سمي مولى أبي بكر

182 paragraphs · vol. 13, p. 534

Page 4 of 5

  1. ورواه المقبُريُّ (٥) ، عن أبي هريرة، قال: ابنُ عبَّاس حدَّثنيه.

    vol. 13, p. 579
  2. ورواه عمرُ بنُ أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن جدِّه، عن عائشة. فساق الخبرَ، وقال: فأخبرتُ أبا هريرة فقال: هي أعلمُ برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منّا، إنما

    vol. 13, p. 580أسامةُ بنُ زيدٍ حدَّثني بذلك؛ ذكَره النسائيُّ (١) ، عن جعفرِ بنِ مسافر، عن أبن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذِئب، عن عمرَ بنِ أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن.

  3. ورواه أبو حازم، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي بكر بنِ عبد الرحمن بنِ الحارث بنِ هشام، عن أبيه، عن أبي هريرة، بهذا الحديث، وفيه: قال مروانُ لعبد الرحمن: عزمتُ عليك لَمَا أتيتَه فحدَّثتَه: أعن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تروي هذا؟ قال: لا، إنما حدَّثني فلانٌ وفلان. فرجَعتُ إلى مروانَ فأخبرتُه، ذكره النسائيُّ (٢) ، عن عمرِو بنِ عليٍّ، عن فُضيلِ بنِ سليمان، عن أبي حازم، عن عبدِ الملك بنِ أبي بكر.

  4. والروايةُ الأولى -عن عبدِ الملك بنِ أبي بكر- رواها ابنُ جُريج عنه (٣) ، حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ وإسماعيلُ بنُ إسحاق (٤) ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن ابن جُريج، قال: حدَّثني عبدُ الملك بنُ أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنَّه سمع أبا هريرةَ يقول: مَن أصبَح جُنُبًا فلا يَصُمْ. فانطلَق (٥) أبو بكرٍ وأبوه عبدُ الرحمن فدخَلوا على أُمِّ سلمةَ وعائشة، فكلتاهما قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصبحُ جُنُبًا من غير حُلْم ثم يصوم. فانطلَق أبو بكر وعبدُ الرحمن حتى أتيا أبا هريرةَ فأخبراه، قال: هما قالتاه

    vol. 13, p. 581لكما؟ قالا: نعم. قال: هما أعلمُ، إنما حدَّثنيه -أو أنبأنيه- الفضلُ بنُ عبَّاس (١) .

  5. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب (٣) ، قال: أخبرني أحمدُ بنُ عثمانَ ومعاويةُ بنُ صالح، قالا: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمير، قال: سمِعتُ المقبُريَّ يقول: كان أبو هريرةَ يُفتي الناسَ أنَّه مَن يُصبحُ جُنُبًا فلا يصومُ ذلك اليومَ، فبعَثتْ إليه عائشة: لا تُحدِّثْ عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثل هذا، فأشهَدُ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يصبحُ جُنُبًا من أهلِه ثم يصوم. فقال: ابنُ عبَّاس حدَّثنيه.

    قال أبو عُمر: رجَع أبو هريرةَ عن فُتياه هذا إذْ بلَغه عن عائشة وأمِّ سلمةَ حديثُهما في ذلك.

  6. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم (٤) ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: أخبرنا عمرُ بنُ قيس، عن عطاءِ بنِ ميناء، عن أبي هريرة، أنه قال: كنتُ حدَّثتكم: مَن أصبَح جُنُبًا فقد أفطَر.

  7. فإنما ذلك من كيس أبي هريرة، فمَن أصبح جُنُبًا فلا يُفطِرْ (١) .

    vol. 13, p. 582
  8. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدٌ ويحيى (٢) ، قالا: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن أبا هريرة ترَك فُتياه بعد ذلك.

  9. حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّاب، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن أبا هريرةَ رجَع عن قوله ذلك قبلَ موتِه (٣) .

  10. أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيم (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٥) : أخبرنا عبدُ الملك بنُ شعيب بنِ الليث، قال: حدَّثني

    vol. 13, p. 583أبي، عن جدِّي، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عُبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه بنِ عمر، أنَّه احتلَم ليلًا في رمضان، فاستيقَظ قبلَ أن يطلُعَ الفجرُ، ثم نام قبلَ أن يغتسلَ، فلم يستيقِظْ حتى أصبح، قال: فلَقيتُ أبا هريرةَ حينَ أصبَحتُ فاستفتيتُه، فقال: تُفطِرُ، فإنّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأمرُ بالفِطرِ إذا أصبَح الرجلُ جُنُبًا. قال عُبيد اللَّه: فجِئتُ عبدَ اللَّه بنَ عمرَ فذكرتُ له الذي أفتاني أبو هريرة، قال: أُقسمُ باللَّه، لئن أفطَرتَ لأُوجِعَنَّ مَتْنَيْك، فإنْ بدا لكَ فصُمْ يومًا آخر.

    قال أبو عُمر: لم يختلف فقهاءُ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ في الصائم في رمضانَ وغيرِه يُصبحُ جُنُبًا، أنَّه يصومُ ذلك اليومَ ويُجزِئُه، ورُوي عن بعض التابعين أنهم كانوا يَستحبُّون لمن أصبَح جُنُبًا في رمضانَ أن يصومَ ذلك اليومَ ويُبدِلَه، ومال إليه الحسنُ بنُ صالح بن حيٍّ. وهو قولٌ لا يَصحُّ في النظر ولا من جهةِ الأثر، وقد ذكَرنا اختلافَ الفقهاءِ على وجهِه في هذه المسألةِ ووجوهِها في باب أبي طُوَالةَ من هذا الكتاب (١) . والحمدُ للَّه.

  11. وذكَر عبدُ الرزاق (٢) ، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، قال: مَن أدرَكَ الصبحَ جُنُبًا وهو مُتعمِّدٌ لذلك أبدَل الصِّيامَ، ومَن أتى ذلك على غير عمدٍ لم يُبدِلْه (٣) .

  12. ورُويَ عن عليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ مسعود وأبي الدّرداء وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عبّاس: لا يُبْدِلُه.

  13. وهؤلاء فقهاءُ الصحابةِ، وهم القُدْوةُ مع ما صحَّ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من روايةِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ في ذلك، وباللَّه التوفيقُ.

  14. حديثٌ حاديَ عَشَرَ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن، عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشةَ وأُمِّ سلمةَ زوجَي النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنهما قالتا: إنْ كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليُصْبِحُ جُنُبًا من جماع غيرِ احتِلام، ثم يصوم.

    vol. 13, p. 584
  15. روى هذا الحديثَ قومٌ عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن عائشةَ وأُمِّ سلمةَ، ولا معنى لذِكْرِ أبيه فيه، لأنه شهِدَ القصّةَ مع أبيه كلَّها عندَ أبي هريرةَ وعندَ عائشة وأمِّ سَلَمة، وهذا محفوظٌ من روايةِ سُمَيٍّ وغيرِه جماعةٍ، وباللَّه التوفيق.

  16. حديثٌ ثانيَ عَشَرَ لسُمَيٍّ

    مالكٌ (١) ، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن، عن بعض أصحابِ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرَ الناسَ في سفرِه عامَ الفتح بالفطر، وقال: "تقوَّوْا لعَدُوِّكم" . وصام رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال أبو بكر: قال الذي حدَّثني: لقد رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعَرْج (٢) يَصُبُّ الماءَ على رأسِه من العطش أو من الحرِّ، ثم قيل لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن طائفةً من الناس قد صاموا حين صُمتَ. فلما كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالكَدِيد دعا بقَدَح فشَرِبَ، فأفطَر الناسُ.

    vol. 13, p. 585
  17. هذا حديثٌ مسندٌ صحيح، ولا فرقَ بين أن يُسمِّيَ التابعُ الصاحبَ الذي حدَّثه أو لا يُسمِّيَه في وجوبِ العمل بحديثه؛ لأنَّ الصحابةَ كلُّهم عُدولٌ مرضيُّون ثقاتٌ أثباتٌ، وهذا أمرٌ مجتمعٌ عليه عندَ أهل العلم بالحديث.

  18. وقد رُوِيَ معنى هذا الحديث من وجوه عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: من حديث ابن عبَّاس، وجابر، وأبي سعيد الخُدري، وقد ذكرناها في باب حُميد الطويل (٣) ، ومنها ما ذكَرنا في باب ابن شهاب (٤) .

  19. وفي هذا الحديث من الفقهِ: الصيامُ في السفرِ في رمضان؛ لأنَّ سفرَه هذا عامَ الفتح كان في رمضان، لا خلافَ في ذلك، وفي صومِه -صلى اللَّه عليه وسلم- رمضانَ في سفرِه إبطالُ قول مَن قال: لا يصومُ أحدٌ رمضانَ في السفر. وجعلَ الفطرَ عَزْمةً من اللَّه،

    vol. 13, p. 586لقوله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] . يقول: إنّ المسافرَ لا يصومُ في سفرِه؛ لأنَّ اللَّهَ أراد منه صيامَ أيام أُخَر. وهذا قولٌ يُروَى عن عَبيدةَ وسُويدِ بنِ غَفَلَة، وكان أبو مِجْلَزٍ يقول: لا يسافرُ أحدٌ في رمضان، فإن سافَر ولا بُدَّ فلْيصُمْ.

  20. وفي هذا الحديث وشِبهه مما تقدَّم ذكرُنا له في باب ابن شهابٍ عن عُبيدِ اللَّه ما يُبطِلُ هذا التأويل، وعلى إجازة الصوم في السفَر في رمضانَ وغيرِه جماعةُ فقهاءِ الأمصار.

  21. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خرجَ من المدينةِ في رمضانَ حين فتَح مكةَ، فصامَ حتى أتى عُسْفان، ثم دعا بماءٍ أو أتيَ بماءٍ فشرب. فكان ابنُ عبَّاس يقول: مَن شاء صام، ومَن شاء أفطر (١) .

  22. وفي هذا الحديث وشِبْهه: بطلانُ قول مَن قال: الصائمُ في السفر كالمفطرِ في الحضر. وهو قولٌ شاذٌّ هجَره الفقهاءُ كلُّهم، يُروَى عن عبد الرحمن بن عوف (٢) ، والسُّنةُ ترُدُّه، وقد ذكَرنا كثيرًا من معاني هذا الحديث في باب حُميد، وباب ابنِ شهاب عن عُبيدِ اللَّه من هذا الكتاب.

  23. واتفق الفقهاءُ في المسافر في رمضانَ أنَّه لا يجوزُ له أن يُبيِّتَ الفطر؛ لأنَّ المسافرَ لا يكونُ مسافرًا بالنية، وإنما يكونُ مسافرًا بالعمل والنهوض في سفرِه، وليست النيةُ في السفرِ كالنية في الإقامة؛ لأنَّ المسافرَ إذا نوَى الإقامة، كان مقيمًا في الحين، لأنَّ الإقامةَ لا تفتقِرُ إلى عمل، والمقيمَ إذا نوَى أن يسافر، لم يكن مسافرًا حتى يأخذَ في السفر ويعملَ عملَ المسافر، ويبرُزَ عن الحضر، فيجوزُ له حينئذ تقصيرُ الصلاة وأحكامُ المسافر، ولا خلافَ بينَهم في الذي يؤمِّلُ السفر، أنَّه لا يجوزُ له أن يُفطِرَ في الحضَر حتى يخرُج.

    vol. 13, p. 587
  24. واختلَف أصحابُ مالكٍ في هذا إن أفطَر قبل أن يخرُج، فذكَر ابنُ سُحنون عن عبد الملك بنِ الماجشون، أنَّه قال: إن سافر فلا شيءَ عليه من الكفّارة، وإن لم يسافر فعليه الكفّارة. قال: وقال أشهب: لا شيءَ عليه من الكفارة؛ سافر أو لم يسافر. قال: وقال سُحنون: عليه الكفّارةُ؛ سافر أو لم يسافر، وهو بمنزلةِ المرأة تقول: غدًا تأتيني حيضَتي. فتُفطِرُ لذلك. ثم رجع إلى قول عبد الملك، وقال: ليس مثلَ المرأة؛ لأنَّ الرجل يُحدِثُ السفرَ إذا شاء، والمرأةَ لا تُحدِثُ الحيضة (١) .

    وقال ابنُ حبيب: إن كان قد تأهّب لسفرِه وأخذ في سبب الحركةِ فلا شيءَ عليه -وحُكي ذلك عن أصبغَ وعن ابن الماجِشون- فإن عاقَه عن السفر عائقٌ كان عليه الكفارة، وحَسبه أن ينجوَ إن سافر. وروَى عيسى، عن ابنِ القاسم: أنَّه ليس عليه إلا قضاءُ يوم؛ لأنه متأولٌ في فِطْرِه (٢) .

  25. واختلَف الفقهاءُ في الذي يُصبحُ في الحضَر صائمًا في رمضان، ثم يسافرُ في صبيحةِ يومِه ذلك وينهضُ في سفرِه؛ هل له أن يُفطرَ ذلك اليومَ أم لا؟ فذهب

    vol. 13, p. 588مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابُهم، إلى ألّا يُفطِرَ ذلك اليومَ بحال (١) . وهو قولُ الزُّهريّ، ويحيى بن سعيد، والأوزاعيّ، وبه قال أبو ثَوْر.

  26. واختلَفوا إن فعل، فكلُّهم قال: يقضي ولا يُكَفِّرُ.

  27. ورُوِي عن بعض أصحاب مالكٍ أنَّه يقضي ويُكفِّر. وهو قولُ ابنِ كِنانة والمخزوميّ (٢) ، وليس قولهُما هذا بشيءٍ؛ لأنَّ اللَّه قد أباح له الفطرَ في الكتاب والسُّنة، وإنما قولهُم: لا يُفطِرُ، استحبابًا لتمام ما عقَده، فإن أخَذ برخصةِ اللَّه، كان عليه القضاءُ، وأمّا الكفارةُ فلا وجهَ لها، ومَن أوجَبها فقد أوجَب ما لم يُوجبْه اللَّه.

  28. ورُوِيَ عن ابن عمرَ في هذه المسألة: أنَّه يُفطِرُ إن شاءَ في يومِه ذلك إذا خرَج مسافرًا (٣) .

  29. وهو قولُ الشعبيِّ، وبه قال أحمدُ وإسحاق، قال أحمد: يُفطِرُ إذا برز عن البيوت. وقال إسحاق: يُفطِرُ حين يضَعُ رجلَه في الرَّحْل (٤) . وهو قولُ داود.

    وقال الحسنُ البصريُّ: يُفطِرُ في بيتِه إن شاءَ يومَ يريدُ أن يخرُجَ.

    قال أبو عُمر: قولُ الحسن شاذّ، ولا ينبغي لأحدٍ أن يُفطِرَ وهو حاضر، لا في نظَرٍ ولا في أثر، وقد رُوِيَ عن الحسن خلافُ ذلك: ذكَر عبدُ الرزاق (٥) ، عن مَعْمر، عمّن سمع الحسنَ يقول: لا يُفطِرُ ذلك اليومَ إلا أن يَشتدَّ عليه العطشُ، فإن خافَ على نفسِه أفطَر.

    vol. 13, p. 589وقال إبراهيم: لا يُفطِرُ ذلك اليوم (١) .

  30. واختلفوا في الذي يختارُ الصومَ في السفر، فيصومُ ثم يفطرُ نهارًا من غير عُذر؛ فكان مالكٌ يوجبُ عليه القضاءَ والكفّارة (٢) ، وقد رُوِيَ عنه أنه لا كفّارةَ عليه. وهو قولُ أكثرِ أصحابه إلا عبدَ الملك، فإنه قال: إن أفطَر بجماع كفّر؛ لأنه لا يقوَى بذلك على سفَرِه ولا عُذْر له. وعلى ذلك مذاهبُ سائر الفقهاءِ بالحجازِ والعراق أنه لا كفّارةَ عليه (٣) .

  31. وروَى البُوَيطيُّ عن الشافعيِّ، قال: إن صحَّ حديثُ الكَديد، لم أرَ بأسًا أن يُفطِرَ المسافرُ بعد دُخوله في الصوم في سفره (٤) .

  32. وروَى المُزَنيُّ (٥) عنه كقول مالك؛ أنه لا يرَى الكفّارة على مَن فعل ذلك.

    قال أبو عُمر: الحجّةُ في سقوطِ الكفار واضحةٌ من جهةِ النظر، لأنه متأوِّلٌ غيرُ هاتكٍ لحُرمةِ صومِه عندَ نفسه، وهو مسافرٌ قد دخل في عموم إباحةِ الفطر، ومن جهةِ الأثر أيضًا، حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفر بن الورد، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ عبد اللَّه بن عبد الرحيم البَرقيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يوسفَ التِّنِّيسيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز، عن عطيةَ بن قيس، عن قزعةَ بن يحيى، عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: آذنَنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفتح بالرَّحيل لليلتَين خلتا من رمضان، فخرَجنا صُوّامًا حتى بلَغْنا الكَديد، فأمرَنا

    vol. 13, p. 590رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالفطر، وأصبَح الناسُ شَرْجَيْنِ (١) ؛ منهم الصائم، ومنهم المُفطِرُ، حتى إذا بلَغْنا الظَّهران (٢) ، آذَنَنا بلقاءِ العدوّ، وأمرَنا بالفطر، فأفطَرْنا أجمعين (٣) .

  33. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٤) : أخبرنا محمدُ بنُ حاتم. وأخبرنا سُوَيد، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه، عن شعبة، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خرَج في رمضان، فصامَ حتى أتى قُدَيدًا، فأُتي بقَدَح من لبن فشرب، فأفطَر هو وأصحابُه.

  34. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٥) : أخبرنا محمدُ بنُ قدامة، عن جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: سافَر رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في رمضان، فصامَ حتى بلَغ عُسْفان، ثم دعا بإناء، فشرِب نهارًا يَراه الناسُ، ثم أفطَر. يعني: حتى أتى مكة.

  35. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في رمضانَ إلى حُنَين والناسُ مختلفون؛ فصائمٌ ومُفطِرٌ، فلما استَوى على راحلتِه دعا بإناءٍ من ماء، قال: فوضَعه على راحلتِه، ثم نظَر الناسُ، فقال المُفطِرون للصُوّام: أفْطِروا (١) .

    vol. 13, p. 591
  36. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مطَّلِبُ بنُ شعيب، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثنا الليث، قال: حدَّثني ابنُ الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: خرج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضان، فصامَ حتى بلغ كُرَاعَ الغَميم، فصَاحَ الناسُ، فبلَغه أنّ الناسَ قد شقَّ عليهم الصيامُ، فدَعا بقَدَح من بعدِ العصر، فشرِب والناسُ ينظُرون، فأفطَر بعضُ الناس وصامَ بعضٌ، فبلَغه أن ناسًا صاموا، فقال: "أولئك العُصاةُ" (٢) .

  37. فهذه الآثارُ كلُّها تبيِّنُ لك أنّ للصائم أن يُفطِرَ في سفرِه بعدَ دخولِه في الصوم

    vol. 13, p. 592مختارًا له في رمضان، وفيها دليلٌ على أنَّ الفطرَ أولى إن شاء اللَّه، وقد تقدَّم ذكرُ اختلافِ العلماءِ في الأفضل من ذلك في باب حُميدٍ الطويل (١) .

  38. ذكَر عبدُ الرزاق (٢) ، عن مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبة، عن ابن عباس، قال: خرجَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عامَ الفتح في شهرِ رمضان، فصامَ حتى بلَغ الكَديد، ثم أفطر. قال الزهريُّ: فكان الفِطرُ آخرَ الأمرَين.

    قال (٣) : وأخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، قال: كان ابنُ عمرَ لا يصومُ في السفَر. قال: وما رأيتُه صامَ في السفر قطُّ إلا يومًا واحدًا، فإني رأيتُه أفطَر حينَ أمسى، فقلت له: أكنتَ صائمًا؟ قال: نعم، كنتُ أرى أني سأدخلُ مكةَ اليوم، فكرهتُ أن يكونَ الناسُ صيامًا وأنا مُفطِر. وذلك في رمضان.

  39. واختلفوا في المسافر يكونُ مُفطِرًا في سفرِه، ويدخلُ الحضرَ في بقيةٍ من يومِه ذلك؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما -وهو قولُ ابن عُليّةَ وداود، في المرأة تطهرُ، والمسافر يقدَمُ وقد أفطَرا في السفر-: إنهما يأكُلان ولا يُمسكان. قال مالكٌ والشافعيُّ: ولو قدِم مسافرٌ في هذه الحال، فوجد امرأتَه قد طَهرت، جاز له وطؤُها. قال الشافعيُّ: أُحبُّ لهما أن يستَترا بالأكل والجماع خوفَ التُّهمة (٤) .

  40. ورَوى الثوريُّ عن أبي عُبيد، عن جابرِ بنِ زيد، أنه قَدِم من سفرٍ في شهر رمضان، فوجدَ المرأةَ قد اغتسلَت من حيضتِها، فجامَعها (٥) .