عبد الله بن الفضل
154 paragraphs · vol. 12, p. 5
Page 3 of 4
- vol. 12, p. 32
وقال مالكٌ، في قوم (١) من المَوالي يأخذونَ الصبيَّة من الأعرابِ: أنَّهُ يَجُوزُ نكاحُ الذي ربّاها عليها.
قال: وأجازَ مالك للرَّجُلِ أن يُزوِّج المرأةَ، وهو من فَخِذِها، وإن كان ثمَّ من هو أقعدُ (٢) بها منه.
قال ابن القاسم: وإن كانت بكرًا، فزَوَّجها ذو الرَّأي، وأصاب وجه الرَّأي، ولها أخٌ أو غيره من الأولياءِ، فهو عندي جائز.
قال مالكٌ: تُولِّي العربيَّة أمرها المولَى من أهلِ الصَّلاح، دُونَ الأولياء.
قال ابن القاسم: ولا يكونُ عندَ مالك الأقربُ من الأولياء أقعدَ، إلّا إذا (٣) تَشاحُّوا في إنكاحها وخُطِبَتْ ورضِيَتْ، فإذا كان ذلك كان الأقربُ فالأقربُ يُنكحها دُونهم.
قال: وقال مالكٌ: في المرأةِ الثَّيب لها الأبُ والأخُ، فزَوَّجها الأخُ برضاها، وأنكرَ الأب، قال مالكٌ: ليسَ للأبِ هاهُنا قولٌ، إذا زوَّجها الأخ برضاها، لأنَّها قد ملكَتْ أمرها.
-
فهذا كلُّهُ روايات ابن القاسم، عن مالكٍ.
- vol. 12, p. 33
رَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ، قال: الابنُ أولى بإنكاح أُمِّه من أبيها، وبالصَّلاةِ عليها إذا ماتَتْ، والأخُ أولى بإنكاح أُختهِ من الجدِّ، وبالصّلاةِ عليها إذا ماتَتْ (١) .
قال: وسمعتُ مالكًا، يقول: في الثِّيب يُنكحها وليٌّ دونه وليٌّ. قال: إن كان بأمرها نظرَ في ذلك الوليُّ، فإن رأى سدادًا أجازَ.
قال ابنُ وَهْبٍ: وقال مالكٌ، في الرُّجل يُزوِّج (٢) المرأة من قومهِ، ولها وليٌّ غائبٌ: إنَّ ذلك النِّكاحَ لا يَجُوزُ، وإنَّه يفسَخُ، إلّا أن يَرَى السُّلطانُ أنَّ ذلك النِّكاحَ حسنٌ لا بأسَ به. فقيل لمالك: فالرَّجُل يُزوِّج أُختَه، وأبوه غائبٌ؟
فقال: لا يُنكحُها حتَّى يكتُبَ إلى أبيهِ.
قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال مالكٌ في هذا الباب أقاويلَ، يظنُّ من سَمِعها أنَّ بعضها يُخالفُ بعضًا، وجُملة هذا الباب: أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أمرَ بالنِّكاح، وحضَّ عليه الرَّسولُ - صلى الله عليه وسلم -، وجعلَ اللهُ المؤمنينَ بعضَهم لبعضٍ أولياء، فقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: ٧١] والمؤمنونَ في الجُملةِ هكذا يرثُ بعضُهم بعضًا، فلو أنَّ رَجُلًا ماتَ لا وارثَ له، لكانَ ميراثُه للمُسلمينَ، ولو جَنَى جنايةً، لعقَلَ عنه المسلمونَ، ثمَّ تكونُ ولايةٌ أقربَ من ولايةٍ، وقرابةٌ أقربَ من قراية، فإنَّما يَجُوزُ النِّكاح على جهتهِ، وبمن (٣) هو أولى بالمرأةِ، وبمن لو تَشاجَرُوا وتَرافعوا إلى الحاكم، لجعلَ أمرَ المرأة إلى ذلكَ الرَّجُل، فإذا كانت المرأة بمَوضع لا سُلطانَ فيه، ولا وليَّ لها، فإنَّها تُصيِّرُ أمرها إلى من يُوثَقُ به من جيرانها، فيُزوِّجها، ويكونُ هو وَليَّها في هذه الحال؛ لأنَّ النّاسَ لا بُدَّ لهم من التَّزويج، وإنَّما يعملونَ فيه بأحسنِ ما يُمكن.
- vol. 12, p. 34
وعلى هذا قال مالكٌ في المرأةِ الضَّعيفةِ الحالِ: إنّه يُزوِّجها من تُسندُ أمرَها إليه، لأنَّها ممَّن تضعف عن السُّلطان، وأشبهَتْ من لا سُلطانَ بحَضْرتها، ورجعَتْ في الجُملة إلى أنَّ المسلمينَ أولياؤها، ولذلك قال مالكٌ في المرأةِ التي لها أولياء، إنّهُ يُزوِّجها ذو الرَّأي منهم، وإن كان أبعدَ إليها من غير، على ما قال عُمر بن الخطّاب: لا تُنكحُ المرأة إلا بإذنِ وليِّها، أو ذي الرَّأي من أهلها، أو السُّلطانِ (١) .
-
لأنَّ ذلك وجهٌ من وجُوهِ إنكاحها، بل هو أحسنُه، لأنَّه لو رُفِعَ إلى الحاكم أمرُها، لأسنَده إلى ذلك الرَّجل.
قال إسماعيلُ: وإذا صيَّرت المرأةُ أمرَها إلى رجُل، وتركتِ الأولياءَ، فإنَّها أخذت الأمرَ من غيرِ وجههِ، وفعلَتْ ما يُنكره الحاكم عليها، ويُنكره المسلمونَ، فيفسَخُ ذلك النِّكاحُ من غيرِ أن يُعلمَ حقيقةُ أنَّه حرامٌ لما وصَفْنا من أنَّ المؤمنيَن بعضهُم أولياءُ بعض، ولما في ذلك من الاختلافِ، ولكن لتناولِها الأمرَ من غيرِ وجههِ، ولأنَّه أحوطُ في الفُروج وتَحْصينها، فإذا وقعَ الدُّخولُ، وتطاولَ الأمرُ لم يُفسَخْ، لأنَّ الأُمورَ إذا تفاوتت، لم يُرَدَّ منها إلّا الحرامُ الذي لا شكَّ فيه، ويُشبه ما فاتَ من ذلك بحُكم الحاكم إذا حكَمَ بحُكم لم يفسَخْ، إلّا أن يكون خطأً لا يُشَكُّ فيه، فأمّا ما يجتهدُ فيه الرَّأي، وفيه الاختلافُ، فإنَّه لا يفسَخُ، ولا يُرَدُّ من رأيٍ إلى رأيٍ.
-
وقد كان يُشبه على مذهب مالك، أن يكون الدُّخول فوتًا، وإن لم يتطاول، ولكنِّي أحسبُه احتاطَ في ذلك، لئلّا يجترئ (٢) النّاسُ على التَّزويج بغيرِ وليٍّ، ويَسْتعجلوا (٣) الدُّخولَ ليجوزَ لهم.
vol. 12, p. 35قال: وأمّا ما قال مالكٌ، أنَّ المرأة إذا زوَّجها غيرُ وليٍّ، ففسَخَهُ الحاكم، أنَّها تَطْليقة. فإنَّما قال ذلك، لما وصَفْنا أنَّه ليسَ يَعلَمُ حَقِيقةَ أنَّه حرامٌ، ولو كان يعلمُ حَقِيقةَ أنَّه حرام، لكانَ فسخًا بغيرِ طلاقٍ، ولم يكن عندَ ابن القاسم، عن مالكٍ، في المرأةِ إذا تزوَّجت بغيرِ إذنِ وليِّها ثمَّ ماتَ أحدهما، جوابٌ في توارثهما، وقال: كان مالكٌ يَسْتحب أن لا يُقام على ذلك النِّكاح، حتَّى يبتدئَ النِّكاحَ جديدًا، ولم يكن يحقِّقُ فساده.
قال إسماعيلُ: والذي يُشبه عندي على مذهبِ مالك، أنَّ هذين يَتَوارثان إن ماتَ أحدُهُما؛ لأنَّ الفسخَ يقعُ عندهُ بطلاقٍ، والنِّكاح ثابت حتَّى يُفرَّق بينهُما.
-
وقد ذكرَ أبو ثابتٍ، أنَّ ابن القاسم كان يَرَى أنَّ بينهُما الميراثَ، لو ماتَ أحدهما قبلَ أن يفسَح النِّكاح.
-
فهذه جُملة مذهب مالك، ووجُوههِ في النِّكاح بغيرِ وليٍّ.
-
ومذهبُ اللَّيث بن سعدٍ (١) في هذا الباب نحو مذهب مالك.
-
وأمّا الشّافعيُّ وأصحابه، فالنِّكاح عندهُم بغيرِ وليٍّ مفسُوخ أبدًا قبلَ الدُّخولِ وبعدهُ، ولا يَتَوارثانِ إن ماتَ أحدهما، والوليُّ عندَهُم من فرائضِ النِّكاح، لقيام الدَّليلِ عندهُم من الكتابِ والسُّنَّة على أن لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ.
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: ٣٢] ، كما قال: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: ٢٥] . وقال مُخاطبًا الأولياء: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: ٢٣٢] . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ" . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ وليٍّ، فنكاحُها باطلٌ" (٢) .
- vol. 12, p. 36
ولما قال - صلى الله عليه وسلم -: "الأيِّمُ أحقُّ بنفْسِها من وليِّها" (١) . دلَّ على أن غيرَ الأيِّم وليُّها أحقُّ بها منها، وكأنَّ الفرق بينَهُما في الإذنِ عندَهُ الأبُ، على ما ذكَرْنا من مذهبِ الشّافعيِّ في ذلك.
-
فلهذا كلِّه قال الشّافعيُّ وأصحابه: إنَّ النِّكاحَ بغيرِ وليٍّ باطل، مفسوخٌ أبدًا، وفسخُه بغيرِ طلاقٍ.
-
ولم يُفرِّقوا بين الدَّنيَّةِ الحالِ، وبين الشَّريفة، لإجماع العُلماء على أنْ لا فرقَ بينهُما في الدِّماء.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المُسلمونَ تَتَكافأ دِماؤُهم" (٢) . وهذا على {الْحُرُّ بِالْحُر} [البقرة: ١٧٨] . وسائرُ الأحكام كذلك ليس في شيءٍ منها فرقٌ بين الوَضيع والرَّفيع في كتابٍ ولا سُنَّةٍ.
وقال الشَّافعيُّ (٣) : لا ولايةَ لأحدٍ مع الأبِ، فإن ماتَ، فالجدُّ، ثمَّ أبو الجدِّ، ثمَّ أبو أبي الجد كذلك؛ لأنَّ كلهم أب، والثَّيبُ والبكرُ في ذلك سواء، لا تنكحُ واحدةٌ منهما بغيرِ وليٍّ.
-
إلّا أنَّ الثَّيب لا يُنكحُها أبٌ ولا غيره إلّا بأمرها، ويُنكِحُ الأبُ البكرَ من بناتهِ بغيرِ أمرها، لأنَّه أحقُّ بها من الثَّيبِ على ما قدَّمنا، والولاية بعد الجدِّ، وإن علا، للإخوةِ، ثمَ الأقرب فالأقرب.
قال المُزَنيُّ: قال في الجديدِ: من انفردَ بأُمٍّ، كان أولى بالإنكاح، كالميراثِ. وقال في القديم: هُما سواءٌ.
vol. 12, p. 37وقال الثَّوريُّ، كقولِ الشّافعي: الأولياء العَصَبة.
وقال أبو ثورٍ: كلُّ من وقعَ عليهِ اسمُ وليٍّ، فلهُ أن يُنكِحَ.
-
وهو قولُ محمد بن الحسنِ.
-
حدَّثنا أحمد بن محمدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا ابن الجارود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصورٍ، قال: قلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: إذا تزوَّجها بغيرِ وليٍّ، ثمَّ طلَّقها؟ قال: أحتاطُ لهذا (١) وأُجيزُ طلاقَهُ.
وقال إسحاقُ: كلَّما طلَّقها، وقد عُقِدَ النِّكاح بلا وليٍّ، لم يقَعْ عليها طلاق، ولا يقع بينهُما ميراثٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "فنكاحُها باطلٌ" ثلاثًا. والباطلُ مَفْسوخٌ، لا يحتاجُ إلى فسخ حاكم ولا غيرِهِ.
-
وأمّا أبو حنيفةَ (٢) وأصحابُهُ، فليسَ الوليُّ عندهُم من أركانِ النِّكاح، ولا من فَرائضهِ، وإنَّما هو لئلّا يلحَقَه عارُها، فإذا تزوَّجت كُفئًا، جازَ النِّكاح، بكرًا كانت أو ثيِّبًا.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها" فيه دليلٌ على أنَّ لها أن تُزوِّج نفسها، لأنَّه لم يَقُل: إنَّها أحقُّ بنفسها في الإذنِ دُونَ العَقدِ. ومن ادَّعى أنَّه أرادَ الإذنَ دونَ العقدِ، فعليه الدَّليل.
قالوا: والأيِّمُ كلُّ امرأةِ لا زوجَ لها، بكرًا كانت أو ثيِّبًا. قالوا: فالمرأةُ إذا كانت رشيدةً، جازَ لها أن تَلِي عقدَ نكاحها، لأنَّه عقدٌ أكسَبَها مالًا، فجازَ أن تتولّاه بنفسها، كالبيع والإجاراتِ. قالوا: وقد أضافَ اللهُ عزَّ وجلَّ، النِّكاحَ إليها بقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] ، وبقوله: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}
- vol. 12, p. 38
[البقرة: ٢٣٢] ، وبقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٣٤] (١) .
-
وأمّا مالك وأصحابه، فهذا الحديث، عندَهُم، إنَّما هو في اليَتيمةِ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا، والوليُّ عندَهُم، من عدا الأبَ هاهنا، وقد مضى هذا القولُ ووجهه، فلا معنى لإعادتهِ.
-
فما تأوَّله أصحابُ أبي حنيفةَ في هذا الحديثِ فغيرُ مُسَلَّم لهم (٢) .
-
وأمّا احتجاجُهم بقوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] ، فإنَّما هذا على ما يجبُ من النِّكاح الذي أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ ورَسُولهُ، ومنه الوليُّ، والصَّداقُ، وغيرُ ذلك.
-
وفي هذه المسألةِ كلامٌ كثيرٌ، واعتراضٌ طويلٌ لكلِّ فريقٍ من هؤلاء على صاحبهِ يَطُولُ ذكره، ولو أتَيْنا به، لخرجنا عن شرطنا، وإنَّما غرضُنا التَّعريف لما (٣) في الحديث من المعاني التي جَعلَها الفُقهاء أُصولًا في أحكام الدِّيانة، ليُوقَف على الأُصولِ وتُضبط.
-
وأمّا الاعتلالُ والفُروعُ والجِدالُ، فتَقْصر عن حَملِ ذلك الأسفارُ، والمُصنَّفات الطِّوالُ.
وقال داود وأصحابه في قوله: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها" : هي الثَّيِّب، ولها أن تُزوِّجَ نفسَها بغيرِ وليٍّ، والبكرُ يُزوِّجها وليُّها، ولا تتزوَّج بغيرِ وليٍّ، لقوله: "لا نِكاحَ إلّا بوليٍّ" . وهذا على الأبكارِ خاصَّة، بدليلِ قوله: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسها" .
- vol. 12, p. 39
واحتجَّ أيضًا، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليسَ للوليِّ معَ الثَّيِّبِ أمرٌ" (١) . وبحديثِ خَنْساء، وسنذكُره في بابِ عبد الرَّحمنِ بن القاسم، من كتابنا هذا، إن شاء الله.
-
أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣) : أخبَرنا مَعمرٌ، عن صالح بن كَيْسان، عن نافِع بن جُبيرِ بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ليسَ للولِيِّ مع الثَّيِّبِ أمرٌ، واليَتيمةُ تُستأمرُ، وصَمتُها إقرارُها (٤) " .
قال أبو عُمر: الأَوْلى أن يُحملَ قولُه - صلى الله عليه وسلم - "لا نِكاحَ إلَّا بوليٍّ" علي عُمومهِ، وكذلك قوله: "أيُّما امرأة نكحَتْ بغيرِ وليِّها فنكاحهُا باطلٌ" على عُمومهِ أيضًا.
-
وأمّا حديث: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها" فإنَّما وردَ للفرقِ بين الثَّيِّب والبكرِ في الإذنِ، واللّهُ أعلم.
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥) :
vol. 12, p. 40حدَّثنا ابنُ إدرِيسَ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكةَ، عن أبي عَمرٍو مولى عائشةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُستأمرُ النِّساءُ في أبضاعِهِنَّ" . قالت: قُلتُ: يا رسُولَ الله، إنَّهُنَّ يَسْتحيِينَ، قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها، والبِكرُ تُسْتأمرُ، وسُكُوتُها إقْرارُها" .
قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماء، على أنَّ للأبِ أن يُزوِّجَ ابنتهُ الصَّغيرةَ ولا يُشاورُها، لتَزْويج رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عائشةَ وهي بنتُ ستِّ سنينَ. إلّا أنَّ العراقيينَ، قالوا: لها الخيارُ إذا بلغَتْ. وأبَى ذلك أهل الحجاز، ولا حُجَّة مع من جعلَ لها الخيارَ عندي، واللّهُ أعلم.
قال (١) أبو قُرَّة: سألتُ مالكًا عن قولِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "والبكرُ تُستأذنُ في نفْسِها" أيصيبُ هذا القولُ الأبَ؟ قال: لا، لم يُعْنَ الأبُ بهذا، إنما عُنِيَ به غير الأبِ. قال: وإنكاحُ الأبِ جائزٌ على الصِّغارِ من ولدهِ، ذكرًا كان أو أُنثى؟ قال: ولا يُنكِحُ الجارية الصَّغيرة أحدٌ من الأولياءِ غيرُ الأبِ.
-
واختلفُوا في الأبِ، هل يُجبر ابنتَهُ الكبيرة البكرَ على النِّكاح أم لا؟
فقال: مالكٌ (٢) والشّافعيُّ (٣) وابنُ أبي ليلى: إذا كانت المرأةُ بكرًا، كان لأبيها أن يُجبرها على النِّكاح، ما لم يكُن ضررًا بيِّنًا، وسواءٌ كانت صغيرةً أو كبيرةً.
-
وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وجماعةٌ (٤) ، وحُجَّتهم: أنَّه لمّا كان لهُ أن يُزوِّجها وهي صغيرةٌ، كان له أن يُزوِّجها كبيرةً، إذا كانت بكرًا؛ لأنَّ العلَّة البُكورة، ولأنَّ
vol. 12, p. 41الأبَ ليسَ كسائرِ الأولياء، بدليلِ تَصرُّفه في مالها، ونظرهِ لها، وأنَّه غير مُتَّهم عليها، ولو لم يَجُزْ لهُ أن يُزوِّجها وهي بكرٌ بالغٌ إلّا بإذنها، ما جازَ له أن يُزوِّجها صغيرةً، كما أنَّ غير الأبِ لمّا لم يكُن لهُ أن يُزوِّجها بكرًا (١) بالغًا إلّا بإذنها، لم يكن له أن يُزوِّجها صغيرةً، فلو احتيجَ إلى إذنها في الأبِ، ما زوَّجها حتَّى تكون ممَّن لها الإذن بالبُلوغِ، فلمّا أجمعُوا على أنَّ للأبِ أن يُزوِّجها صغيرةً، وهي لا إذنَ لها، صحَّ بذلك أنَّ له أن يُزوِّجها بغيرِ إذنها، كائنةً ما كانت بكرًا؛ لأنَّ الفرقَ إنَّما وردَ بين الثَّيِّب والبكرِ، على ما قدَّمنا.
-
ومن حُجَّتهم أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكح اليتيمةُ إلّا بإذنها" (٢) ؛ لأنَّ فيه دليلًا على أنَّ غير اليتيمةِ تُنكَحُ بغيرِ إذنها، وهي البكرُ ذاتُ الأبِ.
-
وكذلك قولُه: "الثَّيِّب أحقُّ بنفسها" فيه دليلٌ على أنَّ البكرَ وليُّها أحقُّ منها، وهو الأبُ.
-
حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا أسباطُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُسْتأمرُ اليتِيمةُ، فإن سكتَتْ فهُو رِضاها، وإن أبَتْ فلا جَوازَ عليها" (٣) .
vol. 12, p. 42قال: وحدَّثنا الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تُستأمرُ اليتِيمةُ في نفسِها، فإن سكتَتْ فهُو رِضاها" (١) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ. قال أبو داود: وحدَّثنا أبو كامِل، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُستأمرُ اليَتيمةُ في نَفسِها، فإن سكتَتْ فهُو إذنُها، وإن أبَتْ فلا جوازَ عليها" .
قال أبو عُمر: ليسَ يروي هذا الحديثَ عن أبي سلَمة بهذا اللَّفظ، غيرُ محمدِ بن عَمرو، واللّهُ أعلم.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحسنِ الحربِيُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن أبي إسحاقَ، قال: حدَّثني أبو بُردةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تُستأمرُ اليَتيمةُ في نفسِها، فإن سكتَتْ فقد أذِنَتْ، وإن أنكرَتْ، لم تُكرَه" (٣) .
vol. 12, p. 43قالوا: ففي قوله: "تُستأمَرُ اليَتيمةُ" دليلٌ على أنَّ غيرَ اليَتِيمةِ لا تُستأمَرُ، وهي ذاتُ الأبِ، إذا كانت بكرًا، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنَفسِها" .
-
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والحسن بن حيٍّ وأبو ثورٍ وأبو عُبيد: لا يجُوزُ للأبِ أن يزوِّج البالغَ من بناتهِ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا، إلّا بإذنها (١) .
-
ومن حُجَّتهم قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "الأيِّم أحقُّ بنفسِها" . قالوا: والأيِّم هي التي لا بعلَ لها، وقد تكون ثيِّبًا وبكرًا، فكلُّ أيِّم على هذا، إلّا ما خصَّته السُّنَّة، ولم تخُصَّ من ذلك إلّا الصَّغيرةَ، وَحْدهُ يُزوِّجها أبوها بغيرِ إذنها؛ لأنه لا إذنَ لمثلها.
-
وقد ثبتَ أنَّ أبا بكر الصِّديق رضي اللهُ عنه زوَّجَ عائشة ابنتَهُ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهي صغيرةٌ لا أمرَ لها في نفْسِها (٢) ، فخرجَ الصِّغار من النِّساء بهذا الدَّليل.
وقالوا (٣) : الوليُّ هاهنا كلُّ وليٍّ، أبٍ وغير أبٍ، وهو حقُّ الكلام أن يُحمل (٤) على ظاهرهِ وعُمومهِ، ما لم يرد ما يخُصُّه ويُخرجهُ عن ظاهرهِ.
-
واحتَجُّوا أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكح البكرُ حتَّى تُستأذنَ" (٥) . قالوا: فهذا على عُمومهِ في كلِّ بكرٍ، إلّا الصَّغيرة ذات الأبِ، بدليلِ قِصَّة عائشة رضي الله عنها، وإجماعِهِم على أنَّ ذلك صحيحٌ عنه - صلى الله عليه وسلم -.
-
واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ ابن عبّاسٍ: أنَّ رجلًا زوَّجَ ابنتَه، وهي بكرٌ، فأبَتْ وجاءت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: فرَدَّ نكاحَها.
vol. 12, p. 44قال أبو عُمر: هذا حديث انفردَ به جرير بن حازم، لم يرور غيره، عن أيُّوبَ، عن عكرمَةَ، عن ابن عبّاسِ. وقد رُوي من حديثِ جابرٍ، وابنِ عُمرَ، مثلُ ذلك، وليسَ محفوظًا.
-
حدثناه عبد الوارث بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حُسين بن محمد المَرُّوذِيُّ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا عُثمانُ بن
vol. 12, p. 45أبي شَيْبةَ، قال: [حدَّثنا حُسينُ بن محمدٍ، قال] (١) : حدَّثنا جرِيرُ بن حازِم، عن أيُّوبَ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ جارِيةً بكرًا أتَتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكرَتْ له أنَّ أباها زوَّجها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو عُمر: هذا عندَ أصحابنا يحتَمِلُ أن يكونَ وردَ في عينٍ (٢) زوَّجَها أبوها من غيرِ كُفءٍ، أو ممَّن يَضُّرُّ بها.