هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
859 paragraphs · vol. 14, p. 22
Page 4 of 22
- vol. 14, p. 74
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة، قال: حدَّثنا حسّانُ بنُ الحَسَن الإمام (٣) ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ منهال، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن حميدٍ وثابت، عن الحسن، عن قيسِ بنِ عُبَاد، قال: قال لي عليُّ بنُ أبي طالب: إن نبيَّكم -صلى اللَّه عليه وسلم- نبيَّ الرحمة لم يُقتَلْ قتلًا، ولم يَمُتْ فُجاءةً؛ مرض لياليَ وأيامًا يأتيه بلالٌ فيُؤْذِنُه بالصلاة وهو يرى مكاني، فيقول: "ائتِ أبا بكرٍ فليُصلِّ بالناس" . فلما قُبِض رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نظرتُ في أمري، فإذا الصلاةُ عُظْمُ الإسلام وقِوامُ الدين، فرضِينا لدُنيانا مَن رضِيَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لديننا، فبايَعنا أبا بكر (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحُسَينُ بنُ عليٍّ الأُشنانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثني عمرُو بنُ الحارث، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بنُ سالم، عن الزُّبيديِّ، قال: قال عبدُ الرحمن بنُ القاسم: أخبَرني القاسمُ، أن عائشةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لقد
vol. 14, p. 75همَمتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكر فأعهدَ إليه، فإنه رُبَّ مُتمَنٍّ وقائل: أنا أنا، وسيدفعُ اللَّهُ ويأبى ذلك والمؤمنون" (١) .
-
وقد استدلَّ قومٌ من أهل العلم على خلافةِ أبي بكر بقول اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} الآيةَ [الفتح: ١٦] .
-
ومعلومٌ أن الداعيَ لاولئك القوم غيرُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ اللَّهَ قد منع المخلَّفين من الأعراب من الخروج مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الآيةَ [التوبة: ٨٣] . وقد أرادوا الخروجَ معه إلى بعض ما رجَوْا فيه الغنيمة، فأنزَل اللَّه: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: ١٥] ، يعني قولَه: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا} ، ولا تبديلَ لكلمات اللَّه.
-
وفي قول اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: ١٦] أوضحُ الدلائل على وُجوب طاعةِ أبي بكر وإمامتِه؛ إذْ وعَدَ اللَّهُ المخلَّفين عن رسولِه إذا أطاعُوا الذي يدعوهم بعدَه بالأجرِ الحسن، وأوعَدَهم بالعذاب الأليم إن تولَّوا عنه.
-
وللعلماء في قول اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ} قولان لا ثالثَ لهما: أحدُهما: أنهم قالوا: أراد بقوله:
vol. 14, p. 76{إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} : بني حَنِيفةَ أهلَ اليمامةِ مع مُسَيْلِمة (١) ، وقال آخرون: أراد فارسَ (٢) . فإن كان كما قالوا: أهلَ اليمامة، فأبو بكر هو الذي دَعَا إلى قتالهم، وإن كانوا فارسَ فعمرُ دعاهُم إلى قتالهم، وعمرُ إنما استخلَفه أبو بكر، فعلى أيِّ الوجهَيْن كان فالقرآنُ يقتضي بما وصَفنا إمامةَ أبي بكر وخلافتَه، وإن كان أراد فارسَ فهو دليلُ إمامةِ عمرَ وخلافتِه. وقد قال مَن لا علمَ له بتأويل القرآن: إنهم هوازنُ وحُنينٌ، وهذا ليس بشيء؛ لقول اللَّه: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} ، وقوله: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} الآيةَ. ومعلومٌ أنَّ مَن واسَى رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحبَه أخيرًا لا يلحقُ في الفضل بمَن واساه ونصَره وصحِبه أولًا؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: ١٠] . وكان أبو بكرٍ أولَ الناسِ عزَّر رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونصَره وآمَن به وصدَّقه وصبَر على الأذى فيه، فاستحقَّ بذلك الفضلَ العظيم؛ لأنَّ كلَّ ما صنَعه غيرُه بعدَه قد شارَكه فيه، وفاتَهم وسبَقهم بما تقدَّم إليه، فلِفَضْله ذلك استحقَّ الإمامة، إذ شأنُها أن تكونَ في الفاضل أبدًا ما وُجِد إليه السبيل. والآثارُ في فضائلِه ليس هذا موضعَ ذكرها، وإنما ذكَرنا استحقاقَه للخلافة بدليل الكتاب والسُّنة.
- vol. 14, p. 77
وروَى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن إبراهيم النَّخعيِّ، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، قال: قال عبدُ اللَّه بنُ مسعود: اجعَلوا إمامَكم خيرَكم، فإنّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جعَل إمامَنا خيرَنا بعدَه (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن عليِّ بنِ زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللَّه، رأيتُ كأنَّ ميزانًا دُلِّيَ من السماء، فوُزِنتَ أنت فيه وأبو بكر فرجَحتَ بأبي بكر، ثم وُزِن فيه أبو بكر وعمر، فرجَح أبو بكر بعمرَ، ثم رُفِع الميزان. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نُبوَّةٌ وخِلافةٌ، ثم يُؤتي اللَّهُ المُلكَ مَن يشاء" (٣) .
-
وأما قولُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعليٍّ: "أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ من موسى" (٤) ، واحتجاجُ أهل الزَّيغ به على أنه أراد بذلك استخلافَه، فقد أجابَه عن ذلك أبو إسحاقَ المَروزيُّ رحمه اللَّهُ بجواب على وجهين محتملين:
vol. 14, p. 78أحدُهما: أن هارونَ كان خليفةَ موسى في حياته، ولم يكن عليٌّ خليفةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، وإذا جاز أن يتأخَّرَ عليٌّ عن خلافةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه -على حسَبِ ما كان هارونُ خليفةَ موسى في حياتِه- جاز أن يتأخَّرَ بعدَ موتِه زمانًا، ويكونَ غيرُه مقدَّمًا عليه، ويكونَ معنى الحديثِ القصدَ إلى إثباتِ الخلافةِ له كما ثبت لهارون، لا أنه استحقَّ تعجيلَها في الوقت الذي تعجَّلها هارونُ من موسى عليهما السلام.
-
والوجهُ الآخر: أن هذا الكلامَ إنما خرَج من النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في تفضيل عليٍّ ومعرفةِ حقِّه لا في الإمامة؛ لأنه ليس كلُّ مَن وجَب حقُّه وصار مُفضَّلًا استحقَّ الإمامة؛ لأنَّ هارونَ مات قبل موسى بزمان، واستخلَف موسى بعدَه يُوشَعَ بنَ نون، فهارونُ إنما كان خليفةَ موسى في حياتِه، وقد عُلِم أن عليًّا لم يكن خليفةَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حياتِه، ولم يكنْ هارونُ خليفةَ موسى بعد موتِه، فيكونَ ذلك دليلًا على أنَّ عليًّا خليفةُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَ موتِه.
قال أبو عُمر: كان هذا القولُ من النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعليٍّ حينَ استخلَفه على المدينة في وقتِ خُروجِه غازيًا غزوةَ تبوك، وهذا استخلافٌ منه في حياتِه، وقد شرِكَه في مثل هذا الاستخلافِ غيرُه ممَّن لا يدَّعي له أحدٌ خلافةً؛ جماعةٌ قد ذكَرهم أهلُ السِّيَر، وقد ذكَرناهم في كتاب الصحابة، وليس في استخلافِه حينَ قال له ذلك القولَ دليلٌ على أنه خليفةٌ بعدَ موتِه. واللَّهُ أعلم.
-
وأما قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه" (١) ، فمحتملٌ للتأويل؛ لأنَّ
vol. 14, p. 79المولى يحتملُ وجوهًا في اللغة، أصحُّها أنه الوليُّ والناصر، وليس في شيءٍ منها ما يدُلُّ على أنه استخلَفه بعدَه.
-
ولا يُنكِرُ فضلَ عليٍّ مؤمنٌ، ولا يجهلُ سابقتَه وموضعَه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن دينِ اللَّه عالم، وقد ثبَت عنه رضي اللَّهُ عنه أنه فضَّل أبا بكر على نفسه، من طُرقٍ صِحاح، وقال: خيرُ النَّاس بعدَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أبو بكر، ثم عمر (١) . وحسبُك بهذا منه رضي اللَّه عنه.
-
وأما قولُ عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامَك لم يُسمِع الناسَ من البكاء، فمُرْ عمرَ فليُصلِّ للناس. فإنها كرِهتْ -فيما زعَموا- أن يتشاءمَ الناسُ بأبيها فيقولوا: إنه لم يُرَ إمامًا إلَّا في حين مرضِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وحين موتِه، فقالت ما قالت، فأنكَر رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك عليها وعلى حفصة، وقال: "إنكنَّ صواحبُ يوسفَ" . يريد: إنكنَّ فتنةٌ قد فتنتُنَّ يوسفَ وغيرَه، وصدَدْتُنَّه عن الحقِّ قديمًا؛ يريد: النساءَ
vol. 14, p. 80ويَعيبُهنَّ بذلك، كلامًا خرَج على غضب لاعتراضِهنَّ له، وهُنَّ أمهاتُ المؤمنين وخيرُ نساءِ العالمين، رضي اللَّهُ عنهن. وكذلك قولُ حفصةَ لعائشة: ما كنتُ لأُصيبَ منك خيرًا. خرَج على جهةِ الغضب عليها؛ لأنها عرَّضتْها لِمَا كرهَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- منها من القول، فلِقيَت من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما لا يَسُرُّها من إنكارِه عليها وانتهارِها، فرجَعت تلومُ عائشة، إذ كانت سببَ ذلك، وهذا كلُّه موجودٌ في طباع بني آدم، وإذا كان ذلك في أولئك فغيرُهم أحرَى بأن يُسامَحَ في ذلك وشِبهِه؛ وباللَّه التوفيق.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وسَلَمةُ بنُ سعيدِ بنِ سَلَمة، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيق، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا خُشَيشُ بنُ أصرَم، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق (١) ، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُمر، عن عائشة، أنها قالت: واللَّه ما كانت مراجعتي للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ قال: "مرُوا أبا بكرٍ أن يُصلِّي للناس" إلَّا كراهيةَ أن يتشاءمَ الناسُ بأولِ رجُلٍ يقومُ مقامَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيكونَ ذلك الرجلُ أبي.
-
وأما قولُها (٢) : "إنّ أبا بكر إذا قام مقامَك لم يُسمِع الناسَ من البكاء" ففيه دليلٌ على أن البكاءَ في الصلاة لا يقطَعُها ولا يضُرُّها، إذا كان من خوفِ اللَّه، أو على مصيبةٍ في دينِ اللَّه.
-
ذكر ابنُ المبارك (٣) ، عن حمّادِ بنِ سَلَمة، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن مطرِّفِ بنِ
vol. 14, p. 81عبدِ اللَّه بنِ الشِّخِّير، عن أبيه، قال: أتيتُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُصلِّي ولجوفِه أزيزٌ كأزيز المِرْجَل. يعني: من البكاء.
-
واختلَف الفقهاءُ في الأنين في الصلاة؛ فقال مالك: الأنينُ لا يقطعُ الصلاةَ للمريض، وأكرَهُه للصحيح.
-
ورَوَى ابنُ عبدِ الحكم، عن مالك: التَّنَحْنُحُ والأنينُ والنفْخُ لا يقطعُ الصلاة. وقال ابنُ القاسم: يقطَعُ (١) .
وقال الثوريُّ: أكرَهُ الأنينَ للصحيح (٢) .
وقال الشافعيُّ: إن كان له حروفٌ تُسمَعُ وتُفهَمُ قطَع الصلاة (٣) .
وقال أبو حنيفة: إن كان من خوفِ اللَّه لم يقطَعْ، وإن كان من وجَعٍ قطَع. ورُوِي أبي يوسفَ أن صلاتَه تامةٌ في ذلك كلِّه؛ لأنه لا يخلُو مريضٌ ولا ضعيفٌ من الأنين (٤) .
قال أبو عُمر: في حديثِ هذا الباب مع حديث ابن الشِّخِّير دليلٌ على أنّ البكاءَ لا يقطَعُ الصَّلاة، وهذا ما لم يكنْ كلامًا تُفهَمُ حُروفُه، ولم يكنْ رياءً (٥) وعَبَثًا، وكان من خشْيَة اللَّه، أو فيما أباحَه اللَّهُ تعالى وجلَّ، وبه التوفيق (٦) .
- vol. 14, p. 82
حديثٌ حاديَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةُ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: أُتيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بصَبيٍّ، فبالَ على ثَوبِه، فدعا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بماءٍ فأتبَعَهُ إيّاهُ.
-
قد مضى القولُ في معنى هذا الحديثِ وما للعُلماءِ فيه من المذاهب في باب ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّه من هذا الكتاب (٢) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ محمد بن حَبابَة، قال: حدَّثنا البغَوِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الجعْدِ. قال (٣) : أخبَرني المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسَن، عن أُمِّه، عن أُمِّ سَلمةَ، قالت: بَوْلُ الغُلام يُصَبُّ عليه الماء، وبَولُ الجاريةِ يُغسَلُ، طَعِمَتْ أم (٤) لم تَطْعَم.
قال أبو عُمر: وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ رحمه اللَّه.
-
وروى حُميدٌ عن الحسَنِ، أنه قال في بَوْلِ الجارية: يُغْسَل غَسْلًا، وبولُ الغُلام يُتبَعُ بالماء.
-
وعلى هذا القول تكون الآثارُ المرفوعةُ في هذا البابِ كلُّها غيرَ متدافِعةٍ ولا متضادَّةٍ، وقد ذكَرْنا كثيرًا من الآثار في هذا الباب ومعانيه في باب ابنِ شهابٍ عن عُبيدِ اللَّه (٥) من هذا الكتاب (٦) .
- vol. 14, p. 83
حديثٌ ثانيَ عشَرَ لهشام بن عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى في جِدارِ القِبْلةِ بُصاقًا أو مُخاطًا أو نُخامةً، فحَكَّهُ.
قال أبو عُمر: يقال: إنَّ البُصاقَ: ما خرجَ من الفَم، وفيه لغتان: بُصاقٌ وبُزاقٌ. والمُخاطُ: ما خرجَ من الأنف. والنُّخامةُ: ما خرَجَ من الحَلْق. وليس شيءٌ من ذلك بنَجِس، ولكنَّ القِبْلةَ يجبُ أن تُنزَّهَ عن ذلك، وقد تقدَّم القولُ في معنى هذا الحديثِ في باب نافع (٢) من هذا الكتاب، والحمدُ للَّه.
- vol. 14, p. 84
حديثٌ ثالثَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنتُ أُرجِّلُ رأسَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا حائضٌ.
-
هكذا روَى هذا الحديثَ أكثرُ الرُّواة (٢) ، ومنهم من يقول فيه: وهو مُعتَكِفٌ وأنا في حُجْرَتي.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ السَّراجُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسن، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسلمة، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُخرجُ إليَّ رأسَه من المسجدِ وهو مجاورٌ وأنا في حُجْرَتي، فأُرَجِّلُ رأسَه وأنا حائض (٣) .
-
وقد مضى القولُ في معنَى العمل في الاعتكافِ وما يجتنبُه المعتكفُ، وما لا بأسَ عليه في عمله، مجوَّدًا في باب ابنِ شهاب (٤) .
-
وفي هذا الحديث تفسيرٌ لقول اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: ١٨٧] .
- vol. 14, p. 85
وفيه: بيانُ أنَّ مباشرةَ المرأةِ للرجل ليست كمباشرةِ الرجل لها، وأن المعنى المرادَ بالمباشرة هاهنا: الجماعُ وما كان في معناه، وقد تقدَّم القولُ في ذلك كلِّه، والحمدُ للَّه.
-
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الحائضَ ليست بنجَس، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه، وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشة: "ناوليني الخُمرَةَ" ، فقالت: إنِّي حائضٌ، فقال: "إنّ حيضتَكِ ليست في يَدِكِ" (١) . وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديث في باب ربيعة.
-
وفي ترجيل عائشةَ شعرَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي حائضٌ تفسيرٌ لقول اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] ؛ لأنَّ اعتزالَهُنَّ كان يحتملُ ألا يُقرَبْنَ في البيوت، ولا يُجتمعَ معهنَّ في مواكَلَةٍ ولا مُشارَبة، ويَحتملُ أن يكونَ اعتزالَ الوطءِ لا غير، ويَحتملُ أن يكونَ مباشرتَهنَّ مُؤْتِزرات؛ فبيّن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرادَ اللَّه من ذلك على ما قد أوضحناه، وذكَرنا اختلافَ العلماءِ فيه وما جاء في ذلك من الآثار عن النبيِّ عليه السلامُ في باب ربيعة (٢) ، وقد ذكَرنا كثيرًا من حُكْم طهارةِ الحائض في باب ابنِ شهاب عن عُروةَ في حديثِ الاعتكاف (٣) ، وذكَرنا في باب نافع (٤) الحُكْم في الوُضوء بسُؤْرِ المرأةِ وفضل وُضوئها والاغتسال معها في إناءٍ واحد، وهو أمرٌ صحَّت به الآثارُ واتفقَ عليه فقهاءُ الأمصار.
-
وفيه دليلٌ على أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ذا شعَر، وقد مضَى في باب زيادِ بنِ
vol. 14, p. 86سعدٍ من هذا الكتاب أنه كان يَسدُلُ ناصيتَه ثم فرَق بعدُ، ومضَى القولُ هناك في شعرِه -صلى اللَّه عليه وسلم- (١) .
-
وفي هذا الحديث دليلٌ على إباحةِ ترجيلِ الشعَر، وقد كرِه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرجل رآه ثائرَ شعَرِ الرأس، ما رأى من ذلك، وأمَره بتسكين شعَرِه وترجيلِه (٢) ، إلَّا أنه قد رُوِيَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه نهَى عن التَّرجُّل إلَّا غِبًّا.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مسلم الكجِّيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسن، عن عبدِ اللَّه بن مغفَّل: أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن التَّرجُّل إلَّا غبًّا (٤) .
-
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على إباحَةِ حَبْسِ الشَّعْرِ والجُمَم والوَفَرات (٥) . والحَلْقُ أيضًا مباحٌ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حَلَق رؤوسَ بني جعفرِ بنِ أبي طالبٍ
vol. 14, p. 87بعدَ أنْ أتاهُ خبَرُ قتْلِه بثلاثةِ أيام (١) ، ولو لم يَجُزِ الحَلْقُ ما حلقَهُم، والحَلْقُ في الحجِّ نُسُكٌ، ولو كان مُثلةً كما قال من قال ذلك، ما جاز في الحجِّ ولا في غيرِه؛ لأنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن المُثلَة (٢) .
-
وقد أجمعَ العلماءُ في جميع الآفاق على إباحةِ حبْسِ الشَّعَر، وعلى إباحَةِ الحِلاق، وكفَى بهذا حُجَّةً، وباللَّه التوفيق.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال: حدَّثنا عفّانُ بنُ مسلم وموسى بنُ إسماعيل، عن مهديِّ بنِ ميمون، عن محمدِ بنِ أبي يعقوب، عن الحسنِ بنِ سعد، عن عبدِ اللَّه بن جعفر: أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أتى آلَ جعفرٍ بعدَ ثلاث - يعني: من موتِ جعفر- فقال: "لا تبْكُوا على أخي بعدَ اليوم، ادعُوا لي بَني أخي" ، قال: فجيءَ فأُغَيْلِمةٍ ثلاثةٍ كأنهم أفرُخٌ: محمدٌ، وعونٌ، وعبدُ اللَّه، قال: "ادْعُوا لي الحَلّاق" ، قال: فجاءَ الحلّاقُ فحلَقَ رؤوسَهُم، ثم أخذ بيدِ عبدِ اللَّه فأشالَها فقال: "اللهمَّ أخْلِفْ جعفرًا في أهلِه، وبارِكْ لعبدِ اللَّه في صَفْقَةِ يَمينِه" ، قال: فجاءت أمُّهُم فقال: "تخافينَ عليهم العَيْلَة وأنا وليُّهم في الدُّنيا والآخرة؟ " (٣) .
- vol. 14, p. 88
حديثٌ رابعَ عشرَ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: إنْ كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لَيقبِّلُ بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ. ثم تضحَكُ.
-
قد مضى القولُ في القُبلة للصائم في باب زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسار (٢) من هذا الكتاب.