أبو حازم سلمة بن دينار الحكيم
163 paragraphs · vol. 13, p. 246
Page 2 of 5
- vol. 13, p. 263
وقال آخرون؛ منهم الشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن، والحسنُ بنُ حيٍّ، وجماعة (٢) : مَن نابَه من الرجال شيءٌ في صلاتِه سبَّح، ومَن نابَه من النساء شيءٌ في صلاتِها صفَّقَت إن شاءَت؛ لأن رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد فرَّق بين حُكْم النساء والرجال في ذلك، فقال: "التَّصفيقُ للنِّساء، ومَنْ نابَهُ شيءٌ في صلاتِه -يعني منكم يا أيُّها الرجال- فليُسبِّحْ" .
-
واحتجَّ بحديث أبي هريرة: "التَّسبيحُ للرِّجال، والتَّصفيقُ للنِّساء" (٣) . ففرَّق بينَ حكم الرجال والنساء. وكذلك رواه جماعةٌ في حديث سهلِ بنِ سعدٍ هذا، قال الأوزاعيُّ (٤) : إذا نادَته أمُّه وهو في الصلاة سبَّح، فإن التَّسبيحَ للرجال، والتَّصفيقَ للنساء سنةٌ.
- vol. 13, p. 264
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا عمرُو بنُ عون، قال: أخبرنا حمادُ بنُ زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: كان قتالٌ بينَ بني عَمْرو بن عَوْف، فبلَغ ذلك النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتاهم ليُصلِحَ بينَهم بعدَ الظهر، فقال لبلال: "إذا حَضَرَت الصلاةُ صلاةُ العَصْر، ولم آتِكَ، فمُرْ أبا بكرٍ فلْيُصَلِّ بالنّاس" . فلما حضَرَت صلاةُ العصر أذَّن بلالٌ، ثم أقام، ثم أمَر بلال أبا بكر فتقَدَّم. وذكَر الحديث، وقال في آخره: "إذا نابَكُم شيءٌ في الصَّلاة، فليُسَبِّح الرِّجالُ وليُصَفِّح (٢) النِّساء" .
-
فهذا قاطعٌ في موضع الخلاف يرفَعُ الإشكال.
-
وكذلك رواه ابنُ عَجْلان، وغيرُه جماعةٌ قد ذكَرْنا بعضَهم في هذا الباب، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد (٣) ، بمعنى حديث حَمّادِ بن زيدٍ هذا.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مسددٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ نابَه شيءٌ في صلاتِه فليقل: سُبحانَ اللَّه، إنّما التَّصفيقُ للنِّساء، والتَّسبيحُ للرِّجال" (٤) .
- vol. 13, p. 265
وهذا المعنى محفوظٌ من حديث أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رواه عن أبي هريرةَ جماعةٌ من أصحابه؛ منهم سعيدُ بنُ المسيِّب (١) ، ومحمدُ بنُ سيرين (٢) ، وأبو صالح السَّمّان (٣) ، وأبو سَلَمة، وأبو نَضْرة (٤) ، وغيرُهم.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبة (٥) وحامد بنُ يحيى. وأخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦) : حدَّثنا قُتيبة بنُ سعيد، قالوا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التَّسبيحُ للرِّجال، والتَّصفيق للنِّساء" .
- vol. 13, p. 266
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد (١) ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا محمودُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن عيسى بن أيوب، قوله: "التَّصفيحُ للنِّساء" . تضرب المرأةُ بأصبَعَيْن من يمينِها على كَفِّها الشِّمال.
وقال بعضُ أهل العلم: إنما كُرِه التَّسبيحُ للنِّساء، وأُبيح لهن التَّصفيح من أجل أنَّ صوتَ المراة رَخيمٌ في أكثر النساء، وربما شغلَتْ بصوتها الرجالَ المُصلِّين معها.
-
وفي هذا الحديث دليلٌ على جواز الفتح على الإمام؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن نابَه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ" . فإذا جاز التَّسبيحُ جازَت التِّلاوة.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرَم، قال: حدَّثنا قَبيصةُ بنُ عُقبةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٣) ، عن خالدٍ الحذّاء، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: إن أهلَ الكوفة يقولون: لا يُفتَحُ على الإمام. وما بأسٌ به، أليس الرجلُ يقول: سبحانَ اللَّه.
قال أبو عُمر: ذكَر الطَّحاويُّ (٤) أنَّ الثوريّ، وأبا حنيفة وأصحابه، كانوا يقولون: لا يُفتَحُ (٥) على الإمام. وقالوا: إنْ فُتِحَ عليه لم تَفسُدْ صلاتُه.
- vol. 13, p. 267
وروى الكَرْخيُّ (١) عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يكرَهون الفتحَ على الإمام.
قال أبو عُمر: قد روَى عطاءُ بنُ السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَميِّ، عن عليٍّ رحمه اللَّه، قال: إذا استطْعَمَكم الإمامُ فأطْعِموه (٢) . ولا مخالفَ له من الصحابة.
-
وأصلُ هذا الباب قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا نابَكُم شيءٌ في صلاتِكُم فسبِّحُوا" . فلما كان تسبيحُه لما يَنوبُه مُباحًا، كان فتحُه على الإمام أحْرى أن يكونَ مُباحًا، وقد كان أبو حنيفةَ يقول: إذا كان التَّسبيحُ جوابًا قَطَعَ الصَّلاةَ، وإن كان من مُرور إنسانٍ بينَ يديه لم تُقْطَع. وقال أبو يوسف: لا يقطَعُ، وإن كان جوابًا (٣) .
-
وهو الصحيحُ؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ نابَه شيءٌ في صلاتِه فليُسبِّحْ" . وجائزٌ أن يُسبِّحَ مَن سُلِّم عليه وهو في الصلاة على عموم هذا الحديث.
- vol. 13, p. 268
واجتَمَعَ العلماءُ على أنَّ مَن سُلِّم عليه وهو يُصلِّي لا يَرُدَّ كلامًا، وكذلك أجمَعوا على أن مَن رَدَّ إشارةً أجْزَأه، ولا شيءَ عليه؛ ثَبَتَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حديث ابنِ عُمر، عن صُهَيب: أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلِّي والأنصارُ يدخُلون يُسلِّمون عليه، وكانَ يرُدُّ إشارة (١) .
-
ومَن سُلِّم عليه وهو في الصَّلاة فلم يَرُدَّ إشارةً، ردَّ إذا فرَغ منها كلامًا، وأحَبُّ إلى أهل العلم أن يُشيرَ بيدِه إلى مَن سلَّم عليه، وقد كرِه قومٌ السلامَ على المصلِّي، وأجازه الأكثرُ من العلماءِ على حكم ما ذكَرْنا، وباللَّه توفيقنا.
- vol. 13, p. 269
حديثٌ خامسٌ لأبي حازم
مالكٌ (١) ، عن أبي حازم بن دينار، عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السّاعدِيِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جاءَته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللَّه، إني قد وَهَبْتُ نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، زوِّجْنيها إن لم يكن لك بها حاجةٌ. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هل عندَك من شيءٍ تُصْدِقُها إيّاه؟ " . فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أعطيتَها إيّاه جلستَ لا إزارَ لك، فالتمِسْ شيئًا (٢) " . فقال: ما أجِدُ شيئًا. قال: "التمِسْ ولو خاتمًا من حديد" . فالتمَس فلمْ يجدْ شيئًا، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هل معكَ من القرآن شيءٌ" . قال: نعم، سورةُ كذا وسورةُ كذا. لسُوَرٍ سمّاها، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قد أنكَحْتُكها بما معك من القرآن" .
-
روَى هذا الحديث عن أبي حازم، عن سهل، جماعةٌ (٣) ، وأحسنُهم كلِّهم له سياقةً مالكٌ رحمه اللَّه.
- vol. 13, p. 270
وهذا الحديثُ يدخلُ في التفسير المسنَد في قوله عزَّ وجلّ: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} الآية [الأحزاب: ٥٠] . والموهوبةُ خُصَّ بها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وحدَه دونَ سائر أمتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} [الأحزاب: ٥٠] ؛ يعني: من الصَّداق، فلا بدَّ لكلِّ مُسلم من صَداق -قلَّ أو كثُر- على حسب ما للعلماء في ذلك من التحديد في قليلِه دونَ كثيره، على ما نُوردُه في هذا الباب إن شاء اللَّه. وخُصَّ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنَّ الموهوبةَ له جائزةٌ دون صَداق.
-
وفي القياس: أنّ كلَّ ما يجوزُ البَدَلُ منه والعوضُ جازت هبتُه، إلا أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ حرَّم الأبضاعَ من النساء إلا بالمهور -وهي الصَّدُقاتُ المعلومات- قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: ٤] .
قال أبو عُبيدة: يعني عن طيب نَفْسٍ بالفريضة التي فَرَضها اللَّه من ذلك (١) ، دون جَبْر حكومة.
قال (٢) : وما أُخِذ بالحكّام فلا يقال له: نِحْلةٌ.
-
وقد قيل: إن المخاطَبَ بهذه الآية الآباء (٣) ؛ لأنهم كانوا يستأثِرون بمهورِ
vol. 13, p. 271بناتهم التي فرَضها اللَّه لهنّ. وقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [المائدة: ٥] . يعني: مُهورَهنَّ. وقال في الإماء: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: ٢٥] . يعني: مُهورَهنّ.
-
وأجمع علماءُ المسلمين أنه لا يجوزُ لأحد أن يطَأَ فَرْجًا وُهِب له وَطؤُه دونَ رَقبتِه بغير صَداق، وأنَّ الموهوبةَ لا تَحِلُّ لأحدٍ غير النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. واختلفوا في عقدِ النِّكاح بلفظِ الهِبَة -مثل أن يقولَ الرجلُ للرجل (١) : قد وَهَبْتُ لك ابنتي أو وليَّتي. وسمَّى صَداقًا أو لم يُسَمِّ- فقال الشافعيُّ: لا يَصحُّ النكاحُ بلفظ الهبة، ولا ينعقدُ حتى يقول: قد أنكَحتُكَ. أو: زوَّجتُكَ (٢) .
-
وممّن أبطَل النكاحَ بلفظِ الهبة: ربيعةُ، والشافعيُّ، ومالكٌ على اختلافِ عنه، وأبو ثور، وأبو عُبيدٍ، وداودُ، وغيرُهم.
-
وذهَبت طائفةٌ من أصحاب مالكٍ إلى (٣) أن النكاح ينعقِدُ بلفظِ الهبة؛ لأنه لفظٌ يصحُّ للتمليك، والاعتبارُ فيه بالمعنى لا باللفظ (٤) .
وقال ابنُ القاسم (٥) ، عن مالك: لا تحِلُّ الهبةُ لأحدٍ بعدَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال:
vol. 13, p. 272وإن كانت هبتُه إيّاها ليست على نكاح، إنما وهَبها له ليحضُنَها أو ليكفُلَها، فلا أرَى بذلك بأسًا.
قال ابنُ القاسم: وإن وهَب ابنتَه وهو يريدُ إنكاحَها، فلا أحفَظُه عن مالك، وهو عندي جائزٌ كالبيع (١) .
قال مالكٌ (٢) : مَن قال: أهبُ لك هذه السِّلْعةَ على أن تعطِيَني كذا وكذا، فهو بيعٌ. وإلى هذا ذهَب أكثرُ المتأخِّرين من المالكيِّين البغداديِّين، وقالوا: إذا قال رجلٌ لرجل: قد وهَبتُ لكَ ابنتي على دينار، جازَ، وكان نِكاحًا صحيحًا، قياسًا على البيع.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ والحسنُ بنُ حيٍّ (٣) : ينعقِدُ النكاحُ بلفظ الهبةِ إذا كان أشهدَ عليه، ولها المهرُ المسمَّى إن كان سمَّى، وإن كان لم يُسَمِّ لها مهرًا فلها مَهْرُ مثلِها. وممّا احتجَّ به أصحابُ أبي حنيفةَ في هذا، أنَّ الطلاقَ يقعُ بالتصريح وبالكناية، قالوا: فكذلك النكاح. قالوا: والذي خُصَّ به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تعَرَّي البُضْع من العِوَض لا النكاحُ بلفظ الهبة.
قال أبو عُمر: الصحيحُ أنه لا ينعقِدُ بلفظِ الهبةِ نكاحٌ، كما أنه لا ينعقِدُ بلفظ النكاح هبةُ شيءٍ من الأموال، مع ما ورَدَ به التنزيلُ المُحْكَمُ في المَوْهُوبة أنها للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خالصةً دونَ المؤمنين، فلمّا لم تصحَّ الهبةُ في ذلك لم يصحَّ بلفظِها نكاحٌ، هذا هو الصحيحُ في النظر، واللَّهُ أعلم.
- vol. 13, p. 273
ومن جهة النظر أيضًا، أن النكاحَ مفتقِرٌ إلى التصريح لتقَعَ الشهادةُ عليه، وهو ضِدُّ الطلاق، فكيف يُقاسُ عليه؟ وقد أجمَعوا أن النكاحَ لا ينعقِدُ بقوله: قد أربحتُ لكَ. و: قد أحلَلْتُ لكَ. فكذلك الهبةُ. وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "استَحلَلتُم فروجَهنَّ بكلمةِ اللَّه" (١) ؛ يعنى القرآن، وليس في القرآن عَقدُ النكاح بلفظِ الهبة، وإنما فيه التزويجُ والنكاحُ، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطالُ بعض خصوصيةِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واللَّه أعلم.
-
وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه: إجازةُ أخْذِ الأُجْرةِ على تعليم القرآن، وقد اختلَف في ذلك العلماء؛ فكرِهَه قومٌ؛ منهم أبو حنيفةَ وأصحابه، وأجازه آخرونَ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَور، وأحمد (٢) .
-
والحُجّةُ في جواز ذلك حديثُ هذا الباب، وحديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه بعَث سَرِيّةً فنزَلوا بحيٍّ، فسألوهم القِرَى أو الشِّراء، فلم يفعَلوا، فلُدِغ سيِّدُ الحيِّ، فقالوا لهم: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا، حتى تَجعلوا لنا على ذلك جُعْلًا. فجعَلوا لهم قطيعا من غنم، فأتاه رجلٌ منهم، فقرأ عليه "فاتحة الكتاب" فبرَأ، فذبَحوا وشوَوْا وأكلوا، فلما قدِموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَروا ذلك له، فقال: "ومن أين علِمتَ أنها رُقْيةٌ؟ مَن أخَذ برُقيَة باطل فلقد أخَذتَ برُقيَة حقٍّ،
vol. 13, p. 274اضرِبوا لي فيها بسهم ". رواه أبو المتوكِّل الناجي (١) ، وسليمانُ بنُ قَتَّة (٢) ، وأبو نَضْرة (٣) ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ.
-
وروَى الشعبيُّ، عن خارجةَ بنِ الصَّلْت، عن عمِّه، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٤) .
-
وحُجَّةُ أبي حنيفةَ ومن قال بقوله حديثُ سعدِ بنِ طَريف، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مُعلِّمو صِبيانِكم شِرارُكم؛ أقلُّهم رحمةً باليتيم، وأغلَظُهم على المسكين" (٥) .
-
وحديثُ عليِّ بنِ عاصم، عن حمّادِ بنِ سَلَمة، عن أبي جُرْهُم، عن أبي هريرة
vol. 13, p. 275قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في المعلِّمين؟ قال: "دِرْهَمُهم حرامٌ، وقُوتُهم (١) سُحْتٌ، وكلامُهم رِياءٌ" (٢) .
-
وحديثُ المغيرةِ بنِ زياد، عن عُبادةَ بنِ نُسَيٍّ، عن الأسودِ بنِ ثَعلبة، عن عبادةَ بن الصامت، أنه علَّم رجلًا من أهلِ الصُّفَّة، فأهدَى له قَوسًا، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن سرَّكَ أن يُطوِّقَكَ اللَّهُ طَوْقًا من نارٍ فاقبَلْه" (٣) .
-
ورُوِيَ من حديثِ أُبيِّ بنِ كعب، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُه (٤) .
-
وهذ الأحاديثُ منكرةٌ، لا يصحُّ شيءٌ منها عندَ أهل العلم بالنقل. وسعدُ بنُ طَريف متروكُ الحديث، وأبو جُرْهُم مجهولٌ لا يُعرَفُ، ولم يَرْوِ حمّادُ بنُ سَلَمةَ
vol. 13, p. 276عن أحدٍ يقالُ له: أبو جُرْهُم. وإنما رواه عن أبي المهَزِّم، وهو متروك أيضًا، وهو حديثٌ لا أصلَ له.
-
وأما المُغيرةُ بنُ زياد، فمعروفٌ بحمل العلم، ولكنه له مناكير، هذا منها.
-
وأما حديثُ القَوْس، فمعروفٌ عندَ أهل العلم؛ لأنه رُوِيَ عن عُبادةَ من وَجْهين (١) . ورُوِيَ عن أُبيِّ بنِ كعب من حديث موسى بنِ عُليٍّ، عن أبيه، عن أُبيٍّ بنِ كعب (٢) ، وهو مُنقطِعٌ.
-
وليس في هذا الباب حديثٌ تَجِبُ به حُجّةٌ من جهة النقل، واللَّه أعلم.
- vol. 13, p. 277
واحتَجُّوا أيضًا بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اقرَؤوا القرآنَ ولا تأكُلوا به، ولا تَستكْثِرُوا" (١) . وهذا يحتملُ التأويل، وكذلك حديثُ عُبادةَ وأُبيٍّ يحتملُ التأويلَ أيضًا؛ لأنه جائزٌ أن يكونَ علَّمه للَّه، ثم أخَذ عليه أجرًا، ونحوَ هذا.
-
واختلَف الفقهاءُ أيضًا في حُكم المصلِّي بأُجْرة؛ فروَى أشهبُ، عن مالك، أنه سُئِل عن الصلاةِ خلفَ من استُؤْجِر في رمضانَ يقومُ بالناس، فقال: أرجو ألا يكونَ به بأسٌ، إن كان به بأسٌ فعليه (٢) .
-
ورَوَى عنه ابنُ القاسم (٣) : أنه كرِهه، وهو أشدُّ كراهيةً له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابُه وأبو ثور: لا بأسَ بذلك، ولا بأسَ بالصلاة خلفَه.
-
وذكَر الوليدُ بنُ مَزْيَد، عن الأوزاعيِّ، أنه سُئِل عن رَجُلٍ أمَّ قومًا فأخَذ عليه أجرًا، فقال: لا صلاةَ له. وكرِهَهُ أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤) . وهذه المسألةُ مُعلَّقةٌ من التي قبلَها، وأصلُهما واحدٌ. وفي هذه المسألةِ اعتلالاتٌ يطولُ ذكرُها.