العلاء بن عبد الرحمن

402 paragraphs · vol. 13, p. 5

Page 8 of 11

  1. ومعلُومٌ عنهُ أنَّهُ قال في الشُّهداءِ في عصرِهِ: "أنا شهيدٌ عليهم" (١) .

    vol. 13, p. 83
  2. وقد رَوَى الحُميدِيُّ هذا الحدِيث، عن محمدِ بن معنٍ الغِفارِيِّ. ورواهُ أيضًا عليُّ بن عبدِ اللَّه المدِينيُّ (٢) ، عن محمدِ بن مَعْنٍ الغِفارِيِّ. ورواهُ أحمدُ بن حَنْبل، عن عليِّ بن المدِينيِّ.

  3. أخبَرنا به عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعفرِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثني محمدُ بن مَعنٍ الغِفارِيُّ، قال: حدَّثني داودُ بن خالدِ بن دِينارٍ، أنَّهُ مرَّ هُو ورجُل يُقالُ لهُ: أبو يُوسُف من بني تيم، على ربِيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ، فقال لهُ أبو يُوسُف: إنّا لنجِدُ عِندَ غيرِكَ من الحدِيثِ، ما لا نجِدُ عِندكَ؟ فقال: أما إنَّ عِندِي حدِيثًا كثِيرًا، ولكِنَّ ربِيعةَ بن الهُديرِ حدَّثني، وكان يَلْزمُ طلحةَ بن عُبيدِ اللَّه، أَنَّهُ لم يَسْمع طلحةَ بن عُبيدِ اللَّه يُحدِّثُ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حدِيثًا قطُّ، غيرَ حدِيثٍ واحِدٍ. قال ربِيعةُ بن عبدِ الرَّحمنِ: وما هُو؟ قال: قال لي طلحةُ بن عُبيدِ اللَّه: خرَجْنا معَ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتّى أشْرَفنا على حرَّةِ واقِم. قال: فتدلَّينا منها، فإذا قُبُورٌ بمَحْنِيةٍ، فقُلنا: يا رسُولَ اللَّه، قُبُورُ إخوانِنا هذه.

    vol. 13, p. 84قال: "قُبُورُ أصحابِنا" ثُمَّ خرجنا، وأتَيْنا قُبُور الشُّهداءِ، فقال رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هذه قُبُورُ إخوانِنا" .

    قال أبو عُمر: حرَّةُ واقِم، هي الحرَّةُ التي كانت بها الوَقْعَةُ يومَ الحرَّةِ بالمدِينةِ، أوْقَعها بهم مُسلِمُ بن عُقبةَ أيَّام يزِيد بن مُعاويةَ، وإيّاها عَنَى الشّاعِرُ (١) بقولِهِ:

    فإن تقتُلُونا يومَ حرَّةِ واقِمٍ ... فنحنُ على الإسلام أوَّلُ من قُتِل

    قال عليُّ بن المدِينيِّ (٢) : لا أحفظُ لداود بن خالدٍ غيرَ هذا الحدِيثِ.

    قال أبو عُمر: هذا حدِيثٌ مَدَنِيٌّ حسنُ الإسنادِ، محمدُ بن مَعنٍ عِندَهُم ثِقةٌ، وداودُ بن خالدِ بن دِينارٍ لم يَذكُرهُ أحدٌ بجُرْحةٍ، ولا ضعَّفهُ أحدٌ من نَقَلةِ أئمَّةِ أهلِ الحدِيثِ، ولم يُنكِرهُ أحدٌ منهُم.

  4. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عُمرَ بن إسحاقَ الجَوْهرِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحجّاج، قال: حدَّثنا عَمرُو بن خالدٍ، قال: حدَّثنا ابن لهيعةَ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَمرةَ، عن أبيهِ، قال: قيلَ: يا رسُولَ اللَّه، أرأيت من آمنَ بكَ ولم يرَكَ، وصدَّقكَ ولم يركَ (٣) ؟ فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُولئكَ إخوانُنا، أُولئك مَعَنا، طُوبَى لهُم، طُوبَى لهُم" (٤) .

  5. ومن حدِيثِ ابن أبي أوفى، قال: خرَجَ عَلَينا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا فقعَدَ، وجاءَ عُمرُ، فقال: "يا عُمرُ، إنِّي لمشتافُ (١) إلى إخواني" . فقال عُمرُ: ألَسْنا بإخوانِكَ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: " لا، ولكِنَّكم أصْحابي، وإخواني قَوْمٌ آمنُوا بي، ولم يَرَوني" (٢) .

    vol. 13, p. 85
  6. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن زَيدٍ الفرائضِيُّ، قال: حدَّثنا موسى بن داود، عن همّام، عن قَتادةَ، عن أيمن (٣) ، عن أبي أُمامةَ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "طُوبَى لمن رآني وآمنَ بي، وطُوبَى، سبع مرّاتٍ، لمن لم يَرَني وآمن بي" (٤) .

  7. ورواهُ أبو داود الطَّيالِسِيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن أيمن (٦) ، عن أبي أُمامةَ، قال: سمِعتُ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "طُوبى لمن رآني وآمن بي، وطُوبى، سبعًا، لمن لم يَرَني وآمن بي" .

  8. وهذا الحدِيثُ في "مُسندِ" أبي داود الطَّيالِسِيِّ، أخبرنا بجميعِهِ: أحمدُ بن سعِيدِ بن بِشْرٍ وأحمدُ بن عبدِ اللَّه بن محمدِ بن عليٍّ إجازةً، عن مَسْلمةَ بن قاسم، عن جَعفرِ بن محمدِ بن الحسنِ الأصبهانِيِّ، عن يُونُس بن حبِيبِ بن عبدِ القاهِرِ، عن أبي داود.

    vol. 13, p. 86
  9. وذكرَ مُسلِمُ بن الحجّاج، قال (١) : حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أشدِّ أُمَّتي حُبًّا لي، ناسٌ يكونُون بَعدِي، يَودُّ أحدُهُم لو رآني بأهلِهِ ومالِهِ" .

  10. ومن مُسندِ أبي داود الطَّيالِسِيِّ، عن محمدِ بن أبي حُميدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيهِ، أنّ عُمرَ قال: كُنتُ جالِسًا عِندَ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "أتدرُونَ أيُّ الخَلْقِ أفضلُ إيمانًا؟ " قُلنا: الملائكةُ. قال: "وحُقَّ لهُم، بل غيرُهُم" . قُلنا: الأنبِياءُ. قال: "حُقَّ لهمُ، بل غيرُهُم" . قُلنا: الشُّهداءُ. قال: "هُم كذلك، وحُقَّ لهُم، بل غيرُهُم" . ثُمَّ قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أفضَلُ الخَلْقِ إيمانًا، قوم في أصلابِ الرِّجالِ، يُؤمِنُون بي ولم يَرَوني، يجِدُونَ وَرَقًا فيعملُونَ بما فيه، فهُم أفضَلُ الخَلْقِ إيمانًا" (٢) .

  11. وحدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدِ بن حمدانَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى زَكَرِيّا بن يحيى السّاجِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا ابن أبي عدِيِّ، عن ابن أبي حُمَيدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-

    vol. 13, p. 87يقولُ: "أنبِئُوني بأفضَلِ أهلِ الإيمانِ إيمانًا" . قُلنا: الملائكةُ. وذكر الحدِيثَ كما تقدَّم (١) .

  12. وذكر سُنيدٌ، عن خَلَفِ بن خلِيفةَ، عن عطاءِ بن السّائبِ، قال: قال ابن عبّاسٍ يومًا لأصحابِهِ (٢) : أيُّ النّاسِ أعجَبُ إيمانًا؟ قالوا: الملائكةُ. قال: وكيفَ لا تُؤمِنُ الملائكةُ، والأمرُ فَوقهُم يرونه؟ قالوا: فالأنبياء. قال: وكيفَ لا تُؤمِنُ الأنبِياءُ، والأمرُ يَنزِلُ عليهم غُدْوةً وعَشِيَّةً؟ قالوا: فنحنُ. قال: وكيفَ لا تُؤمِنُونَ، وأنتُم تَرَونَ من رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما تَرَونَ؟ ثُمَّ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعْجَبُ النّاسِ إيمانًا، قومٌ يأتُونَ مِن بعدِي، يُؤمِنُون بي ولم يروني، أُولئكَ إخواني حقًّا" (٣) .

  13. وكان سُفيانُ بن عُيَينةَ يقولُ: تفسِيرُ هذا الحدِيثِ، وما كان مِثلهُ بيِّنٌ في كِتابِ اللَّه، وهُو قولُهُ: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: ١٠١] .

  14. ورَوَى ابن وَهْبٍ، وجماعَةٌ، عن (٤) مالكٌ، عن صفوانَ بن سُلَيم، عن عَطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ أهلَ الجنَّةِ ليَتَراءَونَ أهل الغُرَفِ من فوقِهِم، كما تَتَراءَون الكوكبَ الدُّرِّيَّ في الأُفُقِ من المشرِقِ أوِ المغرِبِ، لتَفاضُلٍ ما (٥) بينهُم" . قالوا: يا رسولَ اللَّه، تلكَ مَنازِلُ الأنبِياءِ، لا يبلُغُها غيرُهُم؟ قال: "بلى، والذي نَفْسِي بيدِهِ، رِجالٌ آمنُوا باللَّه، وصَدَّقُوا المُرْسلِينَ" (٦) .

  15. ورَوَى فُليحُ بن سُليمانَ، عن هِلالِ بن عليٍّ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوهُ (١) .

    وقال محمدُ بن يحيى (٢) : كِلاهُما عندي (٣) غيرُ مَدْفُوع (٤) .

    vol. 13, p. 88
  16. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بن مَعرُوفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ، عن مرزُوقِ بن نافع، عن صالح بن جُبَيرٍ، عن أبي جُمُعةَ، قال: قُلنا يا رسُولَ اللَّه، هل أحَدٌ خيرٌ مِنّا؟ قال: "نعم، قومٌ (٥) يجِيؤُون من بَعدِكُم، فيجِدُونَ كِتابًا بين لَوْحينِ، يُؤمِنُونَ بما فيه، ويُؤمِنُونَ بي ولم يَرَونِي" (٦) .

    vol. 13, p. 89قال أبو عُمر: أبو جُمُعةَ لهُ صُحبةٌ، واسمُهُ حبِيبُ بن سِباع، وقد ذكَرْناهُ بما يَنْبغِي من ذِكرِهِ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (١) ، وصالحُ بن جُبيرٍ (٢) من ثِقاتِ التّابِعِين، روى عنهُ قومٌ جِلَّة، منهُم: أبو عُبيدٍ حاجِبُ سليمان بن عبدِ الملكِ، شيخُ مالكٍ، ومرزُوقُ بن نافع، ومُعاويةُ بن صالح، وهشامُ بن سَعْدٍ، ورَجاءُ بن أبي سَلَمةَ، وغيرُهُم (٣) (٤) .

    قال عُثمانُ بن سَعِيدٍ السِّجِستانِيُّ الدّارِمِيُّ (٥) : سألتُ يحيى بن مَعِينٍ عن صالح بن جُبيرٍ، كيف هُو؟ فقال: ثِقةٌ.

  17. ورَوَى أبو ثَعْلبةَ الخُشنيُّ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَنَّهُ قال: "إنَّ أمامكُم أيّامًا، الصّابر (٦) فيهنَّ كالقابِضِ على الجمرِ، للعامِلِ فيهم أجرُ خمسِينَ رجُلًا يَعملُ مِثل عملِهِ" . قيلَ: يا رسُولَ اللَّه منهُم؟ قال: "بل مِنكُم" (٧) . وهذه اللَّفظةُ: "بل مِنكُم" قد سكتَ عنها بعضُ رُواةِ هذا الحدِيثِ، فلم يذكُرها.

  18. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن

    vol. 13, p. 90يحيى بن سعِيدٍ، عن أبي صالح، عن رَجُلٍ من بني أسَدٍ، عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ من أشدِّ أمَّتي حُبًّا لي، قومًا يأتُونَ من بَعدِي، يَوَدُّ أحدُهُم لو يُعْطِي مالهُ وأهلهُ ويَرانِي" (١) .

    قال أبو عُمر: قد عارَضَ قومٌ هذه الأحادِيث، بما جاءَ عنهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خيرُ النّاسِ قرني، ثُمَّ الذين يلُونهُم، ثُمَّ الذين يلُونهُم" (٢) . وهُو حدِيثٌ حسنُ المخرج، جيِّدُ الإسنادِ.

  19. وليسَ ذلك عِندِي بمُعارضٍ، لأنَّ قولهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خيرُ النّاسِ قَرْني" . ليس على عُمُومِهِ، بدليلِ ما يجمعُ القَرْنُ من الفاضِلِ والمفضُولِ، وقد جمعَ قرنُهُ مع السّابِقِين من المُهاجِرِين والأنصارِ، جماعةً من المُنافِقِينَ، المُظهِرِينَ للإيمانِ، وأهل الكبائرِ، الذين أقامَ عليهم، أو على بَعضِهِمُ الحُدُود، وقال لهُم: "ما تقُولُونَ في الشّارِبِ، والسّارِقِ، والزّاني؟ " (٣) . وقال مُواجهةً لمن هُو في قَرْنِهِ: "لا تسُبُّوا أصْحابِي، فلو أنفَقَ أحدُكُم مِثل أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بلغ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصيفهُ (٤) " (٥) .

    vol. 13, p. 91وقال لخالدِ بن الولِيدِ في عمّارٍ: "لا تسُبَّ من هُو خيرٌ مِنكَ" (١) .

    وقال عُمرُ بن الخطّابِ، في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: ١١٠] ، قال: من فعلَ مِثل فِعلِهِم، كان مِثلَهُم (٢) .

    وقال ابن عبّاسٍ، في قولِهِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} : هُمُ الذين هاجرُوا من مكَّةَ إلى المدِينةِ، وشَهِدُوا بدرًا والحُديبِيةَ (٣) .

  20. وهذا كلُّهُ يَشْهدُ أنَّ خيرَ قَرْنِهِ فضلًا أصحابُهُ، وأنَّ قولهُ: "خيرُ النّاسِ قَرْني" . أنَّهُ لفظٌ خرَجَ على العُمُوم، ومَعناهُ الخُصُوصُ.

  21. وقد قيل في قولِ اللَّه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} : أنَّهُم أُمَّةُ محمدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-. يعني الصّالحِين منهُم، وأهلُ الفَضْلِ، هُم شُهداءُ على النّاسِ يومَ القِيامةِ. قالوا: وإنَّما صارَ أوَّلُ هذه الأُمَّةِ خيرَ القُرُونِ، لأنَّهُم آمنُوا حِينَ كفر النّاسُ، وصَدَّقُوهُ (٤) حِينَ كذَّبهُ النّاسُ، وعزَّرُوهُ، ونَصرُوهُ، وآووهُ بأموالِهِم وأنفُسِهِم، وقاتَلُوا غيرَ هُم على كُفرِهِم، حتّى أدخلُوهُم في الإسلام.

  22. وقد قيل في توجِيهِ أحادِيثِ البابِ، مع قولِهِ: "خيرُ النّاسِ قرنِي" : إنَّ قَرْنهُ إنَّما فُضِّلَ، لأنَّهُم كانوا غُرَباءَ في إيمانِهِم، لكثرةِ الكُفّارِ، وصَبرِهِم على أذاهُم،

    vol. 13, p. 92وتَمسُّكِهِم بدِينِهِم، وإنَّ آخِر هذه الأُمَّةِ إذا أقامُوا الدِّينَ، وتمسَّكُوا به، وصَبرُوا على طاعَةِ ربِّهِم في حِينِ ظُهُورِ الشَّرِّ، والفِسقِ، والهَرْج، والمعاصِي، والكبائرِ، كانوا عِندَ ذلك أيضًا غُرَباءَ، وزَكَتْ أعمالُهُم في ذلك الزَّمنِ، كما زكَتْ أعمالُ أوائلِهِم.

  23. وممّا يشهدُ لهذا، قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ الإسلامَ بَدَأ غرِيبًا، وسيعُودُ غرِيبًا، فطُوبَى للغُرَباءِ" (١) .

  24. ويشهدُ لهُ أيضًا، حدِيثُ أبي ثعلبةَ (٢) الخُشنِيِّ. وقد تقدَّم ذِكرُهُ (٣) .

  25. ويشهدُ لهُ أيضًا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمَّتي كالمطرِ، لا يُدْرَى أوَّلُهُ خيرٌ، أم آخِرُهُ" (٤) .

  26. وقد ذكرَ البُخارِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي عدِيِّ، عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تقُومُ السّاعةُ، حتّى لا يُقال في الأرضِ: اللَّه اللَّه" (٥) .

    قال أبو عُمر: فما ظنُّكَ (٦) بعِبادةِ اللَّه، وإظهارِ دِينِهِ في ذلك الوَقتِ! أليسَ هُو كالقابِضِ على الجَمرِ، لصبرِهِ على الذُّلِّ، والفاقَةِ، وإقامَةِ الدِّينِ، والسُّنَّةِ!

  27. وروينا أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ لمّا وَلي الخِلافةَ، كتبَ إلى سالم بن عبدِ اللَّه بن

    vol. 13, p. 93عُمرَ: أنِ اكتُب إليَّ بسِيرةِ عُمرَ بن الخطّاب لأعملَ بها. فكتَبَ إليه سالمٌ: إن عَمِلتَ بسِيرةِ عُمر، فأنتَ أفضلٌ (١) من عُمر، لأَنَّ زمانكَ ليسَ كزمانِ عُمر، ولا رِجالُكُ كرِجال عُمر. قال: وكتب إلى فُقهاءِ زمانِهِ، فكلُّهُم كتَبَ إليه بمِثلِ قولِ سالم (٢) .

  28. وقد عارضَ بعضُ الجِلَّةِ من العُلماءِ قولهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خيرُ النّاسِ قرني" . بقولِهِ عليه السَّلامُ: "خيرُ النّاسِ من طالَ عُمرُهُ، وحَسُن عَمَلُهُ" .

  29. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن حُميدٍ ويُونُسَ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرةَ، أنَّ رجُلًا قال: يا رسولَ اللَّه، أيُّ النّاسِ خَيْرٌ؟ قال: "من طالَ عُمرُهُ، وحَسُن عملُهُ" . قال: فأيُّ النّاسِ شرٌّ؟ قال: "من طالَ عُمرُهُ، وساءَ عَملُهُ" (٣) .

  30. وأمّا قولُهُ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمَّتي كالمطرِ، لا يُدرى أوَّلُهُ خيرٌ، أم آخِرُهُ" . فرُوِي من حدِيثِ أنسٍ، وحدِيثِ عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ من وُجُوهٍ حِسانٍ، منها ما رواهُ أبو داود الطَّيالِسِيُّ (٤) بالإسنادِ المُتقدِّم عنهُ، قال: حدَّثنا حمّادُ (٥) بن يحيى

    vol. 13, p. 94الأبحُّ، قال: حدَّثنا ثابتٌ البُنانِيُّ، عن أنسٍ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أُمَّتي كالمطرِ، لا يُدرى أوَّلُهُ خيرٌ أم آخِرُهُ" .

  31. وبه عن أبي داود الطَّيالِسِيِّ (١) ، قال: حدَّثنا عِمرانُ، عن قَتادةَ، قال: حدَّثنا صاحِبٌ لنا، عن عمّارِ بن ياسرٍ، أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مثلُ أُمَّتى كالمطرِ، لا يُدرى أوَلُهُ خيرٌ أم آخِرُهُ" .

  32. وذكر أبو عيسى التِّرمذِيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سَعِيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن يحيى الأبحُّ، عن ثابتٍ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أُمَّتي كالمطرِ، لا يُدرى أوَّلُهُ خيرٌ أم آخِرُهُ" .

  33. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: سمِعتُ يحيى بن معِينٍ يقولُ: حمّادُ بن يحيى الأبحُّ ثِقةٌ (٣) .

    قال أبو عُمر: من قبَلهُ ومن بعدهُ يُسْتَغنى عن ذِكرِهِم، لأنَّهُم حُجَّةٌ عِندَهُم في نَقلِهِم (٤) .

  34. وحدَّثنا خلفُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا أبو صالح أيُّوبُ بن سُليمانَ، وأبو عبدِ اللَّه (٥) محمدِ بن عُمر بن لُبابةَ، قالا: حدَّثنا أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الرَّحمنِ (٦) عبدِ اللَّه بن يزِيد المُقرِئُ،

    vol. 13, p. 95عن عبدِ الرَّحمنِ بن زِيادِ بن أنعُم، عن عبدِ اللَّه بن يزِيد أبي عبدِ الرَّحمنِ بن زِيادٍ الحُبُليِّ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن العاصِ، أنَّ رسُول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أُمَّتي كالمطرِ، لا يُدرى أوَّلُهُ خيرٌ أم آخِرُهُ" (١) .

  35. وقد رُوِي هذا الحدِيثُ، عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رواهُ عنهُ هشامُ بن عُبيدِ اللَّه، وهشامُ بن عُبيدِ اللَّه الرّازِّيُّ هذا ثِقةٌ، لا يختلِفُونَ في ذلك (٢) .

  36. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو نصرٍ أحمدُ بن الحسنِ بن أحمد السِّجِستانِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الرَّفّاءُ بهراةَ. وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن إدرِيسَ القَزْوِينيُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن المُغِيرةَ السُّكَّرِيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُبيدِ اللَّه الرّازِّيُّ،

    vol. 13, p. 96قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن ابن شِهابٍ، عن أنَسٍ، قال: قال (١) رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مثلُ أُمَّتي مثلُ المطرِ، لا يُدْرَى أوَّلُهُ خيرٌ أم آخِرُهُ" (٢) .

  37. وذكرَ أبو الحسنِ عليُّ بن عُمرَ الدّارقُطنيُّ، في "مُسندِ حدِيثِ مالكٍ" لهُ، فقال: حدَّثنا أبو عليٍّ حامِدُ بن يحيى الهروِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُغِيرةِ السُّكَّرِيُّ بهَمَذان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عُبيدِ اللَّه الرّازِّيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مثلُ أُمَّتي مثلُ المطرِ، لا يُدرى أوَّلُهُ خيرٌ أم آخِرُهُ" (٣) .

  38. ورَوَى ابن مسعُودٍ وابنُ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ لمّا عُرِضَتِ الأُممُ عليه، فرأى أُمَّتهُ سَوادًا كثِيرًا فرِحَ، فقيلَ لهُ: إنَّ لكَ سِوَى هؤُلاءِ من أُمَّتِك سبعُونَ ألفًا يدخُلُونَ الجنَّةَ لا حِسابَ عليهم. فقال بعضُ أصحابِهِ لبَعضٍ: من تَرَونَ هؤُلاءِ؟ فقالوا: ما نَراهُم إلّا قومًا وُلِدُوا في الإسلام، لم يُشرِكُوا باللَّه شيئًا، وعَمِلُوا بالإسلام حتّى ماتُوا عليه. فبلغ ذلك النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "بل هُمُ الذين لا يَسْترقُونَ، ولا يَكْتوُونَ، ولا يَتطيَّرُونَ، وعلى ربِّهِم يتوكَّلُونَ" . فقال عُكاشةُ: يا رسُولَ اللَّه، ادعُ اللَّه أنَ يَجعلني منهُم. وذكرَ تمام الخبرِ (٤) .

  39. وهذه الأحادِيثُ تَقْتضِي مع تَواتُرِ طُرُقِها، وحُسنِها، التَّسوِيةَ بينَ أوَّلِ هذه الأُمَةِ وآخِرِها.

  40. والمعنى في ذلك ما قدَّمنا ذِكرهُ من الإيمانِ، والعَملِ الصّالِح في الزَّمنِ الفاسِدِ، الذي يُرفعُ فيه العِلمُ والدِّينُ من أهلِهِ، ويَكثُرُ الفِسقُ والهَرْجُ، ويُذلُّ المُؤمِنُ، ويُعزُّ الفاجِرُ، ويَعُودُ الدِّينُ غرِيبًا كما بَدَأ، ويكونُ القائمُ فيه بدِينِهِ، كالقابِضِ على الجَمْرِ، فيَسْتوِي حِينئذٍ أوَّلُ هذه الأُمَّةِ بآخِرِها في فَضْلِ العملِ، إلّا أهل بَدْرٍ والحُديبِيةِ، واللَّه أعلمُ.

    vol. 13, p. 97