هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
859 paragraphs · vol. 14, p. 22
Page 8 of 22
- vol. 14, p. 133
وليست الكتابةُ كالبُيوع في كلِّ شيءٍ عندَ العلماء، لأنَّ العبدَ مع سيدِه أكثرُهم لا يرَى بينَهما ربًا، ألا ترى أنَّ المكاتبَ لو عجَز حلَّ لسيدِه ما أخَذ منه، وليس ذلك كبيع العُربان. وللكلام في هذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا.
-
وأما قولُه: "تسعُ أواقيَّ" فالأُوقيّةُ مؤنثة في اللفظ، مقدارُها أربعون درهمًا كيلًا، لا اختلافَ في ذلك، والدِّرهمُ: الكيلُ درهمٌ وخُمسان بدراهمِنا على ما قَد مضَى ذكرُه في باب عَمْرو بن يحيى (١) . وتُجمَعُ الأوقيّةُ أواقيَّ بالتشديد، كذلك قال أبو زيدٍ الأنصاريُّ وغيرُه من أهل اللغة، قال أبو زيد: وقد يُتجاوَزُ في الجمع فيقال: أواقٍ. وقال أبو حاتم: يقال: أوقيّةٌ وأواقيُّ، وبُخْتِيّةٌ وبَخاتيُّ (٢) ، وأُمنيّةٌ وأمانيُّ، وسُرِّيّةٌ وسراريُّ. قال: وبعضهم يقول: بُخاتٍ، وأمانٍ، وسَرارٍ، وأواقٍ (٣) .
-
وأما قولُ عائشة: "إنْ أحبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم عدَدْتُها لهم" ففيه دليلٌ على أنَّ العدَّ في الدراهم الصِّحاح تقومُ مقامَ الوزن، وأنَّ الشراءَ بها جائزٌ من غير ذكرِ الوزن، لأنها لم تقل: أزِنُها لهم. ولم يقل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: عددُ الأواقيِّ غيرُ جائز. ولو كان غيرَ جائزٍ لقال لهم: إنَّ العدَّ في مثل هذا لا يجوزُ.
-
وفي هذا الحديث أيضًا: دليلٌ على أنَّ التبايُعَ كان بينَ الناس في ذلك الزمان بالأواقيِّ، وبالنَّواة، وبالنَّشِّ، وهي أوزانٌ معروفةٌ، فالأُوقيّةُ: أربعونَ درهمًا،
vol. 14, p. 134والنَّشُّ: نصفُها، والنَّواةُ: زِنَةُ خمسةِ دراهم. فقد ذكَرنا ذلك كلَّه في باب حميدٍ (١) من هذا الكتاب.
-
ذكَر الواقديُّ قال: وفيها - يعني: سنةَ ستٍّ وسبعين - أمرَ عبدُ الملك بنُ مروانَ أن تُنقَشَ الدنانيرُ والدراهم. حدَّثني بذلك سعدُ بنُ راشد، عن صالح بن كَيْسان (٢) .
قال: وحدَّثني ابنُ أبي الزِّناد (٣) ، عن أبيه: أنَّ عبدَ الملك بنَ مروانَ ضرَب الدنانيرَ والدراهم، وهو أولُ مَن أحدَث ضربَها في الإسلام (٤) .
قال: وحدَّثني عبدُ الرحمن بنُ حزم الليثيُّ، عن هلال بن أُميّة، قال: سألتُ ابنَ المسيِّب: في كم تجبُ الزكاةُ من الدنانير؟ قال: في كلِّ عشرينَ مثقالًا بالشاميِّ نصفُ مثقال. قلت: ما بالُ الشاميِّ من البصريِّ؟ قال: هو الذي يُضرَبُ عليه الدَّنانير، وكان ذلكَ وزنَ الدَّنانير قبلَ أن تُضرَبَ، كانت اثنين وعشرينَ قيراطًا إلّا حبةً، وكانت العشَرةُ وزنَ سبعة (٥) .
وقال غيرُ الواقدي: كانت الدنانيرُ في الجاهليّة وأوّل الإسلام بالشام وعندَ عربِ الحجاز كلُّها روميّةً، تُضْربُ ببلادِ الروم، عليها صورةُ الملكِ واسمُ الذي ضُرِبت في أيامِه مكتوبٌ بالروميّة، ووزنُ كلِّ دينار منها مثقالٌ كمثقالِنا هذا، وهو وزنُ درهم ودانِقيْن (٦) ونصفٍ وخمسةِ أسباع حبّة، وكانت الدراهمُ بالعراق
vol. 14, p. 135وأرضِ المشرقِ كلُّها كسرويّةً، عليها صورةُ كسرى، واسمُه فيها مكتوبٌ بالفارسيّة، ووزنُ كلِّ درهم منها مثقالٌ، فكتب ملِكُ الروم، واسمُه: لاوي بنُ فلقط، إلى عبدِ الملك، أنّه قد أعدَّ له سِككًا ليوجِّهَ بها إليه فيَضربَ عليها الدنانير، فقال عبدُ الملك لرسوله: لا حاجةَ لنا فيها، قد عمِلنا سِككًا نقَشنا عليها توحيدَ الله واسمَ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -. وكان عبدُ الملك قد جعَل للدنانير مثاقيلَ من زجاج لئلّا تُغيَّرَ أو تُحوَّلَ إلى زيادةٍ أو نقصان، وكانت قبلَ ذلك من حجارة، وأمَر فنوديَ ألّا يَتبايعَ أحدٌ بعدَ ثلاثة أيام من ندائِه بدينارٍ روميٍّ، فكثُرت الدنانيرُ العربيّةُ، وبطَلتِ الروميّة.
-
وذكَر أبو عبيدٍ في كتاب "الأموال" (١) ، وذكَر ذلك جماعةٌ من أهلِ العلم بالسِّيرِ والخبر، أنَّ الدراهمَ كانت غيرَ معلومةٍ إلى أيام عبدِ الملكِ بنِ مروانَ، فجمَعها وجعَل كلَّ عشَرةٍ من الدراهم وزنَ سبعةِ مثاقيل.
قال: وكانتِ الدراهمُ يومئذ، درهمٌ من ثمانيةِ دَوانقَ زيْف، ودرهمٌ من أربعةِ دَوانِقَ جيِّد. قال: فاجتمَع رأيُ علماءِ ذلك الوقتِ لعبدِ الملك على أنْ جمَعوا الأربعةَ الدَّوانقِ إلى الثمانية، فصارَتِ اثنيْ عشَرَ دانقًا، فجعَلوا الدرهمَ ستةَ دوانِقَ، وسمَّوه كيلًا، فاجتمَع لهم في ذلك أنَّ في كل مئتَي درهم زكاةً، وأنَّ أربعين درهمًا أوقيّة، وأنَّ في الخمس الأواق التي قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما دونَها صدقةٌ" (٢) مئتَي درهم لا زيادة، وهي نصابُ الصدقة.
-
وأما قولهُا: "إنْ أحبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها لهم ويكونَ ولاؤُك لي فعلتُ" ، وفي حديث ابنِ شهاب، عن عُروة: إن أحبُّوا أن أُعطِيَهم لكِ جميعًا ويكونَ ولاؤُكِ
vol. 14, p. 136لي فعلتُ (١) . فظاهرُ هذا الخطابِ أنّها أرادَتْ أن تشتريَ منهم الولاءَ بعدَ عقدِ الكتابة، وأن تؤدِّيَ في ذلك جميعَ الكتابة، فأبى القومُ من ذلك، وطلَبوا أن يكونَ الولاءُ لهم عندَ أداءِ عائشةَ لجميع الكتابة، كأنّها تبرَّعَت بذلك، وأرادَتِ الولاءَ، أو قصَدت إلى ابتياع الولاء. وهذا لا يصحُّ عندَنا، واللهُ أعلم؛ لأنه لا خلافَ بينَ علماءِ المسلمينَ أنَّ الولاءَ لا يُباعُ، وأنَّ مَن أدَّى عن مُكاتبٍ كتابتَه مُتبرِّعًا لم يكنْ له الولاء، ولو صَحَّ هذا كان يكونُ النكيرُ حينئذٍ على عائشةَ رحمها اللهُ في إرادتها أن يكونَ الولاءُ لها بأدائِها الكتابةَ عنها، ولكنْ في حديثِ هشام بنِ عُروة (٢) : "خُذيها واشتَرطي الولاءَ لهم، فإنّما الولاءُ لمن أعتَق" ، ففعلَت عائشة. وقد قال وُهَيْبٌ (٣) ، وكان من الحفّاظ، في هذا الحديث، عن هشام بنِ عُروة: إن أحَبَّ أهلُكِ أن أعُدَّها عَدَّةً واحدةً وأُعتِقَكِ، ويكونَ ولاؤُكِ لي، فعلتُ.
-
فقولهُا: "وأُعتِقَكِ" دليلٌ على شرائِها لها شراءً صحيحًا؛ لأنّها لا تُعتِقُها إلّا بعدَ شرائِها لها، وهذا هو الظاهرُ في قولها: "أُعتِقَكِ" ، واللهُ أعلم.
-
وفي حديث ابنِ شهاب، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: "لا يمنَعُكِ ذلك، ابتاعي وأعتقي" . وقولُه: "ابتاعي وأعتقي" في حديثِ ابنِ شهاب، يُفسِّرُ قولَه في حديث هشام: "خُذيها" ؟ لأنَّ قولَه: "ابتاعيها وأعتِقيها" أمرٌ منه - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ بالشراء ابتداءً، وعِتْقِها لها بعدَ مِلْكِها ليكونَ الولاءُ لها، وهذا هو الصحيحُ في الأصول، وإيّاه يعضُدُ سائرُ الآثارِ عن عائشةَ في هذه القصة، ألا ترَى إلى ما روَى مالك (٤) ،
vol. 14, p. 137عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ عائشةَ أرادَت أن تشتريَ بَريرَةَ فتُعتِقَها، فقال أهلُها: نبيعُكِها على أنَّ الولاءَ لنا، فذكَرتْ ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "لا يمنَعُكِ ذلك، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" ؟ وقد ذكَرنا هذا الخبرَ في بابِ نافع مِن كتابِنا هذا (١) .
-
وليسَ في شيء من أخبارِ بَريرةَ أصحُّ من هذا الإسنادِ عن ابنِ عمر، وليس فيه اختلافٌ كما في حديثِ هشام من اختلافِ ألفاظِه.
-
وقد بانَ في حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ عائشةَ أرادَت شراءَ بَريرَةَ وعِتقَها، فأراد أهلُها اشتراطَ الولاءِ لهم، وفي مثل هذا يصحُّ الإنكارُ المذكورُ في حديثِ هشام بنِ عُروةَ على أهل بَريرَةَ، لأنَّ الولاءَ ثبَت للمُشتَري المُعتِقِ ثُبوتَ النَّسَب، فلا يجوزُ لأحدٍ تحويلُه عنه ببيعٍ ولا اشتراطٍ، وكذلك في سياقةِ أكثرِ الأحاديثِ ما يدلُّ على أنَّ بَريرَةَ بِيعَت من عائشةَ لا أنَّها أدَّت عنها كتابتَها، إلّا أنّ في هذا الحديثِ شرْطَ الولاءِ مع البيع، وإباحةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شراءَها على ذلك دونَ إعمالِ الشرْط، وفي ذلك صِحّةُ البيع وإبطالُ الشرْط.
-
وروِى الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أنَّ أهلَ بَريرةَ أرادوا أن يبيعوها ويشترطُوا الولاءَ، فذكَرَتْ ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "اشتريها وأعتِقيها، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" (٢) .
-
فبان بحديثِ الأسودِ عن عائشة، وبحديثِ ابنِ شهابِ أيضًا المتقدِّم ذِكرُه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرها بالشراءِ ابتداءً، وبعتقِها بعدَ مِلْكِها، ليَكونَ الولاءُ لها.
- vol. 14, p. 138
وهذه الروايةُ عن عائشةَ موافِقةٌ لما رواه ابنُ عمر، وهو الصحيحُ في ذلك على ما قدَّمنا ذكرَه.
-
وفي رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أيضًا ما يبيِّنُ روايةَ هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، في قوله عليه السلام: "خُذِيها، ولا يمنعُكِ ذلك، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" .
-
وفيه دليلٌ، بل نصٌّ، على صحةِ شرائِها وصحةِ مِلْكِها، وصحةِ عتقِها بعد ذلك، واستحقاقِ ولائِها - واللهُ أعلم - واشتراطِ أهلِ بَريرةَ ولاءَها مع بَتْلِ بيعِها (١) على العتق، فهو الذي خطَبهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بإنكارِه؛ لتقدُّمه إليهم وإلى غيرهم في النَّهْي عن بيع الولاءِ وهبتِه.
-
وفي هذا الحديث على ما ذكَرنا: إجازةُ البيع على شرطِ العتق، وهذه مسألةٌ اختلَف الفقهاءُ فيها، وقد ذكَرناها في باب نافع، عن ابنِ عمرَ من هذا الكتاب (٢) ، فلا معنى لتكريرِ ذلك هاهنا.
-
وفيه دليلٌ على أنَّ المُكاتبَ عبدٌ ما بقيَ عليه من كتابتِه شيءٌ؛ لأنَّه لو لم يكن عبدًا ما جاز بيعُه، وفي كونِه عبدًا ردٌّ لقولِ من قال: إذا عُقدت كتابتُه فهو غريم من الغُرَماء، وردٌّ لقول مَن قال: إذا أدَّى قيمتَه فهو غريم، وردٌّ لقول من قال: إذا أدَّى الثُّلثَ فهو غريم، وردٌّ لقولِ مَن قال: إذا أدَّى الشطرَ فهو غريم، وردٌّ لقولِ مَن قال: يُعتَقُ منه بقدرِ ما أدَّى.
-
وروَى الحكمُ بنُ عُتَيبةَ، عن عليٍّ، قال: تجْري العَتاقةُ فيه من أوّل نَجْم (٣) .
- vol. 14, p. 139
وروَى إبراهيمُ، عن عليٍّ، قال: تجري الحدودُ عليه بقدرِ ما أدَّى.
وقال عنه عامر (١) : يُعتَقُ منه بقدرِ ما أدَّى، ويَرِثُ ويَحجُبُ بقدرِ ما أدَّى.
-
وكان الحارثُ العُكْليُّ يقول: كان عليٌّ رضي الله عنه أفقهَ من أن يقول: يَعتِقُ من المُكاتَبِ بقدرِ ما أدَّى. منكِرًا لذلك عنه.
-
وهذه أقاويلُ اختُلِف فيها عن عليٍّ وابنِ مسعود (٢) ، وما أعلمُ أحدًا من الفقهاء تعلَّقَ بها.
-
ورُوِيَ عن شُريح أنّه قال: إذا أدَّى الثلثَ فهو غريمٌ (٣) .
-
وعن النَّخَعيِّ: إذا أدَّى الشَّطْرَ فهو غريمٌ (٤) . ورُوِيَ ذلك عن عمرَ وعليٍّ (٥) ، وهو غيرُ صحيح. واللهُ أعلم.
وقال جابرُ بنُ عبد الله: مَن كاتبَ مُكاتَبًا، فإن شرطَ عليه أن يعودَ في الرِّقِّ إن عجَز، كان كذلك، وإنْ شرطَ أن يَعتِقَ منه بقدْرِ ما أدَّى، فهو كذلك (٦) .
-
وقد ذكَرنا حُكمَ ولاءِ الرِّقِّ، ومَن أجاز بيعَ ولائِه ومَن كَرِهه، ومَن قال: لا بُدَّ من شرطِه العتقَ عندَ الأداء، وإلّا فهو على الرِّقِّ أبدًا، ومَن أجازَ للمكاتَبِ
vol. 14, p. 140أن يشترِطَ ولاءَ نفسِه، في باب عبدِ الله بنِ دينار (١) من هذا الكتاب، فأغنى ذلك عن ذكرِه هاهنا.
-
وفي حديثِ بَريرَةَ هذا مع صحَّتِه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ واضحٌ على أنَّ المُكاتَبَ عبدٌ، ولولا ذلك ما بِيْعَت بَريرَة. وقد رُوِيَ عن عمرَ، وابن عمر، وزيدِ بنِ ثابت، وعائشة، وأمِّ سَلَمة: المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهم (٢) . وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيِّب، والقاسم، وسليمانَ بنِ يسار، والزهريِّ، وقتادةَ، وعطاء (٣) . وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم، والثوريُّ، وابنُ شُبرُمة، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، وداودُ، والطبريُّ (٤) .
-
وقد روَى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ" (٥) .
- vol. 14, p. 141
واختلَف القائلون: "هو عبدٌ ما بقيَ عليه درهم " إذا مات قبلَ أن يؤدِّيَ وترَك مالًا؛ فقالت طائفة: كلُّ ما ترَك فهو لسيِّدِه؛ قليلًا كان أو كثيرًا، وإن عجَز عادَ رقيقًا. وممّن قال بهذا؛ مجاهدٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثور (١) .
-
ورُوِيَ عن ابن السيِّب، وشريح، والزهريِّ نحوُه. قال الزهريُّ: حُكْمُه حكمُ العبد، وجنايتُه في عُنُقِه. وهو قولُ الثوريِّ.
-
وروَى الحكمُ، عن عليٍّ، وابنِ مسعود، وشريح: يُعطَى سيدُه من تركتِه ما بقيَ من كتابتِه، فإنْ فضَل شيءٌ، كان لورثةِ المكاتَب.
-
وروَى عطاءٌ، وإبراهيمُ، وأبو البَختريِّ، عن عليٍّ نحوَه. وقد رُوِيَ عن الزُّهريِّ نحوُه.
-
وبه قال ابنُ المسيِّب، وأبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن، والنَّخَعيُّ، والشعبيُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، ومالكُ بنُ أنس، جعَلوه كغريم حلَّ دَيْنُه، غيرَ أنَّ مالكًا جعَل مَن كان معه في كتابتِه أحقَّ ممَّن لم يكنْ معَه من ورثتِه.
-
وقد روَى الشَّعبيُّ، عن عليٍّ: إذا مات المُكاتَبُ وترَك مالًا، قُسِمَ ما ترَك على ما أدَّى وعلى ما بقيَ، فما أصاب ما أدَّى فهو لورثتِه، وما أصاب ما بقيَ فلمَواليه (٢) . وهذا خلافُ ما روَى الحكمُ، وعطاءٌ، وإبراهيمُ، وأبو البَختَريّ، عن عليٍّ رضي الله عنه.
-
وقد احتَجَّ مَن قال في المكاتَب: يَعتِقُ منه بقدرِ ما أدَّى، بروايةِ ابنِ شهاب في هذا الحديث، وذلك قولُه: "ولم تكنْ أدَّت من كتابتِها شيئًا" (٣) .
- vol. 14, p. 142
واحتَجَّ مَن قال: يعتِقُ منه بقدرِ ما أدَّى، بحديث يحيى بن أبي كثير، عن عكرمةَ، عن ابن عباس، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يُودَى المكاتَبُ بقدرِ ما أدَّى ديةَ الحرِّ، وبقدرِ ما رُقَّ منه ديةَ عبد" . رواه حجَّاجٌ الصوّافُ وهشامٌ الدَّستُوائيُّ وغيرُهما، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مسنَدًا (١) .
-
وقد رُوِيَ عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس مثلُه مسنَدًا (٢) . وقد أرسَله بعضُهم عن عكرمة (٣) .
vol. 14, p. 143قال يحيى بنُ أبي كثير: وكان عليُّ بنُ أبي طالب ومروانُ بنُ الحَكَم يقولان ذلك (١) . وبه كان عكرمةُ يُفتي، وكان يقول: المكاتَبُ يودَى (٢) بقدرِ ما أُعتِقَ منه، وإن جنَى جنايةً، أو أصاب حدًّا، فبقدرِ ما أُعتِقَ منه.
-
وقد ناظَر عليَّ بنَ أبي طالب زيدُ بنُ ثابتٍ في المكاتَب، فقال لعليٍّ: أكنتَ راجِمَه لو زنَى، أو مجيزًا شهادتَه إن شَهِد؟ فقال عليٌّ: لا. فقال زيدٌ: فهو عبدٌ ما بقيَ عليه شيءٌ.
-
وفيه: إجازةُ بيع المكاتَبِ إذا رضِيَ بالبيع وإن لم يكنْ عاجزًا عن أداءِ نجم قد حَلَّ عليه، خلافَ قولِ مَن زعَم أنَّ بيعَ المكاتَبِ غيرُ جائزٍ إلّا بالعجز؛ لأنَّ بَريرةَ لم تذكُرْ أنها عجَزت عن أداءِ نجم، ولا أخبَرت بأنَّ النجمَ قد حلَّ عليها، ولا قال لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أعاجزةٌ أنتِ؟ أم: هل حلَّ عليكِ نجمٌ فلمْ تؤدِّيه؟ ولو لم يجزْ بيعُ المكاتَبِ والمكاتَبةِ إلّا بالعجزِ عن أداءِ نجم قد حلَّ، لكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد سألها: أعاجزٌ هي أم لا؟ وما كان ليأذَنَ في شرائها إلّا بعدَ علمِه - صلى الله عليه وسلم - أنّها عاجزةٌ ولو عن أداءِ نجم واحد قد حلَّ عليها، وفي خبر الزهريِّ أنَّها لم تكنْ قضَت من كتابتِها شيئًا، ولا أعلمُ في هذا الباب حجةً أصحَّ من حديثِ بَريرَةَ هذا، ولم يُروَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ يعارِضُه، ولا في شيءٍ من الأخبارِ دليلٌ على عجزِها.
-
وأمّا اختلافُ الفقهاء في بيعِ المكاتَب، فإنَّ ابنَ شهاب وأبا الزِّناد وربيعةَ كانوا يقولون: لا يجوزُ بيعُه إلّا برضًا منه، فإن رضيَ بالبيع فهو عجزٌ منه، وجاز بيعُه.
وقال مالكٌ: لا يجوزُ بيعُ المكاتَبِ إلّا أن يعجِزَ عن الأداء، فإن لم يَعجِزْ فليس له ولا لسيدِه بيعُه.
قال: وإذا كان المكاتَبُ ذا مالٍ ظاهر، فليس له تعجيزُ نفسه، وإن لم يظهَرْ له
vol. 14, p. 144مالٌ فذلك إليه، وله تعجيزُه دونَ السلطان، ويُمضي ذلك، وكذلك إن عجَّز نفسَه قبلَ مَحَلِّ النَّجم بالأيام والشهر، وإنّما الذي لا يُعجِّزُه إلّا السلطانُ فهو الذي يريدُ سيدُه تعجيزَه بعدَما حلَّ عليه ما عليه وهو يأبى العجزَ ويقول: نُؤدِّي. إلا أَنَّه يَمطُلُ سيدَه، فالسلطانُ يتلوَّمُ له، فإن رأى له وجهَ أداءٍ ترَكه، وإن لم يرَ ذلك له عجَّزه بعدَ التلوُّم، ولا يُعجِّزُه السيدُ وهو آبٍ، ولو أخَّر نجمًا أو أنجمًا، إلّا بالسلطان.
قال: ولو شرَط ذلك عليه، لم يكنْ عاجزًا إلّا بقضيّة سلطان.
قال: ولو غاب المكاتَبُ فحَلَّت نجومُه، فليسَ إشهادُ السيد بتعجيزِه تعجيزًا إلّا بنظرِ السلطان، وهو إذا قدِمَ على كتابتِه إن أدَّى، وإلّا نظَر في ذلك السلطان.
وقال مالكٌ: الذي يقعُ بنفسي في قصةِ بَريرَةَ، أنها كانت قد عجَزت، ولذلك اشتَرتْها عائشة (١) .
-
وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ، وعطاءٌ، والليثُ بنُ سعد، وأحمدُ، وأبو ثور: جائزٌ بيعُ المكاتَبِ على أن يَمضيَ في كتابتِه، فإنْ أدَّى عَتَقَ، وكان ولاؤُه للذي ابتاعَه، وإن عجَز فهو عبدٌ له.
وقال أبو حنيفة (٢) وأصحابُه (٣) : لا يجوزُ بيعُ المكاتَبِ ما دام كاتبًا حتى يَعجِزَ، ولا يجوزُ بيعُ كتابتِه بحال. وهو قولُ الشافعيِّ بمصر، لا يجوز بيعُ المكاتَب. وكان بالعراق يقول: بيعُه جائزٌ. وأما بيعُ كتابتِه فغيرُ جائزة عندَه (٤) .
vol. 14, p. 145وقال أبو حنيفة، والشافعيُّ: جائزٌ تعجيزُ المكاتَب بغيرِ حضرةِ السلطان. وفعَل ذلك ابنُ عمرَ، وهو قولُ شُريح، والنَّخَعيِّ (١) .
وقال ابنُ أبي ليلى: لا يجوزُ إلّا عندَ قاض (٢) . وكان الشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم (٣) يقولون: للسيد أن يُعجِّزَه إذا حلَّ نجم مِن نجومِه. قال أبو حنيفة: فإن قال: أخِّروني. وكان له مالٌ حاضرٌ أو غائب يرجُو قُدومَه، أخَّرتُه يومَين أو ثلاثةً لا أزيدُه على ذلك شيئًا. وبه قال محمدُ بنُ الحسن.
وقال الحكمُ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بنُ صالح: أقلُّ ما يَعجِزُ به حُلولُ نجمَين. وهو قولُ أبي يوسف (٤) .
وقال الثوريُّ: منهم مَن يقول: نجمٌ، ومنهم مَن يقول: نجمان (٥) . قال: والاستيناءُ به أحبُّ إليَّ (٦) . وقال أحمدُ: نجمانِ أحبُّ إلينا (٧) .
وقال الأوزاعيُّ: يَستأني به شهرين ونحوَ ذلك. ورُوِيَ عن الحسن البصْريِّ في هذه المسألة قولٌ شاذٌّ، أنَّ المكاتَبَ إذا عجَز استُسعيَ بعد العجْزِ سنتَينِ (٨) . وهذا ليس بشيء.