العلاء بن عبد الرحمن
402 paragraphs · vol. 13, p. 5
Page 3 of 11
- vol. 13, p. 29
ثُمَّ جاءَ في هذا الحدِيثِ أنَّهُ عدَّها سبع آياتٍ، ليسَ فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . فهذه حُجَّةُ من ذهَبَ إلى أنَّ فاتحةَ الكِتابِ ليسَ يُعدُّ فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . ومن أسقطَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من فاتحةِ الكِتاب، عدَّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آيةً، وهُو عددُ أهلِ المدِينةِ، وأهلِ الشّام، وأهلِ البصرةِ، وَأكثرِ (٢) القُرّاءِ، وأمّا أهلُ مكَّةَ، وأهلُ الكُوفةِ من القُرّاءِ، فإنَّهُم عدُّوا فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . ولم يعُدُّوا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .
-
وأمّا العُلماءُ، فإنَّهُمُ اختَلفُوا في ذلك، على ما نذكُرُهُ هاهُنا بعونِ اللَّه إن شاءَ اللَّه.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عِيسى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا ابن أبي ذِئبٍ، عن المَقْبُريِّ (٣) ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "فاتحةُ الكِتابِ، السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العَظِيمُ" (٤) .
- vol. 13, p. 30
فإن قيلَ: كيف تكونُ قِسْمةُ (١) الصَّلاة عِبارةً عن السُّورةِ، وهُو يقولُ: "قَسَمتُ الصَّلاةَ" . ولم يقُل: قسمتُ السُّورةَ؟
-
قيلَ: معلُومٌ أنَّ السُّورةَ: القِراءةُ، وقد يُعبَّرُ عن الصَّلاةِ بالقِراءةِ، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] . أي: قِراءةَ صلاةِ الفجرِ.
-
وقد ذكرنا معنى هذه الآيةَ، في بابِ أبي الزِّنادِ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.
-
ومن حُجَّةِ من قال: إنَّ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، ولا من غيرِها، إلّا في سُورةِ النَّملِ، قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢] .
-
والاختِلافُ موجُودٌ في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هاهُنا (٢) ، فعَلِمنا أنَّها ليسَتْ آيةً من كِتابِ اللَّه؛ لأنَّ ما كان من كِتابِ اللَّه، فقد نَفَى عنهُ الاختِلافَ بقولِهِ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} . وقولِهِ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩] .
-
وأمّا من جِهَةِ الأثرِ، فقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ: أنَّهُم كانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (٣) . وقالت عائشةُ: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْتتِحُ الصلاةَ بالتَّكبِيرِ والقِراءةِ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . مع حدِيثِ أبي هريرةَ في هذا البابِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي عدِيٍّ، عن حُمَيدٍ،
vol. 13, p. 31عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ، وعُمر، وعُثمانَ كانوا يفتتِحُونَ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (١) .
-
روى هذا الحدِيث مالكٌ، عن حُميدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَّهُ قال: قُمتُ وراءَ أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمان، فكلُّهُم كان لا يقرأُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذا افتتحُوا الصَّلاةَ (٢) .
-
لم يرفعهُ مالكٌ، ولم يَسْمعهُ حُميدٌ من أنَسٍ، وإنَّما يَروِيهِ عن قَتادةَ، عن أنسٍ. وأكثرُ أحادِيثهِ عن أنسٍ (٣) ، لم يسمعها من أنسٍ، إنَّما يروِيها عن ثابتٍ، أو قتادةَ، أوِ الحسنِ، عن أنسٍ ويُرسِلُها، عن أنسٍ. كذلك قال أهلُ العِلم بالحدِيثِ.
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمان كانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
-
وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عامرٍ، عن
vol. 13, p. 32سَعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمر (١) وعُثمانَ كانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (٢) .
-
ورواهُ شُعبةُ (٣) وشَيْبانُ (٤) وأيُّوبُ (٥) وأبو عَوانةَ (٦) ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمر. لم يذكُرُوا عُثمانَ.
-
وأصحابُ قَتادةَ الذين يُحتجُّ بهم فيه: شُعبةُ، وهشام الدَّستوائيُّ، وسعِيدُ بن أبي عرُوبةَ، فإذا اختلفُوا واجتمع (٧) منهُمُ اثنانِ، كانا حُجَّةً على الثّالِثِ، إذا خالَفهُما.
-
وقد رَوَى هذا الحدِيث هشامُ بن حسّان، عن قَتادةَ، كما رواهُ هشامٌ الدَّستوائيُّ وابنُ أبي عَرُوبةَ، مرفُوعًا، وذكرَ فيه عُثمان.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا
vol. 13, p. 33محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، عن هشام بن حسّان، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمان، فكانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
-
وقد رَوَى هذا الحدِيث عائذُ بن شُرَيح، عن أنسٍ. فزادَ فيه ذِكر عليٍّ، ولم يقُلهُ غيرُهُ.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمد بن محمدِ (١) بن عطِيَّةَ البَغدادِيُّ، المعرُوفُ بابنِ الحدّادِ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالِق أبو بكرٍ البزّارُ، قال: حدَّثنا أبو همّام، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن أسباطٍ، عن عائذِ بن شُرَيح، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وخلفَ أبي بكرٍ، وخلفَ عُمرَ، وخلفَ عُثمانَ، وخلف عليٍّ، فكانوا يستفتِحُونَ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال أبو همّام: فلقِيتُ يُوسُف بن أسباطٍ، فسألتُهُ عنهُ، فحدَّثنِيهِ، عن عائذِ بن شُريح، عن أنسٍ (٢) .
قال أبو عُمر: ذِكرُ عليٍّ في هذا الحديث غير محفُوظ، ولا يصِحُّ، واللَّهُ أعلمُ.
-
وقد حدَّثني خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدِ بن كامل، قال: حدَّثنا أبو أحمد إبراهيمُ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ البغدادِيُّ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ قالت: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْتتِحُ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وسمِعتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيق يفتتِحُ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وسمِعتُ عُمر بن الخطّابِ يفتتِحُ القِراءةَ
vol. 13, p. 34بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (١) . وسمِعتُ عُثمان بن عفّانٍ يفتتِحُ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
-
وهذا حدِيثٌ موضُوعٌ بهذا الإسنادِ، لا أصلَ لهُ في حدِيثِ مالكٍ، ولا في حدِيثِ ابن شِهابٍ، وهُو مُنكرٌ كذِبٌ عن هؤُلاءِ، وعنِ القاسم بن محمدٍ أيضًا، ولا يصِحُّ عن واحِدٍ منهُم (٢) ، والمعرُوفُ فيه عن عائشةَ:
ما أخبرناهُ أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عامرٍ، عن سعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن بُدَيل، عن أبي الجَوْزاءِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبِيرِ، والقِراءةِ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . ويختِمُها بالتَّسلِيم (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا صالحُ بن محمدٍ الواسِطِيُّ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ. قالا: أخبرنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن بُدَيلِ بن مَيْسرةَ العُقيليِّ، عن أبي الجَوزاءِ، عن عائشةَ،
vol. 13, p. 35قالت: كانَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبِيرِ، وكان يَفتتِحُ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وكان إذا ركعَ لم يُشخِص رأسهُ، ولم يُصوِّبهُ، وكان إذا رفعَ رأسهُ من الرُّكُوع لم يسجُد، حتّى يستوِي قائمًا، وكان يقولُ في الرَّكعتينِ التَّحِيَّةَ، وكان يَفرِشُ رِجلهُ اليُسرى، وأحسبُهُ قال: وينصِبُ اليُمنى، وكان يَنْهى عن عَقِبِ (١) الشَّيطانِ، وكان يَنْهى أن يَفترِشَ الرَّجُلُ ذِراعيهِ افتِراشَ السَّبُع، وكان يختِمُ الصَّلاةَ بالتَّسلِيم. واللَّفظُ لحدِيثِ صالح بن محمدٍ، وهُو أتمُّ.
قال أبو عُمر: اسمُ أبي الجَوْزاءِ: أوسُ بن عبدِ اللَّه الرَّبعِيُّ، لم يسمع من عائشةَ، وحدِيثُهُ عنها مُرسلٌ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ (٢) العِجليُّ، قال: حدَّثنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن بُدَيلِ بن مَيْسرةَ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن عائشةَ: أنَّ (٣) النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يفتتِحُ القِراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (٤) .
-
حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥) : حدَّثنا
vol. 13, p. 36إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن الجُريرِيِّ، عن قَيْسِ بن عَبايةَ، قال: حدَّثني ابن عبدِ اللَّه بن مُغفَّل، قال: سَمِعني أبي وأنا أقرأُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال: أي بُنيَّ، إيّاكَ والحَدَث، فإنِّي صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، فلم أسمع رجُلًا منهُم يقولُهُ، فإذا قرأتَ فقُلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
قال أبو عُمر: قيسُ بن عَبايةَ هذا، هُو أبو نَعامةَ الحنفِيُّ، وهو ثِقةٌ، لكِنَّ ابن عبدِ اللَّه بن مُغفَّلٍ غيرُ معرُوفٍ بحملِ العِلم، مجهُولٌ، لم يروِ عنهُ أحدٌ غيرُ أبي نَعامةَ هذا (١) .
-
فهذه الآثارُ كلُّها احتجَّ بها من كرِهَ (٢) قِراءةَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ، ولم يَعُدَّها آيةً منها، وأكثرُها لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ المعنى: أنَّهُم كانوا يَفْتتِحُونَ القِراءةَ في الصَّلواتِ كلِّها، وفي كلِّ ركعةٍ منها بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ
vol. 13, p. 37رَبِّ الْعَالَمِينَ} هذه السُّورةُ قبلَ سائرِ السُّورِ، كما لو قال: كان يفتتِحُ بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} . أو بـ {ن وَالْقَلَمِ} . أو بـ {حم (١) تَنْزِيلُ} هو [غافر: ١ - ٢] . ونحوِ ذلك.
-
وللعُلماءِ في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أقاوِيلُ.
-
فجُملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّها ليست عِندهُم آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، ولا من غيرِها، وليست من القُرآنِ إلّا في سُورةِ النَّملِ، ولا يَقْرأُ بها المُصلِّي في المكتُوبةِ في فاتحةِ الكِتابِ، ولا في غيرِها، سِرًّا ولا جهرًا. قال مالكٌ: ولا بأس أن يقرأ بها في النّافِلةِ من يعرِضُ القُرآن عرضًا (١) .
-
وقولُ الطَّبرِيِّ في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} مِثلُ قولِ مالكٍ في ذلك كلِّهِ (٢) .
-
وللشّافِعِيِّ في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قولانِ، أحدُهُما: أنَّها آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ، دُونَ غيرِها من السُّورِ التي أُثبِتت في أوائلِها. والقولُ الآخرُ: هي آية في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ (٣) . وكذلك اختَلَف أصحابُهُ على القَوْلينِ جميعًا.
-
وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن راهُوية وأبو ثَوْرٍ وأبو عُبيدٍ: هي آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ (٤) .
-
وأمّا أصحابُ أبي حَنِيفةَ، فزَعَمُوا أنَّهُم لا يحفظُونَ عنهُ، هل هي آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ أم لا، ومَذهبُهُ يَقْتضِي أنَّها ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ؛ لأنَّهُ يُسِرُّ بها في الجَهْرِ والسِّرِّ.
vol. 13, p. 38وقال داودُ: هي آيةٌ من القُرآنِ في كلِّ مَوْضِع وقعَتْ فيه، وليسَتْ من السُّوَرِ، وإنَّما هي آيةٌ مُفردة غير مُلحقةٌ بالسُّورِ.
-
وزعمَ الرّازِّيُّ أنَّ مذهبَ أبي حنِيفةَ هكذا.
وقال الزُّهرِيُّ: هي آيةٌ من كِتابِ اللَّه تَرَكها النّاسُ (١) .
وقال عطاءٌ: هي آيةٌ من أُمِّ القُرآنِ (٢) .
وقال ابن المُباركِ: من تركَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقد تركَ مئةَ آيةٍ وثلاث عشرةَ آيةً من القُرآنِ (٣) .
-
واتَّفقَ أبو حنِيفةَ (٤) ، والثَّورِيُّ، على أنَّ الإمامَ يقرأُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ سِرًّا، ويُخفيها في صلاةِ الجَهْرِ وغيرِها، يخُصُّها بذلك.
-
ورُوِي مِثلُ ذلك، عن عُمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وعمّارٍ، وابنِ الزُّبيرِ (٥) . وهُو قولُ الحكم، وحمّادٍ (٦) . وبه قال أحمدُ بن حنبل، وأبو عُبيدٍ. ورُوِي (٧) عن الأوزاعِيِّ مِثلُ ذلك.
-
ورُوِي عن الأوزاعِيِّ أيضًا مِثلُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ لا يقرأُ بها في المكتُوبةِ سِرًّا ولا جهرًا، وأنَّها ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ.
vol. 13, p. 39وقال الشّافِعيُّ (١) وأصحابُهُ: يُجهَرُ بها في صَلاةِ الجهرِ، لأنَّها آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ، حُكمُها كسائرِ السُّورةِ، وبه قال داود، على اختِلافٍ عنهُ في ذلك (٢) .
-
وهُو قولُ ابن عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ، وعَمرِو بن دِينارٍ. ورُوِي ذلك، عن عُمر أيضًا، وابنِ الزُّبيرِ (٣) .
قال أبو عُمر: أمّا من قرأ بها سِرًّا في صلاةِ السِّرِّ، وجهرًا في صلاةِ الجهرِ، فحُجَّتُهُ أنَّها آيةٌ من السُّورةِ، لا يختلِفُ حُكمُها، والمُناظرةُ بينهُ وبين من خالفه في هذا الأصلِ.
-
وأمّا من أسرَّ بها، وجَهرَ كسائرِ السُّورةِ، فإنَّما مالَ إلى الأثرِ، وقَرَأ بها كذلك من جِهَةِ الحُكم بخبرِ الواحِدِ المُوجِبِ للعملِ دُون العِلم.
-
واحتجُّوا من الأثرِ في ذلك، بما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤) : أخبرنا محمدُ بن عليِّ بن الحسنِ (٥) بن شَقِيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن مَنصُورِ بن زاذانَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: صلَّى بنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُسْمِعنا قِراءةَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وصلَّى بنا أبو بكرٍ وعُمرُ، فلم نسمعها منهُما.
-
وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالب، قال: حدَّثنا أبو الجوّابِ، قال: أخبرنا عمّارُ بن رُزيقٍ، عن الأعمشِ،
vol. 13, p. 40عن شُعبةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكرٍ وعُمر، فلم أسمع أحدًا منهُم يجهرُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (١) .