هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
859 paragraphs · vol. 14, p. 22
Page 6 of 22
- vol. 14, p. 104
وأجمَع العلماءُ على أنْ لا فرضَ في الصوم غيرُ شهرِ رمضان، وعلى أنّ يومَ عاشوراءَ مندوبٌ إلى صومه، وأنّ له فضلًا على غيره، على ما قد بيَّناه في باب ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف.
-
ومعنى قول عائشة: وتُرِك يومُ عاشوراء؛ أي: تُرِكَ صومُه على الإيجاب، إذ لا فَرْضَ غيرُ رمضان.
-
ومثلُ حديثِ عائشةَ هذا حديثُ ابنِ عمر: رَوَى ابنُ القاسم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه ذكَر يومَ عاشوراء، فقال: "كان يومًا يصومُه أهلُ الجاهلية، فمن شاء فلْيَصُمْه، ومَن شاء فلْيُفْطِرْه" . وهذا إسنادٌ غريبٌ لمالك في هذا الحديث، لا أعلَمُه لغيرِ ابنِ القاسم عن مالك.
- vol. 14, p. 105
حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، عن الحارثِ بنِ مسكين، عن ابنِ القاسم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذكَره (١) .
-
وهو محفوظٌ لنافع عن ابنِ عمر (٢) .
-
وقد ذكَرْنا في باب ابنِ شهاب، عن عُروةَ (٣) ، أنّ فرضَ صيام رمضانَ كان بالمدينةِ قبلَ بدر، وقد صامه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تعظيمًا له إلى أن مات.
-
رَوَى الحُميديُّ (٤) وغيرُه، عن ابن عُيينة، قال: سمِعتُ عبيدَ اللَّه بنَ أبي يزيد (٥) ، قال: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: ما علِمْتُ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صام يومًا يَتحرَّى فضْلَه على الأيام إلَّا هذا اليوم؛ يعني: يومَ عاشوراء.
-
ومن حديثِ ابنِ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا كان العامُ المقبلُ صُمْنا التاسعَ" ، فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى مات -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ وغيرَه مما يدُلُّ
vol. 14, p. 106على فضلِه، وذكَرْنا مذاهبَ العلماءِ في صومِه واهتبالَهم به، في باب ابنِ شهاب، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمن (١) . والحمدُ للَّه.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُس، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن الأسود، قال: ما رأيتُ أحدًا آمَرَ بصَوْم عاشوراءَ من عليِّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، وأبي موسى؛ يعني: الأشعريَّ.
- vol. 14, p. 107
حديثٌ ثامنَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أنه قال: قلتُ لعائشةَ أُمِّ المؤمنين -وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنِّ-: أرأيتِ قولَ اللَّه عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: ١٥٨] ، فما على الرَّجُلِ شيءٌ ألّا يطَّوّفَ بهما؟ قالت عائشة: كلّا، لو كان كما تقول، لكانت: فلا جُناحَ عليه ألا يطَّوّفَ بهما؛ إنّما أُنزِلَتْ هذه الآيةُ في الأنصار، كانوا يُهِلُّونَ لمَناة، وكانت مَناةُ حَذْوَ قُدَيد، وكانوا يتحَرَّجُونَ أن يطُوفُوا بينَ الصّفا والمَروة؛ فلمّا جاء الإسلامُ، سألوا رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فأنزلَ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} .
قال ابنُ وَهْب (٢) : مَناةُ: حجَرٌ كان أهلُ الجاهلية يعبدونَه، وكان في المشَلَّل؛ الجبل الذي تَنحدِرُ منه إلى قُديد.
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ من قولِ عائشةَ دليلٌ على وجوبِ السّعْي بينَ الصفا والمروة في الحجِّ، وقد بيَّنتْ عائشةُ معنى نزولِ الآيةِ ومخرجَها، وجاءت بالعلم الصحيح في ذلك، وعلى قولها على وُجوبِ السَّعْي بينَ الصفا والمروة؛ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما. وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور (٣) . كلُّ هؤلاء يقول: إنّ السعيَ بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ فرضًا، وعلى من نَسِيَه أو نَسيَ شوطًا
vol. 14, p. 108واحدًا منه أن ينصرِفَ إليه حيثُ ذكَره في بلدِه أو غيرِ بلدِه حتى يأتيَ به كاملًا، كمن نَسيَ الطوافَ الواجبَ طوافَ الإفاضة سواءً، أو نَسيَ شيئًا منه.
-
ولا خلافَ بينَ علماء المسلمين في وُجوبِ طوافِ الإفاضة -وهو الذي يُسمِّيه العراقيون طوافَ الزيارة- يومَ النحر بعدَ رمي جمرةِ العقبة، إلّا أن منهم من يقول: إنّ عملَ الحجِّ ينوبُ فيه التطوعُ عن الفرض. على ما بيّناه عنهم في غير هذا الموضع.
-
واختلفوا في وجوبِ السعي بينَ الصفا والمروة؛ فذهَب مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، إلى ما ذكَرنا. وهو مذهبُ عائشةَ رضي اللَّه عنها، ومذهبُ عُروة، وغيره. وكان أنسُ بنُ مالك، وعبدُ اللَّه بنُ الزبير، ومحمدُ بنُ سيرين، يقولون: هو تطوعٌ وليس ذلك بواجب (١) . ورُوي ذلك عن ابن عباس (٢) .
-
ويُشبهُ أن يكونَ مذهبَ أُبيِّ بنِ كعب وابن مسعود؛ لأنَّ في مصحفِ أبيٍّ وابنِ مسعود: "فلا جناحَ عليه ألّا يَطَّوَّفَ بهما" (٣) .
وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ (٤) : من تَرك السعيَ بينَ الصفا والمروةِ فعليه دَمٌ. وهو قولُ الحسن البصريِّ؛ إلَّا أنّ تلخيصَ مذهبِ أبي حنيفةَ في ذلك: إن
vol. 14, p. 109طاف أربعةَ أشواطٍ وتركَ ثلاثةً، فعليه إطعامُ ثلاثةِ مساكين، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من حِنْطةٍ؛ وإن ترَكَ شوطيْن، أطعَمَ مسكينَين كذلك؛ نصفَ صاعٍ لكلِّ واحدٍ منهما؛ وإن ترَكَ شوطًا واحدًا، أطعَمَ مسكينًا واحدًا؛ نصفَ صاع من حِنْطَةٍ، إلّا أن يكونَ طعامُه هذا يبلُغُ دمًا؛ فإن بلغَ دمًا، أطعَمَ من ذلك ما شاءَ فأجزى عنه، وإن ترَكَ السَّعْيَ كلَّه بين الصّفا والمرور في الحجِّ ناسيًا أو في العُمرة، فعليه دمٌ.
-
ورُوِيَ عن طاووسٍ في هذا المسألة أنّه قال: على مَنْ ترَكَ السَّعْيَ بينَ الصَّفا والمروةِ عُمْرةٌ.
-
واختُلف عن عطاءٍ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، أحدُها: أنّه لا شيءَ على مَن ترَكَ السَّعْيَ بين الصفا والمروة. والآخرُ: أنه عليه دمٌ. والثالث: أنه إن شاءَ أطعَمَ مساكين، وإن شاءَ ذبَحَ شاةً فأطعَمَها المساكين.
قال أبو عُمر: قد مَضَت هذه المسألةُ مجوَّدةً ممهَّدةً مبسوطةً -بما فيها من الحجَّة لمَن قال بقولنا من جهةِ الأثر، إذْ لا مدخلَ فيها للنَّظَر- في باب جعفرِ بنِ محمدٍ (١) من كتابنا هذا، فكَرهْنا إعادةَ ذلك هاهنا.
- vol. 14, p. 110
حديثٌ تاسعَ عشَرَ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكَر صفيةَ بنتَ حُيٍّ فقيل: إنها قد حاضَتْ. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لعلَّها حابِسَتُنا" ، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنّها قد طافَتْ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فلا إذَنْ" .
-
هذا حديثٌ لا خلافَ بين فقهاءِ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ والشام في القولِ به، وأنّ المرأةَ إذا حاضَت بعدَ طوافِها بالبيتِ طوافَ الإفاضةِ، أنها تنفِرُ ولا تنتظِرُ طُهْرَها لطوافِ الوداع، وأنّ طوافَ الوداع ساقطٌ عنها، ولا شيءَ في ذلك عليها، ولا يُحبَسُ عليها كَريٌّ ولا غيرُه (٢) اتباعًا لهذا الحديث، وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه عندَهم، وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ وما فيها عن السلف، وما يجبُ في المرأة لو كان حيضُها قبلَ طوافِ الإفاضة، وما في ذلك كلِّه ووجوهَه ممهدًا في بابِ عبدِ اللَّه بنِ أبي بكر من هذا الكتاب (٣) ، والحمدُ للَّه.
- vol. 14, p. 111
حديثٌ مُوفي عشرينَ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أن رجلًا قال لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نفسُها، وأُراها لو تكلَّمتْ تصدَّقَتْ، أفأتصدَّقُ عنها؟ فقال رسوُل اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم" .
-
وهذا الحديثُ أيضًا مجتمَعٌ على القول بمعناه، ولا خلافَ بينَ العلماءِ أنّ صدقةَ الحيِّ عن الميِّت جائزة، مرجُوٌّ نفعُها وقبولُها إذا كانت من طيّب، فإنّ اللَّهَ لا يقبَلُ إلّا الطيِّب، وليس الصدقةُ عندَهم من باب عَمَل البَدنِ في شيء، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يصلِّيَ عن أحد، وجائزٌ له أن يتصدَّقَ عن وليِّه وعن غيرِه، وهذا مما ثَبتتْ به السُّنة، ولم تختلفْ فيه الأمّة.
-
ويقولون: إن الرجلَ المذكورَ في هذا الحديث هو سعدُ بنُ عبادة، وقد مضَى القولُ في قصةِ سعدِ بنِ عُبادة (٢) وصدقتِه عن أمِّه في غيرِ موضع من كتابنا هذا، والحمدُ للَّه.
-
وأما قولُه: افتُلِتَتْ نفسُها، فإنه أراد: اختُلِسَتْ نفسُها وماتتْ فُجاءةً، قال الشاعر:
مَنْ يأمَنِ الأيامَ بعدَ صُبَيرةِ القُرشيِّ ماتَا
سَبَقَتْ منيَّتُه المَشِيبَ وكان مِيْتَتُه افتِلاتَا (٣)
vol. 14, p. 112وقال خالدُ بنُ يزيد:
فإنْ تَفْتَلِتْها فالخلافةُ تَنْفَلِتْ ... بأكْرَمِ عِلْقَيْ مِنْبَرٍ وسَريرِ (١)
وقال أبو بكر بنُ شاذان: سألتُ أبا زيدٍ النحْويَّ عن قول عُمر: كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلْتةً، فقال: أراد: فُجاءةً، وأنشد قولَ الشاعر:
وكان مِيْتَتُه افتِلاتَا (٢)
قال: وتقولُ العربُ -إذا رأتِ الهلالَ بغير قصْدٍ إلى ذلك-: رأيتُ الهلالَ فَلْتةً.
- vol. 14, p. 113
حديثٌ حادي وعشرونَ (١) لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (٢) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: جاءَ عمِّي منَ الرَّضاعةِ يستأذِنُ عليَّ، فأبيْتُ أن آذَنَ له عليَّ، حتى أسألَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قالت: فجاء رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسألتُه عن ذلك، فقال: "إنّه عَمُّكِ فأذَني له" ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنّما أرضَعَتْني المرأةُ ولم يُرْضِعْني الرَّجُلُ، فقال: "إنّه عمُّكِ فلْيَلِجْ عليك" . قالت عائشةُ: وذلك بعدَما ضُرِبَ علينا الحجاب. وقالت عائشة (٣) : يَحرُمُ منَ الرَّضاعَةِ ما يَحرُمُ منَ الوِلادة.
-
هذا أبينُ حديثٍ في تحريم لبنِ الفحل، ألا تَرى إلى قولِ عائشة: فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنّما أرضَعتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرّجلُ؟
-
والرّجلُ هو: أبو القُعَيس، والمُستأذِنُ على عائشةَ هو: أخوه أفلَحُ.
-
وكذلك قال مالكٌ في حديثِه، عن ابن شهاب، عن عُروةَ، عن عائشة، أنها أخبَرتْه: أنّ أفلحَ أخا أبي القُعَيس استأذَن عليها -وهو عمُّها من الرَّضاعة- بعدَ أن ضُرِب الحجابُ. وذكَر الحديث على حسَبِ ما مضَى ذكرُه في بابِ ابنِ شهاب (٤) .
- vol. 14, p. 114
فأبو القُعَيْس هو الذي أرضَعتِ امرأتُه عائشةَ فصارَتْ أُمًّا لها من الرَّضاعة وصار هو أباها؛ لأنَّ اللبنَ منه تولَّدَ، وجاء أخوهُ يَستأذِنُ عليها، وهو أخو أبيها من الرَّضاعة، فظنَّتْ عائشةُ أن اللبنَ ليس من الفحْل، فقالت: إنما أرضَعَتْني المرأة. تريد: وليس هذا أخو المرأةِ فيكونَ عمِّي أو خالي، وإنَّما هو أخو زوجِها. فأخبَرها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه عمُّها لأنَّ أخاهُ أبوها بإرضاع زوجتِه إيّاها. وهذا بيِّنٌ، وهو مذهبُ ابن عباس (١) ، وإليه ذهَب فقهاءُ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ والشام؛ منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، والليثُ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وعليه جماعةُ أهل الحديث (٢) .
-
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أنّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحكَم، عن عِراكِ بنِ مالك، عن عُروةَ بنِ الزبير، قال: استأذَن أفلَحُ بنُ قُعَيس -أو ابنُ أبي قُعَيس- على عائشة، فقال: إنّي عمُّك، أرضَعَتْكِ امرأةُ أخي. فأبَتْ أن تأذَنَ له، فلمّا جاء النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبرَتْه، فقال: "ائذَني له؛ فإنه عمُّكِ" (٣) .
-
أخبرنا خلفُ بنُ قاسم، قال: أخبَرنا أبو الطاهر محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ نصرِ بنِ بُجَيرِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ صالح بنِ أسامةَ الذُّهْليُّ القاضي، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ
vol. 14, p. 115يعقوبَ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيان، عن هشام بنِ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: دخلَ عليَّ أفلَحُ بنُ أبي القُعَيس. قالت: فاستَتَرتُ منه. فقال: أتَستَتِرينَ منِّي وأنا عمُّك؟ قالت: مِنْ أين؟ قال: أرضَعَتْكِ امرأةُ أخي، قالت: إنَّما أرضَعَتْني المرأةُ ولم يُرضِعْني الرّجُلُ. فدخل عليَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فحدَّثْتُه، فقال: "إنه عمُّكِ، فلْيَلِجْ عليكِ" (١) .
-
وأخبرنا خَلَفٌ (٢) ، قال: حدَّثنا أبو الطاهر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثير، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن أبي ليلى، عن الحَكَم بن عُتيبةَ، عن عِراك، عن عُروةَ، عن عائشة، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تَرِبَت يَداكِ -في هذا الحديث- أوَ ما علِمتِ أنه يَحرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ من النسب؟ " (٣) .
-
فإلى هذا ذهبَ مَنْ ذكَرْنا من فُقهاءِ الأمصار، وذهبَ جماعةٌ منَ التابعينَ بالمدينةِ وغيرِها إلى أنّ لبنَ الفحْل لا يُحرِّم شيئًا، وقد ذكَرْنا مَن قال بالقولين جميعًا من العلماء، وذكَرْنا الحُجَّةَ لكلِّ فريقٍ منهم، وما نزَعُوا به لمذاهِبهم، وذكَرْنا الوجْهَ المُختارَ عندنا في ذلك، وهو ما وافقَ هذا الحديثَ وشبْهَهُ منَ السُّنَن، وأوضَحْنا ذلكَ كلَّه ومهَّدناهُ، في باب ابنِ شهابٍ عن عُروةَ من هذا الكتاب (٤) ، فلم نرَ لتكريرِ ذلك هاهنا وجهًا، وباللَّه التوفيق.
- vol. 14, p. 116
حديثٌ ثانٍ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن الرِّقاب: أيُّها أفضَلُ؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أغلاها ثمنًا وأنفَسُها عند أهلِها" .
-
هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ في "الموطأ" ، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
-
وكذلك رواه أبو المصعَب (٢) ، ومُطرِّفٌ (٣) ، وابنُ أبي أُوَيْس، ورَوْحُ بنُ عُبادة. وحدَّث به إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤) ، عن أبي مُصعَب، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئلَ عن الرِّقاب.
-
وهو عندَنا في "موطأ أبي المصعَب" عن عائشة (٥) .
-
ورواه قومٌ عن مالك، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، لم يَذكُروا عائشة (٦) .
- vol. 14, p. 117
ورواه أصحابُ هشام بن عُروةَ، غيرَ مالك، عن هشام، عن أبيه، عن أبي مُراوح، عن أبي ذَرٍّ (١) .
-
وزعَم قومٌ أنَّ هذا الحديثَ كان أصلُه عندَ مالك: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فلمّا بلَغه أنَّ غيرَه من أصحاب هشام يُخالفونَه في الإسناد، جعَله: عن هشام، عن أبيه، مرسلًا (٢) . هكذا قالت طائفةٌ من أهل العلم بالحديث. فاللَّهُ أعلم.
-
وعند ابنِ وَهْب وحدَه: عن مالك، عن ابنِ شهاب، عن حبيبٍ مولَى عُروة، عن عُروة، أنّه سمِعه يقول: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "إيمانٌ باللَّه" ، قال: فأيُّ العتاقَةِ أفضلُ؟ قال: "أنفَسُها عندَ أهلِها" ، قال: أرأيتَ إن لم أجِدْ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "فتُعينُ الصَّانِعَ، أو تصنَعُ لأخرق" (٣) . قال: أفرأيتَ إن لم أستطِعْ؟ قال: "تَدَعُ الناسَ من شرِّكَ، فإنَّها صدقةٌ تصدَّقُ بها عن نفسِك" (٤) .
-
هكذا رواه يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، والحارثُ بنُ مسكين، وجماعةُ أصحابِ ابنِ وَهْب، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، عن ابنِ شهاب. وتابَعه البَرْمَكيُّ (٥) ، عن مَعْن، عن مالك.
- vol. 14, p. 118
ورواه معمرٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن حَبِيب مولى عُروةَ، عن عُروةَ، عن أبي مُراوح، عن أبي ذرٍّ، مثلَ روايةِ هشام بنِ عُروةَ سواءً، في غير روايةِ مالك.