عبد الله بن الفضل
154 paragraphs · vol. 12, p. 5
Page 4 of 4
- vol. 12, p. 45
وأما قوله: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها" . فقد مضى هذا الحديث وتكرَّرَ، ومضى القولُ في معانيهِ على اختلافِ ما للعُلماء فيها (٣) .
-
وأمّا قوله: "لا تُنكح البكرُ حتَّى تُستأذنَ" ، فحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعِيدِ بن الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا الزَّعفرانِيُّ، قال: حدَّثنا وكِيع، قال: حدَّثنا عليُّ بن المُباركِ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُستأمر، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذن" . قالوا: يا رسُولَ الله، كيفَ إذنُها؟ قال: "أن تسكُتَ (٤) " (٥) .
-
وحدَّثنا (٦) محمدُ بن عبد الملكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال حدَّثنا الحسنُ بن محمدِ بن الصَّبّاح، قال حدَّثنا عبدُ الوهّابِ، عن هشام بن أبي
vol. 12, p. 46عبدِ الله، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تُنكحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ ". قالوا: يا رسُولَ الله، كيفَ إذنُها؟ قال: " أن تسكُتَ " (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبان، قال: حدَّثنا يحى، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا تُنكحُ الثَّيِّبُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ ". قالوا: يا رسُولَ الله، وكيف إذنُها؟ قال: " إذا سكتَتْ فهُو رِضاها ".
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن يحيى بن أبي كثِيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُنكحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمَرَ، ولا البِكرُ حتَّى تُستأذَنَ ". قالوا: وكيفَ إذنُها؟ قال: " أن تسكُتَ" (٣) .
قال أبو عُمر: ليسَ يأتي هذا اللَّفظ في هذا الحديث، إلّا بهذا الإسناد.
-
وهو ممّا انفردَ به يحيى بن أبي كثير، وهو ثقةٌ، وهو أثبتُ عندهُم من محمدِ بن عَمرو (٤) .
- vol. 12, p. 47
وظاهرُه يَقْتضي أنَّ البكرَ لا يُنكِحها وليُّها، أبًا كان أو غيره حتَّى يَسْتأذنَها وَيسْتأمرَها، ولا يُستأذَنُ ولا يُستأمَر إلّا البوالغُ.
-
وهذه حُجَّة الكُوفيِّينَ، إلّا أنَّ البكر هاهنا يحتملُ أن تكونَ اليَتِيمة، بدليل حديث محمد بن عَمرو، وإذا حُمل على هذا، لم تتعارض الأحاديث (١) .
-
واختَلفُوا في غير الأبِ من الأولياءِ، أخًا كان أو غيره، هل لهُ أن يُزوِّج الصَّغيرة؟
فقال: مالكٌ (٢) ، والشّافعيُّ (٣) : لا يجوزُ لأحدٍ من الأولياءِ غيرِ الأبِ، أن يُزوَّجَ الصَّغيرة قبلَ البُلوغِ، أخًا كان أو غيره. وهو قولُ ابن أبي ليلى، والثَّوريِّ، وبه قال: أحمدُ بن حنبل، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ (٤) .
-
وحُجَّةُ من قال بهذا، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تُستأمَرُ اليَتيمةُ في نفْسِها، فإن سكتَتْ، فقد أذنَتْ" .
قالوا: والصَّغيرةُ ممَّن لا إذنَ لها، فلم يجُزِ العَقدُ عليها إلّا بعدَ بُلوغها، ولأنَّ الأخَ لا يتصّرَف في مالها، فكذلك بُضعُها.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أن يُزوِّج الصَّغيرة وليُّها من كان، أبًا كان أو غيره، غير أنَّ لها الخيار إذا بلغَتْ (٥) . وبه قال محمدُ بن الحسنِ.
vol. 12, p. 48وقال أبو يوسُف (١) : لا اختيارَ (٢) لها. ولا فرقَ بين الأبِ وغيره من الأولياءِ عندهُم.
قالوا: من جازَ له أن يُزوِّجها كبيرةً، جازَ أن يُزوِّجها صغيرةً.
-
ورُوي مثلُ قولِ أبي حنيفةَ هذا عن الحسنِ، وعُمرَ بن عبد العزيزِ، وطاووسٍ، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وابن شُبرمةَ، والأوزاعيِّ (٣) .
-
واختلفُوا في النِّكاح يقعُ على غيرِ وليٍّ، ثمَّ يجيزهُ الوليُّ قبلَ الدُّخولِ.
فقال: مالكٌ (٤) وأصحابهُ، إلّا عبد الملك: ذلك جائز، إذا كانت إجازةُ الوليِّ لذلك بالقُربِ، فإن كان ذلك قريبًا، جازَ، وللوليِّ في ذلك أن يُجيزَ أو يفسخَ ما كان بحِدْثانِ ذلك، وسواءٌ دخلَ أو لم يدخل للوليِّ إجازتهُ وفسخُهُ ما لم تَطُل إقامتها مَعهُ، هذا إذا عقدَ النِّكاحَ غير الوليِّ، ولم تعقدهُ المرأةُ لنفسِها، فإن زوَّجتِ المرأةُ نفسها، وعقدَتْ عُقدةَ النِّكاح من غيرِ وليٍّ قريبٍ ولا بعيدٍ من المُسلمينَ، فإن هذا النِّكاح لا يُقَرُّ أبدًا على حال، وإن تطاوَلَ، وإن ولدَتِ الأولادَ، ولكنَّه يلحَقُ بهِ (٥) الولدُ إن دخَلَ، ويسقُطُ الحدُّ، ولا بُدَّ من فسخ ذلك النِّكاح على كلِّ حالٍ.
وقال ابن نافع، عن مالكٍ: الفسخُ فيه بغيرِ طلاقٍ.
وقال عبد الملك بن الماجِشُونِ: لو أنَّ امرأةً مالكةً أمرَها تزوَّجت، على أن يُجيزَ وليُّها، فأجازَ ذلك، لم يجُزْ.
vol. 12, p. 49قال: وكذلك إن كانت حظيَّةً (١) ذات حظاءٍ (٢) ، فجعلَتْ أمرَها إلى رجُلٍ فزوَّجها، فأجازَ ذلك وليُّها لم يجُز.
قال أحمد بن المُعذَّل: قال لي عبد الملك: انظُر أبدًا في هذا البابِ، فإن كان العقدُ من المرأةِ، أو ممَّن جعلَتْ ذلكَ إليه، وهو غيرُ وليٍّ، ثمَّ أجازَ ذلك الوليُّ، فإن ذلكَ مردودٌ أبدًا، وإن كانَ العقدُ من الولاةِ، ثمَّ أجازتهُ المرأةُ، فهي لهم تبعٌ، وهو ماضٍ.
قال إسماعيلُ: أمّا تشبيهُ عبد الملكِ تزويجَ غير الوليِّ بأمرِ المرأةِ، بتزويج المرأةِ نفسَها، فلا يُشبهُه، لأنَّ المرأة لا تلي عقدَ نكاح نفسِها ولا غيرها، ولا أمَتِها (٣) ، لأنَّ هذا بابٌ ممنوعٌ منه النِّساء.
قال: وجعلَ عبد الملكِ تزويجَ غير وليِّ المرأةِ بأمرها، أضعفَ من تزويج الوليِّ المرأةَ بغيرِ أمرها. وجعلَ مالكٌ تزويجَ غير الوليِّ بأمرها، أقوى من تزولج الوليِّ المرأةَ بغيرِ أمرها.
قال إسماعيلُ: والذي قال مالكٌ أشبَهُ وأبينُ، لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها" . فإذا عقدَ نكاحها الوليُّ بغيرِ أمرها، ثمَّ أجازَتْ، لم يجُز، إلّا أن يكونَ بالقُربِ، فإنَّه استحسَنَ ذلك، لأنَّه كأنهُ كان في وقتٍ واحدٍ، وفورٍ واحدٍ، وإنمّا أبطَلهُ مالكٌ، لأنَّ عقد الوليِّ بغيرِ أمرِ المرأةِ، كلا عَقدٍ، لأنَّها لو أنكرتهُ، لم يكن فيه طلاقٌ.
-
وإذا زوَّج المرأةَ غيرُ وليٍّ بأمرها، فهو نكاحٌ قد وقعَ فيه اختلافٌ، فإنَّما يُفسخُ باجتهادِ الرَّأي، والأوَّلُ يُفسخُ بالحقيقةِ.
vol. 12, p. 50قال: فجعلَ عبد الملكِ الأقوى أضعفَ، والأضعفَ أقوى.
قال: وقد حَكَى ابن القاسم عن مالكٍ، في المرأةِ يُزوِّجها غيرُ الوليِّ بإذنها أن فسَخهُ (١) ، ما هو عندي بالبين، ولكنَّه أحبُّ إليَّ. قال: ابن القاسم، وبينهُما الميراثُ لو ماتَ أحدُهما قبلَ الفسخ.
قال أبو عُمر: من مشهورِ قولِ مالكٍ وأصحابه، في المرأةِ التي لا حالَ لها ولا قدرَ ولا مالَ، أنَّ لها أن تجعلَ أمرَها إلى من يُزوِّجها، وأنَّه لا يحتاج في ذلك إلى إجازة وليِّها.
قال: ابن القاسم، عن مالكٍ (٢) ، في المُعتَقةِ والمُسالمةِ والمرأةِ المسكينةِ تكونُ في القريةِ التي لا سُلطانَ فيها، أو تكون في الموضع الذي فيه سُلطانٌ، ولا خطبَ لها؛ قال مالكٌ: لا أرى بأسا أن تستخلفَ على نَفسِها من يُزوِّجها، فيجوز ذلك.
وقال عبد الملكِ بن الماجشونِ: قولُ أصحابنا في الدَّنيَّة الحالِ والموضع والأعجميَّةِ والوَغْدةِ، تُسندُ أمرها إلى رَجُلٍ لهُ حالٌ وليسَ من مواليها، ولا ممَّن يأخذُ لها بالقسم (٣) : أنَّه لو زوَّجها، مَضَى ولم يُردَّ، وكان مُستحسنًا، يجري في ذلك مجرَى الوليِّ.
قال: وأمّا المرأة ذات الحالِ والنَّعمةِ والنَّسَبِ والمالِ، فإنَّه لا يُزوِّجها في قولنا، لا أعلمُ فيه شكًّا عندَ أصحابنا، إلّا وليٌّ، أو من يَلِيَ الوليَّ، أو السُّلطانُ.
قال أبو عُمر: ولم يختلف قولُ مالكٍ وأصحابهِ في العبدِ ينكحُ بغيرِ إذنِ سيِّدهِ: أنَّ السَّيد بالخيارِ، إن شاءَ أجازهُ، وإن شاء فسخهُ، ولم يَشْترطوا هاهنا قُربًا ولا بُعدًا.
vol. 12, p. 51وقال يحيى بن سعيد: الأمرُ عندَنا بالمدينةِ على هذا، إن شاء أمضاهُ السَّيِّد، وإن شاء فسَخهُ، فإن أمضاهُ، فلا بأسَ به.
قال إسماعيلُ: وهو قولُ سعيد بن المُسَيِّبِ، والحسنِ، وإبراهيمَ، والحَكَم (١) .
قال: وليسَ هذا مثلَ أن يتزوَّجها على الخيارِ، لأنَّه نكاحٌ لا خيارَ فيه انعقدَ عليه، وإنَّما صارَ الخيارُ للسَّيِّدِ في فَسخِهِ وإمضائهِ، لما يدخُلُ عليه في عبدهِ ممّا لم يرضَهْ، فإذا علِمَهُ ورضِيهُ جازَ، لأنَّ عيبَ النِّكاح من قِبَلهِ، وإن فرَّقَ بينهُما، كان طلاقًا بمَنْزلة من إليه طلاقُ زوجةِ رَجُل، فإن لم يُطلِّق، ثبتَ النِّكاحُ.
-
وقال عبدُ الملكِ بن الماجِشونِ، في العبدِ يتزوَّج بغيرِ إذنِ سيِّدهِ، والمولَّى عليه يتزوَّج بغيرِ إذنِ وليِّه، ثمَّ يَعتَقُ العبدُ، وَيليَ اليتيمَ نفسَهُ من قبلِ أن يُفسَخَ نكاحهُما، أنَّ نكاحهُما يثبُتُ. قال: ولو أنَّ أمةً تزوَّجت بغيرِ إذنِ سيِّدها، ثمَّ أمضاهُ، لم يمضِ.
-
وذكرَ ابن القاسم وغيرُه، عن مالك، في العبدِ والأمَةِ مثل ذلك، قال ابن القاسم: لأنَّ العبدَ يعقدُ نكاحَ نفسه، والأمَةَ لا تعقدُ نكاحَ نفسها، فعقدُها نكاحَها باطلٌ (٢) .
قال ابن القاسم: ولو باعَهُ السَّيِّد قبلَ أن يعلم بنكاحهِ، لم يَكُن للمُشتري أن يَرُدَّ نكاحه، ولهُ أن يردَّ البيعَ، إن شاء، إذا علِمَ بذلك، فإن ردَّه، كان للبائع إجازةُ النِّكاح وردُّه.
وقال عبد الملكِ: لو أنَّ رَجُلًا زوَّج غُلامًا لغيرهِ جاريتَه، أو جاريةَ غيره، ثمَّ علِمَ السَّيِّدُ فأجازَ. قال: يمضي النِّكاحُ، وإنَّما ذلك كتزويج اليتيم والعبدِ، إذا أمضاهُ الوليُّ والسَّيِّد.
vol. 12, p. 52قال أبو عُمر: هذا، ولم يختلف قولهم أنَّ نكاحَ الأمَةِ بغيرِ إذن سيِّدها ورضاهُ باطلٌ.
وقال أبو حنفيةَ وأصحابه (١) : ذلك النِّكاح موقوفٌ على من إليه إجازتهُ من الأولياءِ، وكذلك نكاحُ الأمَةِ والعبدِ، وهو موقوفٌ على إجازةِ السَّيِّد، قياسًا على البيع الموقُوفِ على إجازةِ السَّيِّد، استدلالًا بحديثِ الشّاتين، من حديث عُروة البارقي (٢) ، وحكيم بن حزام (٣) ، ولإجماع المسلمينَ على أنَّ الوصيَّة موقُوفةٌ على قَبولِ الموصىَ له.
قال أبو عُمر: حديثُ الشّاتينِ حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن شبِيبِ بن غَرْقدةَ، قال: حدَّثني الحيُّ، عن عُروةَ البارِقِيِّ، قال: أعْطاهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - دِينارًا ليَشْترِي به أُضحِيةً، أو قال شاةً (٤) ، فاشْتَرَى به ثِنْتين، فباعَ إحداهُما بدِينارٍ، فأتاهُ بشاةٍ ودِينارٍ، فدَعا لهُ بالبركةِ في بيعِهِ، فكانَ لوِ اشْتَرَى تُرابًا، لربِح فيهِ (٥) .
vol. 12, p. 53قال أبو عُمر: ليس في هذا الحديثِ حُجَّةٌ لمن احتجَّ به في هذا البابِ، لا من جهَةِ الإسنادِ، ولا من جهَةِ المعنى.
وقال الشّافعيُّ (١) : إذا نكحَتِ المرأة بغيرِ إذن وليِّها، فلا يجُوزُ النِّكاحُ، وإن أجازَهُ الوليُّ حتَّى يُبتدَأ بما يجُوزُ. وكذلك البيعُ عندَهُ إذا وقعَ فاسدًا، كرَجُلٍ باعَ مال غيرهِ بغيرِ إذنهِ، لا يجُوزُ، وإن أجازهُ صاحبهُ، حتَّى يستأنفا بيعًا. وهو قول داود في الوَجهينِ جميعًا.
-
ومن حُجَّتهم، قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما امرأةٍ نكحَتْ بغيرِ إذنِ ولِيِّها، فنِكاحُها باطِلٌ" (٢) . و: "أيُّما عبدٍ نكحَ بغيرِ إذنِ سيِّدِهِ، فنِكاحُهُ باطِلٌ، وهُو عاهِرٌ" (٣) . ولم يَقُل: إلّا أن يُجِيزهُ السَّيِّدُ، فكذلك كلُّ ولِيٍّ كالسَّيِّدِ في ذلك.
-
واحتجَّ الشّافِعيُّ بحديثِ خَنْساءَ، حِينَ ردَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نِكاحَها، إذْ زوَّجها أبوها بغيرِ إذنِها (٤) . ولم يَقُل: إلّا أن تُجِيزِي.
وقال الثَّوريُّ وأحمد وإسحاقُ في هذه المسألة: أُحبُّ أن يَسْتقبلوا نكاحًا جديدًا.
vol. 12, p. 54وقال أحمدُ بن حنبل: لا أرى للقاضي، ولا للوليِّ أن يُزوِّج اليَتِيمة حتَّى تبلغَ تسعَ سنينَ. قال: فإن زُوِّجت صغيرةً دُونَ تسع سنينَ، فلا أرى أن يدخُلَ بها حتّى تبلغَ تسعَ سنينَ (١) .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قاله غيره، وأظنُّه أخذهُ من قِصَّة عائشة في الدُّخولِ، وقد تَزوَّجها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهي بنتُ ستِّ سِنينَ، أو سبع سنينَ، ودخَلَ بها وهي ابنةُ تسع، أو عشرِ سنينَ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ. قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: وحدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جُريرٌ، قالا: أخبَرنا هشامُ بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: تَزوَّجني رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابنةُ سِتٍّ، أو سبع سِنين، وبَنَى بي، وأنا ابنةُ تِسع سِنين.
-
وفي رِوايةِ الأسْوَدِ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تَزوَّجها وهي ابنةُ تِسع سِنينَ (٣) .
vol. 12, p. 55وقال عبدُ الله بن محمدِ بن عَقيل: تَزوَّجها رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وهي ابنةُ عشرِ سنينَ.
قال أبو عُمر: هذا أكثرُ ما قيلَ في سنِّ عائشةَ في حينَ نِكاحها.
-
ومحملُ هذا القولِ عندَنا على البِناء بها، ورواية هشام بن عُروةَ أصحُّ ما قيلَ في ذلك من جهَةِ النَّقلِ، والله أعلمُ.
-
واختَلفُوا في سُكوتِ اليَتِيمة البكرِ، هل يكونُ رضًا قبلَ إذنها في ذلك وتَفْويضها؟
-
فعندَ مالكٍ (١) وأصحابه: أنَّ البكرَ اليتيمةَ إذا لم تأذَنْ في النِّكاح، فليسَ السُّكوتُ منها رضًا، فإن أذنَتْ وفوَّضت أمرَها وعقدَ نكاحها إلى وليِّها، ثمَّ أنكَحَها ممَّن شاء، ثمَّ جاء يَسْتأمرها، فإنَّ إذنَها حينَئذٍ الصَّمتُ عندَهم إذا كانت بكرًا، كما ذكَرْنا.
-
وفي مذهبِ أبي حَنِيفة والشّافعيِّ وغيرهم: أنَّ سُكوتَ البكرِ اليتيمةِ إذا اسْتُؤمرت، وذُكِرَ لها الرَّجلُ ووُصِفَ، وأُخبرت بأنَّها تُنكحُ منه، وأنَّها إن سكتَتْ لَزِمها، فسكتَتْ بعدَ هذا، فقد لزَمِها (٢) .
قال أبو عُمر: فروعُ هذا البابِ كثيرةٌ، واعتلالُ القائلينَ لأقوالهم يَطُولُ ذكرهُ، وفيما ذكَرْنا منه كفايةٌ، وقد أتَينا بجميع أُصولهِ التي منها تقُومُ فُروعه، وبالله التَّوفيقُ.
- vol. 12, p. 56
عبدُ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيان بن عبد الأسدِ بن هلال (١) .
-
هكذا قال مالكٌ: مولى الأسودِ بن سُفيانَ (٢) .
-
ورَوَى عنهُ أبو أُوَيسٍ، فقال عنه: عبدُ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن عبدِ الأسَدِ المخزُومِيِّ.
-
وروى عنهُ عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، فقال: عن عبدِ الله بن يزِيد مولى آلِ سُفيان بن عبدِ الأسدِ.
-
فالصَّوابُ ما قالهُ مالكٌ، وهُو مولى الأسودِ بن سُفيان بن عبدِ الأسدِ بن هِلالِ بن عبدِ الله بن عُمر بن مخزُوم.
-
وكان لعبدِ الأسَدِ ثلاثةُ بنِين: عبدُ الله، وهُو أبو سَلَمةَ، زوجُ امِّ سلمةَ رضي الله عنها، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في "الصَّحابة" (٣) بما فيه كِفايةٌ.
-
والأسودُ بن عبدِ الأسدِ، قُتِلَ يوم بدرٍ كافِرًا، قتَلهُ حمزةُ.
-
وسُفيانُ بن عبدِ الأسدِ، قال العدوِيُّ: وكان لهُ قَدْرٌ، ولسُفيان هذا ابنٌ يُسمَّى الأسودَ بن سُفيان.
-
وكان لهم بنُونَ، لهم قدرٌ، وهُم موالي عبدِ الله بن يزِيد هذا، شيخُ مالكٍ، والذي قالهُ مالكٌ وعبدُ الرَّحمنِ بن إسحاق فيه هُو الصَّوابُ، عِندَ أهلِ العِلم بالنَّسبِ، والله أعلمُ، وما قالهُ أبو أُوَيسٍ فليسَ بمُنكرٍ؛ لأنَّهُ نسبَ الأسود إلى جدِّهِ.
- vol. 12, p. 57
وعبدُ الله بن يزِيد هذا ثِقةٌ حُجَّةٌ فيما نقل.
-
ذكر العُقيليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمد بن حَنْبلٍ قال: سألتُ أبي عن عبدِ الله بن يزِيد مولى الأسودِ بن سُفيانَ، فقال: ثِقةٌ (١) . وسألتُ عنهُ يحيى بن معين (٢) فقال: ثِقةٌ (٣) ، حدَّث عنهُ مالكٌ، واللَّيثُ بن سعدٍ (٤) .
قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ من مرفوعات (٥) "المُوطَّأ" خمسةُ أحادِيث، شَرِكهُ في أحَدِها أبو النَّضر (٦) .