حميد الأعرج المكي
137 paragraphs · vol. 2, p. 250
Page 2 of 4
- vol. 2, p. 263
في هذا الحديث: النَّهيُ عن التَّفاضُل في الدَّنانير والدَّراهم إذا بيعَ شيءٌ منها بجنسِه.
-
وقولُه فيه: الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهمُ بالدِّرهم، إشارةٌ إلى جِنْسِ لأصل، لا إلى المَضْروب دونَ غيره؛ بدليل إرسالِ ابنِ عمرَ الحديثَ على سؤال الصائغ له عن الذَّهَب المصوغ، وبدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الفضَّةُ بالفضَّة، والذَّهبُ بالذَّهب، مثلًا بمثل، وزنًا بوزن" (٢) . ولا أعلمُ أحدًا من العلماء حرَّم التَّفاضلَ في المَضْروبِ العَينِ من الذَّهبِ والفضَّةِ المُدرهَمةِ دونَ التِّبرِ والمصُوغ منهما إلا شيءٌ جاء عن
vol. 2, p. 264معاويةَ بن أبي سفيانَ رُوِيَ عنه من وجوه، وقد أجمَعوا على خلافِه، فأغنى إجماعُهم على ذلك عن (١) الاستشهادِ فيه بغيره. وفي قصّة معاويةَ مع أبي الدَّرداءِ إذ باع معاويةُ السِّقايةَ بأكثرَ من وزنها (٢) ، بيانُ أنَّ الرِّبا في المصُوغ وغير المصُوغ، والمضروب وغير المضروب.
قال أبو عُمر: فالفضَّةُ السَّوداءُ والبيضاءُ، والذَّهبُ الأحمرُ والأصفرُ، كلُّ ذلك لا يجوزُ بيعُ بعضِه ببعضٍ إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن، سواءً بسواء، على كلِّ حال، إلّا أن تكونَ إحدَى الفضَّتين أو إحدَى الذَّهبين فيه دخلٌ من غير جنسِه، فإن كانت كذلك لم يجزْ بيعُ بعضِها ببعضٍ البتَّة على حال، إلّا أن يحيطَ العلمُ أنَّ الدخلَ فيهما سواءٌ، نحوَ السِّكَّة الواحدة، لعدم المماثلة؛ لأنا إذا عدِمنا حقيقةَ المماثلةِ لم نأمنِ التَّفاضل، وقد ورَد الشَّرعُ بتحريم الازديادِ في ذلك، فوجَب المنعُ حتى تصحَّ المماثلة.
-
وروَى مالكٌ (٣) ، عن نافع، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذَّهبَ بالذَّهب إلّا مثلًا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا الورِقَ بالورِقِ إلّا مثلًا بمثل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز" . وسيأتي القولُ في معنى هذا الحديثِ في باب نافع إن شاء الله.
قال أبو عُمر: المماثلةُ في الموزوناتِ الوزنُ لا غير، وفي المكيلاتِ الكيل، ولو وُزِن المكيلُ رجوتُ أن يكونَ مماثلةً إن شاء الله. وقد رُوِيَ عن ابنِ عبّاس رضي الله عنه، وعن بعض أصحابه، في هذا البابِ شيءٌ لا يصحُّ عنه إن شاء الله؛
- vol. 2, p. 265
لأنه قد رُوِيَ عنه من وجوهٍ خلافُه، وهو الذي عليه علماءُ الأمصار، فلم أرَ وجهًا في ذلك للإكثار.
-
أخبرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَين، قال: حدَّثنا عبدُ السلام، عن مُغيرة، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي نُعْم (١) ، أنَّ أبا سعيدٍ لقي ابنَ عبّاس، فشهِد على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "الفضَّةُ بالفضَّة، والذَّهبُ بالذَّهب، مثلًا بمثل، فمن زاد فقد أربى" . فقال ابنُ عبّاس: أتوبُ إلى الله فيما كنتُ أُفتي به. ورجَع عنه (٢) .
قال عليٌّ (٣) : وحدَّثنا داودُ بنُ عمرو الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم، عن عمرِو بنِ دينار، عن ذَكوانَ أبي صالح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهمُ بالدِّرهم، لا زيادة" . وبلَغه قولُ ابنِ عبّاس، قال أبو سعيد: فقلتُ لابن عبّاس: ما هذا الحديثُ الذي تُحدِّثُ به، أشيءٌ سمعتَه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، أو شيءٌ وجدتَه في كتاب الله؟ فقال ابنُ عبّاس: ما وجَدتُه في كتابِ الله، ولا سمِعتُه من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنتم أعلمُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منِّي؟ ولكنَّ أسامةَ بنَ زيدٍ حدَّثني، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الرِّبا في النَّسيئة" (٤) .
vol. 2, p. 266قال عليٌّ (١) : وحدَّثنا عَتيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثني عبدُ العزيز بنُ محمد، عن إبراهيمَ بنِ طَهمان، عن أبي الزُّبير المكِّي، قال: سمعتُ أبا أُسَيْدٍ السَّاعديَّ وابنُ عبّاسٍ يُفتي في الدِّينار بالدِّينارين، فأغلَظ له أبو أُسيد، فقال له ابنُ عبّاس: ما كنتُ أظنُّ أنَّ أحدًا يعرفُ قرابتي من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ لي مثلَ هذا يا أبا أُسَيْد! فقال أبو أُسَيْد (٢) : أشهَدُ لسمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الدِّينارُ بالدِّينار، والدِّرهمُ بالدِّرهم، وصاعُ حنطةٍ بصاع حنطة، وصاعُ شعيرٍ بصاع شعير، وصاعُ ملح بصاع ملح، لا فضلَ بينَ شيء من ذلك" . فقال عبدُ الله بنُ عبّاس: هذا شي ءٌ كنتُ أقولُه برأي، ولم أسمَعْ فيه شيئًا.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ عليٍّ الرَّبَعيُّ، عن أبي الجَوزاء، عن ابنِ عبّاس، أنّه رجَع عن الصَّرف، وقال: إنَّما كان ذلك رأيًا منِّي، وهذا أبو سعيدٍ يُحدِّثُ بهِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
وروَى ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني مَخْرَمةُ بنُ بُكَيْر، عن أبيه، قال: سمعتُ سليمانَ بنَ يسارٍ يزعُمُ أنّه سمع مالكَ بنَ أبي عامرٍ يحدِّثُ عن عثمانَ بن عفان، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الدِّينارَ بالدِّينارين، ولا الدِّرهمَ بالدِّرهمين" (٤) .
vol. 2, p. 267قال أبو عُمر: لم أرَ ذكرَ ما رُوِيَ عن ابنِ عبّاس ومَن تابَعه في الصَّرف، ولم أعُدَّه خِلافًا؛ لما رُوِيَ عنه من رجوعِه عن ذلك. وفي رجوعِه إلى خبر أبي سعيدٍ المُفَسَّرِ وتركِه القولَ بخبر أسامةَ بنِ زيدٍ المُجْمَل، ضروبٌ من الفقهِ ليس هذا موضعَ ذكرِها، ومَن تدبَّرها ووُفِّق لفهمِها أدرَكها، وبالله التوفيق.
-
وقد رُوِي عن كثير من أصحابِ مالك، وبعضُهم يرويه عن مالك، في التاجرِ يحفِزُه الخروجُ وبه حاجةٌ إلى دراهمَ مضروبةٍ أو دنانيرَ مضروبة، فيأتي دارَ الضَّربِ بفضَّتِه أو ذهبِه، فيقولُ للضَّرَّاب: خُذْ فضَّتي هذه أو ذهبي، وخُذْ قَدرَ عمل يدِك، وادفعْ إليَّ دنانيرَ مضروبةً في ذهبي، أو دراهمَ مضروبةً في فضَّتي هذه؛ لأنِّي محفوزٌ للخروج وأخافُ أن يفوتَني مَن أخرُجُ معه، أنَّ ذلك جائزٌ للضَّرورة، وأنَّه قد عمِل به بعضُ الناس.
قال أبو عُمر: هذا مما يرسلُه العالمُ عن غير (١) تدبُّرٍ ولا رواية، وربَّما حكاه لمعنًى قاده إلى حكايتِه، فيتوهَّمُ السامعُ أنَّه مذهبُه، فيحمِلُه عنه. وهذا عَينُ الرِّبا، لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من زادَ أو ازداد فقد أربى" (٢) . وقال ابنُ عُمرَ للصائغ: لا. في مثل هذه المسألةِ سواء، ونهاه عنها، وقال: هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وعهدُنا إليكم. وهذا قد باع فضةً بفضةٍ أكثرَ منها، وأخَذ في المضروبِ زيادةً على غير المضروب، وهو الرِّبا المجتمَعُ عليه، لأنه لا يجوزُ مضروبُ الفضَّةِ ومصوغُها بتبرِها، ولا مضروبُ الذهبِ ومصوغُه بتِبرِه وعينِه إلّا وزنًا بوزنٍ عندَ جميع الفقهاء، وعلى ذلك تواتَرتِ السُّننُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
- vol. 2, p. 268
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال (١) : حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عليّ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمر، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكِّيّ، عن أبي الأشعثِ الصَّنعانيِّ، عن عبادةَ بنِ الصامت، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الذَّهبُ بالذَّهب؛ تِبرُه وعينُه، والفضَّةُ بالفضَّة؛ تِبرُها وعينُها - يعني وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، يدًا بيدٍ - من زاد أو ازداد فقد أربَى" . مختصرٌ. قال أبو داود: ورواه سعيدُ بنُ أبي عَروبة، وهشام، عن قتادة، عن مسلم بن يسار.
-
وقد ذكَرنا خبرَ عُبادةَ هذا بكثير من طرقِه في مواضعَ من هذا الكتاب. وقد ردَّ ابنُ وَهْبٍ هذه المسألةَ على مالك، وأنكَرها. وزعَم الأبْهَرِيُّ أنَّ ذلك من بابِ الرِّفقِ لطلبِ التِّجارة، ولئلّا تفوتَ السُّوقُ. قال: وليس الرِّبا إلّا على مَن أرادَ أن يُرْبي ممَّن يقصِدُ إلى ذلك ويبتغِيه. ونسي الأبهَرِيُّ أصلَه في قطع الذَّرائع، وقولَه فيمن باعَ ثوبًا بنسيئةٍ وهو لا نيَّة له في شرائِه، ثم يجدُه في السوق: إنّه لا يجوزُ له أن يبتاعَه منه بدونِ ما به باعَه منِه، وجعَل هذا ربًا (٣) وإن لم يقصدْ
vol. 2, p. 269إلى ذلك ولم يبتغِه. ومثلُ هذا كثيرٌ. ولو لم يكنِ الرِّبا إلّا على من قصَده ما حَرُم إلّا على الفقهاءِ خاصّة، وقد قال عمرُ: لا يَتَّجِرُ في سوقِنا إلّا من فَقُه، وإلّا أكَل الرِّبا. والأمرُ في هذا بيِّنٌ لمن رُزِق الإنصافَ وأُلهِم رُشدَه.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسَينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن وردانَ الرُّوميِّ، أنّه سأل ابنَ عمر، فقال: إنِّي رجلٌ أصوغُ الحَلْيَ ثم أبيعُه، وأستفضِلُ فيه قدرَ أُجرتي أو عملِ يدي. فقال ابنُ عمر: الذَّهبُ بالذَّهبِ لا فضلَ بينهما، هذا عهدُ صاحبِنا إلينا، وعهدُنا إليكم. قال الشافعيُّ: يعني بقوله: صاحبِنا: عمرَ بنَ الخطّاب. قال: وقولُ حُميد، عن مُجاهد، عن ابنِ عمر: عهدُ نبيِّنا. خطأٌ.
قال أبو عُمر: قولُ الشافعيِّ عندي غلطٌ على أصلِه؛ لأنَّ حديثَ ابنِ عُيَيْنة في قوله: "صاحبِنا" مجمَلٌ، يَحتمِلُ أن يكونَ أراد رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الأظهَرُ فيه، ويحتمِلُ أن يكونَ أراد عُمرَ، فلمّا قال مُجاهد، عن ابنِ عمر: هذا عهدُ نبيِّنا. فسَّر ما أجمَل وردانُ الرُّوميُّ. وهذا أصلُ ما يَعتمِدُ عليه الشافعيُّ في الآثار، ولكنَّ الناسَ لا يسلَمُ منهم أحد من الغَلَط، وإنّما دخَلتِ الداخلةُ على الناسِ من قِبلِ التَّقليد؛ لأنَّهم إذا تكلَّم العالمُ عندَ من لا يُنْعِمُ النَّظرَ بشيءٍ كتَبه وجعَله دِينًا يرُدُّ به ما خالَفه دونَ أن يعرِفَ الوجهَ فيه، فيقعُ الخللُ، وبالله التوفيق.
- vol. 2, p. 270
حديثٌ ثالثٌ لحُمَيْد بن قَيْس مُرْسَل
مالكٌ (١) ، عن حُمَيدِ بنِ قَيْس، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحُنَيْن، وعلى الأعرابيِّ قميصٌ، وبه أثرُ صُفْرَة، فقال: يا رسولَ الله، إني أهْلَلْتُ بعُمرةٍ فكيف تأمُرُني أن أصنَعَ؟ فقال لهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "انزِعْ قميصَكَ، واغسِلْ هذه الصُّفْرةَ عنكَ، وافعلْ في عُمرتِكَ ما تفعلُ في حَجِّكَ" .
-
هذا حديثٌ مُرْسَلٌ عندَ جميع رُواة "الموطأ" فيما عَلِمْتُ (٢) ، ولكنَّه يتَّصِلُ من غير روايةِ مالكٍ من طُرُقٍ صحيحةٍ ثابتةٍ عن عطاءِ بنِ أبي رباح، وهو محفوظٌ من حديث يَعلَى بنِ أُميّة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رواه عن عطاءِ بنِ أبي رباح جماعة؛ منهم: أبو الزُّبَير، وعمرُو بنُ دينار، وقتادة، وابنُ جُرَيْج، وقَيْسُ بنُ سعد، وهمّامُ بنُ يحيى، ومَطَرٌ الوَرّاق، وإبراهيمُ بنُ يزيد، وعبدُ الملك بنُ أبي سليمان، ومنصورُ بنُ المعتمر، وابنُ أبي ليلى، والليثُ بنُ سَعْد.
-
وأحسَنُهم روايةً له عن عطاءٍ وأتقَنُهم: ابنُ جُرَيْج، وعمرُو بنُ دينار، وإبراهيمُ بنُ يزيد، وقيسُ بنُ سعد، وهمّامُ بنُ يحيى، فإنَّ هؤلاء كلَّهم رَوَوْه عن عطاء، عن صفوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصَّوابُ فيه (٣) . وغيرُهم رواه عن عطاء، عن يَعْلى، وليس بشيء (٤) .
- vol. 2, p. 271
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ (١) . وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر - واللفظُ لحديثه - قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة (٢) ، قالا: حدَّثنا أبو نعيم الفضلُ بنُ دُكَيْن، قال: حدَّثنا همامٌ، قال: حدَّثنا عطاءٌ، قال: حدَّثنا صَفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجِعِرّانَة وعليه جُبَّة، وعليه أثرُ الخَلُوق. أو قال: صُفْرَة. فقال: كيف تأمُرُني أن أصنَعَ في عُمْرَتي؟ قال: فأُنزِلَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فاستَتَر بثَوْب. قال: وكان يَعْلى يقول: وَدِدْتُ أنِّي قد رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزِل عليه الوحيُ. فقال عمر: يا يَعْلى، أيسُرُّك أن تَنظُرَ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزِل عليه الوحيُ (٣) ؟ قال: قلت: نعم. فرفَع طرَفَ الثوب، فنظَرْتُ إليه، فإذا له غَطِيطٌ. قال: وأحسَبُه قال: كغَطِيطِ البَكْر. قال: فلمّا سُرِّي عنه قال: "أين السّائلُ عن العُمْرَة؟ اخْلَعْ عنك الجُبَّة، واغْسِلْ عنك أثرَ الخَلُوق - أو قال: أثرَ الصُّفْرَة - واصْنَعْ في عُمْرَتِك كما تصنعُ في حَجِّك" . قال: وأتاه رجلٌ آخرُ قد عَضَّ يدَ رجل فانتَزَع يدَه، فسَقَطَتْ ثَنيَّتُه التي عَضَّ بها، فأبطَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزّاق التَّمّار، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بنُ كثير،
vol. 2, p. 272قال: حدَّثنا هَمّام، قال: سمِعتُ عطاء، قال: أخبرنا صفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجِعِرّانَة. فذكَرَه سواء.
-
وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال (١) : أخبرنا إبراهيمُ بنُ يزيد (٢) ، أنّه سمعَ عطاءً يقول: أخبَرني صفوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، أنَّ يَعْلى قال لعمر: وَدِدْتُ أنِّي رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ يُوحَى إليه. فلمّا كان بالجِعِرّانةِ أتاه أعرابيٌّ وعليه جُبّةٌ وهو مُتَضَمِّخٌ بخَلُوق، وقد أحْرَمَ بعُمْرَة، فقال: أفْتني يا رسولَ الله. وأُوحي إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَ حديثِ هَمّام بنِ يحيى في هذه القصةِ إلى آخرِها، ولم يَذكُرْ قصَّةَ العاضِّ يدَ الرجل.
-
أخبَرني أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْب بن عليّ، قال (٣) : أخبرني محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيم (٤) ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرير، قال: حدَّثني أبي، قال: سمِعتُ قَيْسَ بنَ سعدٍ يُحدِّث، عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى، عن أبيه، قال: أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ وهو بالجِعِرّانَة، وعليه جُبَّة، وهو مُصَفِّرٌ لحيَتَه ورأسَه، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أحْرَمْتُ بعمرةٌ وأنا كما تَرى. قال: "انزعْ عنك الجُبَّة، واغْسِلْ عنكَ الصُّفْرَة، وما كنتَ صانِعًا في حَجِّك فاصْنَعْه في عمرتِك" .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ قراءةً مني عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدثهم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابق، قال: حدَّثنا
vol. 2, p. 273إبراهيمُ بنُ طَهْمان، عن أبي الزُّبير، عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ أُميّة، أنَّه قال: جاء رجل إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مُتَضَمِّخًا بالخَلُوقِ وعليه مُقَطَّعات، فقال: كيف تأمُرُني يا رسولَ الله في عُمْرتي؟ قال: فأنزَل الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] . قال: فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أين السائلُ عن العُمْرَة؟ " . فقال له: "ألْقِ عنك ثيابَك، واغْتَسِلْ، واستَنْقِ ما اسْتَطَعْتَ، وما كُنتَ صانعَهُ في حَجِّك فاصْنَعْه في عُمْرَتِك" (١) .
-
هكذا جاء في هذا الحديث: صَفْوانُ بنُ أُميّة نَسَبَه إلى جَدِّه، وهو صَفْوانُ بنُ يَعْلى بنِ أُميّة، رجل تَمِيميٌّ، وليس بصَفْوانَ بنِ أُميّة الجُمَحيِّ، وقد نَسَبْناهما في كتاب "الصّحابة" (٢) ، والحمدُ لله.
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٣) : حدَّثنا سفيانُ - يعني ابنَ عُيَيْنة - قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ دينار، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، قال: كنتُ عندَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالجِعِرّانَة، فأتاه رجلٌ عليه مُقَطَّعَة - يعني جُبّة - وهو مُتَضَمِّخ بالخَلُوق، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أحرَمْتُ بالعُمرةِ
vol. 2, p. 274وعليَّ هذه. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما كُنتَ تَصنَعُ في حَجِّك؟ " قال: كنتُ أنزِعُ هذه المقَطَّعَة، وأغسلُ هذا الخَلُوق. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما كُنتَ صانعًا في حَجِّك فاصْنَعْه في عُمْرَتِك" .
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مروان، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ يحيى القاضي القُلْزُميُّ بالقُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عليِّ بنِ الجارود، قال (١) : حدَّثنا عليُّ بنُ خَشْرَم، قال: حدَّثثا عيسى بن يونُسَ، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، أنَّ صَفْوانَ بنَ يَعْلى بنِ أُميّة أخبرَه، أنَّ يَعْلى بنَ أُميّة كان يقولُ لعمرَ بنِ الخطاب: ليتني أرى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ يُنزَلُ عليه. فبينا هو معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في ناسٍ من أصحابه، فيهم عمرُ بنُ الخطاب، إذ جاءه رجلٌ عليه جُبّةٌ وهو مُتَضمِّخٌ بطِيب، فقال: يا رسولَ الله، كيف تَرى في رجل أحْرَم بعمرةٍ في جُبّةٍ معه بعدَما تَضَمَّخَ بطِيب؟ فسَكَت ساعَة، فجاءَه الوَحْيُ، فأشار عمرُ إلى يَعْلى بيدِه أن تعالَ. فجاءَه فأدخَلَ رأسَه، فإذا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُحْمَرُّ الوَجْهِ يَغِطُّ كذلك ساعة، ثم سُرِّيَ عنه فقال: "أين السّائِلُ عن العُمْرَة؟ " . فالتُمِس الرجلُ فأُتي به، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أمّا الطِّيبُ الذي بك، فاغْسِلْه ثلاثَ مرّات، وأمّا الجُبَّةُ، فانزِعْها، ثم اصْنَعْ في عُمْرَتِك كما تَصْنَعُ في حَجِّك" .
قال ابنُ جُرَيْج: كان عطاءٌ يأخذُ في الطِّيبِ بهذا الحديث، فكان يَكْرَهُ الطِّيبَ عندَ الإحرام ويقول: إن كان به شي ءٌ منه فلْيَغْسِلْه، وكان يأخُذُ بشأنِ صاحبِ الجُبَّة، وكان شأنُ صاحبِ الجُبّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداع. قال ابنُ جُرَيْج: والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ.
- vol. 2, p. 275
وأخبرنا عبدُ الرحمن بنُ مروان، قال: أخبرنا الحَسَنُ (١) بنُ يحيى، قال: أخبرنا ابنُ الجارود، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيْج، قال: كان عطاءٌ يأخذُ بشأنِ صاحبِ الجُبَّةِ، وكان شأنُ صاحبِ الجُبَّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَداع. قال: والآخِرُ فالآخِرُ من أمرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ. قال ابنُ جُرَيْج: وكان من (٣) شأنِ صاحبِ الجُبَّةِ أنَّ عطاءً أخبَرني أنَّ صفوانَ بنَ يَعْلى بنِ أُميَّةَ أخبرَه، أنَّ يَعْلى كان يقولُ لعمر: ليتني أرَى نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ ينزلُ عليه. فلمّا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالجِعِرّانَةِ وعلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثوب قد ظُلِّلَ به، ومعه فيه ناسٌ من أصحابه، إذ جاءَه رجلٌ عليه جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بطِيب، فذكرَ الحديثَ بتمامِه.
قال أبو عُمر: روَى هذا الحديثَ عن ابنِ جُرَيْج جماعة؛ منهم: يحيى بنُ سعيدٍ القطّان؛ وقال فيه نُوحُ بنُ حبيب، عن القطّان، عن ابنِ جُرَيْج بإسنادِه كما ذكَرْنا: "وأمّا الجُبَّةُ فاخْلَعْها، وأمّا الطِّيبُ فاغْسِلْه، ثم أحْدِثْ إحْرامًا" ؛ ذكَرَه أحمدُ بنُ شُعَيْب النَّسويُّ (٤) ، عن نُوح بنِ حَبيب، وقال: لا أعلمُ أحدًا قال في هذا الحديث: "ثم أحْدِثْ إحْرامًا" غيرَ نُوح بنِ حبيب. قال: ولا أحْسَبُه محفوظًا، واللهُ أعلم.
قال أبو عُمر: أمّا قولُه في حديث مالك: "إنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بحُنَيْن" ، فالمرادُ مُنصَرَفَه (٥) من غَزو حُنين. والموضعُ الذي لَقيَ فيه الأعرابيُّ
vol. 2, p. 276رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - هو الجِعِرّانَةُ، وهو بطريقِ حُنَيْنٍ بقُربِ ذلك معروف، وفيه قَسَمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - غَنائمَ حُنَيْن. والآثارُ المذكورةُ كلُّها تدُلُّك على ما ذكَرْناه، ولا تَنازُعَ في ذلك إن شاء الله.
-
وأمّا قولُه: "وعلى الأعرابيّ قميصٌ" . فالقميصُ المذكورُ في حديثِ مالكٍ هو الجُبَّةُ المذكورةُ في حديثِ غيره، ولا خِلافَ بينَ العلماءِ أنَّ المخِيطَ كلَّه من الثِّيابِ لا يجوزُ لِباسُه للمُحرم؛ لنَهْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المُحْرِمَ عن لِباسِ القُمُصِ والسَّراوِيلات، وسيأتي ذِكْرُ هذا المعنى في حديثِ نافع إن شاء الله.
-
وأما قولُه: "وبه أثَرُ صُفْرَة" ، فقد بانَ بما ذكَرْنا من الآثارِ أنَّها كانت صُفْرَةَ خَلُوق، وهو طِيبٌ معمولٌ مِن الزَّعفران، وقد نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المحرمَ عن لباسِ ثوبٍ مَسَّه وَرْسٌ أو زَعْفَرانٌ (١) . وأجمع العلماءُ على أنَّ الطِّيبَ كلَّه مُحَرَّمٌ على الحاجِّ والمعتمرِ بعدَ إحْرامِه، وكذلك لباسُ الثِّياب.
-
واختَلَفوا في جَوازِ الطِّيبِ للمحرم قبلَ الإحرام بما يَبقَى عليه بعدَ الإحرام، فأجاز ذلك قوم، وكَرِهه آخرون. واحْتَجَّ بهذا الحديثِ كلُّ مَن كَرِه الطِّيبَ عندَ الإحرام، وقالوا: لا يجوزُ لأحدٍ إذا أراد الإحرامَ أن يَتطَيَّبَ قبلَ أن يُحْرِمَ ثم يُحْرِمَ؛ لأنه كما لا يجوزُ للمحرِم بإجماع أن يَمَسَّ طِيبًا بعدَ أن يُحْرِم، فكذلك لا يجوزُ له أن يتَطيَّبَ ثم يُحْرِم؛ لأنَّ بقاءَ الطِّيبِ عليه كابتدائِه له بعدَ إحرامِه سواء، لا فرقَ بينهما. واحتَجُّوا بأنَّ عمرَ بنَ الخطاب، وعثمانَ بنَ عفّان، وعبدَ الله بنَ عمر، وعثمانَ بنَ أبي العاص، كَرِهوا أن يُوجَدَ من المحرم شيءٌ من رِيح الطِّيب، ولم يُرَخِّصُوا لأحَدٍ أن يتَطيَّبَ عندَ إحْرامِه ثم يُحْرِم.
- vol. 2, p. 277
وممن قال بهذا من العلماء؛ عطاءُ بنُ أبي رباح، وسالمُ بنُ عبدِ الله على اختلافٍ عنه، ومالكُ بنُ أنس وأصحابُه، ومحمدُ بنُ الحَسَن، رواه ابنُ سَماعَةَ عنه. وهو اختيارُ أبي جعفرٍ الطَّحاويّ.
-
ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القول من طريقِ النَّظَر، أنَّ الإحرامَ يَمنَعُ من لُبْسِ القُمُصِ والسَّراوِيلاتِ والخِفافِ والعَمائم، ويَمنَعُ من الطِّيب، ومن قَتْلِ الصيدِ وإمساكِه، فلمّا أجْمَعوا أنَّ الرجلَ إذا لَبِس قميصًا أو سَراوِيلَ قبلَ أن يُحْرِمَ، ثم أحْرَم وهو عليه، أنه يُؤْمَرُ بنَزْعِه، وإن لم يَنْزِعْه وتَرَكه كان كمَن لَبِسَه بعدَ إحْرامِه لُبْسًا مُستَقْبَلًا، ويجبُ عليه في ذلك ما يجبُ عليه لو اسْتَأنفَ لُبْسَه بعدَ إحْرامِه. وكذلك لو اصْطادَ صَيْدًا في الحِلِّ وهو حَلالى، فأمْسَكه في يَدِه، ثم أحْرَم وهو في يَدِه، أُمِرَ بتَخْلِيَته، وإن لم يُخَلِّه كان إمْساكُه له بعدَ أن أحْرَمَ كابتدائِه الصَّيْدَ وإمْساكِه في إحْرامِه. قالوا: فلمّا كان ما ذكَرْنا، وكان الطِّيبُ مُحَرَّمًا على المحرم بعدَ إحْرامِه كحُرْمَةِ هذه الأشياء، كان ثُبوتُ الطِّيبِ عليه بعدَ إحْرامِه، وإن كان قد تَطَيَّبَ به قبلَ إحْرامِه، كتَطيُّبِه بعدَ إحْرامِه. لا يجوزُ في القياسِ والنَّظَرِ عندَهم غيرُ هذا.
-
واعْتَلُّوا في دَفْع ظاهرِ حَديثِ عائشةَ بما رواه إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ المنتَشِر، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرام، فقال: لأن أُطْلَى بالقَطِرانِ أحَبُّ إليَّ من أن أُصْبحَ مُحْرِمًا تَنْضَخُ منِّي رِيحُ الطِّيب. قال: فدَخَلْتُ على عائشةَ فأخْبَرتُها بقول ابنِ عمر، فقالت: طَيَّبْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فطاف على نسائِه، ثم أصْبَح مُحْرِمًا (١) . قالوا: فقد بان بهذا في حديثِ عائشةَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -
vol. 2, p. 278طاف على نسائِه بعدَ التَّطَيُّب، وإذا طاف عَليهنَّ اغتَسَل لا مَحالة، فكان بينَ إحْرامِه وتَطَيُّبِه غُسْلٌ. قالوا: فكأنّ عائشةَ إنَّما أرادَتْ بهذا الحديثِ الاحْتجاجَ على مَن كَرِه أن يُوجدَ من المحرم بعدَ إحْرامِه ريحُ الطِّيب، كما كَرِه ذلك ابنُ عمر. وأمّا بَقاءُ نَفْسِ الطِّيب على المحرم فلا.
قال أبو عُمر: هذا ما احْتَجَّ به مَن كَرِه الطِّيبَ للمحرم من طريقِ الآثارِ ومن طريقِ النَّظَر. وقال جماعة من أهل العِلْم: لا بأسَ أن يتَطيَّبَ المحرمُ عندَ إحرامِه قبلَ أن يُحْرِمَ بما شاء من الطِّيب، مما يَبقى عليه بعدَ إحرامِه ومما لا يَبقَى. وممن قال بهذا من العلماء: أبو حنيفة، وأبو يوسف، والثَّوريُّ، والشافعيُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوية، وأبو ثَوْر، وجماعة. وجاء ذلك أيضًا عن جماعةٍ من الصحابة؛ منهم: سعدُ بنُ أبي وَقّاص، وابنُ عبّاس، وأبو سعيدٍ الخُدريُّ، وعائشةُ، وأمُّ حبيبة، وعبدُ الله بنُ الزُّبير، ومعاوية. فثبتَ الخلافُ في هذه المسألةِ بين الصَّحابةِ ومَن بعدَهم. وكان عُروةُ بنُ الزُّبير، وإبراهيمُ النخعيُّ، وسعيدُ بنُ جبير، والحَسَنُ البَصْريُّ، وخارِجَةُ بنُ زيد، لا يَرَوْنَ بالطِّيبِ كلِّه عندَ الإحْرام بأسًا.
-
والحُجَّةُ لمن ذهبَ هذا المذهبَ حديثُ عائشةَ قالت: طيَّبْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لحُرْمِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولحِلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيت. هذا لفظُ القاسم بنِ محمد، عن عائشة (١) ، ومثلُه روايةُ عطاء، عن عائشةَ في ذلك (٢) .
vol. 2, p. 279وقال الأسودُ، عن عائشة: إنَّها كانت تُطيِّبُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بأطْيَبِ ما تجدُ من الطِّيب. قالت: حتى إنِّي لأرَى وَبيصَ الطِّيبِ في رَأسِه ولِحْيَتِه (١) .
-
وروى موسى بنُ عُقْبة، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن عائشة، قالت: كنتُ أُطيِّبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالغاليةِ الجيِّدةِ عندَ إحْرامِه. رواه أبو زيدِ بنُ أبي الغَمْر، عن يعقوبَ بنِ عبدِ الرحمن الزُّهريّ، عن موسى بنِ عُقْبَة (٢) .
-
وروَى هشامُ بنُ عُرْوَة، عن أخيه عثمانَ بنِ عروة، عن أبيه عروةَ بنِ الزُّبير، عن عائشة، قالت: طمبتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ إحْرامِه بأطْيبِ ما أجِدُ. وربَّما قالت: بأطْيبِ الطِّيبِ لحُرْمِه وحِلِّه (٣) .
وقالوا: لا معنى لحديثِ ابنِ المنتَشِر؛ لأنه ليس ممَّن يُعارَضُ به هؤلاء الأئمَّة، ولو كان مما يُحتَجُّ به ما كان في لَفْظِه حُجَّةٌ؛ لأنّ قولَه: طافَ على نسائِه يَحتَمِلُ أن يكونَ طَوافُه لغير جِماع، وجائزٌ أن يكونَ طوافُه عليهنَّ ليُعَلِّمهنَّ كيف يُحْرِمْنَ، أو لغير ذلك. والدليلُ على ذلك ما رواه إبراهيمُ، عن الأسود،
vol. 2, p. 280عن عائشة قالت: كان يُرَى وَبيصُ الطِّيبِ في مَفارِقِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ثلاثٍ وهو مُحْرِم (١) .
قالوا: والصحيحُ في حديثِ ابنِ المنتَشِرِ ما رواه شعبة، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ المنتَشِر، عن أبيه، أنّه سأل ابنَ عمرَ عن الطِّيبِ عندَ الإحرام، فقال: لأنْ أتَطيَّبَ بقَطِرانٍ أحَبُّ إليَّ من أن أفعل. قال: فذكَرْتُه لعائشة، فقالت: يَرْحَمُ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيطوفُ على نسائِه، ثم يُصْبحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا (٢) . قالوا: والنَّضْخُ في كلام العَربِ: اللَّطْخُ والجَرْيُ والظُّهورُ، قال الله عزَّ وجلَّ: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: ٦٦] . قال النابِغَة:
مِن كلِّ بَهْكَنَةٍ (٣) نَضْخُ العَبِيرِ بها ... لا الفُحْشُ يُعْرَفُ مِن فيها ولا الزُّورُ
يريد: لطْخَ العَبيرِ بها.
قالوا: ولا معنَى لحديثِ الأعرابيِّ في هذا لمَعان: منها: أنّه يَحتمِلُ أن يكونَ الأعرابيُّ تَطيَّبَ بعدَما أحْرَم.
-
ومنها: أنّه كان عامَ حُنَيْن، وتَطيُّبُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَ إحْرامِه في حَجَّةِ الوَداع، فلو كان ما تَطيَّبَ به الأعرابيُّ يومئذٍ مُباحًا للرِّجال في حالِ الإحلال، مُحَظَّرًا عليهم في الإحرام، كان ذلك مَنْسوخًا بفِعْلِه عامَ حَجَّةِ الوَداع - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: وقد صَحَّ وعُلِم أنَّ الطِّيبَ الذي كان على الأعرابيِّ يومئذٍ كان خَلُوقًا، والخَلُوقُ لا يجوزُ للرِّجالِ في حالِ الحلِّ ولا في حالِ الإحْرام.
-
واحْتَجُّوا فيما ذهَبوا إليه من هذا الحديثِ (٤) بحديثِ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْب،
vol. 2, p. 281عن أنس، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى أن يَتزَعْفَرَ الرجلُ؛ رواه حمادُ بنُ زيد (١) ،
وشعبةُ (٢) ، وإسماعيلُ ابنُ عُلية (٣) ، وهُشَيْمٌ (٤) ، كلُّهم عن عبدِ العزيز بن صُهَيْب (٥) .
-
واحْتَجُّوا أيضًا في ذلك بما رواه أبو جعفرٍ الرَّازيُّ، عن الرَّبيع بنِ أنس، عن جَدَّيْه، قالا: سَمِعنا أبا موسى الأشعريَّ يقول: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تُقْبَلُ صلاةُ رجلٍ في جَسَدِه شيءٌ من خَلُوق" (٦) .
- vol. 2, p. 282
وبما رواه يوسفُ بنُ صُهَيْب، عن ابنِ (١) بُرَيْدَة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثة لا تَقْرَبُهم الملائكة؛ المُتَخَلِّقُ، والسَّكْرانُ، والجُنُبُ" (٢) .
-
وبحديثِ الحَسَن، عن عِمْرانَ بنِ حُصيْن، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وطِيبُ الرِّجالِ رِيح لا لَوْن، وطِيبُ النِّساءِ لَوْنٌ لا رِيحٌ" (٣) .
-
وروَى حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه أو نحوَه (٤) .
قال أبو عُمر: أمّا مالكٌ رحمه اللهُ فلم يرَ بلُبْسِ الثِّيابِ المزَعْفَرةِ بأسا للرِّجالِ والنساء. ذكَرَ ابنُ القاسم، عن مالك، قال: رأيتُ محمدَ بنَ المنكدرِ يَلبَسُ المصبوغ بالزَّعْفران، والثوبَ الموَرَّد، ورأيتُ ابنَ هُرْمُزَ يَلبَسُ الثوبَ بالزَّعْفران (٥) . والحُجَّةُ لهؤلاء في ذلك حديثُ مالك، عن سعيدٍ المقبُرِيِّ، عن عبيدِ بنِ جُرَيْج، أنّه قال لابن عمر: ورأيْتُك تَصْبُغُ بالصُّفْرَةِ - يعني: ثيابَك - فقال ابنُ عمر: رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَصْبُغُ بها. وسيأتي هذا الحديثُ وما للعلماءِ في ذلك من القول في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيد، إن شاء الله.
- vol. 2, p. 283
وقد ذكَرْنا الاختلافَ في لباسِ الثِّيابِ المزعْفَرَةِ للرِّجال فيما تَقدَّمَ من كتابِنا هذا، في باب حُمَيْدٍ الطَّويل، وسيأتي منه ذِكْرٌ صالحٌ في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ إن شاءَ الله.
قالوا: وما رُوِيَ عن عُمرَ رحمه الله في كراهِيَتِه للطِّيبِ على المُحْرِم، فيَحتَمِلُ أن يكونَ لئلّا يراه جاهِلٌ فيَظُنَّ أنّه تَطيَّبَ بعدَ الإحْرام، فيَسْتَجِيزَ بذلك الطِّيبَ بعدَ الإحْرام، وكان عمرُ كثيرَ الاحتياطِ في مثل هذا، ألا تَرى أنّه نَهى طلحةَ بنَ عبيدِ الله عن لُبْسِ الثوبِ المَصْبوغ بالمدَرِ خَوْفًا أن يَراه جاهلٌ فيَسْتَجِيزَ بذلك لُبسَ الثِّيابِ المصَبَّغة (١) . قالوا: وفي لفظِ عمرَ لمعاوية: "عزَمتُ عليك لَتَرْجِعَنَّ إلى أُمِّ حَبيبةَ فلتغسِلنَّه عنك" (٢) ، دليلٌ على أنه لم يكن ذلك عندَه محرَّمًا؛ لأنَّ مَن أتى ما لا يَحِلُّ ليس يُقالُ له: عَزَمْتُ عليك لَتَترُكَنَّ ما لا يَحِلُّ لك. لا سيَّما في عُمرَ ومعاوية، فقد كان عمرُ يَضرِبُ بالدِّرر على أقلَّ من هذا أجَلَّ من معاويةَ وأسَنَّ. قالوا: ولو صَحَّ عن عُمرَ ما ذهَب إليه من كراهيةِ الطيبِ عندَ الإحرام لم تكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لوُجودِ الاختلافِ بينَ الصحابةِ في ذلك، والمصيرُ إلى السُّنَّةِ فيه.
-
روَى سفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن عَمْرو بنِ دينار، عن سالم بنِ عبدِ الله، أنّه ذكَر قولَ عمرَ في الطِّيب، ثم قال: قالت عائشة: أنا طيَّبتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لإحْرامِه (٣) . قال سالمٌ: وسُنّةُ رسولِ الله أحَقُّ أن تُتَّبَع.