العلاء بن عبد الرحمن
402 paragraphs · vol. 13, p. 5
Page 7 of 11
- vol. 13, p. 71
واحتجَّ القائلُونَ بأنَّ ما أدركَ هُو أوَّلُ صلاتِهِ، بقولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وما أدركتُم فصَلُّوا، وما فاتكُم فأتِمُّوا" . قالوا: والتَّمامُ هُو الآخِرُ.
-
واحتجَّ الآخرُون بقولِهِ: "وما فاتكُم فاقْضُوا" . قالوا: والذي يقضِيهِ هُو الفائتُ.
-
والحُججُ مُتساوِيةٌ لكِلا المذهبينِ من جِهَةِ الأثرِ والنَّظرِ، إلّا أنَّ رِوايةَ من روى: "فأتِمُّوا" أكثرُ.
-
وأمّا من جعلَ ما أدركَ مع الإمام أوَّل صلاتِهِ، فليسَ يطَّرِدُ فيه، ويستقِيمُ، إلّا ما قالهُ ابن أبي سلمةَ، والمُزنِيُّ، وإسحاقُ، وداودُ، واللَّه أعلمُ، وبه التَّوفِيقُ والسَّدادُ لا شرِيك لهُ.
-
وقد زعمَ بعضُ المُتأخِّرِين من أصحابِنا أنَّ من ذهبَ مذهب ابن أبي سلمةَ، والمُزنِيِّ في هذه المسألةِ، أسقط سُنّةَ الجَهرِ في صلاةِ اللَّيلِ، وسُنَّةَ السُّورةِ مع أُمِّ القُرآنِ، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ إمامهُ قد جاءَ بذلك، وحصلت صلاتُهُ على سُنَّتِها في سِرِّها وجَهرِها، وغيرِ ذلك من أحكامِها، وإنَّما هذا كرجُلٍ أحرمَ والإمامُ راكِعٌ،
vol. 13, p. 72ثُمَّ انْحَنى، فلا يُقالُ لهُ: أسقطتَ سُنّةَ الوُقُوفِ والقِراءةِ، وكرجُلٍ أدركَ مع إمامِهِ ركعةً، فجلسَ معهُ في مَوْضِع قِيامِهِ، لوِ انفردَ، فلا يُقالُ لهُ: أسأتَ، أو أسقطت شيئًا، وحسبُهُ إذا أتمَّ صَلاتهُ، أن يأتي بها على سُنَّةِ آخِرِها، فلا يضُرُّه ما سبقهُ إمامُهُ في أوَّلِها، لأنَّهُ مأمُور باتِّباع إمامِهِ، وإنَّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به.
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قُلتُ لأبي عبدِ اللَّه، يعني أحمد بن حنبل، أرأيتَ قول من قال: يجعلُ ما أدركَ مع الإمام أوَّل صلاتِهِ، ومن قال: يجعلُهُ آخِر صلاتِهِ، أيُّ شيءٍ الفَرْقُ بينهُما؟ قال: من أجلِ القِراءةِ فيما يَقْضِي، قُلتُ لهُ: فحدِيثُ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، على أيِّ القَوْلينِ يدُلُّ عِندكَ؟ قال: على أَنَّهُ يَقْضِي ما فاتهُ، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلُّوا ما أدْرَكتُم، واقْضُوا ما سَبَقكُم" . وقدِ احتجَّ داودُ، وغَيرُهُ من القائلِينَ بأنَّ من أدركَ الإمام يوم الجُمُعةِ في التَّشهُّدِ صلَّى ركعتينِ بهذا الحدِيثِ: قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أدركتُم فصَلُّوا، وما فاتكُم فأتِمُّوا" . أو: "فاقضُوا" . قالوا: فالذي فاتهُ رَكْعتانِ، لا أربع، فإنَّما عليه أن يَقْضِي ما فاتهُ، ويُتِمَّ صلاتهُ.
قال أبو عُمر: ولعَمرِي إنَّ هذا لوَجْهٌ لم يكُن هُناكَ ما يُعارِضُهُ وينقُضُهُ، لكِن لمّا قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أدركَ رَكْعةً من الصَّلاةِ، فقد أدركَ الصَّلاةَ" (١) . كان في هذا القَولِ دليلٌ كالنَّصِّ، على أنَّ من لم يُدرِك ركعةً من الصَّلاةِ، فلم يُدرِكِ الصَّلاةَ، ومَعلُومٌ أنَّ من لم يُدرِكِ الجُمُعةَ، يُصلِّي أربعًا، على أنَّ داودَ قد جعلَ مِثل هذا الدَّليلِ أصلًا جارِيًا في الأحكام، وتركِ الاستِدلال به هاهُنا لما ذكَرْنا، واللَّه المُستعانُ.
-
(٢) وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ في بابِ ابن شِهابٍ، عن أبي سلمةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.
- vol. 13, p. 73
حدِيثٌ سابعٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ
مالكٌ (١) ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أنَّ يُنبذَ في الدُّبَّاءِ، والمُزفَّتِ.
-
قد مَضَى القَوْلُ في معنى هذا الحدِيثِ، في بابِ رَبِيعةَ، وغيرِهِ من هذا الكِتابِ.
-
أخبَرنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عبدِ الحكم، قال: أخبرنا مالكٌ، عن العَلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أن يُنبذ في الدُّبّاءِ، والمُزفَّتِ.
-
وهكذا رواهُ القَعْنبِيُّ (٢) ، والتِّنِّيسِيُّ، وابنُ بُكيرٍ، وأبو المُصعبِ (٣) ، وقُتيبةُ، وجماعتُهُم.
قال أبو عُمر: النَّبذُ: الرَّميُ، والتَّركُ (٤) ، والنَّبيذُ: المنبُوذُ.
قال القُطامِيُّ (٥) :
فهُنَّ ينبِذنَ من قولٍ يُصِبْنَ به ... مواقِع الماءِ من ذِي الغُلَّةِ (٦) الصّادِي
vol. 13, p. 74حدِيثٌ ثامِنٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ
مالكٌ (١) ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرجَ إلى المقبرةِ، فقال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِينَ، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، ودِدتُ أَنِّي قد رأيتُ إخواننا" . قالوا: يا رسُول اللَّه، ألَسْنا بإخوانِكَ؟ قال: "بل أنتُم أصحابِي، وإخوانُنا الذين لم يأتُوا بَعدُ، وأنا فرطُهُم على الحَوْضِ" . قالوا: يا رسُولَ اللَّه، كيفَ تَعرِفُ من يأتي بعدكَ من أُمَّتِكَ؟ قال: أرأيت لو كانت لرجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحجَّلةٌ في خيلٍ دُهم بُهم (٢) ، ألا يَعرِفُ خَيْلهُ؟ " قالوا: بلى يا رسُول اللَّه، قال: " فإنَّهُم يأتُونَ يومَ القِيامةِ غُرًّا مُحجَّلِين من الوُضُوءِ، وأنا فَرَطُهُم على الحوضِ، فلا يُذادنَّ (٣) رجُلٌ (٤) عن حَوْضِي كما يُذادُ البعِيرُ الضّالُّ، أُنادِيهِم: ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ (٥) ، فيُقالُ: إنَّهُم قد بدَّلُوا بعدكَ، فأقُولُ: فسُحقًا، فسُحقًا، فسُحقًا".
قال أبو عُمر: في هذا الحدِيثِ من الفِقهِ: إباحَةُ الخُرُوج إلى المقابِرِ، وزِيارةِ القُبُورِ.
- vol. 13, p. 75
وهذا مجُتمعٌ عليه للرِّجالِ، ومخُتلفُ فيه للنِّساءِ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "كُنتُ نهيتُكُم عن زِيارةِ القُبُورِ فزُورُوها، ولا تقولُوا هُجرًا (١) ، فإنَّها تُذكِّرُ الآخِرةَ" (٢) . وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، عِندَ ذِكرِ هذا الحدِيثِ، في بابِ رَبِيعةَ، ومَضَى القولُ في زِيارةِ النِّساءِ للمَقابِرِ، وما للعُلماءِ في ذلك، وما رُوِي فيه من الأثرِ، في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لتكرارِ ذلك هاهُنا.
-
وأمّا قولُهُ في المقبرةِ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِينَ" . فقد رُوِي من وُجُوهٍ حِسانٍ، وحدِيثُ العلاءِ هذا من أحسَنِها إسنادًا.
-
وقد رَوَى شُعبةُ وسُفيانُ، عن عَلْقمةَ بن مرثدٍ، عن سُليمانَ بن بُريدةَ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا مَرَّ على القُبُورِ قال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِينَ، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، غفرَ اللَّه العَظِيمُ لنا ولكُم، ورَحِمنا وإيّاكُم" (٣) .
-
وقد حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وَيعِيشُ بن سَعِيدٍ (٤) ومحمدُ بن حكم، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أبو خَلِيفةَ الفَضلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسْلمةَ القَعنبِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراوردِيُّ، قال: حدَّثنا شرِيكُ بن أبي نَمِرٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يخرُجُ مِن (٥)
- vol. 13, p. 76
اللَّيلِ إلى المقبرةِ، فيقولُ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنينَ، أتانا وإيّاكُم ما تُوعدُونَ، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، اللهمَّ اغْفِر لأهلِ بَقِيع الغَرْقدِ" (١) .
-
وقدِ احتجَّ (٢) من ذهبَ إلى أنَّ أرواحَ الموتى على أفْنِيةِ القُبُورِ، واللَّه أعلمُ بما أرادَ رسُولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسلامِهِ عليهم.
-
وقد نادَى أهلَ القَلِيبِ ببدرٍ، وقال: "ما أنتُم بأسمعَ منهُم، إلّا أنَّهُم لا يَسْتطِيعُونَ أن يُجِيبُوا" (٣) .
-
قيل: إنَّ هذا خُصُوصٌ. وقيل: إنَّهُم لم يكونُوا مَقبُورِينَ، لقولِهِ تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: ٢٢] وما أدرِي ما هذا.
-
وقد رَوَى قَتادةُ، عن أنسٍ، في الميِّتِ حِين يُقبرُ: أنَّهُ يسمعُ خفقَ نِعالِهِم، إذا ولَّوا عنهُ مُدبِرِينَ (٤) .
- vol. 13, p. 77
وهذه أُمُور لا يُستطاعُ (١) على تَكيِيفِها، وإنَّما فيها الاتِّباعُ والتَّسلِيمُ.
قال أبو عُمر: يَنْبغِي لمن دخل المقبرةَ أن يُسلِّمَ، ويقول ما رُوِي عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ قال، فإن لم يَفْعل فلا حرَجَ، ولا بأسَ عليه، ومُمكِن أن يكون قولُهُ ذلك -صلى اللَّه عليه وسلم- على وَجْهِ الاعْتِبارِ، والفِكرةِ في حالِ الأمواتِ.
-
حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ. وحدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عُثمانَ. قالا: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا محمدٌ بن الصباح، قال: حدَّثنا شرِيكٌ، عن عاصِم بن عُبيدِ اللَّه، عن عَبدِ اللَّه بن عامرِ بن ربِيعةَ، عن عائشَةَ قالت: فقَدتُ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فاتَّبعتُهُ، فأتَى البَقِيعَ، فقال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قَوْم مُؤمِنِين، أنتُم لنا فَرَطٌ، وإنّا بكُم لاحِقُونَ، اللهمَّ لا تَحرِمنا أُجُورهُم، ولا تَفتِنّا بعدَهُم" (٢) .
-
ورواهُ أبو داود الطَّيالِسِيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا شرِيكٌ، عن عاصِم بن عُبيدِ اللَّه، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ مِثلهُ.
-
وذكر العُقيليُّ قال: حدَّثنا حجّاجُ بن عِمران (٤) ، قال: أخبرنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحِيم البَرقيُّ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن هاشم، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن خالدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن صَخْرِ بن أبي سُميَّةَ، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُ قامَ
vol. 13, p. 78على بابِ عائشةَ مرَّةً، وقدِمَ (١) من سَفَرٍ، فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسُولَ اللَّه، السَّلامُ عليكَ يا أبا بكرٍ، السَّلامُ عليكَ يا أبه (٢) .
-
وروينا، عن أبي هريرةَ أنَّهُ قال: من دخَلَ المقابِر فاستَغفرَ لأهلِ القُبُورِ، وتَرحَّمَ على الأمواتِ، فكأنَّما شهِدَ جَنائزهُم، وصلَّى (٣) عليهم.
وقال الحسنُ: من دخلَ المقابِرَ فقال: اللهمَّ ربَّ الأجسادِ البالِيةِ، والعِظام النَّخِرةِ (٤) ، إنَّها خرجت من الدُّنيا وهي بك مُؤمِنةٌ، فأدخِلْ عليها رُوحًا مِنكَ، وسلامًا مِنِّي، كتب اللَّه لهُ بعدَدِهِم حسناتٍ (٥) .
-
وأظُنُّ قولهُ: وسلامًا مِنِّي (٦) . مأخُوذًا من قولِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "السَّلامُ عليكُم" .
-
ورُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ رضِي اللَّه عنهُ، أنَّهُ خرجَ إلى المقابِرِ، فلمّا أشرَفَ على أهلِ القُبُورِ، رفعِ صوتهُ فنادَى: يا أهلَ القُبُورِ، أتُخبِرُونا عَنكُم، أو نُخبِرُكُم خبرَ ما عِندَنا؟ أمّا خبرُ ما قِبَلَنا، فالمالُ قدِ اقتُسِم، والنِّساءُ قد تَزوَّجنَ، والمساكِنُ قد سَكَنها قومٌ غيرُكُم، هذا خبرُ ما قِبَلَنا، فأخبِرُونا خبرَ ما قِبلكُم. ثُمَّ التفت إلى أصحابِهِ فقال: أما واللَّه لوِ اسْتَطاعُوا أن يُجِيبُوا، لقالوا: لم نَرَ زادًا خيرًا من التَّقوى (٧) .
-
وهذا كلُّهُ من عليٍّ (٨) على سبِيلِ الاعتِبارِ، وما يذَّكَّرُ إلّا أُولُو الأبصارِ.
- vol. 13, p. 79
أخبَرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن مَسعُودٍ (١) ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، عن سُليمان التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمان النَّهدِيِّ، عن مينا أو ميناس (٢) ، قال: خرَجَ رجُلٌ في يوم فيه دِفءٌ فأتى الجبّان (٣) ، فصلَّى رَكْعتينِ، ثُمَّ أتَى قبرًا فاتَّكأ عليه، فسمِعَ صوتًا: ارْتَفِع عنِّي ولا تُؤذِيَنِّي، إنَّكُم تعملونَ ولا تعلمُونَ (٤) ونحنُ نعلمُ ولا نعملُ (٥) ، لأن يكون لي مِثلُ رَكْعتيكَ، أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.
-
وروينا عن ثابتٍ البُنانِيِّ، أنَّهُ قال: بَيْنا أنا أمْشِي في المقابِرِ، إذ أنا بهاتِفٍ يَهتِفُ من وَرائي يقولُ: يا ثابتُ، لا يُغرَّنَّكَ سُكُونها (٦) ، فكَمْ من مَغمُوم فيها. قال: فالتفتُّ فلَمْ أر أحدًا (٧) .
-
وروينا أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ مرَّ ببَقِيع الغَرْقدِ، فقال: السَّلامُ عليكُم يا (٨) أهل القُبُورِ، أخبارُ ما عِندَنا: أنَّ نِساءَكُم قد تزوَّجنَ، ودُوركُم قد سُكِنت، وأموالكُم قد فُرِّقَتْ. فأجابهُ هاتِفٌ: يا عُمرُ بن الخطّابِ، أخبارُ ما عِندَنا: أنَّ ما قدَّمناهُ فقد وجَدْناهُ، وما أنْفَقناهُ فقد ربِحناهُ، وما تخلَّفناهُ فقد خَسِرناهُ (٩) .
- vol. 13, p. 80
ومن أحَسنِ ما قيل في هذا المعنى من النَّظم، قولُ أبي العتاهيةِ (١) :
أهلَ القُبُورِ عليكُم مِنِّي السَّلامُ ... إنِّي أُكلِّمُكُم وليس بكُم كلامْ
لا تحسبُوا أنَّ الأحِبَّةَ لم يسُغْ ... من بعدِكُم لهُمُ الشَّرابُ ولا الطَّعامْ
كلّا لقد رفضُوكُم واستبدلُوا ... بكُمُ وفرَّق ذات بينِكُمُ الحِمامْ (٢)
والخلقُ كلُّهُمُ كذاك فكلُّ من ... قد ماتَ ليسَ لهُ على حيٍّ ذِمامْ (٣)
-
وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ" . ففي مَعناهُ قولانِ:
أحدُهُما: أنَّ الاسْتثناءَ مردُودٌ على معنى قولِهِ: "دارَ قوم مُؤمِنِين" . أي: وإنّا بكُم لاحِقُونَ إن شاءَ اللَّه، مؤمنين في حالِ إيمانٍ، لأنَّ الفِتنةَ لا يأمنُها مُؤمِنٌ، ألا تَرَى إلى قولِ إبراهيم عليه السَّلامُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: ٣٥] . وقولِ يُوسُف عليه السَّلامُ (٤) : {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: ١٠١] .
-
والوجهُ الثّاني: أَنَّهُ قد يكونُ الاستِثناءُ في الواجِباتِ التي لا بُدَّ من وُقُوعِها، كالموتِ، والكونِ في القبرِ، وما (٥) لا بُدَّ منهُ (٦) ، ليسَ على سبِيلِ الشَّكِّ، ولكِنَّها لُغة للعربِ، ألا تَرَى إلى قولِ اللَّه تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: ٢٧] . والشَّكُّ لا سبِيلَ إلى إضافتِهِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، تعالى عن ذلك علّامُ الغُيُوبِ.
- vol. 13, p. 81
وأمّا قولُهُ: "وَدِدتُ أنِّي قد رأيتُ إخواننا" (١) . فقيلَ: يا رسُول اللَّه، ألَسْنا بإخوانِكَ؟ قال: "بل (٢) أنتُم أصحابِي، وإخوانُنا الذين لم يأتُوا بَعْدُ" . فظاهِرُ هذا الكلام، أنَّ إخوانهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- غيرُ أصحابِهِ، وأصحابُهُ الذينَ رأوهُ، وصَحِبُوهُ مُؤمِنِينَ، وإخوانُهُ الذين آمَنُوا به ولم يَرَوهُ. وقد جاءَ منصُوصًا عنهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
-
والإخوانُ والإخوةُ هُنا معناهُما سواءٌ، وقد قُرِئَت: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: ١٠] . و "بينَ إخْوتِكُم" . و "بينَ إخوانِكُم" .
-
وقد رُوِي عن الحسنِ البَصْرِيِّ، أنَّهُ قرأ بهذه الثَّلاثِ، قرأت: {بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} . و "إخوتِكُم" . و "إخوانِكُم" .
قال أبو حاتِم: والمعنى واحِدٌ، ألا تَرَى إلى قولِهِ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} . وقولِهِ: {أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ} [النور: ٦١] إلّا أنَّ العامَّةَ أُولِعت بأن تقُول: إخْوَتي، في النَّسبِ، وإخْواني، في الصَّداقةِ.
-
ومِمَّن قرأ: "فأصلِحُوا بينَ إخوانِكُم" : ثابتٌ البُنانِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدرِيُّ. ورُوِي ذلك عن زيدِ بن ثابتٍ، وابنِ مسعُودٍ (٣) . واختار يَعقُوب (٤) : "إخْوَتِكُم" . وقِراءةُ العامَّةِ: {أَخَوَيْكُمْ} على اثنينِ في اللَّفظِ.
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابن أبي رافع بمصرَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن أُسامَةَ، قال: حدَّثنا
vol. 13, p. 82الأحوصُ بن حَكِيم، عن أبي عَوْنٍ، عن أبي إدرِيسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أنتُم أصحابِي، وإخْواني الذين آمنُوا بي ولم يَرْوني" .
-
هذا إسنادٌ ليسَ في واحِدٍ منهُم مقالٌ، إلّا الأحوص بن حكِيم، فإنَّ ابن مَعِينٍ وطائفةً من أهلِ العِلم بالحدِيثِ ضعَّفُوهُ، وقالوا: عِندهُ مناكِيرُ. وكان ابن عُيينةَ يُوثِّقُهُ ويُثني عليه. وأبو عونٍ، هُو محمدُ بن عُبيدِ اللَّه الثَّقفِيُّ، أجمعُوا أنَّهُ ثِقةٌ، وسائرُ من في الإسنادِ أئمَّةٌ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى وإبراهيمُ بن المُنذِرِ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مَعنٍ الغِفارِيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن خالدِ بن دِينارٍ، قال: مَررتُ يومًا أنا وَرَجُلٌ من بني تَيْم، يُقالُ لهُ: يُوسُفُ، أو أبو يُوسُف، على ربِيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، فقال لهُ أبو يُوسُف: يا أبا عُثمانَ، إنّا لنَجِدُ عِندَ غيرِكَ من الحدِيثِ ما لا نَجِدُ عِندَك. فقال: إنَّ عِندِي حدِيثًا كثِيرًا، ولكِنَّ ربِيعةَ بن الهُديرِ أخبَرني، وكان يَلْزمُ طلحةَ بن عُبيدِ اللَّه، أنَّهُ لم يسمع طلحةَ يُحدِّثُ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حدِيثًا قطُّ، غير حدِيثٍ واحِدٍ. قال ربِيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ لربِيعةَ بن الهُديرِ: وما هُو؟ قال: قال (١) لي طلحةُ: خرجنا مع رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتّى أشْرَفنا على حرَّةِ واقِم (٢) ، وتَدَلَّينا منها، فإذا قُبُورٌ بمَحْنيةٍ (٣) ، فقُلنا: يا رسُولَ اللَّه، هذه قُبُورُ إخوانِنا. قال: "هذه قُبُورُ أصحابِنا" . ثُمَّ مَشَينا حتّى جِئنا قُبُور الشُّهداءِ، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هذه قُبُورُ إخوانِنا" (٤) .
vol. 13, p. 83قال أبو عُمر: هذا حدِيثٌ صحِيحُ الإسنادِ، وفيه أنَّهُ قال -صلى اللَّه عليه وسلم- في قُبُورِ الشُّهداءِ: "هذه قُبُورُ إخوانِنا" .