حميد الأعرج المكي
137 paragraphs · vol. 2, p. 250
Page 3 of 4
- vol. 2, p. 283
وروَى الثوريُّ، عن منصور، عن سعيدِ بنِ جبير، قال: كان ابنُ عُمرَ لا يَدَّهِنُ إلّا بالزَّيْتِ حين يُريدُ أن يُحْرِم. قال منصور: فذكَرْتُ ذلك لإبراهيم،
vol. 2, p. 284فقال: ما تَصنَعُ بهذا؟ حدَّثني الأسود، عن عائشة، أنّها قالت: كان يُرى وَبيصُ الطِّيبِ في مَفارقِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحْرِم (١) .
-
وروَى مالكٌ (٢) ، عن يحيى بنِ سعيد، وعبدِ الله بنِ أبي بكر، وربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن؛ أنَّ الوليدَ بنَ عبدِ الملك سأل سالمَ بنَ عبدِ الله وخارِجَةَ بنَ زيدِ بنِ ثابتٍ بعدَ أن رَمى الجَمْرَةَ وحَلَق رأسَه وقبلَ أن يُفيضَ عن الطِّيب، فنَهاه سالمٌ، وأرخَص له خارِجَةُ بنُ زيد.
قال إسماعيلُ بنُ إسحاق: جاء عن عائشةَ بالإسنادِ الصحيح أنّها قالت: كنتُ أُطيِّبُ رسولَ الله لحُرمِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولحِلِّه قبلَ أن يَطُوفَ بالبيت (٣) . وقد كانت عائشةُ تُفْتي بذلك بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثثا إبراهيمُ بنُ الحَجّاج، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ المختار، عن موسى بنِ عُقبَة، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ أباه كان يَكرَهُ الطِّيبَ (٤) عندَ الإحْرام، وكان يعلَمُ أنَّ عائشةَ كانت (٥) تُفتي بأنّه لا بأسَ بالطِّيب عندَ الإحرام (٦) .
قال إسماعيل: وجاء عن عمرَ بالأسانيدِ الصِّحاح أنّه كَرِه الطِّيبَ عندَ الإحْرام، وبعدَ رَمْي الجَمْرَةِ قبلَ الطَّوافِ بالبيت، وأمرَ معاويةَ أن تَغسِلَ أمُّ حبيبةَ عنه الطِّيب (٧) ، وقال في خُطْبَته بعرفة: إذا رَميْتُم الجَمْرَةَ ونَحَرْتُم، فقد حَلَّ لكم ما حُرِّمَ عليكُم إلّا النساءَ والطِّيبَ، لا يَمَسَّنَّ أحَد طِيبًا ولا نساءً حتى
vol. 2, p. 285يطوفَ بالبيت (١) . وهذا بمَحْضَرِ جماعَة الصحابة، فما رَدَّ قولَه ذلك عليه أحَدٌ، ولا أنكَرَه منكِرٌ. وجاء عن عثمانَ في ذلك مثلُ مذهبِ عمر (٢) . وعن ابنِ عمرَ مثلُ ذلك. ولا يقعُ في القَلب أنَّهم جَهِلوا ما روَتْ عائشة، ولا أنّهم يقْصِدون خِلافَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنّهَ يُمكنُ أن يكونَ عَلِموا نَسخَ ذلك، وإذا كان ذلك ممكِنًا فالاحتياطُ التَّوقُّفُ، فمَن اتَّقى ذلك فقدِ احتاطَ لنفسِه.
قال: وأمّا التابعون فاختلَفوا في ذلك أيضًا؛ فذهَب جماعةٌ منهم إلى ما رُوِيَ عن عائشة، وجماعةٌ إلى ما رُوِيَ عن عُمر. وقال أبو ثابت: قلتُ لابن القاسم (٣) : هل كان مالكٌ يَكرَهُ أن يَتَطيَّبَ إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقبةِ قبلَ أن يُفيضَ؟ قال: نعم. قلت: فإن فعَل، أترَى عليه الفِدْيَة؟ قال: لا أرَى عليه شيئًا؛ لِمَا جاء فيه. وقال مالك: لا بأسَ أن يدَّهِنَ المحرمُ قبلَ أن يُحْرِمَ وقبلَ أن يُفيضَ بالزَّيتِ والبانِ غيرِ المُطَيِّبِ مما لا ريحَ له.
قال أبو عُمر: لا معنى لمَن قاس الطِّيبَ على الثِّيابِ والصَّيد؛ لأنَّ السنةَ قد فرَّقَتْ بينَ ذلك، فأجازَتِ التَّطيُّبَ عندَ الإحْرام بما يُرى بعدَ الإحْرام في المفارِقِ والشَّعَرِ ويُوجدُ ريحُه من المحرم، وحَظرَتْ على المحرم أن يُحْرِمَ وعليه شيءٌ من المخيط، أو بيَدِه شيءٌ من الصَّيْد. ومَن جعلَ الطِّيبَ قياسًا على الثِّياب والصَّيْد، فقد جمع بينَ ما فَرَّقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثرُ المسلمين بينه.
-
وقد شَبَّهَ بعضُ الفقهاءِ الطِّيبَ قبلَ الإحْرام بالواطئ قبلَ الفَجْرِ يُصبحُ جُنُبًا بعدَ الفَجْر، ولم يكن له أن يُنشئ (٤) الجنابةَ بعدَ الفَجْر. وهو قياسٌ صحيحٌ
vol. 2, p. 286إن شاء الله، ولكنَّ الكارِهَ للمُحْرِم أن يَشُمَّ الطِّيبَ بعدَ إحْرامِه إذا أجاز التَّطيُّبَ قبلَ الإحْرام، مُنِاقِضٌ تارِكٌ للقِياس؛ لأنَّ الاستِمْتاعَ من رائحَةِ الطِّيبِ لمَن تَطيَّبَ قبلَ إحْرامِه أكثرُ من شَمِّه من غيره، واللهُ أعلمُ، وهم لا يُجيزُونَ مَسَّ الطِّيبِ اليابسِ ولا حَمْلَه في الخِرَقِ إذا ظهَرَ ريحُه. وهذا كلُّه دليلٌ على صحَّةِ قولِ مَن كَرِه الطِّيبَ للمُحْرِم، وهو الاحْتياط، وبالله التوفيق.
-
واختلَفَ الفقهاءُ فيمَن تَطيَّبَ بعدَ إحْرامِه جاهِلًا أو ناسِيًا؛ فكان مالكٌ يرَى الفِدْيَة على كلِّ مَن قَصَد إلى التَّطيُّبِ بعدَ إحْرامِه، عامِدًا أو ناسِيًا أو جاهِلًا، إذا تعلَّقَ بيَدِه أو ببَدَنِه شي ءٌ منه (١) . والطِّيبُ: المِسْكُ، والكافورُ، والزَّعْفَرانُ، والوَرْسُ، وكلُّ ما كان مَعروفًا عندَ الناسِ بأنّه طِيبٌ لطِيبِ رائِحتِه. وأمّا شَمُّ الرَّياحِين، والمرورُ في سُوقِ الطِّيب - وإن كان ذلك مَكروهًا عندَه - فإنّه لا شيءَ على مَن وصَل إليه رائحَتُه إذا لم يَعْلَقْ بيَدَيْه أو بدَنِه منه شيء.
وقال الشافعيُّ (٢) : إن تَطيَّبَ جاهِلًا أو ناسِيًا فلا شيءَ عليه، وإن تَطيَّبَ عامِدًا فعليه الفِدْيَة. قال: والفَرقُ في التَّطييبِ بينَ الجاهل والعامد أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ الأعرابيَّ وقد أحْرَمَ وعليه خَلُوقٌ بنزع الجُبَّةِ وغَسْلِ الصُّفْرَة، ولم يأمُرْه بفِدْيَة، ولو كانت عليه فِدْيَة لأمرَه بها كما أمرَه بنَزْع الجُبَّة. لم يختلفْ قولُ الشافعيِّ في الجاهل، واختلَف قولُه في الناسي يلبَسُ أو يتَطيَّبُ ناسِيًا؛ فمغ أوْجَبَ عليه الفِدْيَة، ومرَّةً لم يَرَ عليه فِدْيَة.
-
وفي هذا الحديثِ ردٌّ على مَن زَعَم من العلماءِ أنَّ الرجلَ إذا أحْرَم وعليه قميصٌ كان عليه أن يَشُقَّه. وقالوا: لا يَنبَغي أن يَنْزِعَه كما يَنْزعُ الحلالُ قَميصَه؛ لأنّه إذا فعَل ذلك غطَّى رأسَه، وذلك لا يجوزُ له، فلذلك أُمِر بشَقِّه. وممّن قال
vol. 2, p. 287بهذا من العلماء: الحَسَنُ، والشعبيُّ، والنَّخَعيُّ، وأبو قِلابةَ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ على اختلافٍ عنه.
-
ذكرَ سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحَسَن. قال هُشَيْم: وأخبرنا مُغيرَة، عن إبراهيمَ والشعبيّ، أنّهم قالوا: إذا أحْرَم الرجلُ وعليه قَمِيصُه فليَخْرِقْه حتى يَخرُجَ منه (١) .
-
وروَى شُعبةُ، عن المُغيرة وحَمّاد، عن إبراهيم، قال: إذا أحرَمَ الرجلُ وعليه قَميصٌّ فلْيَخْرِقْه. قال أحدهما: يَشُقُّه. وقال الآخر: يَخْلَعُه من قِبَلِ رِجْلَيْه (٢) .
-
وذكَرَ الطَّحاويُّ (٣) ، قال: حدَّثنا روحُ بنُ الفَرَج، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن سالم، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: يَخْرِقُه ولا يَنْزِعُه.
-
هكذا قال، وهو عندِي خَطأ؛ لأنَّ الثوريَّ روَى عن سالم الأفطس، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: يَنْزعُ ثيابَه ولا يَخْرِقُها. وهو الصَّحيحُ إن شاءَ الله عن سعيدِ بنِ جُبير. ذكرَه عبدُ الرَّزّاق وغيرُه، عن الثوريّ (٤) .
-
وذكَر عبدُ الرَّزّاق (٥) ، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قِلابة، قال: إن أحْرَمَ في قميصٍ شَقَّه.
قال أبو عُمر: احتجَّ مَن ذهَب إلى هذا المذهب بما رواه عبدُ الرحمن بنُ عطاءِ بنِ أبي لَبِيبَة، أنّه سمع ابنَيْ جابرٍ يُحَدِّثان عن أبيهما، قال: بَيْنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جالِسٌ مع أصحابه، شَقَّ قَميصَه حتى خرَجَ منه، فقيل له: فقال: "واعَدْتُهم ويُقَلِّدُون هَدْي اليومَ
vol. 2, p. 288فنَسِيتُ ". ذكَرَه عبدُ الرَّزّاق (١) ، عن داودَ بنِ قَيْس، عن عبدِ الرحمن بنِ عطاء.
-
ورواه أسدُ بنُ موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عطاءِ بنِ أبي لَبِيبة، عن عبدِ الملكِ بنِ جابرٌ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: كنتُ عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جالسًا، فقَدَّ قَمِيصَه من جيبِه حتى أخرَجه من رِجْلَيْه، فنظَر القومُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إنِّي أمَرْتُ ببُدْني التي بَعَثْتُ بها أن تُقَلَّدَ اليومَ وتُشْعَرَ على كذا وكذا، فلَبِسْتُ قميصي ونسِيتُ، فلم أكُنْ لأُخْرجَ قميصي من رأسي". وكان بَعَث ببُدْنِه وأقام بالمدينة (٢) .
وقال جمهورُ فقهاءِ الأمصار: ليس على مَن نَسي فأحْرَم وعليه قميصُه أن يَخْرِقَه ولا يَشُقَّه. وممن قال ذلك: مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ ومَن سَلَك سَبيلَه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمدٌ، والثوريُّ، وسائرُ فقهاءِ الأمصار، وأصحابُ الآثار (٣) .
- vol. 2, p. 289
وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، في قصةِ الأعرابيِّ الذي أحْرَمَ وعليه جُبّةٌ، فأمَره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَنْزعَها، وهو الحديثُ المذكورُ في هذا الباب، ولا خِلافَ بينَ أهل العِلْم بالحديثِ أنّه حديثٌ ثابتٌ صحيح. وحديثُ جابرٍ الذي يَرْوِيه عبدُ الرحمن بنُ عطاءِ بنِ أبي لَبِيبةَ عندَهم حديثٌ ضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به، وهو عندَهم أيضًا مع ضَعْفِه مَرْدُودٌ بالثابتِ عن عائشةَ أنّها قالت: كنتُ أفتِلُ قلائِدَ هَدْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يُقَلِّدُه ويَبعَثُ به، فلا يحرُمُ عليه شيءٌ أحَلَّه اللهُ له حتى يَنحَرَ الهَدْيَ (١) . وإن كان جماعةٌ من العلماء قالوا: إذا أشْعَر هَدْيَه أو قَلَّدَه فقد أحْرَمَ. وقال آخرون: إذا كان يريدُ بذلك الإحْرام. وسنذكُرُ هذا المعنى مجوَّدًا في باب عبدِ الله بن أبي بكر إن شاء الله.
-
ذكَر عبدُ الرَّزّاق (٢) ، عن معمرٌ، عن قتادة، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى بنِ أُميّة، عن أبيه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل أحْرَم في قَميص: "انْزعْ عنك القَمِيصَ، واغْسِلْ عنك الطِّيبَ" . حَسِبْتُه قال: ثلاثَ مرّات. قال قتادة: فقلتُ لعطاء: إنَّ ناسًا يقولون: إذا أحْرَم في قَمِيصِه فلْيَشُقَّه. قال: لا، لِيَنْزِعْه، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَساد.
-
وروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عطاء بإسنادِه مثلَه سواء.
-
وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوس، عن أبيه، قال: مَن أحْرَم في قميصٍ فلْيَنْزِعْه ولا يَشُقَّه (٣) .
قال أبو عُمر: ليس نَزْعُ القميصِ بمنزِلَةِ اللِّباسِ في أثرٍ ولا نَظَر، فأمّا الأثرُ فقد ذكَرْناه في قصّةِ الأعرابيّ، وأمّا النَّظَرُ، فإنَّ المحرمَ لو حملَ على رأسِه شيئًا لم
vol. 2, p. 290يُعَدَّ ذلك مَعَدَّ لِباسِ القَلَنسُوة. وكذلك مَن تردَّى بإزارٍ وجَلَّلَ به بدَنَه، لم يُحْكَمْ له بحُكْم لِباسِ المخيط. وفي هذا دَليلٌ على أنَّه إنّما نُهِيَ عن إلباسِ الرَّأسِ القَلَنْسُوَةَ في حال الإحْرام اللِّباسَ المعهود، وعن لباسِ الرجل القَميصَ اللَّباسَ المعهود، وعُلِمَ أنَّ النَّهيَ إنَّما وَقَعَ في ذلك وقُصِدَ به إلى مَن قَصَدَ وتَعَمَّدَ فِعْلَ ما نُهِيَ عنه من اللِّباسِ في حال إحْرامِه اللِّباسَ المعهودَ في حال إحْلالِه، فخَرجَ بما ذكَرْنا ما أصابَ الرأسَ من القميصِ المَنْزوع. هذا ما يُوجبُه النَّظرُ إن شاء الله.
-
وأما قوله: "وافْعَلْ في عُمْرَتِك ما تَفعَلُ في حَجِّك" . فكلامٌ خرجَ على لفظِ العُموم والمُرادُ به الخُصوص. وقد تبَيَّنَ ذلك في سِياقَةِ ابنِ عُيَيْنة له عن عَمْرو بنِ دينار، حيث قال: فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما كنتَ تَصنَعُ في حَجِّك؟ " قال: كنتُ أنزعُ هذه - يعني الجُبّة - وأغْسِلُ هذا الخَلُوق. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما كُنتَ صانِعًا في حَجِّك، فاصْنَعْه في عُمْرَتِك" . أي: من هذا الذي ذكَرْتَ من نَزْع القَميص، وغَسْل الطِّيب. فخرَج كلامُه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ مالك وما كان مثلَه على جواب السائل فيما قصَدَه بالسُّؤال عنه.
-
وهذا إجماعٌ من العلماء، أنَّه لا يَصْنَعُ المعتَمِرُ عَملَ الحجِّ كلَّه، وإنَّما عليه أن يُتِمَّ عَملَ عُمْرَتِه، وذلك: الطَّوافُ، والسَّعْيُ، والحِلاقُ، والسُّننُ كلّها.
-
والإجماعُ يَدُلُّك على أنَّ قولَه في هذا الحديث: "وافْعَلْ في عُمْرَتِك ما تَفْعَلُ في حَجِّك" كلامٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه لَفظُ عُموم أُرِيدَ به الخُصُوص على ما وَصَفْنا من الاقتِصارِ به على جوابِ السَّائل في مُرادِه، وبالله التوفيق (١) .
- vol. 2, p. 291
حديثٌ رابعٌ لحُمَيْد بن قيس مُنْقَطع
مالكٌ (١) ، عن حُمَيْد بنِ قَيْس المكِّيّ، أنَّه قال: دُخِل على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم - بابنَي جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضِنَتِهما: "ما لي أراهما ضارِعَين؟ " . فقالت حاضنتُهما: يا رسولَ الله، إنّه تُسرعُ إليهما العينُ، ولم يَمْنعْنا أن نَسترقيَ لهما إلا أنّا لا نَدْري ما يُوافقُك من ذلك. فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "استَرْقوا لهما؛ فإنّه لو سبَق شيءٌ القدرَ لسبَقتْه العيِنُ" .
-
هكذا جاء هذا الحديثُ في "الموطّأ" عندَ جميع الرُّواة فيما علِمتُ (٢) .
-
وذكَره ابنُ وَهْب في "جامعه" فقال: حدَّثني مالكُ بنُ أنس، عن حُمَيْد بنِ قيس، عن عِكْرِمةَ بنِ خالد، قال: دُخِل على رسولِ الله - صلي الله عليه وسلم -. فذكَر مثلَه سواء.
-
وهو معَ هذا كلِّه مُنْقطعٌ، ولكنّه محفوظٌ لأسماءَ بنتِ عُمَيْس الخَثْعَميّة، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - من وجوهٍ ثابتةٍ متّصلةٍ صِحَاح (٣) . وهي أمُّهما، وقد يجوزُ، واللهُ أعلم، أن تكونَ مع ذلك حاضنتَهما المذكورةَ في حديثِ مالك هذا (٤) . وكانت أسماءُ بنتُ عميسٍ رحمها اللهُ تحت جعفرِ بنِ أبي طالب، وهاجَرتْ معه إلى الحبشة، وولَدت له هناك عبدَ الله بنَ جعفر، ومحمدَ بنَ جعفر، وعونَ بنَ جعفر، وهلَك عنها جعفرُ بنُ أبي طالب رضي الله عنه، قُتِل يومَ مؤتةَ بمؤتةَ من أرض الرُّوم، فخلَف عليها بعدَه أبو بكرٍ الصِّدِّيق، فولَدت له محمدَ بنَ أبي بكر بالبَيْداء،
vol. 2, p. 292أو بذي الحُليفة، على ما رُوِيَ من اختلافِ ألفاظِ ذلك الحديث، عامَ حَجَّة الوداع، فأمَرها رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أن تغتسِلَ، ثم لتُهِلَّ (١) .
-
ثم توفِّي أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه، فخلَف عليها بعدَه عليُّ بنُ أبي طالب، فولَدت له يحيى بنَ عليّ، وقد ذكَرنا خبرَها مُستوعَبًا في كتاب النِّساءِ من كتابِنا في "الصحابة" (٢) . وجائزٌ أن تكونَ حاضنتُهما غيرَها، وقد رُوِيتْ قصةُ أسماءَ بنتِ عميسٍ في ابنَي جعفرِ بنِ أبي طالب والاستِرْقاءِ لهما من حديثها، ومن حديثِ جابرِ بنِ عبد الله (٣) .
-
وقولُه في الحديث: "ما لي أراهما ضارِعَين؟ " . يقول: ما لي أراهُما ضعيفَينِ ضئيلَينِ ناحِلَين؟
-
وللضَّرَع في اللغة وجوهٌ؛ منها الضعفُ، قال صاحبُ "العين" (٤) : الضَّرَعُ: الصغيرُ الضعيفُ. قال: والضَّرَعُ والضَّراعةُ (٥) أيضًا: التَّذلُّلُ، يقال: قد ضَرَع يَضْرَعُ، وأضرَعتْه الحاجة.
- vol. 2, p. 293
وأما الحاضنُ فهو الذي يضمُّ الشيءَ إلى نفسِه ويستُرُه ويكنُفُه، وأصلُه من الحِضنِ والمحتضن، وهو ما دونَ الإبطِ إلى الكِشْح (١) ، تقولُ العرب: الحمامةُ تحضنُ بيضَها.
-
حدَّثني أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عَمْرو - يعني ابنَ دينار - قال: أخبرني عُروةُ بنُ عامر، عن عُبيدِ بنِ رِفاعة، عن أسماءَ بنتِ عُميس، أنها قالت: يا رسولَ الله، إنَّ ابنَي جعفرٍ تُصيبُهما العينُ، أفأَسْتَرْقي لهما؟ قال: "نعم، لو كان شيءٌ سابِقَ القدرِ لسبَقَتْهُ العينُ" .
vol. 2, p. 294قال أبو عُمر: عُروة بن عامر رَوَى عن ابن عَبّاس وعُبيد بن رِفاعة، روى عنه عَمْرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت والقاسم بن أبي بزة، وله أخ يسمى عبيد الله بن عامر روى عن ابن عمر، وروى عنه ابن أبي نَجِيح، ولهما أخ ثالث أصغر منهما اسمه عبد الرحمن بن عامر روى عنه سُفيان بن عُيَيْنة، وهم مكيّون ثقات.
-
أخبرني أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى المُقرئ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ (١) ببغداد، قال: حدَّثنا البَغَويُّ (٢) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعد، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن عبدِ الله بنِ أبي نَجِيح، عن ابنِ باباه (٣) ، عن أسماءَ بنتِ عُميس، أنها قالت: يا رسولَ الله. فذكَر مثلَه سواء (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالد، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عليِّ بنِ غالبٍ التّمّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الرَّبيع بنِ سُليمان، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بنِ مُسلم، قال: حدَّثنا حجّاج، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرنى عطاءٌ (٥) ، عن أسماءَ بنتِ عُمَيس، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نظَر إلى بنيها بني جعفر، فقال: "ما لي أرَى أجسامَهم ضارعةً؟ " . قالت: يا نبيَّ الله، إنَّ العينَ تُسرعُ إليهم (٦) ، أفأرقِيهم؟ قال: "وبماذا؟ " . فعرَضَت عليه كلامًا ليسَ به بأسٌ، فقال: "ارقِيهم به" (٧) .
- vol. 2, p. 295
وبه عن حجّاج، عن ابنِ جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: كان رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أرخَصَ لبني عَمْرو بن حَزْم في رقيةِ الحُمَة (١) . قال: وقال لأسماءَ بنتِ عميس: "ما شأنُ أجسام بني أخي ضارعةً؟ أتصيبُهم حاجةٌ؟ " . قالت: لا، ولكن تُسرعُ إليهم العينُ، أفأرقِيهم؟ قال: "وبماذا؟ " . فعرَضت عليه، فقال: "ارقِيهم" (٢) .
-
وحدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُرَيْج، قال: أخبرني أبو الزُّبير، أنّه سمعَ جابرَ بنَ عبد الله يقول: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماءَ بنتِ عُميس: "ما شأنُ أجسام بني أخي ضارعةً؟ " . فذكَر مثلَه سواء (٣) .
-
حدَّثنا (٤) خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسِّر (٥) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ علي، قال: حدَثنا يحيى بنُ مَعِين، قال: حدَثنا حجّاجٌ (٦) ، عن ابنِ جُرَيْج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماءَ بنتِ عُميس: "ما لي أرى أجسامَ
vol. 2, p. 296بني أخي ضارعةً؟ أتُصيبُهم الحاجةُ؟ ". قالت: لا، ولكنَّ العينَ تُسرعُ إليهم، أفأرقِيهم؟ قال: " بماذا؟ ". فعرَضتْ عليه كلامًا لا بأسَ به. قال: " فارْقِيهم".
-
وقد (١) ذكَرنا هذا الخبرَ وما جانسَه من الآثارِ المرفوعةِ في الرُّقَى في باب يحيى بنِ سعيد، عن سليمانَ بنِ يسار، والحمدُ لله وحده (٢) .
-
وفي هذا الحديث إباحةُ الرُّقَى للعين، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الرُّقَى ممّا يُسْتَدفعُ به أنواعٌ من البلاءِ إذا أذِنَ اللهُ في ذلك وقضَى به.
-
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ العينَ تُسرعُ إلى قوم فوقَ إسراعِها إلى آخَرِينَ، وأنّها تؤثِّرُ في الإنسانِ بقضاءِ الله عزَّ وجلَّ وقُدْرَته، وتُضرِعُه، في أشياءَ كثيرةٍ قد فهِمَته العامّةُ والخاصّةُ، فأغنى ذلك عن الكلام فيه.
-
وإنّما يُسترقَى من العينِ إذا لم يُعرَفِ العائنُ، وأمّا إذا عُرِفَ الذي أصابَه بعينِه (٣) ، فإنّه يُؤمرُ بالوضوءِ على حسَبِ ما يأتي ذكرُه وشرحُه وبيانُه في باب ابنِ شهاب، عن أبي أُمامة، من هذا الكتاب (٤) ، ثم يُصبُّ ذلك الماءُ على المَعين، على حسَبِ ما فسَّره الزُّهريُّ ممّا قد ذكَرناه هنالك، فإن لم يُعرَفِ العائنُ استُرقيَ حينئذٍ للمَعين، فإنَّ الرُّقَى مما يُستشفَى به من العينِ وغيرها، وأسعدُ الناسِ بذلك مَن صحِبه اليقينُ، وما توفيقي إلّا بالله.
- vol. 2, p. 297
وفي إباحةِ الرُّقَى إجازةُ أخذِ العِوَضِ عليه، لأنَّ كلَّ ما انتُفِع به جاز أخذُ البدل منه، ومَن احتسَب ولم يأخُذْ على ذلك شيئًا كان له الفضلُ.
-
وفي قوله: "لو سبَق شيءٌ القَدَرَ لسبَقتْه العينُ" دليلٌ على أنَّ الصِّحةَ والسَّقمَ قد جفَّ بذلك كلِّه القلمُ، ولكنَّ النفسَ تَطيبُ بالتَّداوي، وتأنسُ بالعلاج، ولعلَّه يُوافقُ قدَرًا، وكما أنَّه مَن أُعطِيَ الدُّعاء وفُتِحَ عليه فلم يكَدْ يُحرَمُ الإجابة، كذلك الرُّقَى والتَّداوي، من أُلهِمَ شيئًا من ذلك وفعَله ربَّما كان ذلك سببًا لفرَجِه.
-
ومنزلةُ الذين لا يكْتَوون، ولا يَسْتَرْقون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون، أرفعُ وأسنَى، ولا حرَجَ على من استرقَى وتداوَى (١) .