, p. 363
حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ بنِ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البُخارِيُّ، قال (١) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ أبي بكرٍ، عن أَنَسِ بنِ مالكٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ وكَّل بالرَّحِم مَلَكًا يقولُ: يا رَبِّ نُطفةٌ، يا رَبِّ علقةٌ، يا رَبِّ مُضغةٌ، فإذا أرادَ أن يَقضِي خَلْقهُ، قال: أذَكَرٌ أم أُنْثَى؟ أشَقِيٌّ أم سَعِيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ وما الأجلُ؟ فيُكتَبُ وهُو في بَطنِ أُمِّهِ" .
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ المِنْقَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كثِيرٍ العَبْدِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ الثَّورِيُّ وشُعبةُ وأبو عوانةَ. قال المِنْقَرِيُّ: وحدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ. وحدَّثنا أبو الرَّبِيع سليمانُ بن داود الزَّهرانيُّ وأبو بكر بن أبي شيبةَ، قالا: حدَّثنا جرِيرٌ وأبو مُعاوِيةَ، كلُّهُم يقولُ: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعُودٍ، قال: حدَّثنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُو الصّادِقُ المصدُوقُ: "إنَّ خلقَ ابنِ آدمَ يمكُثُ في بَطنِ أُمِّهِ أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يصِيرُ عَلَقةً أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يصِيرُ مُضغةً أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يبعثُ اللَّه إليه مَلكًا، فيقولُ: يا ربِّ، أذكرٌ أم أُنثَى؟ أشقِي أم سَعِيد؟ ما الأجلُ؟ وما الأثرُ؟ فيُوحِي اللَّه، ويَكتُبُ الملكُ، حتّى إنَّ أحدَكُم ليَعملُ بعملِ أهلِ الجنّةِ، حتّى لا يكونَ بَينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، أو قِيدُ ذِراع، فيَغلِبُ عليه الكِتابُ الذي سبقَ، فيعمَلُ بعملِ أهلِ النّارِ، فيَدخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النّارِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينَها
vol. 11, p. 364إلّا ذِراعٌ، أو قِيدُ ذِراع، فيَغلِبُ عليه الكِتابُ الذي سبقَ، فيعمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنّةِ، فيدخُلُ الجنّةَ " (١) .
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بنِ حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بنِ حَنْبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٢) : حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهُو الصّادِقُ المصدُوقُ: "إنَّ أحدكُم يُجمعُ خلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ في أربعِينَ يومًا، ثُمَّ يكونُ عَلَقةً مِثل ذلك، ثُمَّ يكونُ مُضْغةً مِثل ذلك، ثُمَّ يُرسلُ إليه الملكُ، فينفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤمَرُ بأربع كلِماتٍ: رزقِهِ، وأجَلِهِ، وعَملِهِ، وشِقِّيٍّ أم سعِيدٍ، فوالذي لا إلهَ غيرُهُ، إنَّ أحدكُم ليَعملُ بعمَلِ أهلِ الجنّةِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكِتابُ، فيُختَمُ لهُ بعملِ أهلِ النّارِ، فيدخُلُها، وإنَّ الرَّجُلَ ليَعمَلُ بعملِ أهلِ النّارِ، حتّى ما يكونُ بينهُ وبينها إلّا ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكِتابُ، فيَعملُ بعمَلِ أهلِ الجنّةِ فيَدخُلُها".
- vol. 11, p. 365
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيرٍ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عَطاءٍ، أنَّ عِكرِمةَ بن خالدٍ (١) حدَّثهُ، أنَّ أبا الطُّفَيلِ حدَّثهُ، أنَّهُ سمِعَ عبد اللَّه بن مَسعُودٍ يقولُ: إنَّ الشَّقِيَّ من شَقِي في بَطنِ أُمِّهِ، وإنَّ السَّعِيدَ من وُعِظَ بغيرِهِ. قال: فخَرَجتُ من عِندِهِ أتعجَّبُ مِمّا سمِعتُهُ منه، حتّى دخلتُ على أبي سَرِيحةَ حُذيفةَ بنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ، فتَعجَّبتُ عِندَهُ، فقال: مِمَّ تَتَعجَّبُ؟ فقلتُ: سمِعتُ أخاكَ عبد اللَّه بن مسعُودٍ يقولُ: إنَّ الشَّقِيَّ من شَقِي في بطنِ أُمِّهِ، وإنَّ السَّعِيدَ من وُعِظَ بغيرِهِ. فقال: ومن أيِّ ذلك تَعجبُ؟ فقلتُ: أيَشْقَى أحدٌ بغَيرِ عَملٍ؟ فأهْوَى إلى أُذُنيهِ وقال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ بأُذُنيَّ هاتَينِ: "إنَّ النُّطفةَ تمكُثُ في الرَّحِم أربعِينَ لَيْلةً، ثُمَّ يَتَسَوَّرُ (٢) عليها الملكُ" . قال زُهَيرٌ: حَسِبتُ قال: "الذي وُكِّل بخَلْقِها، فيقولُ: يا ربِّ، أذَكَرٌ أم أُنثى؟ ثُمَّ يقولُ: يا ربِّ، سَوِيٌّ أو غيرُ سَوِيٍّ؟ فيَجَعلُهُ اللَّه سوِيًّا أو غيرَ سَوِيٍّ، ذكرًا أم أُنثى (٣) ؟ ثُمَّ يقولُ: ما رِزْقُهُ؟ ما أجلُهُ؟ ما خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يجعلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا، أو سَعِيدًا (٤) (٥) .
- vol. 11, p. 366
وقد روى هذا العنى جماعةٌ من الصَّحابةِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا طَلْحةُ بن يحيى، عن عمَّتِهِ عائشةَ بنتِ طلحةَ، عن خالتِها أُمِّ المُؤمِنِينَ، قالت: أُتِي رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بصَبِيٍّ من صِبيانِ الأَنْصارِ ليُصلِّي عليه، فقلتُ: طُوبَى لهُ، عُصفُورٌ من عصافِيرِ الجنّةِ، لم يعمَلْ سوءًا، ولم يُدرِكهُ ذَنبٌ (٢) ، فقال النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أو غيرَ ذلك يا عائشةُ؟ إنَّ اللَّهَ خلقَ الجنّةَ وخلَقَ لها أهلها، وخلَقهُم في أصلابِ آبائهِم، وخلَقَ النّارَ، وخلَقَ لها أهلها، وخلَقهُم في أصلابِ آبائهِم" .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا
vol. 11, p. 367أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا طلحةُ بن يحيى، عن عمَّتِهِ، يعني عائشةَ بنت طلحةَ، عن عائشةَ زوج النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت. فذكرَ مِثلَ حديثِ ابنِ عُيَينةَ سَواءً (١) .
-
ورواهُ عن طلحةَ بنِ يحيى جماعةٌ بإسنادِهِ ومعناهُ.
-
وزعمَ قومٌ أنَّ طَلْحةَ بن يحيى انفردَ بهذا الحديثِ. وليس كما زَعمُوا، وقد رواهُ فُضَيلُ بن عَمرٍو، عن عائشةَ بنتِ طلحةَ، كما رواهُ طلحةُ بن يحيى سواءً. ذكرهُ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا جرِير، عنِ العلاءِ بنِ المُسيِّبِ، عن فُضَيلِ بنِ عَمرٍو، عن عائشةَ بنتِ طَلْحةَ، عن عائشةَ أُمِّ المُؤمِنِين، قالت: تُوُفِّي صَبِيٌّ، فقلتُ: طُوبَى لهُ، عُصفُورٌ من عَصافِيرِ الجنّةِ، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أوَلا تَدْرِين أنَّ اللَّهَ خلقَ الجنّةَ وخلقَ لها أهلًا، وخلقَ النّار فخَلَقَ لها أهلًا؟ " (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا القَعنبِيُّ، قال: حدَّثنا مُعتمِرُ بن سُليمانَ، عن أبيهِ، عن رَقَبةَ بنِ مَصقلةَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ الغُلامَ الذي قَتَلهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولو عاشَ لأرهَقَ أبوَيهِ طُغيانًا وكُفرًا" (٣) .
vol. 11, p. 368قال أبو عُمر: هذا الحديثُ يقولُونَ: إنَّهُ انفردَ (١) برَفعِهِ رَقَبةُ بن مَصْقلةَ، وإنَّ أصحابَ أبي إسحاقَ الثِّقاتِ يُوقِفُونهُ على أُبيِّ بنِ كعبٍ، ورَقَبةُ بن مَصقلةَ ثِقةٌ فصِيحٌ (٢) عاقِلٌ، كان أحمدُ بن حَنْبلٍ ويحيى بن مَعِينٍ يُثْنِيانِ عليه (٣) . وقد تابَعهُ عبدُ الجبّارِ بن عبّاسٍ على رَفعِهِ، وعبدُ الجبّارِ بن العبّاسِ رَجُلٌ كُوفيٌّ، روى عنهُ جماعة من جِلَّةِ أهلِ الكُوفةِ، منهُم: الحسنُ بن صالح ووكِيعٌ وأبو نُعَيم. وقال أحمدُ ويحيى: ليس به بأسٌ (٤) . وقال أبو حاتِم الرّازِيُّ (٥) : هُو ثِقةٌ، قِيل لهُ: لا بأسَ به؟ قال: ثِقةٌ.
-
ذكرَ المروزِيُّ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، يعني ابن راهوية، قال: أخبَرنا سَلْم (٦) بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبّارِ بن عبّاسٍ الهَمْدانيُّ، عن أبي إسحاقَ، عن سَعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، عن أُبيِّ بنِ كعبِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "الغُلامُ الذي قَتَلهُ الخَضِرُ طُبِع كافِرًا" (٧) .
-
وقد حدَّثنا سعِيدُ بن ثصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ، قال (٨) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني
vol. 11, p. 369عَمرُو بن دِينارٍ، قال: أخبَرني سعِيدُ بن جُبَيرٍ، قال: كان ابنُ عبّاسٍ يقرأُ: "وأمّا الغُلامُ فكان كافِرًا، وكان أبواهُ مُؤمِنينِ" (١) .
-
حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا زِيادُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، عن عَطاءٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كتَبَ نَجْدةُ الحرُورِيُّ إلى ابنِ عبّاسٍ يَسْألُهُ عن قَتلِ الصِّبيانِ، فكتَبَ إليه ابنُ عبّاسٍ: أمّا الصِّبيانُ، فإن كُنتَ أنتَ الخَضِرُ تَعلمُ المُؤمِنَ من الكافِرِ، فاقتُلهم (٢) .
-
ورَوَى قَتادةُ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثلهُ (٣) .
-
وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا (٤) سَلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عنِ الزُّهْرِيِّ ومحمدِ بنِ عليٍّ، عن يزِيد بنِ هُرمُز، قال: كتبَ نَجْدةُ إلى ابنِ عبّاسٍ يَسْألُهُ عن قَتْلِ الوِلدانِ، وَيَذكُرُ في كِتابه أنَّ العالِمَ صاحِبَ موسى قد قتلَ المولُودَ.
vol. 11, p. 370قال يزِيدُ: فأنا كتَبتُ كِتابَ ابنِ عبّاسٍ بيديَّ، جَوابُهُ إلى نجدةَ: أمّا بعدُ، فإنَّكَ كتبتَ إليَّ تَسْألُني عن قَتلِ الوِلدانِ، وتذكُرُ في كِتابِكَ: أنَّ العالِمَ صاحِبَ موسى قد قتلَ المولُودَ، فلو كُنتَ تَعلمُ من الوِلدانِ ما علِمَ ذلك العالِمُ لقتَلْتَ، ولكنَّك لا تعلمُ، وقد نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن قَتلِهِم (١) .
-
ورَوَى الثَّورِيُّ، عن إسماعيل بنِ أُميَّةَ، عن سعِيدٍ المقبُرِيِّ، عن يزِيدَ بنِ هُرمُز، عنِ ابنِ عبّاسٍ، مِثلهُ (٢) .
-
وفي هذا الخَبرِ مع صِحَّتِهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ ردُّ قولِ من قال: الغُلامُ الذي قتَلهُ الخضِرُ كان رَجُلًا، وكان قاطِعَ طرِيقٍ.
-
وهذا قولٌ يُروَى عن عِكْرِمةَ، حكاهُ قَتادةُ وغيرُهُ عنهُ، وقال قَتادةُ: لعَمرِي ما قتَلهُ إلّا على كُفرٍ (٣) . قال قَتادةُ: وقال بعضُهُم: كان يَقْطعُ الطَّرِيقَ. قال قَتادةُ: كان يُقرأُ في الحرفِ الأوَّلِ: "وأمّا الغُلامُ فكان كافِرًا وكان أبواهُ مُؤمِنين" (٤) .
وقال غيرُهُ: لم يَقتُلهُ الخضِرُ إلّا وهُو كافِرٌ، كان قد كفرَ بعدَ إدراكِهِ وبُلُوغِهِ، أو عمِلَ (٥) عملًا اسْتَوجَبَ عليه القتلَ، فقتلهُ.
- vol. 11, p. 371
واحتجَّ بعضُ من ذهَبَ هذا المذهب بحديثِ الزُّهرِيِّ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ نَوْفلٍ، عن عبدِ المُطَّلِبِ بنِ رَبيعةَ، قال: اجْتَمعتُ أنا والفَضْلُ بن عبّاسٍ ونَحنُ غُلامانِ شابّانِ قد بَلَغنا، في حديثٍ ذكَرهُ، في كَراهِيةِ الصَّدقةِ لبني هاشِم (١) .
قال أبو عُمرة أمّا قولُهُ في حديثِ الزُّهرِيِّ: ونحنُ غُلامانِ شابّانِ قد بلَغْنا. فهُو كلامٌ خرجَ على القُربِ والمجازِ، وقد بان ذلك في قولِهِ: قد بلَغْنا.
-
وأمّا قولُ من قال: إنَّ الغُلامَ كان رَجُلًا قد كفرَ، أو عمِلَ عَمَلًا اسْتَوجَبَ عليه القتلَ، فتَخرُّصٌ وظنٌّ لم يصِحَّ في أثرٍ، ولا جاءَ به خَبرٌ، ولا يعرِفُهُ أهلُ العِلم، ولا أهلُ اللُّغةِ، وقد سَمَّى اللَّهُ عزَّ وجلَّ الإنسانَ الذي قتَلَهُ الخضِرُ غُلامًا، والغُلامُ عِندَ أهلِ اللُّغةِ: هُو الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ، يَقعُ عليه عِندَ بعضِهِمُ اسمُ غُلام من حِينِ يُفطَمُ، إلى سَبعْ سِنينَ، وعِندَ بَعضِهِم يُسمَّى غُلامًا وهُو رَضِيعٌ إلى سبع سِنينَ، ثُمَّ يَصِيرُ يافِعًا وَيَفاعًا إلى عشرِ سِنينَ، ثُمَّ يصِيرُ حَزَوّرًا إلى خمسَ عشْرةَ سنةً. واختُلِفَ في تَسْمِيةِ مَنازِلِ سنِّهِ بعد ذلك، إلى أن يصِير هِمًّا فانِيًا كبِيرًا، بما لا حاجةَ بنا هاهُنا إلى ذَكِرِهِ.
قال أبو عُمر: وعلى هذا جُمهُورُ أهلِ اللُّغةِ في الغُلام، أنَّهُ ما دامَ رَضِيعًا، فهُو طِفلٌ، وغُلامٌ، إلى سبع سِنينَ.
-
وأمّا اختِلافُهُم في الكَهلِ والشَّيخ، فقال بعضُهُم: الكَهلُ ابنُ (٢) ثلاثٍ وثلاثِين سنةً. وقال بعضُهُم: الكَهلُ مِن (٣) أربعِين إلى خمسِين، والشَّيخُ مِن (٤) خمسِينَ إلى ثمانينَ، ثُمَّ يصِيرُ هِمًّا فانِيًا.
vol. 11, p. 372وقال جماعةٌ من العُلماءِ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {نَفْسًا زاكيةً} (١) [الكهف: ٧٤] . قالوا: لم يُذنِب قطُّ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبَيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا شُعَيبٌ، عن أبي العاليةِ، في قِصَّةِ موسى والخَضِرِ عليهما السَّلامُ، قال: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف: ٧٤] . قال: غُلامٌ يلعبُ مع الغِلمانِ، ففتلَ عُنُقهُ (٢) فقتلهُ، ولم يَرهُ إلّا موسى، ولو رآهُ القومُ لحالوا بينهُ وبينهُ. قال: أقَتَلْتَ نفسًا زاكِيةً، أو زَكِيّةً. قال: لم تبلُغِ الخَطايا.
وقال ابنُ جُرَيج: أخبَرني يَعلى بن مُسلِم، أنَّهُ سمِعَ سعِيدَ بن جُبَيرٍ يقولُ: وجدَ الخَضِرُ غِلمانًا يلعبُونَ، فأخذَ غُلامًا فأضْجَعهُ وذَبَحهُ بالسِّكِّينِ (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا سحنُونٌ وأبو الطّاهرِ (٤) وحرملةُ بن يحيى. قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْب (٥) ، قال: حدَّثني يُونُسُ بن يَزِيد، عنِ ابنِ شِهابٍ، أنَّ عبد الرحمنِ بن هُنَيدةَ
vol. 11, p. 373حدَّثهُ، أنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ (١) ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أرادَ اللَّهُ أن يخلُقَ النَّسمةَ، قال مَلكُ الأرحام مُعرِضًا: يا ربِّ، ذَكَرٌ أم (٢) أُنثى؟ فيَقْضِي اللَّهُ أمرَهُ، ثُمَّ يقولُ: يا رَبِّ، شَقِيٌّ أو سَعِيدٌ؟ فيَقْضِي اللَّهُ أمرَهُ، ثُمَّ يُكتَبُ بينَ عَيْنيهِ ما هُو لاقٍ (٣) ، حتّى النَّكبةُ يُنْكَبُها" .
قال أبو عُمر: بهذه الآثارِ وما كان مِثلها، احتجَّ من ذهَبَ إلى الوُقُوفِ عنِ الشَّهادةِ لأطفالِ المُسلِمِينَ أوِ المُشرِكِينَ بجنّةٍ أو نارٍ.
-
وإليها ذهَبَ جماعةٌ كثِيرةٌ من أهلِ الفِقهِ والحديثِ، منهُم: حمّادُ بن زَيْدٍ، وحمّادُ بن سَلَمةَ، وابنُ المُباركِ، وإسحاقُ ابنُ راهوية، وغيرُهُم.
-
وهُو يُشبِهُ ما رَسَمهُ مالكٌ في أبوابِ القَدَرِ، في "مُوطَّئهِ" وما أوردَ في ذلك من الأحادِيثِ، وعلى ذلك أكثرُ أصحابه، وليس عن مالكٍ فيه شيءٌ منصُوصٌ، إلّا أنَّ المُتأخِّرِينَ من أصحابه ذَهَبُوا إلى أنَّ أطفال المُسلِمِينَ في الجنّةِ، وأطفال الكُفّارِ خاصَّةً في المشِيئةِ، لآثارٍ وردَتْ في ذلك، نحنُ نذكُرُها في البابِ بعد هذا إن شاءَ اللَّه.
- vol. 11, p. 374
ذِكرُ الأخبارِ التي احتجَّ بها من شهِدَ لأطفالِ المُسلِمينَ بالجنّةِ
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجَهْم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ما مِنَ المُسلِمِين من يمُوتُ لهُ ثَلاثةٌ من الوَلَدِ لم يبلُغُوا الحِنثَ، إلّا أدخلهمُ اللَّهُ د ايّاهُ الجنّةَ بفَضْلِ رحمتِهِ، يُجاءُ بهم يوم القِيامةِ، يُقالُ لهم: ادْخُلوا الجنّةَ. فيقولُونَ: لا، حتّى يَدخُل آباؤُنا، فيُقالُ لهم: ادخُلوا أنتُم وآباؤُكُم بفَضْلِ رَحْمتِي" (١) .
- vol. 11, p. 375
حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بنِ عِيسَى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بنِ حَبابةَ، قالا: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن مُعاوِيةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبيهِ، أنَّ رجُلًا جاءَ بابنِهِ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "أتُّحِبُّهُ؟ " فقال: أحبَّكَ اللَّهُ يا رسُولَ اللَّه كما أُحِبُّهُ. فتُوُفِّي الصَّبِيُّ، ففقَدَهُ النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "أين فُلان ابنُ فُلانٍ؟ " قالوا: يا رسُولَ اللَّه تُوُفِّي ابنه. فقال لهُ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما تَرْضَى أن لا تأتِيَ بابًا من أبوابِ الجنّةِ، إلّا جاءَ يَسْعَى يفتحُهُ لكَ؟ " ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّه، أنَّهُ وحدَهُ، أم لنا كلِّنا؟ قال: "بل لكُم كلِّكُم" (١) .
-
ورَواهُ (٢) يحيى بن سعِيدٍ القطَّانُ (٣) وعبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ ومحمدُ بن جعفرٍ غُندَرٌ (٤) وغيرُهُم، عن شُعبةَ، بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً.
- vol. 11, p. 376
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال حدَّثنا: محمدُ بن عبد السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ (١) ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عدِيِّ بنِ ثابتٍ، قال: سمِعتُ البَراءَ بن عازِبِ، يُحدِّثُ عنِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه (٢) قال في ابنِهِ إبراهيمَ: "إنَّ لهُ مُرْضِعًا (٣) في الجنّةِ" (٤) .
-
ورَوَى سعِيدُ بن إياسٍ الجُرَيرِيُّ (٥) ، عن خالدِ بنِ علاق (٦) ، قال: ماتَ ابنٌ لي، فوَجَدتُ عليه وَجْدًا شدِيدًا، فقلتُ: يا أبا هريرةَ أسمِعتَ من رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- شيئًا يُسَخِّي أنفُسَنا عن موتانا؟ فقال: سمِعتُهُ يقوُل: "صِغارُكُم دَعامِيصُ (٧) الجنةِ" (٨) .
- vol. 11, p. 377
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ الأصبهانيِّ، عن أبي حازِم، عن أبي هريرةَ، قال: أولادُ المُسلِمِين في جَبَلٍ تَكْفُلُهُم سارةُ وإبراهيمُ، فإذا كان يومُ القِيامةِ، دَفعُوهُم إلى آبائهِم (١) .
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن قُدامةَ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عنِ الأعْمَشِ، عن عُثمانَ، عن زاذانَ، عن عليٍّ، في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: ٣٨ - ٣٩] ، قال: هُم أطفالُ المُسلِمِينَ (٢) .