داود بن الحصين

106 paragraphs · vol. 2, p. 348

Page 2 of 3

  1. قال مُصعَبٌ الزُّبيريُّ في أبي سفيانَ مَوْلى ابنِ أبي أحمدِ هذا: قالوا: هو مَوْلًى لبني عبدِ الأشْهَل، وكان له انقطاعٌ إلى عبدِ الله بنِ أبي أحمدَ بنِ جَحْش، فنُسِب إليه. روَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وكان مُكاتَبًا، وكان يُصَلِّي لبني عبدِ الأشْهَل في رمضانَ وفيهم قومٌ قد شَهِدُوا بدرًا والعقبةَ يُصَلُّونَ خَلْفَه (١) .

    vol. 2, p. 366
  2. وأمّا (٢) أبو سفيانَ الذي يَروي عن جابر، فاسمُه طَلْحةُ بنُ نافع، ليسَ له ذكرٌ في "الموطأ" .

  3. وأمّا العَرايا، فواحِدُها عَرِيّة، والجمعُ عَرايا، ومعناها عَطِيّةُ ثَمَرِ النَّخْل دونَ الرِّقاب، كانت العَربُ إذا دهَمتْهم سَنَةٌ تطَوَّعَ أهلُ النَّخْل منهم على مَن لا نخلَ له فيُعطِيه من ثَمَرِ نَخْلِه، فمنهم المُكثِرُ ومنهم المُقِلّ. ولهم عَطايا مَنافعُ لا تُمْلَكُ بشيءٍ منها رَقبةُ الشيءِ المَوْهوب (٣) ؛ منها الإفْقارُ، والإخْبالُ، والإعْراءُ، ومنها المِنْحَة.

  4. كانوا إذا أعْطَى أحَدٌ منهم صاحِبَه ناقةً أو شاةً من غَنَمِه يشرَبُ لبنَها مَرّةً، قيل: مَنَحَه.

  5. فإن أعْطاه دابّةً يَرتَفِقُ بظَهْرِها، ويُكْرِي ذلك ويَنتَفِعُ به، قيل: أخْبَلَه.

  6. فإن أعْطاه شيئًا من الإبلِ يَركَبُه مَرّةً، قيل: أفْقَرَه ظهرَ جَمَلِه، أو ناقَتِه، أو دابَّتِه.

  7. فالعَرايا: في ثَمَرِ النَّخْل، وتكونُ عندَ جماعةٍ من العلماءِ في النَّخْل والعِنَب وغيرهما من الثِّمار.

  8. والمِنْحَة: في ألبانِ النُّوق والغَنَم، والإخْبالُ: في الدَّوابِّ، والإفْقارُ: في النُّوقِ والإبل، والإطراق: أن يُعْطِيَه فحلَ غَنَمِه أو إبلِه لحملِه على نِعاجِه أو نُوقِه، والإسكان: أن يُسْكِنَه بيتا له مُدّة. لا يَملِكُ بشيءٍ من هذا كُلِّه رَقبةَ ما يُعْطَى.

    vol. 2, p. 367
  9. ومن هذا الباب عندَ أصحابِنا: العُمْرَى، وخالَفَهم في ذلك غيرُهم، وقد ذكَرْنا ذلك في موضِعِه من كتابِنا هذا (١) .

    وقال الخليلُ بنُ أحمدَ (٢) رحمه الله: العَرِيّةُ من النَّخْل: التي تُعْزَلُ عن المُساوَمَةِ عندَ بيع النَّخْل، والفِعْلُ: الإعْراءُ، وهو أن يَجْعَلَ ثمرةَ عامِها لمُحتاج. وقال غيرُه: إنَّما قيل لها: عَرِيّةٌ لأنّها تُعَرَّى من ثَمَرِها قبلَ غيرها من سائرِ الحَوائط.

    وقال ابنُ قتيبة: العَرِيّةُ مَأخُوذَةٌ من العارِيّة، وهي عارِيّةٌ مُضمَّنَةٌ (٣) بهِبَة، فالأصلُ مُعَارٌ، والثمرةُ هِبَةٌ. فهذا معنى لفظِ العَرِيّةِ في اللغة؛ وذلك أنَّ الرجلَ منهم كان يُعطي جارَه أو المِسْكين، مَن كان، نَخْلَةً من حائطِه أو نَخَلاتٍ يَجْني ثمرَها، فيقول: أعْرَيْتُ نَخْلَتي أو نَخْلي فلانًا. وكانوا يُمْتَدَحُونَ بذلك، قال بعضُ شعراءِ الأنصار (٤) :

    ليست بسَنهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكنْ عَرَايا في السِّنين

    ويُروَى في: السِّنين المواحِلِ.

  10. والسنْهاءُ من النَّخْل: التي تَحمِلُ سنةً وتحولُ سنةً فلا تَحمِلُ، وذلك عَيْبٌ في النَّخْل، فوَصَف نخلَه أنّها ليست كذلك، ولكنّها تَحمِلُ كلَّ عام. والرُّجَّبيّةُ: هي التي تَمِيلُ لضعْفِها فتُدْعَمُ من تحتِها؛ كذا قال ابنُ قتيبةَ في كتاب "الفقه" له. قال: ثم وصَف أنّه يُعْرِيها في السِّنينَ الجوائح؛ أي: يُطْعِمُ ثمرتَها أهلَ الحاجَةِ في سِني الجَدْب والمَجاعَة، وقد كان الرجلُ منهم يُعطي ذلك أيضًا لأهلِه ولعيالِه يأكُلون ثمرتَها، فتُدْعى أيضًا عَرِيّة. فهذه كلُّها أقاويلُ أهلِ اللغةِ في العَرِيّة.

    vol. 2, p. 368
  11. وأمّا معنى العَرايا في الشريعة، ففيه اختلافٌ بينَ أهلِ العلم على ما أصِفُه لك بعونِ الله؛ فمِن ذلك أنَّ ابنَ وهْبٍ روَى، عن عَمْرِو بنِ الحارث، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، أنّه قال: العَرِيّةُ؛ الرجلُ يُعْرِي الرجلَ النَّخْلة، أو الرجلُ يُسمِّي من مالِه النَّخْلةَ أو النخلَتين ليأكُلَها فيَبِيعُها بتمر (١) .

  12. وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسَة (٢) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا هَنّادٌ، عن عَبْدَة، عن ابنِ إسحاق، قال: العَرايا أن يَهَبَ الرجلُ للرجل النخَلاتِ فيشُقَّ عليه أن يقومَ عليها فيَبِيعَها بمثل خَرْصِها.

  13. وهذا من أحسنِ ما فُسِّر به معنى العَرايا. فذهَب قومٌ إلى هذا، وجعَلوا الرُّخصةَ في بيع العَرايا بخَرْصِها وَقْفًا على الرِّفْقِ بالمُعْرَى يَبِيعُها ممّن شاء؛

  14. المُعْرِي وغيرُه في ذلك عندَهم سَواء. ومن حُجَّةِ مَن ذَهَب هذا المَذْهبَ ما رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن أيوبَ وعُبيدِ الله بنِ عُمرَ جميعًا، عن نافع، عن ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى البائعَ والمُشتَريَ عن المُزابَنة.

    قال ابنُ عمر: وقال زيدُ بنُ ثابت: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أرْخَص في العَرايا؛ النَّخْلةِ والنَّخْلَتيْن يُوهَبان للرجل، فيبيعُها بخَرْصِها تمرًا (١) .

    قالوا: فقد أطلَقَ في هذا الحديث بَيعَها بخرصِها تَمرًا، ولم يقل: من المُعْرِي ولا من غيره. فدَلَّ على أنَّ الرُّخْصةَ في ذلك قُصِدَ بها المُعْرَى المسكينُ لحاجتِه. قالوا: وهو الصَّحيحُ في النظَر؛ لأنَّ المُعْرَى قد ملَك ما وُهِب له، فجائزٌ له أن يَبِيعَه من المُعْرِي ومن غيرِه إذْ أرْخَصَتْ له السُّنّةُ في ذلك، وخَصَّتْه من معنى المُزابَنةِ في المقدارِ المذكورِ في حديثِ هذا الباب. ذهَب إلى هذا جماعةٌ من العلماء؛ منهم أحمدُ بنُ حَنْبل (٢) . وسنَذكُرُ قولَه في هذا الباب بعدَ ذكر قولِ مالكٍ والشافعيِّ إن شاء الله.

    vol. 2, p. 369
  15. وذهَب جماعةٌ من أهل العلم في العَرايا إلى أنْ جعَلوا الرُّخصَةَ الوارِدةَ فيها مَوقوفَةً على المُعْرِي والمُعْرَى لا غير، فقالوا: لا يجوزُ بيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ بوجهٍ من الوُجوه إلّا لمن أُعْرِي نَخْلًا يأكُلُ ثمرَها رُطَبًا، ثم بَدا له أن يَبِيعَها بالتَّمْر، فإنّه أرْخَصَ للمُعْرِي أنْ يشتَرَيها من المُعْرَى إذا كان ذلك خَرْصَ خمسةِ أوْسُقٍ أو دونَها، لما يدْخُلُ عليه من الضَّرر في دُخُولِ غيرِه عليه حائِطَه، ولأنَّ ذلك من بابِ المعروف، يَكْفِيه فيه مُؤْنةَ السَّقْي، ولا يجوزُ ذلك لغيرِ المُعْرِي؛

  16. لأنَّ الرُّخْصَةَ فيه ورَدَت، فلا يتَعَدَّى بها إلى غيرِ ذلك؛ لنَهي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنة، ونَهْيِه عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، وعن بيع الرُّطَبِ بالتَّمْر، وهو أمر مُجتَمَعٌ عليه، فلا يجوزُ أنْ يتعَدَّى بالرُّخْصةِ موضعَها. وممَّن ذهَب إلى هذا: مالكُ بنُ أنسٍ وأصحابُه في المشهور عنهم (١) .

    vol. 2, p. 370
  17. ومن حُجَّتِهم في ذلك ما حدَّثنا به سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيد، قال: أخبرني بُشَيرُ بنُ يَسارٍ مولى بني حارثة، قال: سمعتُ سهلَ بنَ أبي حَثْمَةَ يقول: نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، إلّا أنّه أرْخَص في العَرِيّةِ أن تُباعَ بخَرْصِها يأكُلُها أهلُها رُطَبًا.

  18. وذكَره أبو ثَوْر، عن الشافعيِّ (٣) ، عن سُفيان، عن يحيى، بن بُشَير، عن سَهْل مثلَه سواء، إلّا أنّه قال: ورَخَّص في العَرايا بخَرْصِها تَمْرًا يأكُلُها صاحِبُها رُطَبًا.

  19. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا أبو أُسامة، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا بُشَيرُ بنُ يَسارٍ مولى بني حارثة، أنَّ رافعَ بنَ خَدِيج وسَهْلَ بنَ أبى حَثْمَة حدَّثاه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن المُزابَنة؛ الثَّمَرِ بالتَّمْر، إلّا أصحابَ العَرايا، فإنّه قد أَذِنَ لهم.

    vol. 2, p. 371
  20. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكر عبدُ الله بنُ محمدٍ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ هشام البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حَنْبل، قال (٢) : حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنة، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بنِ يَسار، عن سَهْل بنِ أبي حَثْمَة، قال: نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، وأرْخَص في بيع العَرايا أنْ تُشْترَى بخَرْصِها يأكُلُها أهلُها رُطَبًا. قال سُفيان: قال لي يحيى: ما أعلَمَ أهلَ مكةَ بالعَرايا؟ قلت: أخبرَهم عطاءٌ، سَمِعه من جابر.

    قال أبو عُمر: ألا تَرى إلى قوله: "يأكُلُها أهْلُها رُطَبًا" . وإلى استثنائِه العَرايا من المُزابَنة على هذه الصِّفة؟ كأنَّه، واللهُ أعلم، يريدُ صاحبَها الذي أعْراها وأهلَها الذين وهَبُوا ثمرتَها (٣) وأعْرَوْها، فهم الذين أباحَ لهم شِراءَها بالتَّمْرِ خاصَّة (٤) . هذا تأويلُ أصحابِ مالكٍ ومَن اتَّبعَهم.

  21. وجملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِه (١) في هذا الباب في العَرايا: أنَّ العَرِيّةَ هي أنْ يَهَبَ الرجلُ من حائطِه خَمْسةَ أوْسُقٍ فما دونَها، ثم يريدَ أن يشْتَرِيها من المُعْرَى عندَ طِيبِ الثَّمَر، فأُبِيحَ له أنْ يَشتَريَها بخَرْصِها تَمْرًا عندَ الجَداد، وإن عَجَّلَ له لم يَجُزْ، ويجوزُ أنْ يُعْرِي من حائطِه ما شاء، ولكنَّ البيعَ لا يكونُ إلّا في خَمْسةِ أوْسُقٍ فما دون. هذا جملةُ قولِه وقولِ أصحابِه.

    vol. 2, p. 372
  22. ولا يجوزُ عندَهم البيعُ في العَرايا إلّا لوَجْهَين؛ إمّا لدَفْع ضَرورةِ دُخُولِ المُعْرَى على المُعْري، وإمّا لأن يَرفُقَ المُعْرِي المُعْرَى فيَكْفِيَه المؤْنةَ فيها، فأُرْخِص له أن يشتَرَيها منه بخرصِها تَمْرًا إلى الجَداد، ولا يجوزُ بيعُ العرِيّةِ قبلَ زَهْوِها إلا كما يجوزُ بيعُ غير العَرِلة على الجَدادِ والقَطْع، ولا يجوزُ بيعُ العَرِيّةِ وإن أزْهَتْ بخَرْصِها رُطَبًا، ولا بخَرْصِها تَمْرًا نَقْدًا، قَلَّتْ أو كَثُرَتْ وإنْ جَدَّها مكانَه، ولا تُباعُ بنِصفِ سِواها من التَّمْر، مثلَ أن تكونَ من البَرْنيِّ (٢) فتُباعَ بالعَجْوَة، ولا تُباعُ ببُسْرٍ ولا رُطَبٍ ولا تَمْرٍ مُعَيَّن، وإنّما تُباعُ بتَمْرٍ يكونُ في الذِّمّةِ إلى الجَدادِ بخَرْصِها، وما عدا وَجْهَ الرُّخْصَةِ فيها صار مُزابَنةً، ولا يكونُ البيعُ منها في أكثرَ من خمسةِ أوْسُق، إلّا أنْ يكونَ بعَيْنٍ أو عَرْضٍ غيرِ الطعام، فيجوز نقْدًا أو إلى أجَل، كسائرِ البُيوع. فإن كان طعامًا رُوعيَ فيه القَبْضُ قبلَ الافْتِراق، أو الجَدادُ قبلَ الافْتِراق (٣) .

    وقال ابنُ القاسم (٤) : مَن أعْرَى جميعَ حائطِه، فذلكَ جائزٌ له، وله شِراءُ جميعِه وبعضِه بالخرص إذا لم يتَجاوَزِ المبيعُ خمسةَ أوْسُق.

    vol. 2, p. 373قال (١) : وتوقَّف لي مالكٌ في شِراءِ جميعِه بالخَرْصِ وإن كان خمسةَ أوْسُقٍ أو أدْنى، وبلَغَني عنه إجازَتُه، والذي سمعتُ أنا منه شراءُ بعضِه، وجائزٌ عندِي شراءُ جميعِه. قال: فإن قيل: إنه أعْرَى جميعَه، فلا يَنفي عن نفسِه بشرائِه ضَرَرًا. قيل: إلّا أنَّ ذلك إرْفاقٌ للمُعْرَى، والعَرِيّةُ تُشتَرى للإرْفاق، كما يجوزُ لمن أسْكَن رجلًا دارًا حياتَه شراءُ جميع السُّكْنى أو بعضِها، ولا يَدْفَعُ بذلك ضرَرًا.

    قال سُحنونٌ: وقال كثيرٌ (٢) من أصحابِ مالك (٣) : لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَشتَريَ بعضَ عريَّته؛ لأن النهيَ الذي من أجلِه أُرْخِص في ذلك قائمٌ بعدُ. قال: ولا يجوزُ شراءُ المُعْرِي ما (٤) أعْرَى إلّا لدفع الضَّرر. هذه جملةُ قول مالكٍ وأصحابه.

    وقال ابنُ وَهْب (٥) ، عن مالك: العَرِيّةُ أنْ يُعْرِي الرجلُ الرجلَ النَّخْلةَ أو النَّخلتَيْن أو أكثرَ من ذلك، سنَةً أو سنَتيْن أو ما شاء، فإذا كان التَّمرُ قد طاب قال صاحبُ النَّخْل: أنا أكفِيكُم سَقْيَها وضَمانَها، ولكم خَرْصُها تَمْرًا عندَ الجَداد. وكان ذلك منه مَعروفًا عندَ الجَداد (٦) . قال: ولا أُحِبُّ أن يُجاوِزَ ذلك خمسةَ أوْسُق.

    قال (٧) : وتجوزُ العَرِيّةُ في كلِّ ما يَيْبَسُ ويُدَّخَرُ؛ نحوَ العِنَب (٨) ، والتِّين، والزَّيتون، ولا أرَى لصاحبِ العَرِيّةِ أنْ يَبيعَها إلّا ممّن في الحائطِ إذا كانَ له ثمرٌ يَخْرُصُها تَمْرًا.

    vol. 2, p. 374وقال ابنُ عبدِ الحَكَم، عن مالك: العَرِيّةُ أنْ يُعْرِي الرجلُ الرجلَ ثَمَرةَ نَخْلَةٍ له أو نَخَلات فيَمْلِكَها المُعْرَى، ثم يَبْتاعَها المُعْري من المُعْرَى بما شاء من الثمن (١) ، ولا يَبْتاعُها منه بخَرْصِها تَمْرًا إلّا المُعْرِي؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ فيه ورَدَتْ.

  23. فهذه (٢) جُمْلة قَوْل مالك وتَحْصِيل مذهبه عندَ جماعةِ أصحابه.

  24. وقد روَى ابنُ نافع وغيرُه، عن مالك، في رَجُل له نَخْلتان في حائطِ رَجُل، فقال له صاحبُ الحائط: أنا آخُذُها بخَرْصِها إلى الجَداد. قال: إن كانَ ذلك منه للمَرْفِقِ يُدْخِلُه عليه، يعني على صاحبِ النَّخْلتَيْن، فلا بأسَ به.

    قال مالك: وإنْ كان كَرِه دُخولَه ولم يُرِدْ أنْ يَكْفِيَه مُؤْنةَ السَّقْي، فهذا على وجهِ البيع، ولا أُحِبُّه.

  25. فهذه الرِّوايةُ عن مالكٍ على خِلافِ أصلِه في العَرِيّةِ أنّها هِبَةُ الثّمَرَة، وأنّ الواهِبَ هو الذي رُخِّصَ له في شرائِها، على ما ذكَرْنا؛ لأنَّ هذا لم يُوهَبْ له ثَمَرُ نَخْل، بل هو مالِكُ رِقابِ نَخْل مقدارُها خمسةُ أوْسُقٍ أو دون، أُبِيحَ له بيعُ ثمرتِها بالخرصِ إلى الجَدادِ بالتَّمْر. وهي رِوايةٌ مشهورةٌ عنه بالمدينةِ وبالعراق، إلّا أن العراقيين رَوَوْها عنه بخلافِ شيءٍ من معناها؛ وذلك أنَّ الطحاويَّ ذكَرَها (٣) عن ابن أبي عِمْران، عن محمدِ بنِ شُجاع، عن ابن نافع، عن مالك، أنَّ العَرِيّةَ: النَّخْلةُ والنَّخْلتانِ للرجل (٤) في حائطٍ لغيرِه، والعادةُ بالمدينةِ أنَّهم يَخرُجون بأهْلِهم في وقتِ الثِّمار إلى حَوائطِهم، فيَكرَهُ صاحبُ النَّخل الكثيرِ دُخولَ الآخَرِ عليه، فيقول: أنا أُعْطِيك خَرْصَ نخلَتِك تَمْرًا. فرَخَّصَ لهما في ذلك.

    vol. 2, p. 375قال أبو عُمر: هذه الرِّوايةُ وما أشْبَهها عن مالكٍ تُضارعُ مَذهبَ الشافعيِّ في العَرايا؛ وذلك أنَّ الذي ذهَب إليه الشافعي (١) إجازةُ بيع ما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ من الرُّطَبِ بالتَّمْرِ يدًا بيد، وسواءٌ كان ذلك ممّن وُهِب له ثَمَرُ نخلةٍ أو نَخَلات، أو فيمَن يُريدُ أنْ يبيعَ ذلك المِقْدارَ من حائطِه، لعِلَّةٍ أو لغير عِلَّة، الرُّخْصَةُ عندَه إنّما ورَدَتْ في المِقْدارِ المذكُور، فخَرَج ذلك عندَه من المُزابَنة، وما عدا ذلك فهو داخِلٌ في المُزابَنة، ولا يجوزُ عندَه بوجهٍ من الوُجوه. وحُجَّتُه في ذلك ظاهِرُ حديثِ داودَ بنِ الحُصَيْن المذكورِ في هذا الباب، وحديثُ ابنِ عُمر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بيع الثَّمَرِ بالتَّمْر، إلّا أنّه أرْخَص في العَرايا (٢) . وحديثُ سَهْل بنِ أبي حَثْمةَ الذي ذكَرْناه في هذا الباب (٣) . وقال في قوله في ذلك الحديث: "يأكُلُها أهلُها رُطَبا" ؛ أي: يأكُلُها الذين يَبتاعُونَها رُطبًا. قال: وهم أهلُها. ورُوِيَ عن محمودِ بنِ لَبيدٍ بإسنادٍ مُنقَطِع ما يُوضِّحُ تأويلَه هذا؛ وذلك أنَّ محمودَ بنَ لَبِيدٍ قال لرجل من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ إمّا زيدُ بنُ ثابتٍ وإمّا غيرُه، قال: ما عَراياكم هذه؟ قال: فسَمَّى رجالًا مُحتاجِين من الأنصارِ شَكَوْا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الرُّطَبَ يأتي ولا نقدَ بأيدِيهم يَبْتاعون به رُطَبًا يأكُلُونه مع الناس، وعندَهم فَضْلٌ من قُوتِهم من التَّمْر، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتاعُوا العَرايا بخَرْصِها من التَّمْر الذي في أيديهم يأكلونَها رُطَبًا (٤) .

  26. وروَى الربيع، عن الشافعيِّ في العَرِيّة إذا بِيعَت وهي خمسةُ أوْسُق، قال: فيها قولان؛ أحدُهما، أنّه جائز. والآخَرُ، أنَّ البيعَ لا يَصحُّ إلّا ما دونَ خمسةِ أوْسُق.

    وقال المُزنيُّ (١) : يلزَمُه على أصل قولِه أن يُفسخَ البيعُ من خمسةِ أوْسُق فما زاد؛ لأنّها شَكٌّ، وأصْلُ بيع التَّمْر في رؤوسِ النَّخْل بالتَّمْر حَرام، فلا يَحِلُّ منه إلّا ما اسْتُوفِيَتِ الرُّخصَةُ فيه، وذلك ما دونَ خمسةِ أوْسُق. وإلى هذا ذهَب المُزنيُّ، وأبو الفرج المالكيُّ. واحتَجَّ أبو الفَرج بحديثِ جابرٍ في الأربعةِ الأوسق، وسنَذكُرُه في آخرِ هذا الباب إن شاء الله.

    vol. 2, p. 376
  27. ولا عَرِيّةَ عندَ الشافعيِّ وأصحابِه (٢) في غير النَّخْل والعِنَب؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سنَّ الخرصَ في ثمرتِهما، وأنّه لا حائلَ دونَ الإحاطَةِ بهما. قال الشافعيُّ (٣) : ولا تُباعُ العَرِيّةُ بالتَّمْرِ إلّا بأنْ تُخْرَصَ العَرِيّةُ كما تُخْرَصُ للعُشْر، فيقال: فيها الآن رُطبًا كذا، وإذا يَبِس كان تَمْرًا (٤) كذا. فيَدْفَعُ من التمرِ مَكِيلَةَ خَرْصِها تَمْرًا، ويَقْبِضُ النَّخْلة بتَمْرِها قبلَ أنْ يفتَرِقا، فإنِ افترَقا قبلَ دفعِه فَسَد البيع. قال (٥) : ويَبيعُ صاحبُ الحائطِ من كلِّ مَن رُخِّص له أن يشتَرِيَه بالتَّمْرِ وإن أتى على جميع حوائطِه.

    قال أبو عُمر: يعني مَن لا ذَهَبَ عندَه ولا وَرِقَ ولا عَرْضَ غيرَ التَّمْرِ أو الزَّبِيب، وبه حاجَةٌ إلى الرُّطَبِ أو إلى العِنَب، فافْهَم.

  28. وقولُ أبي ثورٍ في العَرايا كقول الشافعيِّ سواء، واحتَجَّ أبو ثَوْرٍ لاختيارِ قول الشافعيِّ، فقال: وذلك أنّ يَزيدَ بنَ هارونَ أخبرنا، عن يحيى بنِ سعيد، عن نافع،

    vol. 2, p. 377عن ابنِ عُمر، عن زيدِ بنِ ثابت قال: رَخَّص رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في بيع العَرايا بخَرْصِها كَيْلًا يأكُلُها أهْلُها رُطَبًا (١) . هكذا ذكَرَ في هذا الحديث، ثم أردَفَه عن الشافعيِّ بحديثِ ابنِ عُيَيْنة، عن يحيى بنِ سعيد، عن بُشَيرِ بنِ يَسار، عن سَهل بنِ أبي حَثْمَة، على ما ذكَرْناه في كتابنا هذا (٢) .

  29. وأمّا أحمدُ بنُ حَنْبل فحَكَى عنه أبو بكر الأثرَم، قال (٣) : سمعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن تَفسير العَرايا، فقال: أنا لا أقولُ فيها بقول مالك، وأقول: العَرايا أن يُعرِيَ الرجلُ الجارَ أو القرابةَ للحاجَةِ والمسْكَنَة، فإذا أعْراه إيّاها فللمُعْرَى أن يَبيعَها ممّن شاء، إنّما نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنة، وأرْخَص في العرايا، فرَخَّص في شيءٍ من شيء، فنَهى عن المُزابَنةِ أن تُباعَ من كلِّ أحَد، ورَخَّص في العَرايا أن تُباعَ من كلِّ أحَد، فيَبيعُها ممّن شاء. ثم قال: مالكٌ يقولُ ببيعِها من الذي أعْراها إيّاه، وليس هذا وجهَ الحديثِ عندي، ويَبيعُها ممّن شاء. قال: وكذلك فسَّرَه لي سُفيانُ بنُ عُيَيْنة وغيرُه.

    قال الأثرم: وسمعتُ أبا عبدِ الله يقول: العَرِيّةُ فيها مَعْنيانِ لا يجوزانِ في غيرها؛ فيها أنها رطبٌ بتمرٍ وقد نَهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، وفيها أنّها تَمْرٌ بثَمَر، يُعلَمُ كَيلُ التَّمْرِ ولا يُعْلَمُ كَيْلُ الثَّمَر، وقد نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فهذا لا يجوزُ إلّا في العَرِيّة.

    vol. 2, p. 378قلتُ لأبي عبدِ الله: فإذا باع المُعْرِي العَرِيّة، أنَّهُ أن يأخذُ التَّمْرَ السّاعةَ، أو عندَ الجَداد؟ قال: بل يأخُذُ الساعة. قلت له: إنَّ مالِكًا يقول: ليسَ له أنْ يأخذَ التَّمْرَ الساعةَ حتى يُجَدَّ. قال: بل يأخُذُ السّاعَةَ على ظاهرِ الحديث.

  30. أخبرنا بذلك كلِّه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الوَرّاق، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرم، فذكَرَه بتمامِه.

  31. وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا في العَرايا قولًا لا وَجهَ له؛ لأنّه مخالفٌ لصحيح الأثَر في ذلك، فوجَب ألّا يُعرَّجَ عليه، وإنكارُهم للعَرايا كإنكارِهم للمُساقاةِ مع صحَّتِها، ودَفْعِهم لحديثِ التَّفْليس، إلى أشياءَ من الأُصُول رَدُّوها بتأويل لا معنَى له، فأمّا قولُهم في ذلك، فقالوا: العَرِيّةُ هي النَّخْلةُ يَهَبُ صاحبُها ثمرَها لرجل، ويَأذَنُ له في أخْذِها فلا يَفْعَل، حتى يَبدُوَ لصاحِبها أن يَمنَعَه من ذلك، فله مَنعُه؛ لأنّها هِبةٌ غيرُ مَقْبوضَة؛ لأنَّ المُعْرَى لم يكنْ مَلكَها، فأُبِيح للمُعرِي أن يُعَوِّضَه بخَرْصِها تَمْرًا ويَمنَعَه (١) . وهذا على أصُولهم في الهِبات، أنَّ للواهبِ مَنَعَ ما وَهب ما لم يَقْبضْه المَوْهوبُ له.

  32. وقال بعضُ أصحابِ أبي حنيفة؛ وهو عيسى بنُ أبان (٢) : الرُّخصَةُ في ذلك للمُعْرَى أنْ يأخُذَ بدَلًا من رُطَبٍ لم يَمْلِكْه تَمْرًا.

    وقال غيرُه منهم (٣) : الرُّخصةُ فيه للمُعْرِي؛ لأنّه كان يكونُ مُخْلِفًا لوعدِه، فرُخِّصَ له في ذلك، وأُخرِج به من إخلافِ الوعد.

  33. وليس للعَرِيّة عندَهم مدخلٌ في البُيوع، ولا يجوزُ لأحدٍ عندَهم أن يَشتَريَ ثَمَرَ العَرِيّةِ غيرَ المُعطِي وحدَه على الصِّفةِ المذكورة، والعَرِيّةُ عندَهم هِبَةٌ غيرُ مَقبُوضَة. واحتَجَّ بعضُهم بحديثِ مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبي بكر بنِ محمد (١) قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأمُرُ أصحابَ الخَرْصِ ألّا يَخْرُصوا العَرايا (٢) . قال: والعَرايا أن يَمْنَحَ الرجلُ من حائطِه رجلًا نَخْلًا، ثم يَبتاعَها الذي مَنحَها إيّاه من الممنُوح بخَرْصِها. قالوا: فالعَرِيّة مِنْحَةٌ وعَطِيّةٌ لم تُقْبَضْ؛ فلذلك جاز فيها هذه الرُّخْصَة، واللهُ أعلم.

    قال أبو عُمر: الآثارُ الصِّحاحُ تَشْهَدُ بأنَّ العَرايا بيعُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ في مِقْدارٍ مَعْلوم مُستثنًى من المَحْظورِ في ذلك على حسَبِ ما تقدَّم من الوَصْفِ في العَرايا، ومحالٌ أن يأذنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأحَدٍ في بيع ما لم يَملِك.

    vol. 2, p. 379
  34. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله (٣) ، قال: حدثني عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدثني خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابت، عن أبيه، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أرْخَص في بيع العَرايا بالتَّمْرِ أو الرُّطَب، كذا قال: أو الرُّطَب.

  35. وحدَّثنا أبو محمدِ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ

    vol. 2, p. 380وهب، قال: أخبرنا يونُسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، قال: أخبرني خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابت، عن أبيه، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّص في بيع العَرايا بالتَّمْرِ والرُّطَب.

  36. وروى الثوريُّ، عن يحيى بن سعيدٍ وعُبيدِ الله بنِ عُمر، عن زيدِ بنِ ثابت، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّص في بيع العَرايا أن تُباع بخرصِها، ولم يُرَخِّصْ في غيرها. قال: والعَرايا: التي تُؤْكَلُ (١) .

  37. وروى مالكٌ (٢) ، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن زيدِ بنِ ثابت، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أرْخَص لصاحبِ العَرِيّةِ أن يَبيعَها بخَرْصِها.

  38. فهذه الآثارُ كلُّها قد أوْضَحَتْ أنَّ ذلك بيع، فلا معنَى لما خالَفَها.

    قال أبو عُمر: في حديثِ يونُس، عن ابنِ شهاب، عن خارجة، عن أبيه، ذكرُ بيعِها بالرُّطَب. وهو مما اختُلِفَ فيه؛ فذهَب قومٌ منهم أصحابُ أبي حنيفةَ إلى أنّه جائزٌ بيعُها بالرُّطَبِ خَرْصًا، كما يجوزُ بالتَّمْرِ خَرْصًا.

    قال أبو عُمر: ذكرُ الرُّطَبِ في هذا الحديثِ ليس بمحفوظٍ إلّا بهذا الإسناد، وقد جعَله بعضُ أهل العلم وهمًا، وجعَل القولَ به شُذُوذًا.

  39. ومن ذهبَ إلى القول بحديثِ يونسَ هذا قال: رواتُه كلُّهم ثِقاتٌ فقهاءُ عُدُولٌ. واحتَجَّ أيضًا بأنَّ الرُّطَبَ بالرُّطب أجْوَزُ في البيع من الرُّطَب بالتَّمْر.

    وقال آخرون وهم الجمهور: لا يجوزُ بيعُها؛ لأنَّ العِلّةَ حينئذٍ ترتَفعُ وتذهَبُ، وأيُّ ضرورَةٍ تَدعُو إلى بيع رُطَبٍ برُطَبٍ لا يُعرَفُ أنَّ ذلك مثلٌ بمثل؟ وكيف يجوزُ ذلك وهو المُزابَنة المنهيُّ عنها، ولم تَدْعُ ضرورةٌ إليها؟ والذين أجازوا بيعَها بالرُّطَبِ جعَلوا الرُّخصةَ في العَرِيّة، أنَّها ورَدَتْ في المقدارِ المُستثنَى رُخْصةً لمن شاء ذلك من غير ضرورة؛ إذ الضرورةُ لم تُنصَّ في الحديث. قالوا: ومَن لم يُراع الضرورةَ لم يُخالِفِ الحديث، إنّما يُخالِفُ تَأويلَ مُخالِفه. ولهم في هذا اعتراضاتٌ لا وَجهَ لذِكْرِها.

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال بجواز بيع العَرِيّةِ بالرُّطَبِ إلّا بعضَ أصحاب داود، وأصحابَ أبي حنيفة (١) . واللهُ أعلم.

    vol. 2, p. 381
  40. وكان أبو بكرٍ الأبهَريُّ رَحمه الله يقول: معنى حديثِ يونُسَ هذا أنْ يأخُذَ المُعْرِي الرُّطَب، ويُعْطي خَرْصَها تَمْرًا عندَ الجَدادِ للمُعْرَى، وهذا يُخرَّجُ على أصل مَذْهَبِه. قال الأبهريُّ: ولا أعلَمُ أحدًا تابَعَ يونسَ على ما ذكَره في حديثه عن ابنِ شهاب بالرُّطَب.

    قال أبو عُمر: قد روَى الأوزاعيُّ، عن ابنِ شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن زيدٍ في هذا الحديثِ ذكرَ الرُّطَبِ أيضًا إن كان محفوظًا عن الأوزاعيّ.