عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يكنى أبا محمد، رضي الله عنهم
357 paragraphs · vol. 12, p. 225
Page 6 of 9
- vol. 12, p. 281
ورواهُ محمدُ بن ثابتٍ العبدِيُّ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر، مرفُوعًا. وأنكرُوهُ عليهِ، وضعَّفُوهُ من أجلِهِ، وبعضُهُم يروِيهِ عنهُ، عن نافِع، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ
vol. 12, p. 282رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - تيمَّمَ في السِّكَّةِ، فضرَبَ بيديهِ على الحائطِ، ومسَحَ بهما وجههُ، ثُمَّ ضربَ ضَرْبةً أُخرى، فمسَحَ بها ذِراعيهِ (١) .
-
وهذا لم يروِهِ عن نافِع أحدٌ غيرُ محمدِ بن ثابتٍ هذا، وبه يُعرَفُ، ومن أجلِهِ يُضعَّفُ، وهُو عِندَهُم حديثٌ مُنكرٌ، لا يَعرِفُهُ أصحابُ نافِع.
قال أبو عُمر: لمّا اختَلَفتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التَّيمُّم وتعارَضَتْ، كان الواجِبُ في ذلك الرُّجُوع إلى ظاهِرِ الكِتابِ، وهذا يدُلُّ على ضَرْبتينِ: للوَجْهِ ضربةٌ، ولليَدَينِ أُخرى إلى المِرفقينِ، قِياسًا على الوُضُوءِ، واتِّباعًا لفِعلِ ابنِ عُمر، رحِمهُ الله، فإنَّهُ من لا يُدفَعُ عِلمُهُ بكِتابِ الله، ولو ثبتَ شيءٌ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وجب الوُقُوفُ عِندَهُ، وبالله التَّوفِيقُ.
وقال الطَّحاوِيُّ: لمّا اختَلفتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التَّيمُّم، رجعنا إلى الاعتِبارِ، فوجَدْنا الأعضاءَ التي ذكَرَها الله في الوُضُوءِ، قد سقَطَ التَّيمُّمُ عن بعضِها، وهُو الرَّأسُ والرِّجلانِ، فبطَلَ بذلك قولُ من قال: إلى المناكِبِ، لأنَّ التَّيمُّم لمّا بطَلَ عن بَعضِ ما يُوضَّأُ، كان ما لا يُوضَّأُ أحْرَى أن لا يَلْزمهُ التَّيمُّمُ. قال: ثُمَّ رأينا الوَجْه يُيَمَّمُ بالصَّعِيدِ، كما يُغسلُ بالماءِ، ورأينا الرَّأسَ والرِّجلينِ لا يُيمَّمانِ، فكان ما سقطَ التَّيمُّمُ عن بَعضِهِ، سقطَ عن كلِّهِ، وما وجبَ فيه التَّيمُّمُ، كان كالوُضُوءِ سَواءً، لأنَّهُ جُعِلَ بدلًا منهُ، فلمّا ثبتَ أنَّ بعضَ ما يُغسَلُ من اليَدينِ في حالِ وُجُودِ الماءِ، يُيمَّمُ في حالِ عَدم الماءِ، ثبتَ بذلك أنَّ التَّيمُّم في اليَدَينِ إلى المِرفقينِ، قِياسًا ونَظرًا (٢) .
vol. 12, p. 283وقال غيرُهُ: لمّا ذكرَ الله عزَّ وجلَّ إلى المِرفقينِ في الوُضُوءِ، اسْتَغنَى عن ذِكرِ ذلك وتَكرِيرِهِ في التَّيمُّم، كما أنَّهُ لمّا اشترطَ المَسِيس في تحرِيرِ الرَّقبةِ على المُظاهِرِ وفي صِيامِهِ، حيثُ قال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: ٣] اسْتَغنى عن ذِكرِ ذلك واشتِراطِهِ في الإطعام، لأنَّهُ بَدَلٌ منهُ، وحُكمُ البَدلِ، حُكمُ المَبْدُولِ منهُ، فالسُّكُوتُ عن ذلك اكتِفاءٌ، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: لمّا قال الله عزّ وجلّ في آيةِ الوُضُوءِ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: ٦] وأجمعُوا أنَّ ذلك ليسَ في غَسْلةٍ واحِدةٍ، وأنَّ غَسْلَ الوجهِ، غيرُ غسلِ اليَدَينِ، فكذلك يجِبُ أن تكونَ الضَّربةُ في التَّيمُّم للوَجهِ، غير الضَّربةِ لليدينِ قِياسًا، والله أعلمُ، إلّا أن يصِحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خِلافُ ذلك، فيُسلَّم لهُ، وكذلك البُلُوغُ إلى المِرفقينِ، قِياسًا على الوُضُوءِ، إن لم يَثبُت خِلافُهُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
- واختَلَفُوا في الصَّعِيدِ:
-
فقال مالكٌ وأصحابُهُ: الصَّعِيدُ وَجْهُ الأرضِ، ويجُوزُ التَّيمُّمُ عِندَ مالكٍ بالحَصْباءِ، والجبلِ، والرَّملِ، والتُّرابِ، وكلِّ ما كان وجه الأرضِ (١) .
وقال أبو حنِيفةَ وزُفرُ: يجُوزُ أن يَتيمَّمَ بالنُّور، والحَجَرِ، والزِّرنيخ، والجِصِّ، والطِّينِ، والرُّخام، وكلِّ ما كان من الأرضِ (٢) .
وقال الأوزاعِيُّ: يجُوزُ التَّيمُّمُ على الرَّملِ (٣) .
وقال الثَّورِيُّ وأحمدُ بن حنبل: يجُوزُ التَّيمُّمُ بغُبارِ الثَّوبِ، واللِّبدِ (٤) .
-
ولا يجُوزُ عِند مالكٍ بغُبارِ اللِّبدِ والثَّوبِ.
- vol. 12, p. 284
وذكر ابنُ خُوَيْزمَنْداد قال: الصَّعِيدُ، عِندَنا، وجهُ الأرضِ، وكلُّ أرضٍ جائز التَّيمُّمُ عليها، صَخْرًا كانت، أو مَعدِنًا، أو تُرابًا. قال: وبذلك قال أبو حنِيفةَ، والأوزاعِيُّ، والثَّورِيُّ، والطَّبرِيُّ. قال: ويجُوزُ التَّيمُّمُ عِندَ مالكٍ على الحشِيشِ، إذا كان (١) دُونَ الأرضِ. واختلفتِ الرِّوايةُ عنهُ في التَّيمُّم على الثَّلج، فأجازَهُ مرَّةً، ومنعَ منهُ أُخرى. قال: وكلُّ ما صعِدَ على وجهِ الأرضِ، فهُو صَعِيدٌ.
-
ومن حُجَّتِهِ في ذلك، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: ٨] يعني: أرضًا غلِيظةً لا تُنبِتُ شيئًا، و: {صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: ٤٠] . وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُحشرُ النّاسُ على صَعِيدٍ واحِدٍ" (٢) . أي: أرضٍ واحِدةٍ.
وقال الشّافِعيُّ (٣) وأبو يُوسُف وداودُ: الصَّعِيدُ: التُّرابُ. ولا يُجزِي عِندهُمُ التَّيمُّمُ بغيرِ التُّرابِ.
وقال الشّافِعيُّ (٤) : لا يقعُ صعِيدٌ إلّا على تُرابٍ ذي غُبارٍ، فأمّا الصَّحراءُ الغلِيظةُ والرَّقِيقةُ، والكَثِيبُ الغلِيظُ، فلا يَقَعُ عليه اسمُ صعِيدٍ.
وقال أبو ثورٍ: لا يُتيمَّمُ إلّا بتُرابٍ، أو رملٍ.
قال أبو عُمر: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ التَّيمُّمَ بالتُّرابِ ذي الغُبارِ جائزٌ.
وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لنا الأرضُ مَسْجدًا، وتُربتُها طَهُورًا" (٥) . وهُو يَقْضِي على قولِهِ: "مَسْجدًا وطهُورًا" . ويُفسِّرُهُ، والله أعلمُ.
vol. 12, p. 285وقال ابنُ عبّاسٍ: أطيبُ الصَّعِيدِ، أرضُ الحرثِ؛ ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١) عن الثَّورِيِّ، عن قابُوس، عن أبي ظبيان، قال: سُئل ابنُ عبّاسٍ: أيُّ الصَّعِيدِ أطيبُ؟ فقال: الحَرْثُ.
وقال الشّاعِرُ:
قتلى حَنوطُهم (٢) الصعِيدُ وغُسلُهُم .... نجعُ التَّرائبِ والرُّؤُوسُ تُقَطَّفُ (٣)
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن فُضيل، عن أبي مالكٍ الأشجعِيِّ، عن رِبعِيٍّ (٥) ، عن حُذيفةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فُضِّلنا على النّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مَسْجدًا، وجُعِلَتْ تُربتُها لنا إذا لم نَجِدِ الماءَ طَهُورًا ... " وذكر تمام الحديثِ.
vol. 12, p. 286قال (١) : وحدَّثنا يحيى بن أبي بُكَيرٍ (٢) ، عن زُهَيرِ بن محمدٍ، عن عبدِ الله بن محمدِ بن عَقيل، عن محمدِ بن عليِّ ابنِ الحنفِيَّةِ، أنَّهُ سمِعَ عليَّ بن أبي طالِبٍ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُعطِيتُ ما لم يُعطَ أحَدٌ من الأنبِياءِ: نُصِرتُ بالرُّعبِ، وأُعطِيتُ مَفاتِيحَ الأرضِ، وسُمِّيتُ أحمدَ، وجُعِل التُّرابُ لي طَهُورًا، وجُعِلت أُمَّتي خيرَ الأُمم" .
-
وجماعةُ العُلماءِ على إجازَةِ التَّيمُّم بالسِّباخ، إلّا إسحاقَ بن راهُوية، فإنَّهُ قال (٣) : لا يُتَيمَّمُ بتُرابِ السَّبخةِ.
-
ورُوِي عن ابنِ عبّاسٍ، فيمَنْ أدرَكهُ التَّيمُّمُ، وهُو في طِينٍ. قال: يأخُذُ من الطِّينِ فيَطْلي به بعضَ جَسَدِهِ، فإذا جفَّ، تيمَّمَ بهِ (٤) .
-
وأجمعَ العُلماءَ على أنَّ طهارةَ التَّيمُّم، لا ترفعُ الجنابةَ، ولا الحَدَثَ، إذا وُجِدَ الماءُ، وأنَّ المُتيمِّمَ للجنابةِ، أوِ للحَدَثِ، إذا وجدَ الماءَ، عاد جُنُبًا كما كانَ أو مُحدِثًا، وأنَّهُ إن صلَّى بالتَّيمُّم، ثُمَّ فرغَ من صلاتِهِ، فوجَدَ الماءَ، وقد كان اجتهَدَ في طَلبِهِ، فلم يجِدهُ، ولم يكُن في رَحْلِهِ، أنَّ صلاتهُ تامَّةٌ.
-
ومنهُم منِ استحبَّ لهُ أن يُعِيدَ في الوقتِ، إذا توضَّأ أوِ اغتسَلَ.
-
ولم يختلِفُوا أنَّ الماءَ إذا وجَدهُ المُتيمِّمُ بعد تَيمُّمِهِ، وقبلَ دُخُولِهِ في الصَّلاةِ،
vol. 12, p. 287أنَّهُ بحالِهِ قبلَ أن يتيمَّمَ، وأنَّهُ لا يَسْتبِيحُ صلاةً بذلك التَّيمُّم إلّا شُذُوذًا؛ رُوِي في ذلك عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّهُ يُصلِّي بذلك التَّيمُّم (١) .
- واختلفُوا إذا رأى الماءَ بعد دُخُولِهِ في الصَّلاةِ:
-
فقال مالكٌ (٢) والشّافِعيُّ (٣) وأصحابُهُما وداودُ والطَّبرِيُّ: يَتَمادى في صلاتِهِ وتُجزِئه، فإذا فرغَ ووجَدَ الماءَ للصَّلاةِ الأُخرى، وجَبَ عليه استِعمالُهُ، وأمّا الصَّلاةُ فلا يَقْطعُها لرُؤيةِ الماءِ.
-
وحُجَّتُهُم أنَّهُ مأمُورٌ بطلَبِ الماءِ إذا وجب (٤) عليهِ القِيام إلى الصَّلاةِ بدُخُولِ وَقتِها، فإن لم يجِدِ الماءَ تَيمَّمَ، وما لم يدخُل في الصَّلاةِ، فهُو مُخاطَبٌ بذلك، فإذا دَخلَ في الصَّلاةِ، سقطَ عنهُ الطَّلبُ، لاشتِغالِهِ بما هُو مأمُورٌ به من عَملِ الصَّلاةِ التي دخلَ فيها، وإذا سقَطَ عنهُ الطَّلبُ، سَقطَ عنهُ استِعمالُ الماءِ إذا وَجدَهُ، لأنَّهُ مُشتغِلٌ بفَرضٍ آخرَ عن طَلبِ الماءِ، فليسَ عليهِ استِعمالُهُ إذا سقطَ عنهُ طلبُهُ.
-
وقد أجمعُوا أنَّهُ يدخُلُ في صلاتِهِ بالتَّيمُّم عِندَ عدم الماءِ، واختلفُوا في قَطع تِلك الصَّلاةِ، إذا رأى الماءَ.
-
ولم تَثبُت سُنَّةٌ بقَطْعِها ولا إجماعٌ، وليسَ قولُ من قال: إنَّ رُؤيةَ الماءِ حَدَثٌ بشيءٍ؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك، كان الجُنُبُ إذا تيمَّمَ، ثُمَّ وجدَ الماءَ، يعُودُ كالمُحدِثِ، لا يلزمُهُ إلّا الوُضُوءُ، والبِناءُ عِندَهُم على ما صلَّى كسائرِ المُحدِثِينَ، وهذا لا يقولُهُ أحَدٌ.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ وجماعةٌ، منهُم: أحمدُ بن حنبل، والمُزنِيُّ،
vol. 12, p. 288وابنُ عُليَّةَ: إذا وجدَ الماءَ، أو رآهُ، وهُو في الصَّلاةِ، قطعَ وخرجَ إلى استِعمالِهِ في الوُضُوءِ، أو في الغُسلِ، واستقبلَ صلاتهُ (١) .
-
وحُجَّتُهُم: أنَّ التَّيمُّمَ لمّا بطلَ بوُجُودِ الماءِ قبلَ الصَّلاةِ، كان كذلك في الصَّلاةِ، لأنَّهُ لمّا لم يجُز لهُ عَملُها بالتَّيمُّم مع وُجُودِ الماءِ، كان كذلك لا يجُوزُ لهُ عملُ ما بَقِي منها مع وُجُودِ الماءِ، وإذا بطلَ بعضُها، بطلت كلُّها.
-
واحتجُّوا أيضًا بالإجماع على المُعتدَّةِ بالشُّهُورِ، لا يبقى عليها منها إلّا أقلُّها، ثُمَّ تحِيضُ، أنَّها تستقبِلُ عِدَّتها بالحَيْضِ. قالوا: والذي يَطْرأُ عليه الماءُ وهُو في الصَّلاةِ كذلك.
-
وللفرِيقينِ ضُرُوبٌ من الحُجَج في هذه المسألةِ يَطُولُ ذِكرُها.
-
وفي هذا الحديثِ: التَّيمُّمُ في السَّفرِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه.
-
واختَلَف العُلماءُ في التَّيمُّم في الحَضَرِ، عِند عدَم الماءِ: فذهَبَ مالكٌ (٢) وأصحابُهُ، إلى أنَّ التَّيمُّم في السَّفرِ والحَضَرِ سواءٌ، إذا عُدِم الماءُ، أو تعذَّر استِعمالُهُ لمرَضٍ، أو خوفٍ شدِيدٍ، أو خوفِ خُرُوج الوَقْتِ. وهذا كلُّهُ قولُ أبي حنِيفةَ، ومحمدٍ (٣) .
-
وحُجَّتُهُم: أنَّ ذِكرَ الله تعالى المرضَى والمُسافِرِينَ في شرطِ التَّيمُّم، خرجَ على الأغلبِ فيمَنْ لا يجِدُ الماءَ، والحاضِرُونَ الأغلبُ عليهِم وُجُودُ الماءِ، فلذلك لم يَنُصَّ عليهِم، فإذا لم يجِدِ الحاضِرُ الماءَ، أو منَعهُ منهُ مانعٌ، وجبَ عليه التَّيمُّمُ للصَّلاةِ، ليُدرِكَ وقتَها؛ لأنَّ التَّيمُّم عِندَهُم إنَّما وردَ لإدراكِ وَقتِ الصَّلاةِ، وخَوفِ فوتِهِ، وكذلك أمرَ
vol. 12, p. 289الله بالتَّيمُّم، حِفظًا للوَقتِ، ومُراعاتِهِ، فكلُّ من لم يجِدِ الماءَ، تيمَّم، المُسافِرُ بالنَّصِّ، والحاضِرُ بالمعنى، وكذلك المرِيضُ بالنَّصِّ، والصَّحِيحُ بالمعنى، والله أعلمُ.
وقال الشّافِعيُّ (١) : لا يجُوزُ للحاضِرِ الصَّحِيح أن يتيمَّمَ، إلّا أن يخاف التَّلفَ. وبه قال الطَّبرِيُّ.
وقال أبو يُوسُف وزُفَرُ: لا يجُوزُ التَّيمُّمُ في الحَضَرِ، لا لمرضٍ، ولا لخوفِ خُرُوج الوَقْتِ (٢) .
-
وحجَّةُ هؤُلاءِ: أنَّ الله تعالى جعلَ التَّيمُّم رُخصةً للمَرِيضِ والمُسافِرِ، كالفِطرِ وقصِر الصَّلاةِ، ولم يُبِح التَّيمُّم إلّا بشَرطِ المرضِ أوِ السَّفرِ، فلا دُخُولَ للحاضِرِ في ذلك، لخُرُوجِهِ من شَرطِ الله تعالى ذكْرُه.
-
والكلامُ بينَ الفرقِ في هذه المسألةِ طوِيلٌ، وبالله التَّوفِيقُ.
وقال الشّافِعيُّ (٣) أيضًا واللّيثُ والطَّبرِيُّ: إذا عَدِمَ الماءَ في الحَضرِ مع خَوْفِ فوتِ الوَقْتِ للصَّحِيح والسَّقِيم، تيمَّم وصلَّى، ثُمَّ أعادَ.
- vol. 12, p. 290
فَصْلٌ
التَّيمُّمُ للمَرِيضِ والمُسافِرِ، إذا لم يجِدِ الماءَ، بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماع، إلّا ما ذكرتُ لكَ في تيمُّم الجُنُبِ، فإذا وجدَ المرِيضُ، أوِ المُسافِرُ الماءَ، حرُم عليه التَّيمُّمُ، إلّا أن يخافَ المرِيضُ ذهابَ نفسِهِ، وتلفَ مُهجتِهِ، فيَجُوزُ لهُ حِينَئذٍ التَّيمُّمُ، مع وُجُودِ الماءِ بالسُّنَّةِ، لا بالكِتابِ، إلّا أن يتأوَّل: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩] ، وقد أجاز (١) رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - التَّيمُّم لعَمرِو بن العاصِ وهُو مُسافِرٌ، إذ خافَ الهلاكَ (٢) إنِ اغتسَلَ بالماءِ (٣) . فالمرِيضُ أحْرَى بذلك، والله أعلمُ.
وقال عَطاءُ بن أبي رباح: لا يتيمَّمُ المرِيضُ إذا وجَدَ الماءَ، ولا غيرُ المرِيضِ؛ لأنَّ الله يقولُ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (٤) [النساء: ٤٣] .
-
فلم يُبِح التَّيمُّم لأحَدٍ إلّا عِندَ فقدِ الماءِ، ولولا قَبُولُ الجُمهُورِ ما رُوِي من الأثَرِ، لكان (٥) قَوْلُ عَطاءٍ صحِيحًا، والله أعلمُ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في التَّيمُّم، هل تُصلَّى به صَلَواتٌ، أم يَلْزمُ التَّيمُّمُ لكلِّ صَلاةٍ؟
vol. 12, p. 291فقال مالكٌ (١) : لا تُصَلَّى صلاتينِ بتيمُّم واحِدٍ إلّا أن تكونَ نافِلةً بعد مَكتُوبةٍ (٢) .
قال: وإن صلَّى رَكْعتيِ الفجرِ بتيمُّم الفَجْرِ، أعادَ التَّيمُّم لصلاةِ الفَجْرِ.
وقال الشَّافِعيُّ (٣) : يتيمَّمُ لكلِّ صلاةِ فَرْضٍ، ويصلِّي النّافِلةَ والفَرْض، وصلاةَ الجنائزِ بتيمُّم واحِدٍ، ولا يجمعُ بين صَلاتي فَرْضٍ بتيمُّم واحِدٍ لا في سَفرٍ، ولا في حضرٍ.
وقال شرِيكُ بن عبدِ الله القاضِي: يتيمَّمُ لكلِّ صلاةٍ، نافِلةٍ وفَرِيضةٍ (٤) .
-
ولم يختَلِف قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، فيمَنْ تيمَّمَ لصلاةٍ فصلّاها، فلمّا سلَّمَ منها، ذكرَ صلاةً نَسِيها، إنَّهُ يتيمَّمُ لها.
- واختَلَفُوا فيمن صلَّى صلاتي فَرْضٍ بتيمُّم واحِدٍ:
-
فرَوَى يحيى، عن ابنِ القاسم، فيمن صلَّى صلواتٍ كثِيرةً بتيمُّم واحِدٍ: أنَّهُ يُعِيدُ ما زاد على واحِدةٍ في الوَقتِ، واستحبَّ أن يُعِيدَ أبدًا.
-
وروى أبو زيدِ بن أبي الغَمْرِ عنهُ: أنَّهُ يُعِيدُها أبدًا (٥) .
وقال أصْبَغُ: إن جمَعَ بين صلاتينِ بتيمُّم واحِدٍ، نظرَ، فإن كانتا مُشْترِكتينِ في الوَقْتِ، أعاد الآخِرةَ في الوَقتِ، وإن كانتا غير مُشترِكتينِ، كالعصرِ والمغرِبِ، أعادَ الثّانِيةَ أبدًا.
- vol. 12, p. 292
وذكرَ ابنُ عبدُوسٍ: أنَّ ابن نافِع روى عن مالكٍ، في الذي يجمعُ بين الصَّلاتينِ: أنَّهُ يتيمَّمُ لكلِّ صلاةٍ.
وقال أبو الفَرَج في ذاكِرِ الصَّلواتِ: إن قَضاهُنَّ بتيمُّم واحِدٍ، فلا شيءَ عليه، وذلك جائزٌ لهُ.
-
ولأصحابِ مالكٍ في هذا البابِ ضُرُوبٌ من الاضطِرابِ.
-
ومن حُجَّةِ من رأى التَّيمُّم لكلِّ صلاةٍ: أنَّ الله أوجَبَ على كلِّ قائم إلى الصَّلاةِ طلَبَ الماءِ، وأوجَبَ عِندَ عدَمِهِ التَّيمُّم، وعلى المُتيمِّم عِندَ دُخُولِ وَقْتِ صلاةٍ أُخْرَى، ما عليهِ في الأُولى، وليسَتِ الطَّهارةُ بالصَّعِيدِ، كالطَّهارةِ بالماءِ، لأنَّها طَهارةٌ ناقِصةٌ، طَهارةُ ضرُورةٍ، لاسْتِباحةِ الصَّلاةِ قبلَ خُرُوج الوقتِ، بدليلِ إجماع المُسلِمِين على بُطلانِها بوُجُودِ الماءِ، وإن لم يُحدِث، وليسَ كذلك الطَّهارةُ بالماءِ، ألا ترَى أنَّ السُّنَّةَ المُجتَمعَ عليها قد وردَتْ بجوازِ صَلَواتٍ كثِيرةٍ، بوُضُوءٍ واحِدٍ بالماء؛ لأنَّ الوُضُوءَ الثّاني في حُكم الأوَّلِ، ليسَ بناقِضٍ لهُ، وليس كذلك إذا وُجِدَ الماءُ بعدَ التَّيمُّم، فلذلك أمر بطَلبِهِ لكلِّ صلاةٍ، وإذا طلَبهُ ولم يجِدهُ تيمَّم، بظاهِرِ قولِ الله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: ٦] .
-
ولمّا أجمعُوا أنَّهُ لا يتيمَّمُ قبلَ دُخُولِ الوقتِ، دلَّ على أنَّهُ يلزمُهُ التَّيمُّمُ لكلِّ صَلاةٍ، لئَلّا تكونَ قبلَ دُخولِ الوَقتِ.
وقال أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ واللَّيثُ والحسنُ بن حيٍّ وداودُ: يُصلِّي ما شاءَ بتيمُّم واحِدٍ، ما لم يُحدِث؛ لأنَّهُ طاهِرٌ ما لم يجِدِ الماءَ، وليس عليه طَلَبُ الماءِ إذا يئسَ منهُ (١) .
-
وللكلام في هذه المسألةِ وُجُوهٌ يطُولُ البابُ بذِكرِها، وفي التَّيمُّم مَسائلُ كثِيرةٌ هي فُرُوعٌ، لو أتينا بها، خرجنا عن شَرْطِنا، وبالله توفِيقُنا (٢) .
- vol. 12, p. 293
حديثٌ سادِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، أنَّها قالَتْ: كُنتُ أُطيِّبُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أن يطُوفَ بالبيتِ.
قال أبو عُمر (٢) : هذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ لا يختلِفُ أهلُ العِلم بالحديثِ في صِحَّتِهِ وثُبُوتِهِ.
-
ولكنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في القولِ به، على حسَبِ ما ذكَرْناهُ في بابِ حُميدِ بن قيسٍ، من كِتابِنا هذا. وذكَرْنا اعتِلال كلِّ طائفةٍ لمذهَبِها في ذلك من جِهَةِ الأثرِ والنَّظرِ هُناك، وسَنذكُرُ هاهُنا فيه من جِهَةِ الأثرِ، ما لم يقَعْ هُناك، لتَكمُلَ الفائدة إن شاءَ الله.