هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

859 paragraphs · vol. 14, p. 22

Page 9 of 22

  1. وأجمع العلماءُ على أنَّ المكاتَبَ إذا حلَّ عليه نجمٌ من نُجومِه، أو نَجْمان،

    vol. 14, p. 146أو نُجومُه كلُّها، فوقَف السيدُ عن مطالبتِه وترَكه بحالِه، أن الكتابةَ لا تنفَسِخُ ما داما على ذلك ثابتَين.

    vol. 14, p. 145
  2. واختلَفوا إذا كان قويًّا على الأداء، أو كان له مالٌ فعجَّز نفسَه؛ فقال مالكٌ ما قدَّمنا ذكرَه، أنه ليس ذلك له إلّا إنْ لم يُعلَمْ له مالٌ.

    وقال الأوزاعيُّ: لا يُمكَّنُ من تعجيزِ نفسِه إذا كان قويًّا على الأداء.

    وقال الشافعيُّ: له أن يُعجِّزَ نفسَه، عُلِم له مالٌ أو قوةٌ على الكتابةِ أم لم يُعلَمْ، وإذا قال: قد عجَزتُ وأبطلْتُ الكتابة، فذلك إليه (١) .

    قال أبو عُمر: يحتملُ حديثُ بريرَةَ أن يَنزِعَ منه مالكٌ لمذهبِه، والشافعيُّ لمذهبِه هذا. وبالله التوفيق.

  3. واختلَفوا في المُكاتَبِ يَعجِزُ وبيدِه مالٌ من الصَّدقات تُصُدِّقَ به عليه؛ فقال أكثرُ أهل العلم: إنَّ كلَّ ما قبَضه السيدُ منه من كتابتِه، وما فضَل بيدِه بعد عَجْزِه من صدَقةٍ وغيرِها، فهو لسيِّدِه، يَطيبُ أخذُ ذلك كلِّه له. هذا قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفة وأصحابِهما، وأحمدَ بنِ حنبل، وروايةٌ عن شُريح (٢) .

    وقال بعضُ أصحاب الشافعيِّ: إذا كان ما أخَذه السيِّدُ من المكاتَب قبلَ عجزِه هو مِن كسْبِ العبد، لم يرُدَّه، وإن كان استقرَضه العبدُ أو أخَذه من زكاةِ رجُلٌ، فعلى السيدِ ردُّه.

  4. وعن الشعبيِّ، عن مسروق، في مكاتَبٍ عجَزَ، كيف يصنَعُ سيِّدُه بما أخَذ منه؟ قال: يجعَلُه في مثلِه من الرقاب. قال: وقال شريحٌ: إنْ عجَز رُدَّ في الرِّقِّ، ولم يأخُذْ من مولاه ما أخَذ منه (٣) .

    vol. 14, p. 147وقال مالكٌ: إذا عجَز المكاتَبُ، فكلُّ ما قبَضه منه السيدُ قبلَ العجزِ حِلٌّ له، كان من كسبِه أو من صدقةٍ عليه. قال: وأما ما أُعينَ به على فِكاكِ رقبتِه فلم يَفِ ذلك بكتابتِه، كان لكلِّ مَن أعانَه الرجوعُ بما أعطَى، أو يُحلِّلُ منه المكاتَبُ، ولو أعانوه صدقةً لا على فكاكِ رقبتِه، فذلك إن عجَز حلٌّ لسيِّدِه، ولو تمَّ به فِكاكُه وبقيَت فَضلةٌ، فإن كان بمعنَى الفِكاكِ ردَّها إليهم بالحِصَص، أو يُحلِّلونَه عنها. هذا كلُّه مذهبُ مالكٍ فيما ذكر ابنُ القاسم (١) .

    وقال الثوريُّ: يجعلُ السيدُ ما أُعطاه في الرقاب. وهو قولُ مسروق، والنَّخَعيِّ، وروايةٌ عن شُريح (٢) .

    وقالت طائفة: ما قبَض منه السيِّدُ، فهو له، وما فضَل بيدِه بعدَ العجز، فهو له دونَ سيِّده. وهذا قولُ بعض مَن ذهَب إلى أنّ العبدَ يَملِكُ (٣) . وقال إسحاق (٤) : ما أُعطِيَ لحالِ الكتابةِ رُدَّ على أربابه.

  5. وهذه المسائلُ كلُّها في معنى الحديث المذكور في هذا الباب في قصةِ بَريرَة، فلذلك ذكَرناها، وأما فروعُ مسائل المُكاتَب، فكثيرةٌ جدًّا، لا سبيلَ في مثل تأليفِنا هذا إلى إيرادِها على شرطِنا. وبالله توفيقُنا.

  6. وفيه أيضًا: أنّ عقدَ الكتابةِ من غير أداءٍ لا يُوجِبُ شيئًا من العتق، خلافَ

    vol. 14, p. 148قولِ مَن جعلَه غريمًا من الغُرماء، وقد مضَى ذكرُ ذلك عندَ ذكرِ قولِ مَن قال: يَعتِقُ منه بقَدْرِ ما أدَّى (١) .

  7. والدليلُ على أن عقدَ الكتابةِ لا يوجبُ عتقًا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز بيعَها، ولو كان فيها شيءٌ من العتقِ ما أجاز بيعَ ذلك، إذ من سُنَّتِه المُجتمع عليها ألّا يُباعَ الحُرُّ.

  8. وأما قولُ هشام بنِ عُروةَ في حديثه هذا: "خُذِيها واشتَرطي لهم الولاء، فإنَّما الولاءُ لمن أعتَقَ" . فكذلك رواه جمهورُ الرُّواةِ عن مالك: "واشترِطي لهم الولاءَ" .

  9. ورواه الشافعيُّ، عن مالك، عن هشام، بإسنادِه ولفظِه، إلا أنه قال: "أَشْرِطي لهم الولاءَ" . ذكَر ذلك عنهم الطحاويُّ (٢) ، فلم يُدخلِ التاء.

    قال الطحاويُّ (٣) : ومعنى: "أشرِطي لهم الولاءَ" ؛ أي: أظهِري لهم حُكْمَ الولاء. "فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" . أي: أظهرِي لهم ذلك، وعرِّفيهم أنّ الولاءَ لمَن أعتَقَ؟ لأنَّ الإشراطَ هو الإظهارُ في كلام العرب، قال أوسُ بنُ حَجَر (٤) :

    فأشْرطَ فيها نفسَه وهْو مُعصِمٌ ... وألقَى بأسبابٍ لهُ وتوكَّلا

    يعني: أظهَر نفسَه لما حاوَل أن يفعل.

    قال: وأمّا روايةُ سائرِ الرُّواةِ عن مالكٍ في ذلك: "واشتَرطي لهم الولاءَ" . فيحتمِلُ أن يكون: "اشتَرطي لهم الولاءَ" ، أي: اشتَرطي عليهم الولاءَ أنَّه لكِ إذا

    vol. 14, p. 149اشتَريتِ وأعْتَقْتِ (١) ، كقوله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: ٧] . بمعنى: عليها. وكقوله: {وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ} [غافر: ٥٢] . يعني: عليهم اللعنةُ. قال: ويجوزُ أن يكونَ معناه الوعيدَ، كقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} [الإسراء: ٦٤] .

    قال أبو عُمر: ليس في حديث الشافعيِّ عندَنا من روايةِ المُزَنيِّ إلا: "اشتَرطي" ، بالتاء (٢) ، فاللهُ أعلم.

    وقال أبو بكر بنُ داود: قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشتَرطي لهم الولاء، فإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ" معلومٌ أنَّه لم يكنْ إلّا بعدَ تحريم اشتراطِ الولاء؛ لأنه لا يجوزُ في صفتِه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمُرَ بتركِ شيءٍ ثم يخبرَ أنه لمَن ترَكه بغيرِ سببٍ حادثٍ من المتروك له.

    قال: وإنّما معناه: اشتَرطي لهم الولاءَ، فإنَّ اشتراطَهم إيّاه بعدَ علمِهم بأنَّ اشتراطَه لا يجوزُ، غيرُ ضائرٍ لكِ ولا نافعٌ لهم، لا أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أمَر باشراطِ الولاءِ لهم ليقعَ البيعُ بينَها وبينَهم، فيبطُلَ الشرطُ ويصحَّ البيعُ وهم غيرُ عالمينَ بأنَّ اشتراطَهم ذلك لأنفسِهم غيرُ جائزٍ لهم؛ لأنَّ هذا مكرٌ وخديعةٌ لهم، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبعدُ الناسِ من أن يَفعلَ ما يَنهَى عن فعلِه، أو يرضَى لنفسِه ما لا يرضاه لغيرِه، وإنما كان هذا القولُ منه تهدُّدًا لمَن رغِب عن حُكمِه، وخالفَ عن أمرِه، ويُقدمُ على فعل ما قد نَهى عن فعلِه، وتهاونًا بالشرطِ إذ كان غيرَ نافع لمشترطِه، قال الله عزَّ وجلَّ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: ٥٦] . والله عزَّ وجلَّ لم يُجِزْ للمشركين كيدَ الأنبياءِ والمرسلين، ولا أباح لهم أن يكونوا بدُعاءِ الأصنام مُعتَصِمينَ، وإنما أعلَمهم أنَّ ذلك غيرُ ضائرٍ للمؤمنين، ولا نافعٌ للمشركين.

    vol. 14, p. 150قال: ومثلُه قولُه تعالى ذكرُه: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} الآيةَ [الأعراف: ١٩٥ - ١٩٦] . وكذلك قولُ هود: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} الآيةَ [هود: ٥٥ - ٥٦] . وهذا ليس بأمرٍ ولا إغراء، ولكنه تهاونٌ بكَيْدِهم، واستخفافٌ بتوعُّدِهم، وإظهارٌ لعجزِهم. وذكَر آياتٍ كثيرةً من هذا الباب، وقال: هذا البابُ مشهورٌ في كلام العرب، يستعمِلُه منهم مَن فَلَج بحُجَّتِه (١) ، وأمِن من كَيْدِ خَصمِه، قال المتلمِّسُ (٢) يهجُو عمرَو بنَ هندٍ حين قتل طرفةَ بنَ العبد، يُخبرُ أنه غيرُ خائفٍ من توعُّدِه، ولا جازع من تهدُّدِه:

    فإذا حَلَلْتُ ودُونَ بيتيَ غاوةٌ ... (٣) فابْرُقْ بأرضِك ما بدا لك وارْعُدِ

    قال: فليس هذا القولُ أمرًا منه له بالدوام على تهدُّدِه، ولا نهيًا له عن الإقامةِ على تخويفِه وتوعُّدِه، وإنّما هو إعلامٌ أنَّ إيعادَه غيرُ ضائر له، وأنَّ مكائدَه غيرُ لاحقةٍ به.

    قال: وكذلك قولُه: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ} [الإسراء: ٦٤] . ثم قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: ٦٥] . فهذا كلُّه داخلٌ في باب التهاوُنِ والتحذير، خارجٌ من باب الإباحةِ والتفويض، ومن معنى الإغراءِ

    vol. 14, p. 151والتحريض؛ لأنَّه قد أخبَر عزَّ وجلَّ أنَّ فِعْلَه ذلك غيرُ ضائرٍ لمَن تولّاه من عبادِه وأحبَّ هدايتَه، وأنّه لا سُلطانَ له عليهم، وكَفى بربِّكَ وكيلًا.

  10. أخبرنا محمدٌ (١) ، قال: حدَّثنا علي، قال: حدَّثني أبو محمدٍ يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعد وأبو سهلِ بنُ زياد (٢) وعثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقّاقُ، قالوا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثني أبو ثابت (٣) ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ وَهْب، قال: أخبَرني مالكٌ، أنه سأل ابنَ شهاب عن رجل خطَب على عبدِه وليدةَ قوم، واشترَط أنَّ ما ولَدتِ الأمةُ من ولدٍ فلي شطرُه، وقد أعطاها العبدُ مهرَها؟ قال ابنُ شهاب: هذا من الشرطِ الذي لا نرَى له جوازًا.

    قال: وقال ابنُ شهاب: أخبرَني عُروةُ بنُ الزبير، أنَّ عائشةَ قالت: قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فخطَب الناسَ، فقال: "يا معشرَ المسلمين، ما بالُ قوم يشتَرطونَ شروطًا ليسَت في كتاب الله؟ مَن اشترطَ شرطًا ليس في كتاب الله، وإن كان شرَطَ مئةَ شرط، فليس له شرط، شرطُ الله أحقُّ وأوثق" .

    قال أبو الحسن: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ من حديثِ مالك، تفرَّدَ به إسماعيلُ بنُ إسحاق، عن أبي ثابت.

    قال أبو عُمر: وفي هذا الحديث أيضًا دليلٌ على أنَّ بيعَ الأمَة ذاتِ الزوج ليس بطلاقٍ لها؛ لأنَّ العلماءَ قد أجمَعوا، ولم تختلِفْ في ذلك الآثارُ أيضًا، أنَّ بَريرةَ كانت إذ اشتَرتْها عائشةُ ذاتَ زوج، وإنما اختلَفوا في زوجِها؛ هل كان حُرًّا أو عبدًا؟ وقد أجمع علماءُ المسلمين على أنَّ الأمةَ إذا أُعتِقَت وزوجُها عبدٌ، أنّها تُخيَّرُ. واختلَفوا إذا كان زوجُها حرًّا، هل تُخيَّرُ أم لا؟ وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك كلِّه،

    vol. 14, p. 152وفي حُكمِها إذا خُيِّرت، وحُكمَ فُرقتِها وعِدَّتها، وسائرَ معانيها، وحجةَ كلِّ فرقةٍ منهم، في باب ربيعةَ (١) من هذا الكتاب. والحمدُ لله.

  11. وفي إجماعِهم على أنَّ بَريرةَ قد خُيِّرَت تحتَ زوجِها بعدَ أن اشترَتها عائشةُ فأعتَقتها، خيَّرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ أن تقرَّ عندَ زوجِها وبينَ أن يُفسَخَ نكاحُها، وفي تخييرِه لها في ذلك دليلٌ على أنَّ بيعَ الأمَةِ ليس بطلاقِها، لأنَّ بيعَها لو كان طلاقًا ما خُيِّرت وهي مطلقة.

  12. وعلى القول بأنَّ بيعَ الأمَةِ ليس بطلاقِها، جماعةُ فقهاءِ الأمصار من أهل الرأي والحديث، وجمهورُ السلف. وقد رُوِيَ عن بعضِهم أنَّ بيعَ الأمَة طلاقُها. وممّن رُوِيَ ذلك عنه: ابنُ مسعود، وابنُ عباس (٢) .

  13. وقال أبو بكر محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خزيمةَ رحمه الله: في فتوى ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنه أنّ بيعَ الأمةِ طلاقُها، مع روايته لقصةِ بَريرَةَ وتخييرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إيّاها بعدَ البيع والعتق، وشهادتِه أنه رأى زوجَها يتبعُها في سككِ المدينة، دليلٌ على أنَّ المخبرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالخبرِ وإن كان فقيهًا عالمًا مبرَّزًا، قد يَعزُبُ عنه بعضُ دلائل الخبرِ الذي رواه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ ابنَ عباس قد عزَب عنه مع علمِه وفَهْمِه وفقهِه موضعُ الاستدلال بذلك، إذ كان يقول: بيعُ الأمةِ طلاقُها.

    قال: ومن هذا الباب قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "نضَّر اللهُ أمرأً سمع مقالتي فوعاها،

    vol. 14, p. 153ثم أدَّاها إلى مَن لم يسمعْها، فرُبَّ مبلِّغ أوعَى له من سامع" (١) . وروَى ابنُ سيرينَ هذا الخبرَ، وقال: قد - والله - كان ذلك، رُبَّ مبلِّغ كان أوْعَى للخبر من سامعِه.

  14. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ من شأنِ الخُطبةِ أن يقالَ فيها: أمّا بعدُ.

  15. وقد اختُلِف في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: ٢٥] . فقال قوم: فَصْلُ الخِطاب: أمّا بعدُ (٢) .

    وقال آخرون: فصلُ الخِطاب: البيِّناتُ، والشُّهودُ، ومعرفةُ القضاء (٣) .

  16. وفيه أيضًا: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أجاز بيعَ بَريرةَ على ذلك الشرط الفاسد، وهو اشتراطُ موالي بَريرَةَ لأنفُسِهم الولاءَ دون عائشة وهي المُعتِقةُ، وهذا خلافُ قولِ مَن زعمَ أنَّ البيعَ يفسُدُ إذا كان فيه شرط فاسدٌ. وفي إجارر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - البيعَ وشرطَ العتقِ معًا، وإبطالِه شرطَ الولاءِ لغير المعتِقَةِ دليلٌ على أنَّ من الشروط ما يبطُلُ ولا يَلزَمُ، ولا يَضرُّ البيع.

  17. والشروطُ في البيع على وجوه ثلاثة:
  18. أحدُها: مثلُ هذا، فاسدٌ ولا يبطُلُ البيعُ لبُطلانِه، بل يصحُّ البيعُ ويبطُلُ الشرط.

  19. والآخَر: يجوزُ اشتراطُه، فيجوزُ البيعُ والشرطُ معًا.

  20. والثالث: قد يكونُ في البيع شروطٌ يكونُ البيعُ معَها فاسدًا. ولبيانِ ذلك وبَسْطِه وتلخيصِه موضعٌ غيرُها.

  21. أخبرنا خلفُ بنُ القاسم وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسد، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله بن أشْتَةَ الأصبهانيُّ المقرئُ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ أحمدُ بنُ محمدٍ الصَّحّافُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أيوبَ بن زاذانَ الضريرُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سليمانَ الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيد، قال: قدِمتُ مكة، فوجَدتُ بها أبا حنيفةَ وابنَ أبي ليلى وابنَ شُبرُمة، فسألتُ أبا حنيفة، فقلت: ما تقولُ في رجلٍ باع بيعًا وشرَط شرطًا؟ فقال: البيعُ باطلٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ أبي ليلى فسألتُه، فقال: البيعُ جائزٌ والشرطُ باطل. ثم أتيتُ ابنَ شُبرُمةَ فسألتُه، فقال: البيعُ جائزٌ والشرطُ جائزٌ. فقلت: يا سبحانَ الله! ثلاثةٌ من فقهاءِ العراقِ اختلفتُم في مسألةٍ واحدة. فأتيتُ أبا حنيفةَ فأخبرتُه، فقال: لا أدري ما قالا، حدَّثني عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع وشرطٍ. البيعُ باطلٌ، والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ أبي ليلى فأخبرتُه، فقال: لا أدري ما قالا، حدَّثني هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أمرني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن أشتريَ بَريرَةَ فأُعتقَها وإن اشترطَ أهلُها الولاءَ؛ فإنما الولاءُ لمَن أعتَق. البيعُ جائزٌ والشرطُ باطلٌ. ثم أتيتُ ابنَ شُبرُمةَ فأخبرتُه، فقال: ما أدري ما قالا: حدَّثني مِسْعَرُ بنُ كِدام، عن محاربِ بنِ دثار، عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: بعتُ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ناقةً وشرط لي حِلابَها أو ظهرَها إلى المدينة. البيعُ جائزٌ والشرطُ جائزٌ (١) .

    vol. 14, p. 155قال أبو عُمر: كان ذلك من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مع جابرٍ في غزوةِ ذاتِ الرِّقاع، وذلك سنةَ أربع من الهجرة، كذلك ذكَر ابنُ إسحاق (١) ، عن وَهْبِ بنِ كيسان، عن جابر، قال: خرجتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزو ذاتِ الرِّقاع. وذكَر الحديثَ في شرائِه منه جملَه، ولم يذكُرْ أنه اشترطَ عليه فيه شيئًا. واضطرابُ ألفاظِ الناقلين لخبر جابرٍ في ذلك كثير.

    vol. 14, p. 154
  22. وأما قوله: "كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل" . فمعناه: كلُّ شرطٍ ليس في حُكم الله وقضائِه في كتابِه أو سنَّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ اللهَ قد قرَن طاعةَ رسولِه بطاعتِه في آياتٍ كثيرِةٍ من كتابه، وقال الله عزَّ وجلَّ: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: ٢٤] . يريد: حكمَ الله عليكم وقضاؤُه فيكم أنْ حرَّم عليكم ما ذكَر في تلك الآية. وقد أخبَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ قضاءَ الله وشرطَه أن يكونَ الولاءُ لمَن أعتقَ، ولا يُعلَمُ في نصِّ كتابِ الله ولا في دلالةٍ منه أن الولاءَ للمُعتِق، وإنما ذلك في سنّةِ رسولِ الله المأثورةِ عنه بنقلِ أهلِ العدالةِ من جهةِ الخبرِ الخاصِّ.

  23. ولمّا أمرَ اللهُ عزَّ وجلَّ باتباع رسولِه - صلى الله عليه وسلم - جاز أن يقالَ لكلِّ حُكم حَكَم به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: حكمُ الله وقضاؤه. ألا ترَى إلى حديثِ الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله، عن

    vol. 14, p. 156أبي هريرة وزيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ، في الرَّجُلين اللّذَينِ أتيا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: يا رسولَ الله، اقضِ بينَنا بكتاب الله. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيدِه، لأقضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، أمّا المئةُ شاةٍ والخادمُ فردٌّ عليك، وعلى ابنِك جَلدُ مئةٍ وتغريبُ عام" (١) . فقد أقسَم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقضيَ بينهما بكتابِ الله، وهو صادِقٌ في قوله - صلى الله عليه وسلم -، وليس في كتابِ الله أنَّ على الزاني والزانيةِ نفيَ سنةٍ مع الجَلْد، ولا فيه أنَّ على الثيِّبِ الرجمَ، وهذه الأحكامُ كلُّها إنما هي في سُنَّةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

  24. وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الشُّروطَ وإن كثُرت حتى تبلُغَ مئةَ شرطٍ أو أكثرَ، أنَّها جائزٌ اشتراطُها إذا كانت جائزةً، لا يردُّها كتابٌ ولا سنّةٌ، ولا ما كان في معناهما، ألا ترَى إلى قوله: "كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئةَ شرط، قضاءُ الله أحقُّ، وشرطُه أوثَقُ، وإنَّما الولاءُ لمَن أعتَقَ " ؟

  25. وفي قوله: "إنَّما الولاءُ لمَن أعتقَ" نفيُ أن يكونَ الولاءُ إلّا لمُعتِق، وذلك ينفي أن يكونَ لمَن أسلَم على يدَيه ولاءٌ، أو لمُلتَقِطٍ ولاءٌ، وأن يُواليَ أحدٌ أحدًا بغيرِ عَتاقَة.

  26. وقولُه: "لمن أعتَقَ" يدخلُ فيه الذكرُ والأنثى، والواحدُ والجميعُ؛ لأنَّ "مَن" يصلحُ لذلك كلِّه، إلّا أنَّ النساءَ ليس لهنَّ من الولاءِ إلّا ولاءُ مَن أعتَقنَ أو عَتيقِه، وقد ذكَرنا كثيرًا من أحكام الولاءِ مُستوعَبةً ممهَّدةً في باب ربيعةَ من هذا الكتاب (٢) ، فلا وجهَ لتكريرِ ذلكَ هاهنا.

  27. وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ المُكاتَبَ إذا بِيعَ للعتقِ برضًا منه بعدَ الكتابة، وقبَضَ بائعُه ثَمنَه، لم يَجبْ عليه أن يُعطيَه من ثمنِه شيئًا، وسواءٌ باعَه لعتقٍ أو لغيرِ عتق،

    vol. 14, p. 157وليسَ ذلك كالسيدِ يُؤدِّي مكاتَبُه إليه كتابتَه فيؤتيه منها أو يضعُ عنه من آخرِها نجمًا أو ما شاء، على ما أمَر الله عزَّ وجلَّ به في قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣؛] لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرْ مواليَ بَريرَةَ بإعطائِها مما قبَضوا شيئًا، وإن كانوا قد باعوها للعتق (١) .

  28. واختلَف أهلُ العلم في معنى قول الله عزَّ وجلَّ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ، فذهبَت طائفة من أهل العلم - وهو قولُ بعض أهل النظر من متأخِّري أصحابِ الشافعيِّ - إلى أنَّ قولَه عزَّ وجلَّ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ} لم يُرِدْ به سيِّدي المُكاتَبين، وإنما هو خطابٌ عامٌ للناس، مقصودٌ به إلى من آتاه اللهُ مالًا تجبُ عليه فيه زكاةٌ، فأعلمَ اللهُ عبادَه أنَّ وضْعَ الزكاةِ في العبدِ المكاتَب جائزٌ وإن كان لا يؤمَنُ عليه العجزُ، وخصَّه من بين سائرِ العبيدِ بذلك، فجعَل للمُكاتَبينَ حقًّا في الزَّكَواتِ بقوله: {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: ٦٥] . قالوا: وهذا هو الوجهُ الذي يجبُ الاعتمادُ عليه في الإيتاءِ الذكورِ في الآية؛ لأنَّ وضْعَ بعض الكتابةِ لا تسمِّيه العربُ إيتاءً ولا عطاءً؛ لأن الإعطاءَ هو: ما تتناولُه الأيدي بالدَّفع والقبض، هذا هو المعروفُ عندَ أهل اللسان. قالوا: ولو أراد الوضعَ عن المكاتَب، لقال: ضعُوا عنهم، أو: فأعينُوهم به. بل هو من مالِ غير الكتابة، ومعروفٌ في نظام القرآن أن يَنسُقَ بضميرٍ على غيرِه، كما قال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: ٢٣٢] . والمأمورُ بتركِ العَضْل الأولياءُ لا المُطلِّقون، ومثلُه قولُه: {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: ٢٦] . والمُبَرَّؤونَ غيرُ القائلين، وهذا كثيرٌ في القرآن.

    وقال مالكٌ والشافعيُّ (٢) : هو أن يُوضعَ عن المكاتَبِ من آخرِ كتابته شيء.

    vol. 14, p. 158قال مالكٌ (١) : وقد وضَع ابنُ عمرَ خمسةَ آلافِ درهم من خمسةٍ وثلاثينَ ألفًا. وكان مالكٌ يرَى هذا ندْبًا واستحسانًا، ويستحِبُّه، ولا يُجبِرُ عليه ولا يُوجِبُه. وكان الشافعيُّ يُوجِبُه ولا يَحُدُّ فيه حدًّا. وكانا جميعًا يستحبّان أن يُوضعَ عنه من آخرِ الكتابةِ ربُعُها. وهو قولُ الثوريِّ، وإسحاقَ بنِ راهُوية، في استحبابِ الوضع من الكتابة (٢) .

  29. وكان الشافعيُّ (٣) يرَى أن يُجبَرَ السيِّدُ على أن يضعَ من آخرِها، لا يَحُدُّ.

    وقال قتادةُ: يُوضَعُ عنه عُشرُ الكتابة (٤) .

  30. ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وابن عباس، في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} . قال: الرُّبُعُ من كتابتِه (٥) .

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: ليس على السيدِ أن يضعَ عن مكاتبِه شيئًا من

    vol. 14, p. 159كتابتِه (١) . وتأويلُ قولِ الله عزَّ وجلَّ عندَهم: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} على النّدْبِ والحضِّ على الخيرِ لا على الإيجاب.

  31. وممّن رُوِيَ عنه أنَّ الأمرَ بالإيتاءِ ندْبٌ وحضٌّ: بُريدةُ الأسلميُّ، والحسنُ البصريُّ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وسفيانُ الثوريُّ (٢) .

  32. وكان داودُ بنُ عليٍّ يرى الكتابةَ فرضًا إذا ابتغاها العبدُ وعُلِمَ فيه الخيرُ، وكان يرى الإيتاءَ أيضًا فرضًا من غير حدٍّ، ولا يرى وضْعَ آخرِها من هذا المعنى.

  33. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على إباحةِ تسْجيعِ الكلام فيما يجُوز وينبغي منَ القول، وذلك بيانٌ لقوله في تسجيع الأعرابيِّ: إنّما هو من إخوان الكُهّان، وقد مضى هذا المعنى مجوَّدًا في باب ابن شهاب (٣) من هذا الكتاب، ومضى ذِكْرُ الوَلاءِ واختلافُ العلماءِ في أحكامِه في باب ربيعةَ (٤) والحمدُ لله.

  34. حديثٌ رابعٌ وعشرونَ لهشام بنِ عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لما قَدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌ. قالت: فدخَلْتُ عليهما فقلت: يا أبتِ، كليف تَجِدُكَ؟ ويا بلال، كيف تَجِدُكَ؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذَتْهُ الحُمّى يقول:

    كلُّ امرئ مُصبَّحٌ في أهلِهِ ... والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعْلِهِ

    وكان بلالٌ إذا أُقلِع عنه يرفَعُ عقيرتَه ويقول:

    ألا ليتَ شِعْري هل أبيتَنَّ ليلةً ... بوادٍ وحَوْلي إذخرٌ وجَلِيلُ

    وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفيلُ

    قالت عائشة: فجئتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه، فقال: "اللهُمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانقُلْ حُمّاها واجعَلْها في الجُحفَة" (٢) .

    vol. 14, p. 160
  35. أمّا قولُه: "إذخِرٌ وجَليلُ" فهما نَبْتان من الكَلأ طيِّبا الرائحة، يكونان بمكةَ وأوديَتِها، لا يكادان يُوجَدان بغيرها.

  36. و "شامةٌ وطَفيلُ" جبلان بمكة، وقيل: أحدُهما بجُدَّة، وقيل: بوادي فَخٍّ.

  37. لم يختلِفْ رُواةُ "الموطأ" فيما علِمتُ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث ولا في مَتْنه (٣) ، ولم يذكُرْ مالكٌ فيه قولَ عامر بن فُهَيْرة، وسائرُ رُواةِ هشام يذكُرونه

    vol. 14, p. 161عنه فيه بهذا الإسناد. وذكَره مالكٌ في "الموطأ" (١) ، عن يحيى بن سعيد، قال: قالت عائشة: وكان عامرُ بنُ فُهَيرة يقول:

    قد رأيتُ الموتَ قبلَ ذَوْقِهِ ... إنّ الجَبانَ حَتْفُهُ من فَوقِهِ

    ورواه ابنُ عُيينة (٢) ، ومحمدُ بنُ إسحاق (٣) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ. فجعَلا الداخلَ على أبي بكرٍ وبلالٍ وعامرٍ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لا عائشة. وقد تابَع مالكًا على روايته في ذلك سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن المخزوميُّ.

  38. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داود، قال: حدَّثنا سُحنونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني سعيدُ بنُ عبدِ الرحمن، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها قالت: لما قَدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ وُعِك أبو بكرٍ وبلالٌ وعامرُ بنُ فُهَيرة. قالت: فدخَلتُ عليهم وهم في بيت، فقلت: يا أبتِ، كيف تَجِدُكَ؟ يا بلالُ، كيف تَجِدُكَ؟ يا عامرُ، كيف تَجِدُكَ؟ فكان أبو بكرٍ إذا أخَذته الحُمَّى يقول:

    كلُّ امرئ مُصبَّح في أهلِهِ ... والموتُ أدْنَى من شِراكِ نَعْلِهِ

    vol. 14, p. 162ويقول عامرُ بنُ فُهيرَة:

    قد ذُقْتُ طَعْمَ الموتِ قبلَ ذَوْقِهِ ... إنّ الجَبانَ حَتْفُهُ من فَوقِهِ

    وكان بلالٌ إذا أُقلع عنه يرفَعُ عقيرتَه فيقول:

    ألا ليتَ شِعْري

    فذكَر البيتين.

  39. والحديثُ إلى آخرِه كروايةِ مالكٍ سواء، إلا أنه ذكَر فيه قولَ عامرِ بنِ فُهَيرة كما ترى، وجعَل الداخلةَ عليهم عائشة.

  40. وأما حديثُ ابن عيينة، فحدَّثناه سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لما دخَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ حُمَّ أصحابُه. قالت: فدخَل رسولُ الله على أبي بكر يعودُه، فقال: "كيف تَجِدُك يا أبا بكر؟ " فقال أبو بكر:

    كلُّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ ... والموتُ أدنَى من شِراكِ نَعلِهِ

    قالت: ودخَل على عامرِ بنِ فُهَيرة فقال: "كيف تَجِدُكَ؟ " فقال:

    وجَدتُ طَعْمَ الموتِ قبلَ ذَوْقِهِ ... إنّ الجَبانَ حَتْفُهُ من فَوقِهِ

    كالثورِ يَحْمِي جِلْدَه برَوْقِهِ (٢)

    قالت: ودخَل على بلالٍ فقال: "كيف تَجِدُك؟ " فقال:

    ألا ليتَ شعْرِي هل أبيتَنَّ لَيلةً ... بفَخٍّ وحَوْلِي إذْخِرٌ وجَليلُ

    vol. 14, p. 163وربَّما قال سفيان: بوادٍ.

    وهل أرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفِيلُ

    فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ إنّ إبراهيمَ عبدُك وخَليلُك، دعاكَ لأهلِ مكة، وأنا عبدُكَ ورسولُكَ، أدعُوكَ لأهل المدينةِ بمثلِ ما دعاك إبراهيمُ لأهلِ مكة، اللهُمَّ بارِكْ لنا في صاعِنا، وبارِكْ لنا في مُدِّنا، وبارِكْ لنا في مدينتِنا" - قال سفيان: وأُراه قال: "وفي فَرَقِنا" - "اللَّهُمَّ حبِّبْها إلينا ضِعْفَيْ ما حبَّبتَ إلينا مكةَ أو أشدَّ، وصَحِّحْها، وانقُلْ وباءَها إلى خُمٍّ (١) أو الجُحْفَة" .