(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله

295 paragraphs · vol. 13, p. 321

Page 8 of 8

  1. وأخبرنا خلفُ بنُ القاسم (١) ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي العَقِب، قال: حدَّثنا أبو زُرعة، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع أبو اليَمان، قال: حدَّثنا شُعيبٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرني أيوبُ بنُ بَشيرٍ الأنصاريُّ، عن بعض أصحابِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ خرَج تلك الخَرْجَةَ، استوَى على المِنبرِ فتشَهَّد، فلما قضَى تشَهُّدَه كان أولَ كلام تكلَّم به أنِ استَغفَر للشُّهداءِ الذين قُتِلوا يومَ أُحُد، ثم قال: "إنَّ عبدًا من عبادِ اللَّه خُيِّرَ بينَ الدُّنيا وبينَ ما عندَ ربِّه، فاختارَ ما عندَ ربِّه" . ففَطِن بها أبو بكرٍ الصدِّيقُ أوَّلَ الناس، وعرَف أنما يريدُ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نفسَه، فبكَى أبو بكر، فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "على رِسْلِكَ، سُدُّوا هذه الأبوابَ الشَّوارعَ في المسجدِ إلا بابَ أبي بكر، فإنِّي لا أعلمُ امرأً أفضلَ عندي يدًا في الصُّحبة من أبي بكر" (٢) .

    vol. 13, p. 447
  2. حديثٌ خامسَ عَشَرَ لأبي النَّضْر مرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، عن سليمانَ بنِ يسار، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن صيام أيام منًى.

    vol. 13, p. 448
  3. لم يُختلَفْ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث وإرسالِه (٢) ، وعند مالكٍ في هذا المعنى حديثُه عن يزيدَ بنِ الهاد، عن أبي مُرّةَ، عن عَمْرو بنِ العاص، متّصلٌ مسندٌ. وفي هذا الباب آثارٌ كثيرةٌ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من طُرق شتّى.

  4. فأمّا حديثُ سليمانَ بنِ يسارٍ هذا، فرواه الثوريُّ عن أبي النَّضْر وعبدِ اللَّه بنِ أبي بكر، عن سليمانَ بنِ يَسار، عن عبد اللَّه بن حُذافة.

  5. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْديّ، عن سفيانَ، عن سالم أبي (٣) النَّضر وعبدِ اللَّه بنِ أبي بكر، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عبد اللَّه بن حُذافة، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَهُ أن يُناديَ في أيام التَّشريقِ أنَّها أيّامُ أكْلٍ وشُرْب (٤) .

    vol. 13, p. 449قال عبد الرحمن: وقرأتهُ على مالكٍ، عن أبي النَّضْر، عن سليمانَ بنِ يسار، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن صيام أيّام منًى. قال ابنُ مهديٍّ: وما أراهُ إلّا أثْبَتَ مِن حديثِ سفيان.

  6. وحدَّثنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢) : سُئل يحيى بنُ مَعِينٍ عن حديثِ عبدِ الرحمن بن مَهْديٍّ، عن سفيان، عن عبدِ اللَّه بنِ أبي بكرٍ وسالم أبي النَّضْر، عن سليمانَ بنِ يَسار، عن عبدِ اللَّه بنِ حُذافة، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَره أن يُناديَ أيامَ التَّشريقِ أنها أيامُ أكلٍ وشرب. فقال: مرسل.

    قال أبو عُمر: هذا، وإن كان مُرسَلًا، فإنه حديثٌ يتَّصلُ من غيرِ ما وجهٍ، ويتَّصِلُ حديثُ عبدِ اللَّه بنِ حُذافةَ من روايةِ ابنِ شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة:

    حدَّثناهُ عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبادة، قال: حدَّثنا صالحٌ، قال: حدَّثنا ابنُ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَث عبدَ اللَّه بنَ حُذافةَ يَطوفُ في منًى: "لا تصوموا هذه الأيامَ؛ فإنّها أيّامُ أكلٍ وشُرْبٍ وذكرٍ للَّه" (٣) .

  7. أخبرنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ ومحمدُ بنُ سليمان، قالا: حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرّاح، قال: حدَّثنا سفيان، عن حَبيبِ بنِ أبي ثابت، عن نافعِ بنِ جُبَير، عن بِشْرِ بنِ سُحَيْم الغِفاريِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خطَب في أيام التَّشْريق فقال: "لا يَدخُلُ الجنةَ إلّا نفسٌ مؤمنةٌ مُسلمة، وإنَّ هذه أيامُ أكلٍ وشرب" (٢) .

    vol. 13, p. 450
  8. ورواه أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، عن حَبيب بن أبي ثابتٍ، بإسنادِه مثلَه (٣) .

  9. وأخبرنا قاسمُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو بنِ منصور، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الملكِ

    vol. 13, p. 451الزِّئبقيُّ (١) ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهمان، عن أبي الزُّبير، عن ابنِ كعبِ بنِ مالك، عن أبيه كعبِ بنِ مالك، أنه حدَّثه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَثه وأوسَ بنَ الحَدَثان في أيام التَّشْريق، فنادى: "لا يَدخُلُ الجنةَ إلّا مُؤمِنٌ، وأيامُ منًى أيامُ أكْلٍ وشُرْب" (٢) .

  10. وروَى محمدُ بنُ يحيى بن حَبّان، عن أمِّ الحارث بنتِ عيّاشِ بنِ أبي رَبيعةَ، أنها رأت بُدَيْلَ بنَ وَرْقاءَ يطوفُ على جملٍ على أهلِ المنازلِ بمنًى، يقول: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهاكم أن تصوموا هذه الأيام، فإنها أيامُ أكلٍ وشرب (٣) .

  11. وروَى سفيانُ بنُ عُيينة، عن جعفرِ بنِ محمد، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَث بُدَيْلَ بنَ وَرْقاءَ الخُزاعيَّ. فذكَر مثلَه، وزاد فيه: وبِعال (٤) .

    vol. 13, p. 452قال أبو عُمر: لا خلافَ بينَ العلماء أنَّ أيامَ منًى هي الأيامُ المعدوداتُ التي ذكَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ في قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: ٢٠٣] . وهي أيامُ التشريق، وأنَّ هذه الثلاثةَ الأسماءِ واقعةٌ عليها، وقد ذكَرْنا اختلافَ العلماءِ في أيام الذَّبْح، وهي الأيامُ المعلوماتُ، في باب يحيى بن سعيد (١) ، وذكَرْنا معنى أيّام التَّشريق في بابِ يزيدَ بنِ الهاد (٢) . وأيامُ منًى هي أيامُ رَمْي الجِمار بمنًى، وهي واقعةٌ -بإجماع- على الثلاثةِ الأيام التي يَتعجَّلُ الحاجّ منها في يومَين بعدَ يوم النحر، فأيامُ منًى ثلاثةٌ بإجماع، وهي أيامُ التشريق، وهي الأيامُ المعدوداتُ، فقِفْ على ذلك. ومما يدُلُّك على أنها ثلاثةٌ قولُ العَرْجيِّ (٣) :

    ما نَلتَقي إلا ثلاثَ منًى ... حتى يُفَرِّقَ بينَنا النَّفْرُ

    وقال عُروةُ بنُ أُذَينة (٤) :

    نزَلوا ثلاثَ منًى بمنزلِ غبطةٍ ... وهُمُ على سَفَرٍ لعَمْرُك ما همُ

    وقال كُثيِّرُ بنُ عبدِ الرحمن (٥) :

    تفَرَّق أهواءُ الحَجِيج على مِنًى ... وفرَّقهمْ صرفُ النَّوَى مَشْيَ أربعِ

    vol. 13, p. 453قال أبو عُمر: مَن تعَجَّل من الحاجِّ في يومَيْن من أيام منًى صار مُقامُه بمنًى ثلاثةَ أيام بيوم النحر، ومَن لم يَنْفِرْ منها إلا في آخرِ اليوم الثالث، حصَل له بمنًى مقامُ أربعةِ أيام من أجلِ يوم النحر، والتَّعجُّلُ لا يكونُ أبدًا إلا في آخرِ النهار، وكذلك اليومُ الثالث؛ لأنَّ الرَّميَ في تلك الأيام إنما وقتُه بعدَ الزَّوال.

  12. ومنًى: اسمٌ لذلك الموضع، يُذكَّرُ عندَ أهلِ اللغة ويُؤنَّثُ. قال ابنُ الأنباريِّ (١) : هو مُشتَقٌّ من: منَيْتُ الدمَ: إذا صبَبْتَه. قال: وقال أبو هِفّان: يقال: هو منًى، وهي منًى. فمَن ذكَّره ذهَب إلى المكان، ومَن ونَّثهُ ذهَب إلى البُقْعة، ويُكتَبُ في الوجهَين جميعًا بالياء. وأنشَد في تَذكيرِه لبعض بني جُمَح (٢) :

    سقَى منًى ثم روَّاه وساكنَهُ ... ومَن ثوَى فيه واهي الودْقِ (٣) مُنْبعِقُ

  13. وأنشَد في تأنيثِها للعَرْجيِّ (٤) :
  14. لَيومُنا بمنًى إذنحن نَنْزِلُها ... أسَرُّ مِن يومِنا بالعَرْجِ أو مَلَلِ

    وروَى ابنُ جُريج، عن عطاء، قال: حَدُّ مِنًى رأسُ العقبة مما يلي منًى إلى المنْحَر (٥) .

    vol. 13, p. 454قال ابنُ جريج: حَدُّ منًى؛ إذا هبَطتَ من وادي مُحَسِّرٍ فأصعَدتَ في بطنِ المسيلِ فأنت في منًى إلى العقبةِ عندَ جمرةِ العقبة (١) .

  15. وأجمَع العلماءُ على أنَّ صيامَ أيام منًى لا يجوزُ تطوعًا، وأنها أيامٌ لا يَتطوَّعُ أحدٌ بصيامِهنّ. وقد رُوِيَ عن بعض الصحابةِ وبعضِ التابعين جوازُ صيامِها تَطَوُّعًا، على ما ذكَرْنا عنهم في مراسيلِ ابنِ شهاب (٢) . وذلك لا يصحُّ، وقد ثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النهيُ عن صيامِها، ولم يَختَلِفوا أنها لا يَتطَوَّعُ أحدٌ بصيامِها، واختلَفوا في صيامِها للمتمتِّع إذا لم يَجدْ هَدْيًا، لقول اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٦] . وهي من أيام الحجِّ؛ فمنهم مَن أجاز له صيامَها إذا لم يَصُمْ قبلَ يوم النحر، ومنهم مَن لم يُجزْ له ذلك؛ لنهي رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صيامِها، وحَمَل النهيَ في ذلك على العُموم، وجعَلها كيوم الفطرِ ويوم النحرِ في تحريم الصيام. وقد أوضَحْنا اختلافَهم في صيام أيام منًى في بابِ يزيدَ بنِ الهاد (٣) ، وبابِ مُرسَلِ ابنِ شهاب والحمدُ للَّه.