سعيد بن أبي سعيد المقبري

210 paragraphs · vol. 13, p. 162

Page 4 of 6

  1. وروَى عِكرمةُ، عن ابن عباس، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجُزُّ شاربَه. قال: وهذا الأغلبُ فيه الإحفاء (٢) ، وهو محتملُ الوجهين.

    vol. 13, p. 203
  2. وروَى نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أحفُوا الشوارِب، وأعفُوا اللِّحى" (٣) .

  3. وروَى العلاءُ بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "جُزُّوا الشَّوارِب، وأرْخُوا اللِّحى" (١) . قال: وهذا يحتملُ الإحفاءَ أيضًا. وقد روَى عمرُ بنُ أبي سلَمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال (٢) : "أحْفُوا الشَّوارِب، وأعْفُوا اللِّحى" (٣) . فبان بهذا أن الجَزَّ في حديثِه الآخَر الإحْفاء.

    vol. 13, p. 204
  4. وذكر الطحاويُّ (٤) هذه الآثارَ كلَّها بأسانيدِها من طرق، وذكَر أيضًا بالأسانيد، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، وأبي أُسَيْد، ورافع بن خَديج، وسهل بن سعد، وعبدِ اللَّه بنِ عمر، وجابرِ بنِ عبد اللَّه، وأبي هريرة، أنهم كانوا يُحْفون شواربَهم.

    وقال إبراهيمُ بنُ محمد بن حاطب: رأيتُ ابنَ عمرَ يُحْفي شاربَه كأنه يَنْتِفُه (٥) ، وقال بعضهم (٦) : حتى يُرى بياضُ الجلد.

    vol. 13, p. 205وقال الطحاوي (١) : لما كان التَّقصيرُ مسنونًا عند الجميع في الشارب، كان الحلقُ فيه أفضلَ قياسًا على الرأس. قال: وقد دعا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقَصِّرين واحدة (٢) ، فجعل حلقَ الرأس أفضلَ من تقصيره، فكذلك الشارب. وما احتجَّ به مالكٌ أنَّ عمرَ كان يفتِلُ شاربَه إذا غضِب أو اهتمَّ، فجائزٌ أن يكونَ كان يترُكُه حتى يمكنَ فتْلُه، ثم يحلِقُه كما ترَى كثيرًا من الناس يفعَلُه.

    قال أبو عُمر: إنما في هذا الباب أصلان:

    أحدُهما: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) : "أحفُوا الشَّوارِب" (٤) . وهو لفظ مجملٌ محتملٌ للتأويل.

  5. والثاني: قصُّ الشارب، وهو مفسِّرٌ، والمفسِّرُ يقضي على المجمل، مع ما رُوِيَ فيه أنَّ إبراهيمَ أولُ من قصَّ شاربَه (٥) . وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قصُّ الشَّارب من الفِطْرَة" (٦) . يعني فطرةَ الإسلام، وهو عملُ أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، واللَّه الموفِّق للصواب.

  6. وقد كان أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمد بن الجهم يقول: الشاربُ إنما هو أطرافُ الشَّعَر الذي يُشرَبُ به الماء. قال: وإنما اشتُقَّ له لفظُ شاربٍ لقُرْبِه من موضع شُرْب الماء. وذكَر خبرَ سِماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقصُّ من شاربِه، وكان إبراهيمُ خليلُ اللَّه يقصُّ شاربَه، أو من شاربِه.

  7. وهذا الحديث حدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا يحيى بنُ آدم، عن حسن بن صالح، عن سماك، فذكره.

    vol. 13, p. 206
  8. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن مِسعَرٍ، قال: حدَّثني أبو صَخْرة، عن المغير بنِ عبد اللَّه الثَّقفيِّ، عن المغيرةِ بنِ شعبة، قال: ضِفْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذاتَ ليلة، فأمَر بجَنْب فشُوِي، ثم أخَذ الشَّفْرة، فجعل يَجُزُّ منها، فجاء بلالٌ فآذَنه بالصلاة، فألقَى الشَّفرة، فقال: "ما له، تَربَتْ يَداه؟ " . وكان شاربي قد وفَى بعضُه، فقصَّه لي على سِواك (٢) .

  9. وروَى ابنُ وَهْب، عن حُييٍّ بنِ عبدِ اللَّه المَعافريِّ، عن أبي عبدِ الرحمن الحُبُليِّ، عن عبد اللَّه بنِ عمرِو بنِ العاص، أنَّ إبراهيمَ أولُ رجلٍ اختَتَن، وأولُ رجلٍ قصَّ شاربَه، وقلَّم أظفارَه، واستَنَّ، وحلَق عانتَه.

  10. وذكر عبدُ الرزاق (٣) ، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: ١٢٤] . قال: ابتلاه اللَّهُ بالطَّهارة، خمسٍ في الرأس، وخمسٍ في الجسد: قصُّ الشارب، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسواكُ، وفرقُ الرأس، وفي الجسد: تقليمُ الأظفار، وحلقُ العانة، والاختِتان، ونتفُ الإبط، وغسلُ مكان الغائط والبول بالماء.

  11. وذكر مَطرٌ، عن أبي العالية، قال: ابتُليَ إبراهيمُ بعشَرة أشياء، هنَّ في الإنسان

    vol. 13, p. 207سُنّة: الاستنشاقُ، وقصُّ الشارب، والسواكُ، ونتفُ الإبْط، وتقليمُ الأظفار، وغسلُ البراجم، والخِتانُ، وحلقُ العانة، وغسلُ الدُّبُر والفرج (١) .

  12. فهذا ما انتهى إلينا في قصِّ الشارب وحَلْقه.

  13. وقد روى هُشَيْم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال: من السُّنة قصُّ الأظفار، والأخذُ من الشارب، وحلقُ العانة، ونتفُ الإبْط، وأخذُ العارضَيْن (٢) .

  14. ولم أجدْ أخذَ العارضَيْن إلا في هذا الخبر، وسيأتي ذكرُ إعفاءِ اللحيةِ والحكمُ في ذلك في باب أبي بكر بن نافع من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (٣) .

  15. وأما قصُّ الأظفار وحلقُ العانة، فمجتمعٌ على ذلك أيضًا، إلا أنَّ من أهل العلم مَن وَقَّت في حَلْق العانة أربعين يومًا، وأكثرُهم على أن لا توقيتَ في شيء من ذلك، وباللَّه التوفيق.

  16. ومن وقَّت ذهبَ إلى حديث حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ

    vol. 13, p. 208أحمدَ بنِ حامدِ بنِ ثَرْثال، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الطيب، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عمرَ بن شقيق الجرميُّ وقَطَنُ بنُ نُسير (١) ، قالا: حدَّثنا جعفرُ بنُ سليمان، عن أبي عمرانَ الجَونيِّ، عن أنس بن مالك، قال: وقَّت لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حلق العانة، وقصِّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتفِ الإبْط، في كلِّ أربعين يومًا (٢) .

  17. وهذا حديثٌ ليس بالقويِّ من جهة النقل، ولكنه قد قال به قوم.

  18. وذكَره سُنيد (٣) ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ سليمان، عن أبي عِمْران الجَونيِّ، عن أنس بن مالك، قال: وُقِّت لنا. فذكَره سواء، ولم يقل: "رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" .

  19. حدَّثنا عبدَ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا أبو معاوية الغَلابيُّ غسّانُ بنُ المفَضّل، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عليِّ بنِ مُقدَّم، قال: قال سفيانُ بن حُسين: أتَدْري ما السَّمْتُ الصالح؟ ليس هو بحَلْقِ الشارب، ولا تشميرِ الثّوب، وإنّما هو لزومُ طريقِ القوم، إذا فعَل ذلك، قيل: قد أصابَ السَّمْت. وتَدْري ما الاقتصادُ؟ هو الشَّيء (٤) الذي ليس فيه غُلُوٌّ ولا تقصيرٌ.

  20. حديثٌ رابعٌ لسعيدِ بنِ أبي سعيد

    مالكٌ (١) ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبُريِّ، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، أنه سألَ عائشةَ زوجَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: كيفَ كانت صلاةُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في رمضان؟ فقالت: ما كانَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إحدَى عَشْرةَ ركعة؛ يصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حُسنِهنّ وطولهنّ، ثم يصلِّي أربعًا، فلا تسألْ عن حُسنِهنّ وطولهنّ، ثم يصلِّي ثلاثًا. قالت عائشة: فقلت: يا رسولَ اللَّه، أتنامُ قبل أن توترَ؟ ! فقال: "يا عائشة، إنّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" .

    قال أبو عُمر: هكذا هو في "الموطأ" عند جماعة الرواة، فيما علمت (٢) ، وقد رواه محمدُ بنُ معاذ بن المُستهلِّ، عن القعنبيِّ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة. والصواب ما في "الموطأ" في هذا الحديث أنَّ صلاةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في رمضانَ وغيره كانت واحدة.

    vol. 13, p. 209
  21. وقد مضى القول في قيام رمضان، وما الأصل فيه، وكيف كان بدُوُّ أمره، في باب ابن شهاب (١) من هذا الكتاب.

    vol. 13, p. 210
  22. وأكثر الآثار على أنَّ صلاتَه كانت بالوتر إحدى عشرةَ ركعة، وقد رُوِيَ: ثلاثَ عَشْرة ركعة. فمنهم من قال: فيها ركعتا الفجر. ومنهم من قال: إنها زيادة حفِظَها من تُقبَلُ شهادتُه (٢) بما نقل منها، ولا يضُرُّها تقصيرُ من قصَّر عنها. وكيف كان الأمرُ، فلا خلافَ بين المسلمين أنَّ صلاةَ الليل ليس فيها حدٌّ محدود، وأنها نافلة، وفعلُ خَيْر، وعَمَلُ برٍّ، فمن شاء استقلَّ، ومن شاء استكثَر.

  23. وأما قوله: يصلِّي أربعًا، ثم يصلِّي أربعًا، ثم يصلِّي ثلاثًا. فذهب قوم إلى (٣) أنّ الأربعَ لم يكن بينها سلام. وقال بعضهم: ولا جلوسَ إلّا في آخرها.

  24. وذهب فقهاءُ الحجاز وجماعةٌ من أهل العراق إلى أنَّ الجلوسَ كان منها في كلِّ مثنى والتسليم أيضًا. ومن ذهب هذا المذهب كان معنى قوله في هذا الحديث عنده: أربعًا؛ يعني: في الطُّول والحُسْنِ وترتيبِ القراءة ونحو ذلك، ودليلُهم على ذلك قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلاةُ الليل مثنى متنى" (٤) ؛ لأنه مُحالٌ أن يأمرَ بشيءٍ، ويفعلَ خلافَه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد مَضَى ما للعلماء من المذاهب والأقوال في صلاة الليل، وما نزعُوا به في ذلك من الآثار والاعتلال في باب ابن شهاب ونافع (٥) من هذا الكتاب،

    vol. 13, p. 211ومضى في باب نافع أيضًا اختلافُهم في الوتر بواحدةٍ وبثلاث، وبما زاد، فلا معنى لتكرير ذلك هاهنا.

  25. واختصارُ اختلافهم في صلاة التطوع بالليل: أنَّ مالكًا، والشافعيَّ، وابن أبي ليلى، وأبا يوسف، ومحمدًا، والليثَ بنَ سعد، قالوا: صلاةُ الليل مثنى مثنى تقتَضي الجلوسَ والتَّسليم في كلِّ اثنتين، ألا ترَى أنَّه لا يقال: صلاةُ الظهر مثنى. لما كانت الأُخرَيان مضمَّنتين بالأوليين، ولأنه قد رُوِيَ في حديث عائشة هذا من رواية عُروة عنها: أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسلِّمُ في كلِّ ركعتين منها. وقد ذكَرنا من روَى ذلك في باب ابن شهاب (١) .

    وقال أبو حنيفة في صلاة الليل: إن شئتَ ركعتين، أو أربعًا، أو ستًّا، أو ثمانيًا (٢) .

    وقال الثوريُّ والحسنُ بنُ حيٍّ: صلِّ بالليل ما شئتَ بعدَ أن تقعُدَ في كل اثنتين، وتُسلِّم في آخرهنّ (٣) . وحجَّةُ هؤلاء ظواهرُ الأحاديث عن عائشة؛ مثل هذا الحديث، ومثلُ ما رواه الأسود، عن عائشة، أنها قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلِّي من الليل تسعَ ركعات، فلما أسَنَّ، صلَّى سبعَ ركعات (٤) . وقال فيه مسروق

    vol. 13, p. 212عنها: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوترُ بتسع، فلما أسنَّ أوتَر بسبع (١) . ويحيى ابنُ الجَزّار، عن عائشة مثل ذلك، على اختلاف عنه (٢) .

  26. وروَى ابنُ نُمَير (٣) ، ووُهَيْب (٤) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرة ركعةً؛ يوترُ منها بخمس،

    vol. 13, p. 213لا يجلسُ في شيء من الخمس حتى يجلسَ في الآخرة فيسلِّم. ورواه مالكٌ، عن هشام على غير هذا (١) .

  27. وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي من الليل ثلاثَ عَشْرةَ ركعةً كان يُصلِّي ثمانَ رَكَعات، وأربعَ ركعات، يوترُ برَكْعة (٢) .

  28. وروَى الدَّراوَرْديُّ، عن محمد بن عَمْرٍو، عن أبي سلمة، عن عائشة: أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً؛ تسعًا قائمًا، واثنتين جالسًا، واثنتين قاعدًا واثثتين بين النِّداءَين (٣) .

  29. وقد روَى الأوزاعيُّ وابنُ أبي ذئب ويونس، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلِّي من الليل إحدى عشرةَ ركعةً، يسلِّمُ في كلِّ ركعتين (٤) .

    قال أبو عُمر: فلّما اختلفَتِ الآثارُ عن عائشة في كيفيةِ صلاةِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالليل هذا الاختلاف، وتدافَعَت، واضطربَت، لم يكن في شيء منها حُجَّةٌ على غيره، وقامت الحجةُ بالحديث الذي لم يُختلَفْ في نقله ولا في متنه، وهو حديث

    vol. 13, p. 214ابن عمرَ، رواه عنه جماعةٌ من التابعين، كلُّهم بمعنًى واحد، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صلاةُ الليل مثنى مثنى" (١) .

  30. وقد ذكَرنا حديثَ ابن عمرَ وطُرقَه في باب نافع من هذا الكتاب، ومضَى حديثُ ابنِ عمرَ بأنّ روايةَ من روَى عن عائشة في صلاة الليل: أن رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسلِّمُ منها في كلِّ ركعتين - أصحُّ وأثبت، لقوله: "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى" ، وباللَّه التوفيق.

  31. وأما قولُها في هذا الحديث: أتنامُ قبلَ أن تُوتِرَ؟ فإنه لا يُوجَدُ إلا في هذا الإسناد، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ؛ لأنه في هذا الحديث بعدَ ذكر الوتر، ومعناه أنه كان ينامُ قبلَ أن يُصلِّي الثلاثَ التي ذكرت. وهذا يدُلُّ على أنه كان يقوم، ثم ينام، ثم يقوم فينام، ثم يقوم فيوتر؛ ولهذا ما جاء في هذا الحديث: أربعًا، ثم أربعًا، ثم ثلاثًا. أظنُّ ذلك، واللَّهُ أعلم، من أجل أنه كان ينامُ بينهن، فقالت: أربعًا، ثم أربعًا، يعني بعدَ نوم، ثم ثلاثًا بعدَ نوم. ولهذا ما قالت له: أتنامُ قبل أن توتِر؟ وإذا كان هذا على ما ذكرنا لم يَجُزْ لأحدٍ أن يتأوّلَ أنَّ الأربعَ كنَّ بغير تسليم، لا سيَّما مع قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلاةُ الليل مثنَى مثنَى" .

  32. وأما روايةُ مَن روى أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يضطَجِعُ بعدَ الوتر. ومن روَى أنه كان يضطَجِعُ بعدَ ركعتَي الفجر. فقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب، عن عُروةَ من هذا الكتاب (٢) ، وذكرنا عن العلماء ما صحَّ عندَهم، وما ذهبوا إليه في ذلك، والحمدُ للَّه، هنالك.

  33. وأما قوله: "إنّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" . فهذه جبلَّتُه -صلى اللَّه عليه وسلم- التي طُبع عليها.

  34. وقد رُوِيَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إنّا معشرَ الأنبياء تنامُ أعينُنا، ولا تنامُ قلوبُنا" (١) . ولهذا قال ابنُ عباس وغيرُه من العلماء: رؤيا الأنبياء وحيٌّ (٢) .

    vol. 13, p. 215
  35. وقد ذكرنا أقسامَ الوحي في باب إسحاقَ بن أبي طلحة (٣) ، وذكَرْنا في باب زيدِ بنِ أسلم (٤) معنى نومِه عن الصلاة في سفرِه حتى ضرَبه حرُّ الشمس بما يُغني عن إعادته هاهنا.

  36. ذكر عبد الرزاق (٥) ، وأبو سفيان جميعًا، عن معمَر، عن أيوب، عن أبي قِلابة،

    vol. 13, p. 216قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قيل لي: لتَنَمْ عينُك، وليَعقِلْ قلبُك، ولتَسمَعْ أُذُنك. فنامت عَيني، وعقلَ قلبي، وسمِعتْ أُذُني" . وذكر الحديث.

  37. ورُوِيَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان ينامُ حتى ينفُخَ وَيغِطَّ، ثم يقوم فيصلِّي ولا يتوضَّأ (١) ؛ لأن قلبه لم يكن ينام، وإنما يجبُ الوضوءُ على مَن غلب النومُ على قلبه، وغمَر نفسه. وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- مخصوصًا دون سائر أمته بأن تنامَ عينُه ولا ينامَ قلبُه، صلواتُ اللَّه عليه وسلامه.

  38. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ اللَّه بنُ محمد الخَصِيبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الحسن بن أبي شُعيب، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ عائشة، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نام حتى سُمِع غَطيطُه، ثم صلَّى، ولم يتوضَّأ. قال عكرمة: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- محفوظًا (٢) .

  39. حديثٌ خامسٌ لسعيد بن أبي سعيد

    مالكٌ (١) ، عن سعيدِ بن أبي سعيد المقبُريِّ، عن عُبيد بن جُريج أنه قال لعبدِ اللَّه بنِ عُمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتُك تصنعُ أربعًا لم أرَ أحدًا من أصحابك يصنعُها؟ قال: ما هنَّ يا ابنَ جُريج؟ قال: رأيتُك لا تَمَسُّ من الأركان إلا اليَمانِيَيْن، ورأيتُك تَلبَسُ النِّعالَ السِّبتيَّة، ورأيتُك تصبُغُ بالصُّفرة، ورأيتُك إذا كنت بمكة أهلَّ الناسُ إذا رأوا الهلال، ولم تُهلَّ أنت حتى كان يومُ التَّرْوِية. فقال عبدُ اللَّه بنُ عمر: أما الأركانُ فإني لم أرَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَمَسُّ إلا اليَمانِيَيْن، وأمّا النِّعالُ السِّبتِيةُ فإني رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يلبَسُ النِّعالَ التي ليس فيها شعَرٌ، ويتوضَّأ فيها، فأنا أُحِبُّ أن ألبَسَها، وأما الصُّفْرة فإني رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَصبُغُ بها، فأنا أُحِبُّ أن أصبُغَ بها، وأما الإهلالُ فإنِّي لم أرَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُهِلُّ حتى تنبعِثَ به راحلتُه.

    vol. 13, p. 217
  40. عُبيدُ بنُ جريج من ثقات التابعين (٢) ، ذكر الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال حدَّثني أبو صخر، عن ابن قُسَيْط، عن عُبيدِ بنِ جُريج، قال: حجَجْتُ مع عبد اللَّه بن عمرَ بينَ حجِّ وعُمْرة اثنتَي عشرةَ مرة (٣) .

    vol. 13, p. 218قال أبو عُمر: في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الاختلافَ في الأفعال والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودًا (١) .