أبو حازم سلمة بن دينار الحكيم

163 paragraphs · vol. 13, p. 246

Page 4 of 5

  1. أخبرنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: سمِعتُ يحيى بنَ معين يقول: بلَغَني أن أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ وُلد عام حُنَين (٢) .

    vol. 13, p. 297
  2. وأما معاذُ بنُ جبل فتُوفِّي في طاعون عَمواس بالشام سنةَ ثمان عشرةَ في خلافةِ عُمرَ، وهو ابنُ ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، لا يَختلِفون في ذلك. وقد ذكَرْناه في كتابنا في "الصحابة" (٣) ، ونسَبْناه، وذكَرْنا أشياءَ من أخبارِه هناك، والحمدُ للَّه.

  3. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ العَبْديُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارَك، عن يونسَ بنِ يزيد، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كَعْب، قال: كان مُعاذُ بنُ جَبَل شابًّا حليمًا، من أفضل شبابِ قومِه (٤) .

  4. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعين، قال (٥) : حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ عبدِ اللَّه بن كعبِ بنِ مالك، عن أبيه، قال: كان معاذُ بنُ جبل رجلًا سَمْحًا، شابًّا جميلًا، من أفضل شبابِ قومِه.

  5. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: أخبرنا المدائنيُّ (١) ، قال: معاذُ بنُ جبل أبو عبد الرحمن كان أجمل الرجال، لم يُولَدْ له قطُّ، طُوالٌ، حَسَنُ الشعَر، عظيمُ العينين، أبيضُ، جَعْدٌ، قَطَطٌ (٢) .

    vol. 13, p. 298
  6. وقد رُوِيَ هذا الحديث عن معاذِ بنِ جبل من طرقٍ شتّى، من غير روايةِ أبي إدريسَ بمعنى حديث أبي إدريسَ ومختصرَ المعنى أيضًا.

  7. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا موسى بنُ عُبَيدة، قال: أخبرني عبدُ اللَّه بنُ أبي سليمان، عن أبي بحريّة، قال: قدِمْتُ الشام، فدخَلْتُ المسجد، فإذا أنا بنفرٍ جُلوس في المسجد شُيوخ، فيهم شابٌّ يحدِّثُهم قد أنصَتوا له، فقلت: ألا تسألون مَن هؤلاء؟ قال (٣) : هؤلاء أصحابُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قلت: مَن الرجلُ الشابُّ الذي يُحدِّثُهم؟ قال (٤) : هذا معاذُ بنُ جَبَل. قال: فرُحْتُ إلى الصلاة، فإذا هو قد هجَّر، فقضَى صلاتَه، ثم جلَس، فجلَسْتُ إليه،

    vol. 13, p. 299فقلت: واللَّه إني لأحبُّك. فأخَذ بحُبوتي ثم جبَذني، فقال: آللَّه؟ مرتين أو ما شاء اللَّه. قال: قلت: نعم. قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتي، أو رَحْمَتي، للذين يتَحابُّون فيَّ، ويتباذلُون فيَّ، ويتَجالسون فيَّ، ويتجاوَرون فيَّ" (١) .

  8. فهذا أبو بَحريّة السَّكونيُّ قد روَى عن معاذ نحو حديثِ أبي إدريسَ سواءً في المعنى، وليس في حديثِه هذا ذكرُ مسجدِ دمشقَ ولا مسجدِ حِمْص.

  9. وأخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: أخبرني مالكٌ، عن أبي حازم بنِ دينار، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قال: دخلتُ مسجدَ دمشقَ فإذا أنا بفتًى برّاقِ الثَّنايا، وإذا الناسُ حولَه. فذكَر الحديثَ كما في "الموطأ" سواءً، إلا أنه قال في آخره: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "قال اللَّهُ تبارك وتعالى: وجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتجاوِرين فيَّ، والمتباذِلين فيَّ" (٢) .

  10. وقد روَى أبو مسلم الخَوْلانيُّ عن معاذِ بنِ جبل مثلَ ما روَى عنه في هذا الحديث أبو إدريسَ وأبو بَحْرِيّة، إلا أن حديثَه مختصَرُ المعنى عن معاذٍ، وقال: في مسجدِ حمصَ. وألفاظُ هذا الحديث رواها أبو مسلم عن عُبادةَ، وجائزٌ أن يكونَ عُبادةُ ومُعاذٌ وغيرُهما أيضًا سمِعا ذلك من رسولِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. هذا ممكنٌ غيرُ ممتَنع، على أن أبا مسلم الخَوْلانيَّ، وإن كان فاضلًا، فإنهم يُضَعِّفون نقلَه، وليس ممن يُقاسُ بأبي إدريسَ الخَولانيِّ في فهمِه وعلمِه.

  11. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ. وأخبرنا أحمدُ بنُ محمد (١) ، قال: أخبرنا وَهْبُ بنُ مَسرَّةَ، قالا: أخبرنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا وكيعٌ، عن جعفرِ بنِ بُرْقان، عن حبيبِ بنِ أبي مرزوق، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن أبي مسلم الخَولانيِّ، قال: أتيتُ مسجدَ أهل حِمْصَ فإذا فيه حَلْقةٌ فيها كُهولٌ من أصحاب رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإذا شابٌّ منهم أكْحَلُ العينَيْن، بَرّاقُ الثَّنايا، كلما اختلَفوا في شيء ردُّوه إلى الفتى، فتّى شابّ. قال: فقلتُ لجليس لي: مَن هذا؟ قال: هذا معاذُ بنُ جَبَل. قال: فجئتُ من العَشيِّ، فلم يَحضُرْ. قال: فغدَوْتُ من الغدِ فلم يجِئْ، فرُحْتُ فإذا أنا بالشابِّ يُصلِّي إلى سارية. قال: فركَعْتُ، ثم تحوَّلْتُ إليه. قال: فسلَّم، فدنَوْتُ منه، فقلت: إنّي لأحبُّك في اللَّه. قال: فمدَّني إليه. قال: كيف قلت؟ قال: قلت: إنّي لأحبُّك في اللَّه. قال: سمعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "المتَحابُّون في اللَّه على منابرَ من نورٍ في ظلِّ العرش، يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه" .

    قال (٣) : وحدَّثنا وكيع، عن جعفرِ بنِ بُرْقان، عن حبيبِ بنِ أبي مَرزوق،

    vol. 13, p. 301عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن أبي مسلم الخَولانيِّ، قال: خرجتُ فلقِيتُ عُبادةَ بنَ الصامت، فذكَرْتُ له حديثَ معاذ، فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحكي عن ربِّه عزَّ وجلّ قال: "حَقَّتْ مَحبَّتي على المتحابِّين فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي على المتَزاوِرينَ فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي على المتَباذِلين فيَّ، والمتحابُّونَ في اللَّه، على مَنابر من نور في ظلِّ العَرْش يومَ لا ظِلَّ إلّا ظلُّه" .

    vol. 13, p. 300
  12. فهذا أبو مسلم الخَوْلانيُّ يَروي عن معاذٍ وعُبادةَ جميعًا هذا الحديث، إن كان واحدًا. والحديثان جميعًا عن عُبادةَ كما ترى، وأبو مسلم الخَوْلانيُّ اسمُه عبدُ اللَّه بنُ ثُوَبَ، لا يختلفُ في ذلك أهلُ العلم بالنقل والسِّيَر، وكان فاضلًا عابدًا جليلًا، من كبارِ التابعين وخيارِهم وجِلَّتِهم، له كراماتٌ كثيرةٌ، وأخبارٌ عجيبةٌ مشهورةٌ، ذكَرها ابنُ أبي خَيْثَمة (١) وسعيدُ بنُ أسَدٍ (٢) وغيرُهما، وكان أبو مسلم الخَوْلانيُّ مسلمًا على عهدِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقدِم المدينةَ حينَ استُخْلِف أبو بكرٍ الصديق، وقد أجرَيْنا ذكرَه في كتاب "الصّحابة" (٣) على شرطِنا. وقد روَى عنه أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ حديثًا نَذكُرُه في آخر هذا الباب إن شاء اللَّه.

    قال أحمدُ بنُ زُهَير: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: أبو مسلم الخَوْلانيُّ اسمُه عبدُ اللَّه بنُ ثُوَبَ، سمعتُه من أبي المغيرة (٤) .

    قال أحمدُ بنُ زُهَير: وسألتُ يحيى بنَ مَعين عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ، فقال: اسمُه عبدُ اللَّه بنُ ثُوَبَ، شاميٌّ ثقة (٥) .

    vol. 13, p. 302قال أبو عُمر: قد رُوِيَ عن أبي إدريس الخَوْلانيِّ في هذا الحديث مثل رواية أبي مسلم الخَوْلانيِّ سواءً، عن مُعاذٍ وعن عُبادة، فأما حديثُه عن مُعاذٍ فنحو حديثِ أبي مسلم عنه، فقد ذكَرْناه من رواية أسدٍ (١) ، عن عبدِ الحميد بن بَهرامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَب، عن أبي إدريسَ عائذِ اللَّه بن عبد اللَّه، عن معاذ.

  13. وأما حديثُ أبي إدريس، عن عُبادة، فمثل حديث أبي مُسلم أيضًا، فذكَره ابنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا غُنْدَرٌ، عن شعبة، عن يَعلى بن عطاء، عن الوليدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي إدريس، قال: حدَّثْتُ عُبادةَ بنَ الصامت فقال: لا أُحَدِّثُ إلا بما سمِعتُ على لسان رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حَقَّتْ مَحبَّتي للمُتحابِّين فيَّ، وحَقَّتْ مَحبَّتي للمُتزاورين فيَّ، أو المتواصِلين" (٢) . شكَّ شعبةُ في "المتواصِلين والمتزاوِرين" .

  14. وقد يمكن أن يكونَ أبو إدريسَ وأبو مسلم الخَوْلانيّان عرض لكلِّ واحدٍ منهما ما رُوِيَ في هذا الباب عنهما مع معاذٍ وعُبادةَ، واللَّه أعلمُ بالصحيح في ذلك، ولا يُقطَعُ على أخبارِ الآحاد.

  15. وأما إسنادُ مالكٍ عن أبي حازم فصحيح، وليس في شيء من الأسانيد عن أبي إدريسَ، ولا عن أبي مسلم مثلُه، ولا ما يَلْحَقُ به، وحديثُ أبي مسلم الخَولانيِّ إنما يَدورُ على حبيب بن أبي مرزوق، وليس ممن يُعارَضُ بمثلِه حديثُ مالكٍ عن أبي حازم، وكذلك حديثُ يَعلَى بن عطاءٍ عن الوليدِ أيضًا، ليس بحُجّةٍ على حديِث مالكٍ عن أبي حازم. وقد روَى أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ، عن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعيِّ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثَ "تُبايِعُوني" . بتمامه. وهو يدخُلُ في رواية النَّظير عن النَّظير:

    vol. 13, p. 303حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح (١) ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ عبد اللَّه بن الخَضِر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ صالح الدمشقيُّ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن سعيدِ بن عبد العزيز، عن ربيعةَ بنِ يزيدَ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي مسلم الخَوْلانيِّ، قال: حدَّثني الحبيبُ الأمين، أما هو إليَّ فحبيبٌ، وأما هو عندي فأمينٌ؛ عوفُ بنُ مالكٍ الأشْجَعيُّ، قال: كنّا عندَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تسعةً أو ثمانية، فقال: "ألا تُبايِعُونَ رسولَ اللَّه؟ " . فبسَطْنا أيدينا فبايَعناه، ثم قال قائل: يا رسولَ اللَّه، عَلامَ نُبايِعُك؟ قال: "على أن تَعبُدُوا اللَّه ولا تشرِكوا به شيئًا، وتُصَلُّوا الصلوات الخمس، وتَسْمَعوا وتُطِيعُوا -وأسَرَّ كلمةً- ولا تسألوا الناسَ شيئًا" . فلقد كان بعضُ أولئك النفر يَسقُطُ سَوْطُ أحدِهم فلا يَسألُ أحدًا يَناوِلُه إياه (٢) .

  16. وهذا حديثٌ مشهورٌ ليس من هذا الباب، ولكني ذكَرْتُه لرواية أبي إدريسَ له، مع جلالتِه، عن أبي مسلم، فإن من الناس مَن جعل أبا مسلم الخَولانيَّ مجهولًا، وهذا جهلٌ بهذا الشأن، وحسبُك برواية أبي إدريس، وهو من أجَلِّ تابعي الشاميِّين عنه.

  17. وأما حديثُه في هذا الباب، فمعروفٌ عن معاذٍ وعن عبادةَ أيضًا، وهو عن معاذٍ أشهر، وكلاهما محفوظ.

  18. وحدَّثناه عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بنُ مُسَرهَد، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، عن الجُرَيريِّ، عن رجل، قال: قلت لمعاذ بن جَبَل: إني أُحِبُّك في اللَّه، أو أُحِبُّك للَّه. فقال لي: انظُرْ ما تقول. قالها ثلاث مرات، ثم قال: إنّي سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إنَّ اللَّه يُحِبُّ الذين يتحابُّون في اللَّه، ويُحبُّ الذين يَتقاعَدُون فيه، ويُحبُّ الذين يتَباذَلون فيه، ويحبُّ الذين يَتزاوَرون فيه، ويحبُّ الذين يتجاوَرُون فيه" (١) .

    قال أبو عُمر: قوله: "بَرّاقُ الثَّنايا" أي: أبيضُ الثَّنايا. وقد مضَى في باب أبي طُوالة (٢) في المُتحابِّين في اللَّه ما فيه كفايةٌ، والحمدُ للَّه.

    vol. 13, p. 304
  19. ولقد أحسن أبو العتاهية رحمه اللَّهُ في قوله (٣) :

    مَن لم يكنْ في اللَّه يَمْنَحُك الهَوَى ... مزَجَ الهَوَى بمَلالةٍ وثِقالِ

    vol. 13, p. 305حديثٌ ثامنٌ لأبي حازم

    مالكٌ (١) ، عن أبي حازم بن دينار، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغَرَر.

  20. هكذا هذا الحديث في "الموطأ" بهذا الإسناد مرسَلٌ، لم تختلف الرُّواةُ عن مالكٍ فيه فيما عَلِمْتُ (٢) . وقد روَى فيه أبو حُذافة عن مالكٍ إسنادًا منكَرًا، عن نافع، عن ابن عمر:

    حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ المُطرِّزُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن بنِ هارون الصَّبّاحيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذافة (٣) ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغَرَر.

    قال أبو عُمر: هذا مُنكَر الإسناد لا يَصِحُّ، والصحيح فيه عن مالك، ما في "الموطأ" عن أبي حازم، عن سعيدٍ مُرسلًا، وهو حديثٌ يتَّصلُ ويستندُ من حديث أبي هريرة بنقل الثِّقات الأثبات.

  21. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يَزيدَ الثَّغريُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا شعبة، عن سَيّار (٤) ، عن الشعبيِّ، عن أبي هريرة، أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغَرَر.

  22. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيق، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونُس (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن يونسَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي حازم، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعد، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مثلَه (٢) .

    قال أبو عُمر: هذا خطأٌ، ولم يَروِ هذا الحديثَ أبو حازم، عن سهل بن سَعْد (٣) ، وإنما رواه عن سعيدِ بنِ المسيِّب كما قال مالك، وليس ابنُ أبي حازم في الحديث (٤) ممن يُحتَجُّ به فيما خالفَه غيرُه، وهو عندَهم ليِّنُ الحديث ليس بحافظ، وهذا الحديثُ محفوظٌ من حديث أبي هريرة، ومعلومٌ أنّ سعيدَ بنَ المسيِّب من كبارِ رواة أبي هريرة.

    vol. 13, p. 306
  23. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٥) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٦) : حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ إدريسَ،

    vol. 13, p. 307ويحيى بنُ سعيد، وأبو أسامة، عن عُبيد اللَّه بن عمرَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغَرَر، وعن بيع الحَصاة.

  24. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارث بنُ سفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ محمد، عن عُبيدِ اللَّه بن عمر، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن بيع الغَرَر، وعن بيع الحَصاة، وقال: "أيُّما رجل اشترَى محفَّلةً فله أن يُمسِكَها ثلاثًا، فإن رَضِيَها أمسَكَها، وإن سَخِطَها رَدَّها وصَاعًا من تمر" (١) .

    قال أبو عُمر: بَيعُ الغَرَر يَجمعُ وُجوهًا كثيرة؛ منها المجهولُ كلُّه في الثمن، والمثّمَّنُ إذا لم يُوقَفْ على حقيقة جملتِه، فبيعُه على هذه الحال من بيعِ الغَرَر، وإن وُقف على أكثر ذلك وحُصِر حتى لا يُشْكِلَ المرادُ منه، فما جُهِل منه من التافهِ اليسير الحقير النَّزْر في جنبِ الصَّفْقة إذا كان مما لا يُمكِنُ الوصولُ إلى معرفة حقيقتِه، فلا يَضُرُّ ذلك، وهو متجاوزٌ عنه، غيرُ مراعًى عندَ جماعةِ العلماء.

  25. ومن بُيوع الغَرَر بيعُ الآبق، والجمل الشارد، والإبل الصِّعاب في المَرْعى، وكذلك الرَّمَكُ (٢) والبقرُ الصِّعاب، إذا كان الأغلبُ من أمرِها جهلَ أسنانها وعدمَ تَقليبِها، والحِيتانُ في الآجام (٣) ، والطائرُ غيرُ الدَّاجِن (٤) ، إذا لم يكن مملوكًا

    vol. 13, p. 308مَقبوضًا عليه، والقِمارُ كلُّه من بيعِ الغَرَر، وبيعُ الحَصاة من القمار (١) . ومعنى بيع الحَصاةِ عندَهم أن تكون جملةُ ثيابٍ منشورةً أو مطويّةً، فيقول القائل: أيُّ هذه الثياب وقَعَت عليها حَصاتي هذه فقد وجَب فيها البيعُ بيني وبينَك بكذا. دون تأمُّلٍ ولا رُؤية، فهذا أيضًا غَرَر.

  26. واسمُ بيع الغَرَر اسمٌ جامعٌ لهذه المعاني كلِّها وما أشبَهَها، إلا أن العلماءَ اختلَفوا في الآبِق يكونُ في يدِ مُشتَريه:

    فقال مالكٌ: لا يجوزُ بيعُ الآبق إلا أن يكونَ بحيثُ يُقدَرُ على تَسليمِه، ويعرِفُ البائعُ والمشتَري حاله في وقت البيع (٢) .

    وقال الحسنُ بن حيٍّ والشافعيُّ وعُبيدُ اللَّه بنُ الحسن: لا يجوزُ بيعُ الآبق (٣) .

    وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا يجوزُ بيعُ العبدِ الآبق إلّا أن يكونَ في يدِ مُشتَريه (٤) .

    وقال عثمانُ البَتيُّ (٥) : لا بأسَ ببيع الآبق والبعيرِ الشارد، وإن هلَك فهو من مال المشتري، وإن اختلَفا في هلاكِه فعلى المشتري البينةُ أنه هلك قبل أن يشتريَه، وإلا أعطاه قيمتَه، وكذلك المبتاعُ إذا تقدّم شراؤُه.

    قال أبو عُمر: قولُ عثمانَ البتِّيِّ هذا مردودٌ (٦) بالسُّنة المذكورة في هذا الحديث،

    vol. 13, p. 309وقول أبي حنيفة في جواز بيعِه -إذا علِمه المشتري دون البائع- ليس بشيء، والصحيح ما قاله مالكٌ فيما ذكرنا عنه، وهو مذهبُ الشافعيِّ وغيرِه أيضًا إذا كان على ما وصَفْنا.

  27. والبيعُ الفاسدُ من بيوع الغَرَر وغيرها إذا وقَع فُسِخ إن أُدرك قبل القبض وبعده، فإن فات بعدَ القبض رُدَّ إلى قيمتِه، بالغًا ما بلغ يوم قُبِضَ، لا يومَ وقَعَت صفقَتُه، فإن أُصيب عندَ البائع قبلَ القبض فمُصيبتُه بكلِّ حال منه.

  28. ومن هذا الباب بيعُ اللَّبَن في الضَّرع، وبيعُ المُغيَّب تحتَ الأرض من البقول إذا لم تُرَ.

  29. ومن ذلك بيعُ الدَّيْن على المُفْلِس وعلى الميت، وبيعُ المَضامين والملاقيح، وحَبَلِ حَبَلةٍ، وقد مضى تفسيرُ ذلك في باب نافع (١) .

  30. ومن ذلك بيعُ الجنين في بطن أُمِّه، وكلِّ ما لا يَدْري المبتاعُ حقيقة ما يحصُلُ عليه ولا ما يَصيرُ إليه، وفروعُ هذا الباب كثيرةٌ جدًّا، وللعلماء فيها مذاهبُ لو تقصَّيناها لخرَجنا عن تأليفِنا ومقصدِنا. وباللَّه توفيقُنا (٢) .

  31. حديثٌ تاسعٌ لأبي حازم

    مالكٌ (١) ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعديِّ، قال: ساعتان تفتحُ لهما أبوابُ السماء، وقلَّ داعٍ تُرَدُّ عليه دعوتُه: حضرةُ النداء للصلاة، والصفُّ في سبيل اللَّه.

    vol. 13, p. 310
  32. هكذا هو موقوفٌ على سهلِ بنِ سعد الساعديِّ (٢) في "الموطأ" عند جماعةِ الرُّواة (٣) ، ومثلُه لا يقال من جهة الرأي.

  33. وقد رواه أيوبُ بنُ سُويدٍ ومحمدُ بنُ مخَلَدٍ وإسماعيلُ بنُ عمر (٤) ، عن مالكٍ مرفوعًا.

  34. كتب إليَّ أبو الفضل أحمدُ بنُ أبي عمرانَ الهَرَويُّ إجازةً بخطِّه، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ عاصم الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا أبو بشرٍ الدُّولابيُّ، قال: حدَّثنا أبو عُمَيْر أحمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بن سُوَيدٍ البَلَويُّ (٥) ، قال: حدَّثنا

    vol. 13, p. 311أيوبُ بنُ سُوَيد، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعد، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ساعتانِ تُفتحُ فيهما أبوابُ السماء وقلَّما تردُّ على داع دعوتُه؛ لحضورِ الصلاة، والصَّفِّ في سبيل اللَّه" .

    قال: وحدَّثنا الطبرانيُّ، قال (١) : حدَّثنا موسى بن جُمهور، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ إهاب، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ساعتان لا تُردُّ على داعٍ دعوتُه فيهما؛ حين تُقامُ الصلاةُ، والصَّفِّ في سبيل اللَّه" .

  35. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بن زكريا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر الكوفيُّ، قال: حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ إهاب، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُويد، قال: حدَّثني مالكٌ. فذكَره بإسنادِه مرفوعًا.

  36. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ بنِ إسحاقَ بن عُتبةَ الرازيُّ وأبو القاسم عليُّ بنُ الحسن بن جعفرٍ ابنُ أخي محمدِ بنِ جعفرٍ الإمامُ بدِمياط، قالا: حدَّثنا بكرُ بنُ سهلٍ الدِّمياطيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَخلَدٍ الرُّعَينيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ساعاتٌ

    vol. 13, p. 312تُفتحُ فيها أبوابُ السماء، قلَّما تُرَدُّ فيهنَّ دعوةٌ؛ حُضورُ الصلاة، وعندَ الصَّفِّ للقتال " (١) (٢) .

  37. وقد رُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "لا يُردُّ الدُّعاءُ بين الأذان والإقامة " من وجوه حسان:

    أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا ابنُ السكن (٣) ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرٍو الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا أبو زيادٍ سهلُ بنُ زياد الطَّحانُ، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن أنسِ بن مالك، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا نُوديَ بالأذان فُتِحتْ أبوابُ السّماء، واستُجيبَ الدعاءُ" (٤) .

  38. وأخبرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيان، عن زيد، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك، قال: لا يُرَدُّ الدعاءُ بين الأذانِ والإقامة (١) .

    vol. 13, p. 313
  39. وروَى يزيدُ الرَّقاشيُّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عندَ الأذانِ تُفتحُ أبوابُ السماء، وعندَ الإقامةِ لا تُرَدُّ دعوةٌ" (٢) .

    vol. 13, p. 314وقال عطاءٌ: عندَ نزول الغيث، والتِقاءِ الزَّحْفَين، والأذان، يُستجابُ الدعاء (١) .

  40. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبو عَميرةَ عبدُ العزيز بنُ أحمدَ بنِ سُويدٍ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ سُويدٍ الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس، عن أبي حازم، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ساعتانِ تُفتحُ لهما أبوابُ السماء، وقلَّما تُرَدُّ على الدَّاعي فيهما دعوتُه؛ حُضورُ الصلاة، والصَّفُّ في سبيل اللَّه" (٢) .