العلاء بن عبد الرحمن

402 paragraphs · vol. 13, p. 5

Page 4 of 11

  1. أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسائيُّ، قال (٢) : أخبرنا عبدُ اللَّه (٣) بن سعِيدٍ، قال: حدَّثني عُقبةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ وابنُ أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، فلم أسمع أحدًا منهُم يجهرُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    vol. 13, p. 40
  2. ففي هذه الآثارِ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يجهر بها. وفي ذلك دليلٌ على أَنَّهُ كان يُخفيها، ويَقْرأُ بها، فإلى هذا ذهَبَ من رأى إخفاءَها، وعلى هذا حَملُوا ما رُوِي عن عليٍّ، ومن ذكرنا معهُ في ذلك.

  3. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤) عن إسرائيل، عن ثُوَيرِ بن أبي فاخِتةَ، عن أبيهِ: أنَّ عليًّا كان لا يجهرُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . وكان يجهرُ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

  4. وعنِ الثَّورِيِّ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بَشِيرٍ، عن عِكْرِمةَ؛ عن ابن عبّاسٍ، قال: الجَهْرُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قِراءةُ الأعرابِ (٥) .

  5. وأمّا الذين أثبتُوها آيةً من كِتابِ اللَّه في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، والذين جَعلُوها آيةً مُنفَرِدةً في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، فإنَّهُم قالوا: إنَّ المُصحفَ

    vol. 13, p. 41لم تُثبِتِ الصَّحابةُ فيه ما ليسَ من القُرآنِ، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُضِيفُوا إلى كِتابِ اللَّه ما ليسَ منهُ، ويَكتُبُوهُ بالمِدادِ، كما كتبُوا القُرآن.

  6. هذا ما لا يجُوزُ أن يُضِيفهُ أحَدٌ إليهم؛ ألا ترَى أنَّ الذينَ رأوا منهُمُ الشَّكلَ فيه كَرِهُوهُ، وقالوا: نَمَّشْتُم (١) المُصحف، كيف تُضِيفُونَ إلَيهِ ما ليسَ منهُ؟

  7. واحتجُّوا من الأثرِ؛ بما حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: كان النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَعرِفُ فصلَ السُّورةِ، حتّى تنزِل عليه {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    قال أبو داودَ (٣) : وحدَّثنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضيل، عن المُختارِ بن فُلفُل، قال: سَمِعتُ أنس بن مالكٍ، يقولُ: سمِعتُ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "أُنزِلت عليَّ آنِفًا سُورةٌ" .

  8. فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} حتّى ختمها، ثُمَّ قال: "هل تدرُونَ ما الكوثرُ؟ " قالوا: اللَّه ورسُولُهُ أعلمُ. قال: "فإنَّهُ نهرٌ وعَدَنِيهِ ربِّي في الجنَّةِ" .

  9. وذكر النَّسائيُّ (١) هذا الخبر عن عليِّ بن حُجرٍ، عن عليِّ بن مُسهِرٍ، عن المُختارِ بن فُلفُل، عن أنسٍ، مِثلهُ.

    vol. 13, p. 42
  10. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، قال: أخبَرنا ابن جُريج، قال: أخبَرني عَمرُو بن دِينارٍ، أنَّ سعِيدَ بن جُبيرٍ أخبَرهُ، أنَّ المُؤمِنِينَ في عَهدِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا لا يعلمُونَ انقِضاءَ السُّورةِ حتّى تنزِلَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . فإذا نزلت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} عَلِمُوا أن قدِ انْقَضتِ السُّورةُ، ونزلتِ الأُخرى.

  11. وهكذا رَوَى هذا الخبر طائفةٌ من أصحابِ ابن عُيَينةَ، عن ابن عُيينةَ، عن عَمرِو (٣) بن دِينارٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ مُرسلًا (٤) . وبعضُهُم رواهُ، عن ابن عُيينةَ، عن عَمرٍو، عن سعِيدٍ، عن ابن عبّاسٍ مُسندًا (٥) .

  12. فهذه حُجَّةُ من جعلَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من كلِّ سُورةٍ آيةً.

  13. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ عبدُ المجيدِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن هاشم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن الحُصينِ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: سرقَ الشَّيطانُ من أئمَّةِ المُسلِمِينَ آيةً من كِتابِ اللَّه {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . قال ابن عبّاسٍ: نَسِيها النّاسُ كما نسُوا التَّكبِيرَ في الصَّلاةِ، واللَّه ما كُنّا نَقْضِي السُّورةَ، حتّى تَنزِل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (٦) . قال عَمرُو بن هاشم: صلَّيتُ خلفَ اللَّيثِ بن سعدٍ، فكان يجهرُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وبآمينَ.

  14. وأمّا ما حَكيناهُ، عن ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وغيرِهِما من السَّلفِ في هذا البابِ.

    vol. 13, p. 43
  15. فذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (١) : أخبَرنا ابن جُريج، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن عُثمان بن خُثيم، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن حَفْصِ بن عُمر بن سعدٍ: أنَّ مُعاويةَ صلَّى للنّاسِ بالمدِينةِ العَتَمةَ، فلم يقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . ولم يُكبِّر بعضَ هذا التَّكبِيرِ الذي يُكبِّرُ النّاسُ، فلمّا انصرَفَ ناداهُ من سمِعَ ذلك من المُهاجِرِينَ والأنصارِ، فقالوا: يا مُعاويةُ، أسُرِقتِ الصَّلاةُ، أم نسِيتَ؟ أين {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} واللَّه أكبرُ، حِينَ تَهْوِي ساجِدًا؟ فلم يَعُد مُعاويةُ لذلك بعدُ.

  16. ورَوَى هذا الخبرَ: عبدُ المجيدِ بن عبدِ العَزِيزِ بن أبي روّادٍ، عن ابن جُرَيج، عن عبدِ اللَّه بن عُثمانَ بن خُثيم، عن أبي بكر بن حَفْصٍ، عن أَنَسِ بن مالكٍ قال: صلَّى بنا مُعاويةُ صلاةً يَجْهرُ فيها بالمدِينةِ. فذكرَ معناهُ (٢) .

  17. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) أيضًا، قال: أخبَرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبي، أنَّ سعِيدَ بن جُبيرٍ أخبرهُ، أنَّ ابن عبّاسٍ قال في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: ٨٧] ، قال: أُمُّ القُرآنِ (٤) . قال: وقرأها عليَّ سعِيدٌ، كما قرأتُها عليكَ، ثُمَّ قال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الآيةُ السّابعةُ. قال (٥) ابن عبّاسٍ: قد أخرَجها اللَّه لكُم، وما أخرَجَها لأحدٍ (٦) قبلَكُم. قال عبدُ الرَّزّاقِ: وقَرأها علينا ابن جُريج: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيةٌ، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} آيةٌ،

    vol. 13, p. 44{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيةٌ، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} آيةٌ، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آيةٌ، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} آيةٌ، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} آيةٌ.

    قال (١) : وأخبَرنا مَعمرٌ، عن أيُّوبَ، عن عَمرِو بن دِينارٍ: أنَّ ابن عبّاسٍ كان يَفْتتِحُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    قال (٢) : وأخبَرنا إبراهيمُ بن محمدِ، عن (٣) صالح مولى التَّوأمةِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يفتتِحُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    قال: وأخبرنا مَعمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابن عُمر كان يَفتتِحُ القِراءةَ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (٤) .

    قال (٥) : وأخبَرنا ابن جُريج، قال: أخبرني نافعٌ: أنَّ ابن عُمرَ كان لا يَدَعُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . يستفتِحُ بها لأُمِّ القُرآنِ، وللسُّورةِ التي بعدَها.

    قال (٦) : وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن عاصِم بن أبي النَّجُودِ، عن سَعِيدِ بن جُبيرٍ: أنَّهُ كانَ يجهرُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في كلِّ ركعةٍ.

    قال (٧) : وأخبَرنا ابن جُريج، عن عَطاءٍ، قال: لا أدعُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في (٨) مَكتُوبةٍ وتطوُّع أبدًا إلّا ناسِيًا، لأُمِّ القُرآنِ، وللسُّورةِ التي بعدَها. قال:

    vol. 13, p. 45وهي آية من القُرآنِ. قال ابن جُريج: وقال يحيى بن جَعْدةَ: اختلسَ الشَّيطانُ من الأئمَّةِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    قال (١) : وأخبَرنا مَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ: أنَّهُ كان يَفْتتِحُ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ويقولُ: هي آيةٌ من كِتابِ اللَّه، تركها النّاسُ.

    قال (٢) : وأخبَرنا محمدُ بن مُسلِم، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، عن مُجاهِدٍ، قال: نَسِي النّاسُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، وهذا التَّكبِير.

    قال أبو عُمر: في قولِ ابن شِهابٍ، ومُجاهِدٍ، ويحيى بن جَعْدَةَ دليلٌ على أنَّ العملَ كان عِندَهُم ترْكُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . فهذا من جِهَةِ العملِ.

  18. وأمّا من جِهَةِ الأثرِ: فحدِيثُ العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قولَهُ: "قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عَبْدِي نِصفينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لعبدِي، اقرؤُوا يقولُ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} " الحدِيث (٣) . على حسَبِ ما بيَّنّا منهُ فيما مَضى من هذا البابِ.

  19. وحدِيثُ عبدِ اللَّه بن مُغفَّلٍ: أنَّهُ لم يسمع رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أبا بكرٍ، ولا عُمر يقرؤُونَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (٤) .

  20. وحدِيثُ أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، كانوا يفتتِحُون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

  21. وحدِيثُ عائشةَ: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبِيرِ، والقِراءةِ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

  22. فالظّاهِرُ من هذه الأخبارِ إسقاطُ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} منها، وتأوِيلُ المُخالِفِ فيها بَعِيدٌ، إذ زعمَ أنَّ قولهُم: كانوا يفتتِحُون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إعلامٌ بأنَّهُم كانوا يقرؤُونَ هذه السُّورةَ في أوَّلِ صَلاتِهِم، وفي كلِّ رَكْعةٍ. قالوا: وإنَّما في هذه الآثارِ ردُّ قَولِ من قال: إنَّ غيرَها من سُورِ القُرآنِ يُغني عنها. قالوا: وحدِيثُ أنسٍ مخُتَلفٌ فيه، أكثرُ أصحابِ قتادةَ يقولُون فيه: كانوا لا يجهرون بـ (١) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . وبعضُ رُواتِهِ عن أنسٍ يقولُ فيه: كانوا لا (٢) يقرؤُونَ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

    vol. 13, p. 46
  23. ورواهُ مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، وحُميدٍ الطَّوِيلِ، وأبان (٣) ، عن أنس، قال: سَمِعتُ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمر وعُثمانَ يَقرؤُونَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (٤) .

    قالوا: فحدِيثُ أنسٍ هذا، وما كانَ في معناهُ مُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ على ما وصفنا.

    قالوا: وحدِيثُ (٥) عبدِ اللَّه بن مُغفَّلٍ لا يثبُتُ أيضًا، لأنَّهُ عن ابنهِ (٦) ، وهُو مجهُولٌ.

    قالوا: والعلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ قد تُكلِّمَ فيه، وليسَ بحُجَّةٍ.

    قالوا: وأمّا قولُ منِ احتجَّ بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢] .

  24. فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الاختِلافَ في المُعوِّذاتِ، وفي فاتحةِ الكِتابِ أيضًا موجُودٌ بينَ الصَّحابةِ، وكذلك الاختِلافُ في تأوِيلِ كثِيرٍ من آيِ القُرآنِ، فدلَّ ذلك على أنَّ معنى الآيةِ غيرُ ما نزعَ به المُخالِفُ من ظاهِرِها، واللَّه أعلمُ.

    قال أبو عُمر: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ثِقةٌ، رَوَى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، ولم يثبُت فيه لأحَدٍ جُرحَةٌ (١) ، وهُو حُجَّةٌ فيما نقلَ، واللَّهُ أعلمُ.

    vol. 13, p. 47
  25. وحدِيثُهُ في هذا البابِ يَقْضِي بأنَّ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، وهُو نصٌّ في مَوْضِع الخِلافِ لا يَحتمِلُ التَّأوِيل، وقد أمرَ اللَّه عِندَ التَّنازُع بالرَّدِّ (٢) إلى اللَّه ورسُولِهِ، وقدِ اختلَفَ السَّلفُ في هذا البابِ، وسلك الخلفُ سَبِيلهُم في ذلك، واختلَفتِ الآثارُ فيه، وحدِيثُ العلاءِ هذا قاطِعٌ لعُلَقِ (٣) المُتنازِعِين، وهُو أولى ما قيلَ به في هذا البابِ إن شاءَ اللَّهُ، واللَّه المُوفِّقُ للصَّوابِ.

  26. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن محمدِ بن شَيْبةَ البَغدادِيُّ، قال: حدَّثنا أبو خلِيفةَ الجُمحِيُّ الفضلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسرهدٍ. قالا: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثني خُبيبُ بن عبدِ الرَّحمنِ (٤) ، عن حَفْصِ بن عاصِم، عن أبي سعِيدِ بن المُعلَّى، قال: مرَّ (٥) بي رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا في المسجِدِ، فدَعاني، فلم آتِهِ، فقال: "ما مَنعكَ أن تُجِيبنِي؟ " قُلتُ: إنِّي كُنتُ أُصلِّي. قال: "ألم يقُلِ اللَّه عزَّ وجلَّ:

    vol. 13, p. 48{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} " [الأنفال: ٢٤] ، ثُمَّ قال: " ألا أُعلِّمُكَ أفضلَ سورةٍ في القُرآنِ قبلَ أن أخرُجَ؟ " قال: فلمّا ذهَبَ يخرُجُ، ذكرتُ لهُ، فقال: " {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظِيمُ الذي أُوتيتُهُ". واللَّفظُ لحدِيثِ عبدِ الوارِثِ (١) .

  27. ففي هذا الحدِيثِ تَسمِيةُ السُّورةِ (٢) بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

  28. وفيه: أنَّها السَّبعُ المثاني.

  29. وفيه: أنَّ الصَّلاةَ لا يجُوزُ فيها الكلامُ، ولا الاشتِغالُ بغَيرِها، ما دامَ فيها؛ لأنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُعنِّفهُ، إذ قال لهُ: كُنتُ أُصلِّي. بل سكتَ عنهُ، تسلِيمًا لذلك، وإذا لم يَقْطع الصَّلاةَ بكلام ولا عملٍ لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فغيرُهُ أحْرَى بذلك، وباللَّه التَّوفِيقُ.

  30. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عن ابن جُريج، قال: قُلتُ لعطاءٍ: أيُجزِئُ عنِّي في كلِّ ركعةٍ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} وليسَ معها أُمُّ القُرآنِ في المكتُوبةِ؟ قال: لا، ولا سُورةُ البَقرةِ، قال اللَّه: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: ٨٧] . قال: هي السبعُ المثاني (٤) ، قلتُ: فأينَ السّابعةُ؟ قال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . قال ابن جريج (٥) : وكان عطاءٌ يُوجِبُ أُمَّ القُرآنِ في كلِّ رَكْعةٍ (٦) .

  31. حدِيثٌ ثالِثٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ

    مالكٌ (١) ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمن بن يَعقُوبَ، أنَّ أبا سعِيدٍ مولى عامرِ بن كُريزٍ أخبَرهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نادَى أُبيَّ بن كعبٍ وهُو يُصلِّي، فلمّا فرغَ من صلاتِهِ لحِقَهُ، فوضَعَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدهُ على يَدِهِ وهُو يُرِيدُ أن يخرُج من بابِ المسجِدِ، فقال: "إنِّي لأرجُو أن لا تخرُج من المَسجِدِ حتّى تعلمَ سُورةً ما أنزلَ في التَّوراةِ ولا في الإنجِيلِ، ولا في الفُرقانِ مِثلَها. قال أُبَيٌّ: فجَعلتُ أُبطِئُ في المشي رَجاءَ ذلك، ثُمَّ قُلتُ: يا رسُول اللَّه، السُّورةُ التي وَعَدْتَني؟ قال: " كيفَ تَقْرأُ إذا افتتحتَ الصَّلاةَ؟ " قال: فقرأتُ عليه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتّى أتيتُ على آخِرِها، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هي هذه السُّورةُ، وهي السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظيمُ الذي أُعطِيتُ ".

    قال أبو عُمر: أبو سعِيدٍ مولى عامرِ بن كُرَيزٍ لا يُوقَفُ لهُ على اسم (٢) ، وهُو مَعدُودٌ في أهلِ المدِينةِ، روى عنهُ محمدُ بن عَجْلانَ، وداودُ بن قيسٍ، وصفوانُ بن سُلَيم، والعلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأُسامةُ بن زيدٍ، ورِوايتُهُ عن أبي هريرةَ (٣) ، وحدِيثُهُ هذا مُرسلٌ.

    vol. 13, p. 49
  32. وقد رُوِي هذا الحدِيثُ، عن أبي سعِيدِ بن المُعلَّى (٤) ، وأبو سعِيدِ بن المُعلَّى رجُلٌ من الصَّحابةِ لا يُوقَفُ لهُ أيضًا على اسم، رَوَى عنهُ حفصُ بن عاصِم، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، وقد ذكَرناهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٥) والحمدُ للَّه.

  33. ولم تختلِفِ الرُّواةُ على مالكٍ، عن العلاءِ (١) في إسنادِ هذا الحدِيثِ.

    vol. 13, p. 50
  34. وخالفهُ فيه غيرُهُ جماعةٌ عن العلاءِ.

  35. فرواهُ: ابن جُريج، وابنُ عَجْلانَ، ومحمدُ بن إسحاقَ، عن العلاءِ (٢) مُرسلًا، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) .

  36. ورواهُ إسماعيلُ ومحمدُ ابنا جعفرِ بن أبي كثِيرٍ (٤) وعبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ ورَوْحُ بن القاسم وعبدُ السَّلام بن حَفْصٍ، عن العَلاءِ، عن أبيه (٥) ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُسندًا.

  37. ورواهُ عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٦) . وهُو الأشبهُ عِندِي، واللَّه أعلمُ (٧) .

  38. حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا

    vol. 13, p. 51عبدُ السَّلام بن حَفْصٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأُبِيِّ بن كعبٍ: "ألا أُعلِّمُكَ سُورةً لم يَنْزِل في التَّوراةِ، ولا في الإنجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها؟ " قال: نعم يا رسُولَ اللَّه، فذكر الحدِيث (١) .

  39. وذكر محمدُ بن إسحاقَ السَّرّاجُ في "تارِيخِهِ" قال: حدَّثنا أحمدُ بن المِقدام، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن القاسم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ قال: خرجَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على أُبيِّ بن كعبٍ وهُو يُصلِّي، فقال: "السَّلامُ عليك أيْ (٢) أُبيُّ" . فالتفتَ إليه ولم يُجِبهُ، ثُمَّ إنَّ أُبيَّ بن كَعْبٍ خفَّف الصَّلاةَ، ثُمَّ انصرَفَ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسُولَ اللَّه. قال: "وعليكَ السَّلامُ (٣) ، ما مَنعكَ أي (٤) أُبيُّ أن تُجِيبني إذ دعوتُكَ؟ " قال: يا رسُولَ اللَّه، كُنتُ أُصلِّي، قال: "أفلسْتَ تجِدُ فيما أُوحِي إليَّ أنِ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} " [الأنفال: ٢٤] ، قال: بلى يا رسُولَ اللَّه، ولا أعُودُ أبدًا. قال: "أيْ أُبيُّ، أتُحِبُّ أن أُعلِّمكَ سُورةً لم يَنزِل في التَّوراةِ، ولا في الإنجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها؟ " قال: نعم يا رسُول اللَّه. قال: "فإنِّي لا أخرُجُ من هذا البابِ، حتّى تَعْلَمها" . قال: ثُمَّ أخذَ رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدِي يُحدِّثُني، وأنا أتباطَأُ (٥) ، مخافةَ أن يبلُغَ الباب، فلمّا دَنونا من البابِ، قُلتُ: يا رسُولَ اللَّه، السُّورةُ التي وَعَدْتَني؟ قال: "كيف تَقْرأُ في الصَّلاةِ؟ " قال:

    vol. 13, p. 52فقرأتُ عليه أُمَّ القُرآنِ. قال: "هيَ هذه السُّورةُ، وهيَ السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظِيمُ" (١) .

  40. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عِيسى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن إبراهيم المُقرِئُ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن إسماعيل المحامِليُّ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن موسى بن راشِدٍ القطّانُ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جَعْفرٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا أُعلِّمُكَ سُورةً ما أنزلَ اللَّه في التَّوراةِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الإنجِيلِ، ولا في الفُرقانِ مِثلها؟ " قُلتُ: بَلَى يا رسُولَ اللَّه، قال: "فلعلَّك ألّا تخرُج من هذا البابِ، حتّى تعلمها" . قال: "وقامَ فأخذ بيدِي يَمْشِي، فجعلتُ أتباطَأُ (٢) به مخافةَ أن يخرُجَ (٣) قبلَ أن يُخبِرني، فلمّا تقرَّبَ من الباب، قُلتُ: يا رسُولَ اللَّه، السُّورةُ التي وعَدْتَنِي؟ قال: " كيفَ تَقْرأُ إذا قُمتَ تُصلِّيَ صلاتَك؟ " فقَرأتُ بفاتحةِ الكِتابِ، فقال: " هيَ هيَ، وهيَ السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظِيمُ الذي أُعطِيتُ" (٤) .

    قال أبو عُمر: في هذا الحدِيثِ جَوازُ مُناداةِ من في الصَّلاةِ، ليُجِيبَ إذا فرغ من صلاتِهِ.