(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله
295 paragraphs · vol. 13, p. 321
Page 7 of 8
- vol. 13, p. 430
وحدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا سعيدُ بنُ منصور، قال: حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُليمان، عن صالح بنِ عَجلانَ ومحمدِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عبّاد (٤) ، عن عبّادِ بنِ عبدِ اللَّه بن
vol. 13, p. 431الزُّبير، عن عائشة، قالت: ما صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على سُهَيل ابنِ البيضاء إلّا في المسجد.
قال أبو عُمر: أما قولُ عائشةَ في هذا الحديث: ما أسرَع الناسَ، ففيه عِنْدَهم قولان:
أحدُهما: ما أسرعَ النِّسيانَ إلى الناسِ، أو: ما أسرعَ ما نَسي الناسُ.
-
والقولُ الآخر: ما أسرعَ الناسَ إلى إنكارِ ما لا يَعرفون، أو: إنكارِ ما لا يَجِبُ، أو: إنكارِ ما قد نَسُوه أو جَهِلوه، أو: ما أسرَعَ الناسَ إلى العيبِ والطَّعنِ، ونحوُ هذا.
-
ثم احتجَّت عليهم بالحُجَّة اللازمةِ لهم، إذ أنكَروا عليها أمرَها بأن يُمَرَّ بسعدٍ عليها فيُصلَّى عليه في المسجد، وكان سعدُ بنُ أبي وقاصٍ هذا قد مات في قصرِه بالعَقيق على عشَرةِ أميالٍ من المدينة، فحُمِل إلى المدينة على رقابِ الرجالِ ودُفن بالبَقيع. وقد ذكَرنا خبرَه في بابه من كتاب "الصحابة" (١) .
-
وكان سعدُ بنُ أبي وقاص وسعيدُ بنُ زيدٍ قد عَهِدا أن يُحمَلا من العَقيق إلى البَقيع مَقْبُرة المدينةِ فيُدفَنا بها (٢) . وذلك، واللَّهُ أعلم، لفضلٍ عَلِموه هناك، فإنَّ فضلَ المدينة غيرُ منكورٍ ولا مجهول، ولو لم يكنْ إلا مجاورةُ الصّالحين والفُضلاء
vol. 13, p. 432من الشُّهداء وغيرِهم. وليس هذا مما اجتمعَ عليه العلماءُ، ألا ترَى أنَّ مالكًا ذكَر (١) عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أنه قال: ما أُحِبُّ أن أُدفنَ في البَقيع، لَأنْ أُدفَنَ في غيرِه أحبُّ إليّ. ثم بيّن العِلةَ: مخافةَ أن يُنبَشَ له عظامُ رجلٍ صالح، أو يجاورَ فاجرًا. وهذا يستوي فيه البقيعُ وغيرُه، ولو كان له فضلٌ عندَه لأحبّه، واللَّه أعلم.
-
وقد يستَحسنُ الإنسانُ أن يُدفنَ بموضع قرابتِه وإخوانِه وجيرانِه، لا لفضلٍ ولا لدرجة، وقد كان عمرُ رضيَ اللَّه عنه يقول: اللهُمَّ إنِّي أسألُكَ الشَّهادةَ في سبيلِك، ووفاةً ببلدِ رسولِك (٢) . وهذا يحتملُ الوجهين؛ مذهبَ سعدٍ وسعيد، ومذهبَ عُروة، والأظهرُ فيه تفضيلُ البلد، واللَّهُ أعلم.
-
وقد احتجَّ قومٌ بهذا الحديثِ في إثباتِ عملِ المدينة، وأنَّ العملَ أوْلَى من الحديثِ عندَهم؛ لأنهم أنكَروا على عائشةَ ما روَته لما استَفاض عندَهم.
-
واحتَجَّ آخرون بهذا الخبر في دَفْع الاحتِجاج بالعملِ بالمدينة، وقالوا: كيف يُحتَجُّ بعملِ قوم تُجهَلُ السُّنةُ بينَ أظهُرِهم، وتعجَبُ أمُّ المؤمنين من نِسيانهم لها، أو جَهلِهم وإنكارِهم لما قد صنَعه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وسنَّه فيها، وصنَعه الخلفاءُ وجِلَّةُ الصحابة بعدَه، وقد صُلِّيَ على أبي بكرٍ وعمرَ في المسجد (٣) ؟
قالوا: فكيف يصحُّ مع هذا ادّعاءُ عمل؟ أو كيف يسوغُ الاحتجاجُ به؟ وكثيرٌ ما كان يُصنَعُ عندَهم مثلُ هذا، حتى يُخبرُهم (٤) الواحدُ بما عندَه في ذلك فينصرِفونَ إليه.
vol. 13, p. 433وقالوا: ألا ترى أنَّ عائشةَ أُمَّ المؤمنين لم ترَ إنكارَهم حجةً، وإنَّما رأتِ الحجَّةَ فيما عَلِمَتْه من السُّنة؟
قال أبو عُمر: القولُ في هذا الباب يتَّسعُ، وقد أكثرَ فيه المُخالِفون، وليس هذا موضعَ تلخيص حُجَّتِهم، وللقولِ في ذلك موضعٌ غيرُ هذا.
-
وأمّا اختلافُ الفقهاءِ في الصلاةِ على الجنائزِ في المسجد، فروَى ابنُ القاسم (١) ، عن مالك، أنه قال: لا يُصلَّى على الجنائز في المسجد، ولا يُدخَلُ بها المسجدَ. قال: وإن صُلِّيَ عليها عندَ بابِ المسجدِ وتضايقَ الناسُ وتَزاحَموا، فلا بأسَ أن يكونَ بعضُ الصفوفِ في المسجد.
-
وقد قال في كتاب الاعتكافِ من "المُدوَّنة" (٢) في صلاةِ المُعتكفِ على الجنازةِ في المسجدِ ما يدلُّ على أنّه معروفٌ عندَه الصلاةُ على الجِنار في المسجد. قال ابنُ نافع: قال مالكٌ في المعتكف: وإن انتهَى إليه زحامُ الناس الذين يُصلُّون على الجِنازة وهو في المسجد، فإنه لا يُصلَّى عليها.
-
وهو قولُ أبي حنيفة، ومحمدِ بن الحسن (٣) : أنه لا يُصلَّى على الجنائز في المسجد. وأجاز ذلك أبو يوسُف.
-
وقال الشافعيُّ وأصحابُه وأحمدُ بنُ حنبل وإسحاقُ وأبو ثور وداود: لا بأسَ أن يُصلَّى على الجنائز في المسجدِ من ضيقٍ وغيرِ ضيقٍ على كلِّ حال، وهو قولُ عامّةِ أهلِ الحديث (٤) . واحتَجُّوا بأنّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى على ابنَي بيضاءَ في المسجد، وأنَّ أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد، وأنَّ عمرَ صُلِّي عليه في المسجد.
- vol. 13, p. 434
ومن حُجَّة داودَ في ذلك أنَّ اللَّهَ لم يَنْهَ عن ذلك ولا رسولُه، ولا اتَّفق الجميعُ عليه، والأصلُ إباحةُ فِعْل الخيرِ في كلِّ موضع، إلا مَوضِعًا (١) تقومُ بالمَنع مِن ذلك فيه حجةٌ لا مُعارِضَ لها.
-
وحجّةُ مَن قال بقول مالكٍ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُحفَظْ عنه أنه صلَّى على غيرِ ابن بَيْضاءَ في المسجد، وأنَّ إنكارَ مَن أنكَره على عائشةَ لا يكونُ إلا لأصلٍ عندَهم؛ لأنّهم يستحيلُ عليهم أن يرَوْا رأيَهم حجةً عليها.
-
واحتَجُّوا من الأثر بما حدَّثناه عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢) . وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حماد، قالا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب، قال: حدَّثني صالحٌ مولَى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن صلَّى على جنازةٍ في المسجدِ فلا شيءَ له" .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ محمد بنِ حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغويُّ، قال (٣) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْد، قال: أخبرنا ابنُ أبي ذئب،
vol. 13, p. 435عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن صلَّى على جِنازةٍ في المسجدِ فلا شيءَ له" .
قال البغويُّ (١) : وقد روَى هذا الحديثَ سفيانُ الثوريُّ، عن ابن أبي ذئب، قال: حدَّثني به أحمدُ بنُ محمدٍ القاضي، قال: حدَّثنا أبو حذيفة (٢) ، قال: حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن صلَّى على جِنازةٍ في المسجدِ فليس له أجرٌ" .
-
واحتَجَّ مَن ذهَب مذهبَ مالكٍ بحديثِ صالح مولى التوأمة هذا، مع ما ذكَرنا من إنكارِ مَن أنكَر ذلك على عائشة.
وقال الآخرون: أما روايةُ أبي حذيفةَ عن الثوريِّ لهذا الحديث، وقولُه فيه: "فليس له أجرٌ" ، فخطأٌ إشكالَ فيه، ولم يقلْ أحدٌ في هذا الحديث ما قاله أبو حُذيفة. قالوا: والصحيحُ في هذا الحديث ما قاله يحيى القطّان -مع ثِقَتِهِ وحفظِهِ وأمانتِه (٣) - وسائرُ رواة هذا الحديث، عن ابنِ أبي ذئبٍ بإسنادِه، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذلك قولُه: "مَن صلَّى على جنازةٍ في المسجدِ فلا شيءَ له" . هذا هو الصحيحُ في هذا الحديث.
vol. 13, p. 436قالوا: ومعنى قولِه: "لا شيءَ له" ، يريد: لا شيءَ عليه. قالوا: وهذا فصيحٌ معروفٌ في لسان العرب، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: ٧] . بمعنى: فعليها، ومثلُه كثير.
قالوا: وصالحٌ مولى التوأمة، من أهلِ العلم بالحديث مَن لا يقبلُ شيئًا من حديثه لضعفِه، ومنهم مَن يقبلُ من حديثه ما رواه ابنُ أبي ذئبٍ عنه خاصّة؛ لانَّه سمع منه قبلَ الاختلاط، ولا خلافَ أنه اختلَط فكان لا يَضبِطُ ولا يَعرِفُ ما يأتي به، ومثل ما يأتي به ومثلُ هذا ليس بحُجةٍ فيما انفرَد به، وليس يُعرَفُ هذا الحديثُ من غيرِ روايتِه ألبتّةَ، فإن صحَّ فمعناه ما ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (١) : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَرعَرة، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: لَقينا صالحًا مولى التّوأمة وهو مختلِط.
قال أبو عُمر: حديثُ عائشةَ صحيح، نقَله الثِّقاتُ من وجهين صحيحَين، وحديثُ أبي هريرة انفردَ به صالحُ بنُ أبي صالح مولى التوأمة، وليس بحجةٍ لضعفِه، ولو صحَّ حديثُه لم يكن فيه حجَّةٌ؛ للتأويل الذي ذكَرنا، وعلى هذا التأويل لا يكونُ مُعارِضًا لحديثِ عائشة، وهو أوْلى ما حُملَت عليه الأحاديث؛ لئلا تَتعارضَ وتتضادّ. ويَدُلُّ على صحةِ ذلك أنَّ أبا بكرٍ صلَّى عليه عمرُ في المسجد، وصلَّى صُهَيبٌ على عمرَ في المسجد (٢) بمَحضَرِ جلَّةِ الصَّحابة من غيرِ نكيرٍ منهم، وليس مَن أنكَر ذلك بعدَهم بحجَّةٍ عليهم، فصار بما ذكَرْنا سنّةً يعملُ بها قديمًا، فلا يجوزُ مخالفتُها، وباللَّه التوفيق.
vol. 13, p. 437قال أبو عُمر: احتَجَّ بعضُ مَن لا يَرى الصلاةَ في المسجدِ على الجنائزِ من أصحابِنا بحديثِ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرَج بالناسِ إلى المُصلَّى حينَ صلَّى على النَّجاشي (١) . قال: فالخروجُ بالجنازةِ إلى الجَبّانةِ أحْرَى بذلك، ولا يُصلَّى عليها في المسجد. قال: وإنما صُلِّي على أبي بكرٍ وعمرَ في المسجدِ لأنهما دُفِنا فيه. وهذا لا يلزَمُ إلا لمن قال: لا يُصَلَّى على الجنائز إلا في المسجد. ولم يقُلْه أحد.
-
وأما مَن قال: يُصَلَّى عليها في المسجدِ وفي غير المسجد، فغيرُ لازم له ما ذكَر مَن ذكَرْنا قوله. وقد مضى القولُ في هذا المعنى في باب ابنِ شهابٍ من هذا الكتاب (٢) . والحمدُ للَّه.
-
وأنَّ أوْلى الناسِ بإجازةٍ الصلاةِ في المسجدِ على الجنازة مَن زعَم أنَّ الثوبَ الذي يُجفِّفُ فيه الميتُ ويُغسَلُ طاهرٌ يَسْتَغْني عن الغَسل (٣) .
- vol. 13, p. 438
حديثٌ ثالثَ عَشَرَ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بنِ عُبيد اللَّه، أنه قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- -لمّا مات عثمانُ بنُ مظعونٍ ومُرَّ بجِنازته-: "ذهبْتَ ولم تَلَبَّسْ منها بشيء" .
-
هكذا هو في "الموطأ" عندَ جماعة الرُّواة مرسلًا مقطوعًا، لم يختلِفوا في ذلك عن مالك (٢) ، وقد رويناه متَّصِلًا مُسنَدًا من وجهٍ صالحٍ حسن.
-
أخبرنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ دُحَيْم بنِ خَليل، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز البَغَويُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الواهب (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ الليثيُّ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بنِ محمد، عن عائشة، قالت: لما مات عثمانُ بنُ مظعونٍ كشَف النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الثوبَ عن وجهِه وقبَّل بينَ عينيه وبكَى بكاءً طويلًا، فلما رُفِع على السَّرير، قال: "طُوبَى لك يا عثمان، لم تَلبَسْك الدُّنيا ولم تَلْبَسْها" (٤) .
قال أبو عُمر: روَى الثوريُّ، عن عاصم بنِ عُبيدِ اللَّه، عن القاسم، عن عائشة،
vol. 13, p. 439قالت: رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُقبِّلُ عثمانَ بنَ مظعونٍ وهو ميتٌ، حتى رأيتُ دموعَه تَسيلُ على خَدَّيْه (١) .
-
وروَى الثوريُّ أيضًا، عن موسى بن أبي عائشة، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه، عن ابنِ عباسٍ وعائشة: أنَّ أبا بكر قبَّل النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-وهو ميت (٢) .
-
وأما قولُه: "ذَهَبْتَ ولم تَلَبَّسْ منها بشيءٍ" . فكان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحدَ الفُضلاءِ العُبّادِ الزاهدين في الدنيا من أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المُتَبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بنُ أبي طالب هَمّا أن يَترَهَّبا ويَترُكا النساء ويُقْبِلا على العبادة ويُحرِّما طَيِّبَ الطعام على أنفسِهما، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآيةَ [المائدة: ٨٧] .
-
ذكَر مَعمرٌ وغيرُه، عن قتادةَ -في هذه الآية- قال: نزَلت في عليِّ بن أبي طالبٍ وعثمانَ بنِ مظعون، وأرادوا أن يَتَخَلَّوا من الدُّنيا، ويترُكوا النساءَ ويتَرهَّبوا (٣) .
- vol. 13, p. 440
وذكَر ابنُ جُريج، عن مجاهد، قال: أراد رجالٌ؛ منهم: عثمانُ بنُ مظعون وعبدُ اللَّه بنُ عَمرٍو (١) ، أن يَتبتَّلوا، أو يَخصُوا أنفسَهم، ويَلبَسوا المُسُوحَ (٢) ، فنزَلت هذه الآيةُ إلى قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: ٨٨] (٣) .
قال ابنُ جُريج: وقال عكرمةُ: إنَّ عليَّ بنَ أبي طالب وعثمانَ بنَ مظعون وابنَ مسعود والمقدادَ بنَ عمرو وسالمًا مولى أبي حُذيفة، تبتَّلوا وجلَسوا في البيوت، واعتزَلوا النساء، ولَبِسوا المُسُوحَ، وحرَّموا طيباتِ الطعام واللِّباس، وهمُّوا بالإخصاء، وأدْمَنوا القيامَ بالليل وصيامَ النهار، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآيةَ. يعني: النساءَ والطعامَ واللِّباس (٤) .
وقال محمدُ بنُ المنكدر: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ أبدلَنا بالرهبانيّةِ الجهادَ والتكبيرَ على كلِّ شَرَفٍ (٥) من الأرض" .
-
وذكَر سُنَيدٌ (٦) ، قال: حدَّثنا مُعْتَمرُ بنُ سليمان، عن إسحاقَ بنِ سُويد، عن أبي فاختةَ مولى جَعْدةَ بنِ هُبَيرة، قال: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ يريدُ أن ينظُرَ هل يستطيعُ السِّياحة، وكانوا يعُدُّون السِّياحةَ: صيامَ النَّهارِ وقيامَ الليل، ففعَل ذلك، حتى ترَكتِ المرأةُ الطِّيبَ والمُعَصفَرَ والخِضابَ والكُحْلَ، فدخَلَتْ على بعضِ أمهاتِ المؤمنين، ورأتْها عائشةُ فقالت: ما لي أراكِ كأنكِ مُغِيبةٌ (٧) ؟ فقالت: إني
vol. 13, p. 441مُشْهِدةٌ كالمُغِيبة. فعرَفَتْ ما عنَت، فجاء النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا نبيَّ اللَّه، إن امرأةَ عثمانَ بنِ مظعونٍ دخلَت عليَّ، فلم أرَ بها كُحْلًا ولا طيبًا ولا صُفْرةً ولا خِضابًا، فقلتُ لها: ما لي أراكِ كأنك مُغِيبةٌ؟ قالت: إني مُشْهِدةٌ كالمُغيبة. فعرَفْتُ ما عنَتْ. فأرسَل إلى عثمانَ فقال: "يا عثمانُ، أتُؤمِنُ بما نُؤمِنُ؟ " ، قال: نعم، بأبي أنت وأمي، قال: "إن كنتَ تُؤمِنُ بما نُؤمِنُ به، فأُسْوَةٌ لك بنا، وأسوةٌ ما لربِّنا" (١) .
قال إسحاقُ بنُ سُوَيد: فأتَيْتُ خُراسان، فصادَفْتُ يحيى بنَ يَعْمَرَ يُحدِّثُ القومَ بهذا الحديثِ لم يَدَعْ منه حرفًا، غيرَ أنه قال في آخر حديثه: "إن كنتَ تُؤمِنُ بما نُؤمِنُ فاصنَعْ كما نَصْنَعُ" . قال ذلك مرَّتين (٢) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وأحمدُ بنُ محمد وسعيدُ بنُ نصر، قالوا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك، قال (٣) : أخبرنا رِشْدينُ بنُ سعد، قال: حدَّثني ابنُ أنعُم، عن سعدِ بنِ مسعود، أن عثمانَ بنَ مظعونٍ أتَى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: ائْذَنْ لي في الاختصاء، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس منّا مَن اختَصَى، إنَّ خصاءَ أُمَّتي الصيام" . قال:
vol. 13, p. 442يا رسولَ اللَّه، ائْذَنْ لنا في السِّياحة. قال: "إنَّ سياحةَ أُمَّتي الجهادُ في سبيل اللَّه" ، قال: يا رسولَ اللَّه، ائْذَنْ لنا في التَّرهُّب، قال: "إنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتي الجلوسُ في المساجدِ انتظارَ الصلاة" .
-
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد، قراءةً مني عليه، أنَّ أحمدَ بنَ مُطَرِّفٍ حدَّثهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان (١) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن عمرِو بنِ دينار، عن الزُّهريِّ، عن خارجةَ بنِ زيد، قال: لمّا قدِم النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينةَ استَهَم المسلمونَ المنازلَ، فطار سهمُ عثمانَ بنِ مظعونٍ (٢) على امرأةٍ منّا يقالُ لها: أمُّ العلاء، فلما حضَرَته الوفاةُ قالت: شَهادتي عليكَ أبا السائب أنّ اللَّهَ قد أكْرَمك. قال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنا رسولُ اللَّه، ما أدْري ما يُفعَلُ بي ولا به، ولكن قد أتاه اليقين، فنحن نَرجُو له الخيرَ" . فشَقَّ ذلك على المسلمين مشقّةً شديدة، وقالوا: عثمانُ في فضلِه وصلاحِه يقالُ له هذا! فلما دَفَن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعضَ أهلِه، قال: "رِدْ على سَلَفِنا عثمانَ بنِ مظعون" ، فقالوا: سلَفُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- السلفُ الصالحُ. قالت أمُّ العلاء: لا أُزَكِّي بعدَه أحدًا أبدًا (٣) .
vol. 13, p. 443قال أبو عُمر: اختلَف العلماءُ في معنى قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: ٩] .
فقال منهم قائلون: ذلك في الدُّنيا وأحكامِها؛ نحوَ الاختبارِ بالجهاد، والفرائضِ من الحدودِ والقِصاص، وغيرِ ذلك. وقالوا: لا يجوزُ غيرُ هذا التأويل؛ لأن اللَّهَ قد أعلَم ما يَفعلُ به وبالمؤمنين وما يَفعلُ بالمشركين بقوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: ١٣ - ١٤] . وقولِه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: ٧٢] . وقولِه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: ٤٨، ١١٦] . وقولِه: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} [الأنعام: ٥٧] .
-
وروَى وكيعٌ، عن أبي بكر الهُذَليُّ، عن الحسن - في قولِه: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} - قال: في الدُّنيا (١) .
وقال آخرون: بل ذلك على وجهِه في أمرِ الدُّنيا وفي ذنوبه وما يُختَمُ له من عملِه، حتى نزلت: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: ٢] ففَرح رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: "هي أحبُّ إليّ ممّا طَلَعتْ عليه الشَّمسُ" . وهذا معنى تفسير قتادةَ والضّحاكِ والكلبيِّ.
-
وروَى مثلَه يزيدُ بنُ إبراهيمَ التُّستَريُّ، عن الحَسن (٢) .
- vol. 13, p. 444
حديثٌ رابعَ عَشَرَ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عُمرَ بنِ عُبيدِ اللَّه، أنَّه بلَغه أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لشهداءِ أُحدٍ: "هؤلاء أشهَدُ عليهم" . فقال أبو بكر الصِّدِّيق: ألَسنا يا رسولَ اللَّه بإخوانِهم؛ أسلَمنا كما أسلَموا، وجاهَدنا كما جاهَدوا؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بلى، ولكنْ لا أدري ما تُحدِثونَ بعدي" . قال: فبكَى أبو بكرٍ وقال: أئنّا لكائِنون بعدَك؟
-
هذا الحديثُ مُرسلٌ هكذا مُنقطعٌ عند جميع الرُّواة لـ "الموطأ" (٢) ، ولكنّ معناه يَستندُ من وجوهٍ صحاح كثيرة.
-
ومعنى قولِه: "أشهَدُ عليهم" ، أي: أشهَدُ لهم بالإيمان الصَّحيح والسَّلامة من الذنوبِ الموبقات، ومن التَّبديل والتَّغيير، والمنافسة في الدُّنيا، ونحوِ ذلك، واللَّهُ أعلم.
-
وفيه من الفقه: دليلٌ على أنَّ شهداءَ أُحدٍ ومَن مات من أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَه أفضلُ من الذين تخلَّفهم بعدَه، واللَّهُ أعلم، وهذا عندي في الجملةِ المحتملةِ للتخصيص؛ لأن من أصحابه مَن أصاب من الدُّنيا بعدَه وأصابَت منه، وأما الخصوصُ والتَّعيينُ فلا سبيلَ إليه إلا بتوقيفٍ يجبُ التَّسليمُ له.
-
وأما أصحابُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذين تخلَّفهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَه، فأفضَلُهم أبو بكرٍ وعمرُ. على هذا جماعةُ علماءِ المسلمين إلا مَن شذَّ، وقد قالت طائفةٌ كثيرةٌ من أهل العلم: إن أفضلَ أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أبو بكرٍ وعمر، لم يَستَثنوا مَن مات قبلَه ممَّن مات بعدَه.
-
وأما قولُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لشُهداءِ أُحد: "أنا أشهَدُ لهؤلاء" ، أو: "أنا شَهيدٌ لهؤلاء" ، ونحوُ هذا، فقد رُوِيَ هذا اللفظُ ومعناه من وجوه:
vol. 13, p. 445أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن عُمر، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن الزهريِّ - قال سفيان: وثبَّتنيهُ معمرٌ- عن ابن أبي الصُّعَير، قال: أشرَف النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على قتلَى أُحدٍ فقال: "إنِّي قد شَهِدتُ على هؤلاء، فزَمِّلوهم بكُلومِهم ودِمائهم" (١) .
-
أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسُف، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢) : حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالد، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيب، عن أبي الخير، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خرَج يومًا فصلَّى على أهل أُحدٍ صلاتَه على الميت، ثم انصرَف إلى المنبر
vol. 13, p. 446فقال: "إنِّي فَرَطٌ لكم، وأنا شَهِيدٌ عليكم، وإنِّي لَأنظُرُ إلى حَوْضي الآن، وإنِّي أُعطِيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرض، وإنِّي واللَّه ما أخافُ عليكم أن تُشِركوا بعدي، ولكنِّي أخافُ عليكم أن تَنافَسوا فيها" .
-
حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّان، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعد، قال: حدَّثني ابنُ شهاب، عن عبدِ الرحمن بنِ كعب، عن جابرٍ، قال: كان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجمعُ بينَ الرَّجُلينِ من قَتلَى أُحدٍ ثم يقول: "أيُّهم أكثَرُ أخذًا للقرآن؟ " ، فإذا أُشير له إلى أحدِهما قدَّمه في اللَّحْدِ وقال: "أنا شهِيد على هؤلاء يومَ القيامة" . وأمَر بدفنِهم بدمائِهم، ولم يُصَلِّ عليهم (٢) .
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ سَلَمة (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ خالد، قال: حدَّثني أسامةُ بنُ زيد، قال: أخبرني ابنُ شهابٍ الزهريُّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: لم يُصَلِّ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على شهداءِ أُحد، وقال: "أنا الشَّاهِدُ عليكم اليومَ" . وكان يَجمعُ بين الثلاثةِ النَّفَرِ والاثنين، ثم يَسألُ: "أيُّهما أكثرُ قرآنًا؟ " فيُقدِّمُه في اللَّحْد، ويُكفِّنُ الرَّجُلين والثلاثةَ في الثوبِ الواحد (٥) .
vol. 13, p. 447قال أبو عُمر: اختُلِف على ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ اختلافًا كثيرًا، وروايةُ الليثِ عندَهم بالصواب أوْلى.