ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني
433 paragraphs · vol. 2, p. 393
Page 10 of 11
- vol. 2, p. 564
وفيه أنَّ السُّنَّةَ في الاستئذانِ ثلاثُ مراتٍ، لا يُزادُ عليها. ويَحتمِلُ أن يكونَ ذلك على معنَى الإباحةِ والتَّخْفيفِ على المستأذنِ، فمَن استأْذنَ أكثرَ من ثلاثِ مراتٍ لَمْ يَحْرَجْ، واللّهُ أعلمُ.
وقال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ الاستئذانَ ثلاثَ مراتٍ مأخوذٌ من قولِ الله عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} [النور: ٥٨] . قال: يريدُ ثلاثَ دَفَعَاتٍ، فورَد القرآنُ في المماليكِ، والصِّبيانِ، وسُنَّةُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجميع (٢) .
قال أبو عمر: ما قالَه من هذا فإنَّه غيرُ معروفٍ عن العلماءِ في تفسيرِ الآيةِ التي نزَع بها، والذي عليه جمهورُهم في قوله فيها: {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} ؛ أي: في ثلاثةِ أوقاتٍ، يدُلُّ على صحةِ هذا القولِ ذِكْرُه فيها: {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} . وللكلام في هذه الآية موضِعٌ غيرُ هذا.
- vol. 2, p. 565
وجاء في هذا الحديثِ عن أبي موسى أنَّه كان استئذانُه يومَئذٍ بأن قال: يستأذِنُ عبدُ الله بنُ قيسٍ، يستأذِنُ أبو موسى. ونحوُ هذا.
قال أبو عمر: وفيه أنَّ الرجلَ العالمَ الحَبْرَ قد يُوجَدُ عندَ مَن هو دونَه في العِلْمِ ما ليس عندَه من العلم، إذا كان طريقُ ذلك العلم السَّمْعَ، وإذا جاز مثلُ هذا على عمرَ على موضعِه في العلم، فما ظَنُّك بغيرِه بعدَه؟
-
وروَى وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لو أنَّ علمَ عمرَ وُضِعَ في كِفَّةٍ، ووُضِع علمُ أحياءِ الأرضِ في كِفَّةٍ أُخرَي، لرجَح علمُ عمرَ بعلمِهم. قال الأعمشُ: فذكَرتُ ذلك لإبراهيمَ، فقال: لا تَعْجَبْ من هذا، فقد قال عبدُ الله: إنِّي لأحسَبُ تسعةَ أعشارِ العلمِ ذهَب يومَ ذهَب عمرُ (١) .
-
وجاءَ عن حُذيفةَ مثلُ قولِ عبدِ الله (٢) .
قال أبو عمر: زعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على أنَّ مذْهبَ عمرَ الَّا يقبلَ خبرَ الواحدِ. وليس كما زعَموا؛ لأنَّ عمرَ رضي الله عنه قد ثبَت عنه استعمالُ خبرِ الواحدِ وقبولُه، وإيجابُ الحكْم به، أليس هو الذي نَشَد الناسَ بمِنًى: مَن كان عندَه علمٌ برسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الدِّيَةِ، فليُخْبِرْنا؟ وكان رأيُه أنَّ المرأةَ لا تَرِثُ من دِية زوجِها؛ لأنَّها ليست من عَصَبَتِه الذين يعقِلُون عنه، فقام الضَّحَّاكُ بنُ سفيانَ الكِلابيُّ، فقال: كتَب إليَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ أُوَرِّثَ امرأةَ أشْيَمَ الضِّبَابيِّ من دِيةِ زوجِها (٣) .
- vol. 2, p. 566
وكذلك نَشَد الناسَ في دِيَةِ الجَنين: مَن عندَه فيه عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمٌ؟ فأخبرَه حَمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغَةِ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى فيه بغُرَّةٍ عبدٍ أو أمةٍ، فقضَى به عمرُ (١) . ولا يشُكُّ ذُو لُبٍّ، ومن له أقلُّ منزلةٍ في العلم، أنَّ موضِعَ أبي موسى من الإسلام، ومكانَه من الفقهِ والدين، أجلُّ من أنْ يُرَدَّ خبرُه، ويُقبلَ خبرُ الضَّحَّاكِ بنِ سفيانَ الكِلابيِّ وحَمَلِ بنِ مالكٍ الأعرابيِّ، وكلاهما لا يُقاسُ به في حالٍ، وقد قال له عمرُ في حديثِ ربيعةَ هذا: أمَا إنِّي لَمْ أتَّهِمْك، ولكنِّي خَشِيتُ أنْ يَتقوَّلَ الناسُ على رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فدَلَّ ذلك على اجتهادٍ كان من عمرَ رضِيَ اللهُ عنه في ذلك الوقتِ لمعنًى اللهُ أعلمُ به. وقد يَحتمِلُ أنْ يكونَ عمرُ رضِيَ اللهُ عنه كان عندَه في ذلك الحين من لَمْ يَصْحَبْ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أهلِ العراقِ وأهل الشام؛ لأنَّ اللهَ فتَح عليه أرضَ فارسَ والروم، ودخَل في الإسلام كثيرٌ ممَّن يَجوزُ عليهم الكَذِبُ؛ لأنَّ الإيمانَ لَمْ يَسْتَحْكمْ في قلوب جماعةٍ منهم، وليس هذه صفةَ أصحابِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنَّ اللهَ قد أخبَر أنَّهم خيرُ أُمَّةٍ أُخْرجَتْ للناس، وأنَّهم أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رحماءُ بينَهم، وأثنَى عليهم في غيرِ موضعٍ من كتابِه. وإذا جاز الكَذِبُ وأمكَن في الدَّاخِلين في الإسلام، فممكِنٌ أن يكونَ عمرُ مع احْتِياطِه في الدِّين يخشَى أنْ يَخْتلِقوا الكذبَ على رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عندَ الرَّغبةِ والرَّهْبَةِ وطلبًا للحُجَّةِ، وفِرارًا إلى المَلْجَإِ والمخرَج ممَّا دخَلوا فيه، لقِلَّةِ عِلْمِهم بما في ذلك عليهم، فأراد عمرُ أنْ يُرِيَهم أنَّ من فعَل
vol. 2, p. 567شيئًا يُنكَرُ عليه، ففَرع إلى الخبرِ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه، ليُثْبِتَ له بذلك فعلَه، وجَب التَّثبُّتُ فيما جاء به إذا لَمْ تُعْرَفْ حالُه حتى يَصحَّ قولُه، فأراهم ذلك، ووافقَ أبا موسَى، وإن كان عندَه معروفًا بالعدالَةِ غيرَ مُتَّهَم؛ ليكونَ ذلك أصلًا عندَهم، وللحاكم أنْ يجتَهِدَ بما أمْكنَه إذا أراد به الخيرَ، ولم يَخْرُجْ عمَّا أُبيحَ له، واللّهُ أعلمُ بما أرادَ عمرُ بقولِه ذلك لأبي موسَى. وعلى هذا قولُ طاووسٍ، قال: كان الرجلُ إذا حدَّث عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُخِذَ حتى يَجيءَ ببيِّنةٍ، وإلَّا عُوقِبَ (١) . يعني: ممَّن ليس بمعروفٍ بالعدالةِ ولا مشهورٍ بالعلم والثِّقَةِ، ألا ترَى إلى إجماعِ المسلمين أنَّ العالمَ إذا حدَّث عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان مشهورًا بالعلم، أُخِذَ ذلك عنه، ولم يُنْكَرْ عليه، ولم يَحْتَجْ إلى بَيِّنَةٍ؟ ومن نحوِ قولِ طاووسٍ هذا قولُ سعدِ بنِ إبراهيمَ رحِمه اللهُ: لا يُحدِّثُ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الثِّقاتُ (٢) . أيْ كلُّ مَن إذا وُقفَ أحالَ على مخرَجٍ صحيحٍ، وعلمٍ ثابتٍ، وكان مستورًا لَمْ تَظْهَرْ منه كبيرةٌ، وباللّه التوفيقُ.
قال أبو عمر: وأمّا قولُ من قال: إنَّ عمرَ لَمْ يعرِفْ أبا موسى. فقولٌ خرَج عن غيرِ رَوِيَّةٍ ولا تَدَبُّرٍ، ومنزلةُ أبي موسى عندَ عمرَ مشهورةٌ، وقد عَمِل له، وبعَثه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عاملًا وساعِيًا على بعض الصَّدَقاتِ، وهذه منزِلَةٌ رفيعةٌ في الثِّقَةِ والأمانَة.
-
وفي قولِ عمرَ رضِي اللهُ عنه، في حديثِ عُبيدِ بنِ عميرٍ الذي ذكَرْناه في هذا الباب (٣) : خَفِي عليَّ هذا من أمرِ رسولِ الله، - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألْهاني عنه الصَّفْقُ في الأسواقِ. اعترافٌ منه بجَهْلِ ما لَمْ يَعلمْ، وإنْصافٌ صحيحٌ، وهكذا يجبُ على كلِّ مؤمن.
- vol. 2, p. 568
وفي قولِه: "ألْهاني عنه الصَّفْقُ بالأسواق" دليلٌ على أنَّ طلبَ الدُّنيا يمْنَعُ من استِفادةِ العلم، وأنَّ كلَّما ازْدادَ المرءُ طلبًا لها، ازدادَ جهلًا، وقلَّ عِلمُه، واللّهُ أعلمَ. ومن هذا قولُ أبي هريرةَ: أمَّا إخوانُنا المهاجِرون، فكان يَشْغَلُهم الصفْقُ بالأسواق، وأمَّا إخوانُنا من الأنصارِ فشَغَلَتْهم حوائِطُهم، ولَزِمْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على شِبَعِ بَطْنِي (١) . هذا وكان القومُ عَرَبًا، في طبعِهم الحفظُ وقلَّةُ النِّسيانِ، فكيفَ اليومَ؛ وإذا كان القرآنُ الميَسَّرُ للذِّكْرِ كالإبلِ المُعَقَّلَةِ، من تعاهدَها أمسَكَها، فكيف بسائرِ العلوم؟ واللّهَ أسألُه علمًا نافعًا، وعملًا مُتقبَّلًا، ورزقًا واسعًا، لا شريكَ له.
-
ومن أحسنِ حديثٍ يروَى في كيفيةِ الاستئذانِ، ما حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا يحيى بنُ آدمَ، عن حسنِ بنِ صالح، عن أبيه، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: استأْذَن عمرُ على النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: السلامُ على رسولِ الله، السلامُ عليكم، أيَدخُلُ عمرُ؟
- vol. 2, p. 569
وروَى منصور، عن رِبْعيِّ بنِ حِراشٍ، عن رجلٍ من بني عامرٍ، أن رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: "قل: السلامُ عليكم. أأدخُلُ؟ " (١) .
-
وقد ذكَرَ ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عَمْرو بن الحارث عن أبي الزُّبير، عن عُمر مولى آل عُمر، أنه حدَّثه أنه دخَل على عبد الله بن عُمر بمكةَ، قال: وقَفْتُ على الباب فقلت: السلامُ عليكم. ثم دخَلتُ، فنَظَر في وجهي ثم قال: اخرُجْ، ثم قلت: السلامُ عليكم، أأدخُل؛ قال: ادخُل الآنَ، من أنت؟ قلت: رجلٌ من مِصر. قال: وقال ابنُ جُرَيْج: قلت لعطاءٍ: كان يقالُ: إذا استأذَن الرجلُ ولم يُسلِّمْ فلا يؤذَنُ له حتى يأتيَ بمفتاح، قلت: السلام؟ قال: نعم.
قال أبو عمر: تهذيبُ هذه الآثار كلِّها على ما جاء في حديثِ ابن عبّاس: السلامُ عليكم، أيدخُلُ عُمر؟ فمَن سلَّم ولم يقُلْ: أأدخُل أو: يَدخُلُ فلانٌ، أو قال: أدخُلُ أو يَدخُلُ فلانٌ ولم يُسلِّمْ، فليس بإذْنٍ يستحقُّ به أن يؤذَنَ له، واللّه أعلم؛ وقد أخبَرنا ابنُ عبّاس أنّ الاستئذانَ: ترَكَ العملَ به الناسُ، وأظُنُّ ذلك لقَرْع الأبوابِ اليومَ واللّهُ أعلم.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٢) :
vol. 2, p. 570حَدَّثَنَا القَعْنبيُّ، قال: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْديُّ، عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن عِكرمةَ، عن ابن عبّاس، قال: كان الناسُ ليس لبيوتهم ستورٌ ولا حِجال، فأمَرَهم اللهُ بالاستئذان ثم جاءهم اللهُ بالسُّتور والخير، فلم أرَ أحدًا يعملُ بذلك بعد. وقد أوضحنا هذا المعنى في باب صفوانَ بن سُليم، والحمدُ للّه.
-
وأنكَر رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على جابرٍ حينَ دَقَّ البابَ على رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال له رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن؟ " ، فقال جابرٌ: أنا، فأنكَر ذلك عليه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: "أنا، أنا! " ، مرَّتَيْن أو ثلاثًا، إنكارًا لذلك.
-
ورواه شُعبةُ وغيرُه، عن محمد بن المُنكدِر، عن جابر بن عبد الله، أنه ذهب إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دَيْن أبيه، قال: فدققتُ الباب، فقال: "من هذا؟ " ، قلت: أنا، قال: "أنا، أنا" ، فكرِهه (١) .
- vol. 2, p. 571
حديثٌ عاشرٌ لربيعةَ مُنقَطِعٌ يتَّصل من وُجُوهٍ صِحاح
مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، أنَّه قال: قدِم على أبي بكرٍ الصديقِ مالٌ من البحرين، فقال: مَن كان له عندَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأْيٌ أو عِدَةٌ فلْيَأتني. فجاءَ جابرُ بنُ عبدِ الله، فحفَن له ثلاثَ حَفَناتٍ.
-
هذا الحديثُ يتَّصِلُ من وجوهٍ ثابتةٍ عن جابرٍ، رواه عنه جماعةٌ؛ منهم أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ، ومحمدُ بنُ المُنْكَدِر، وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عَقيل، وأبو الزُّبيرِ، والشَّعْبيُّ. وسنذكُرُ وجوهَ هذا الحديثِ وطُرُقَه بعدَ الفراغِ من القولِ في معانِيه إن شاء اللهُ.
-
وفيه من الفقه: أنَّ العِدةَ واجبٌ الوفاءُ بها وجوبَ سُنَّةٍ وكرامةٍ، وذلك من أخلاقِ أهلِ الإيمان، وقد جاءَ في الأثر: "وَأْيُ المؤمنِ واجبٌ" (٢) . أي: واجبٌ في أخلاقِ المؤمنين.
-
وإنَّما قلنا: إنَّ ذلك ليس بواجبٍ فرضًا؛ لإجماعِ الجميع على أنَّ من وُعِدَ بمالٍ ما كان، لَمْ يَضِربْ به مع الغُرماء، فلذلك قلنا: إيجابُ الوفاءِ به حَسَنٌ في المروءةِ، ولا يُقْضَى به. ولا أعلمُ خلافًا أنَّ ذلك مُسْتَحْسَنٌ، يستَحِقُّ صاحبُه الحمدَ والشكرَ على الوفاءِ به، ويستَحِقُّ على الخُلْفِ في ذلك الذَّمَّ، وقد أثنَى اللهُ عزَّ وجلَّ على من صدَق وعدَه، ووفَّى بنَذْرِه، وكفَى بهذا مَدْحًا، وبما خالَفَه ذَمًّا،
vol. 2, p. 572ولم تَزَلِ العربُ تَمْدَحُ بالوفاءِ، وتَذُمُّ بالغَدْرِ والخُلْفِ، وكذلك سائرُ الأُمَم، واللّهُ أعلمُ. قال سابقُ بنُ خُريم (١) :
متى ما يَقُلْ حُرٌّ لطالبِ حاجَةٍ ... نعم يَقْضِها والحُرُّ للوِأْيِ ضامِنُ
والوأْيُ: العِدَةُ.
-
ولمَّا كان هذا من مكارمِ الأخلاق، وكان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوْلَى الناسِ بها وأبدَرَهم إليها، وكان أبو بكرٍ خليفتَه - أدَّى ذلك، وقامَ فيه مقامَه، في المَوْضِع الذي كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِيمُه.
-
وقد اختلَف الفقهاءُ فيما يلزَمُ من العِدَةِ وما لا يَلْزَمُ منها، وكذلك اختلَفوا في تأخيرِ الدَّيْنِ الحالّ، هل يلزَمُ أم لا يلزَمُ؟ وهو من هذا الباب؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: مَن أقْرَضَ رجُلًا مالًا؛ دنانيرَ أو دراهمَ، أو شيئًا ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ، أو غيرَ ذلك، إلى أجَلٍ، أو منَح مِنْحَةً، أو أعارَ عاريَّةً، أو أسْلَف سَلَفًا، كلُّ ذلك إلى أجل، ثم أرادَ الانصرافَ في ذلك وأخْذَه قبلَ الأجَلِ، لَمْ يكنْ ذلك له؛ لأنَّ هذا ممّا يُتَقَرَّبُ به إلى الله عزَّ وجلَّ، وهو من بابِ الحِسْبَة.
قال أبو عمر: ومن الحُجَّةِ لمالكٍ رحِمه الله في ذلك عمومُ قولِه تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} [الإسراء: ٣٤] . وقولِه عليه السلامُ: "كلُّ معروفٍ صدقة" (٢) . وأجْمعوا أنَّه لا يُنصَرَفُ في الصَّدَقاتِ، وكذلك سائرُ الهِباتِ. قال مالكٌ: وأمَّا العِدَةُ مثلُ أنْ يَسألَ الرَّجلُ الرجلَ أنْ يَهَبَ له الهِبَةَ، فيقولَ له: نعم. ثم يبدُو له الَّا يَفعلَ، فما أرَى ذلك يَلْزَمُه. قال مالكٌ: ولو كان ذلك في قضاءِ دَيْنٍ، فسَألَه أن
vol. 2, p. 573يَقْضِيَه عنه، فقال: نعم. وثَمَّ رجالٌ يَشْهَدُون عليه، فما أحْرَاه أنْ يلْزَمَه إذا شهِد عليه اثْنان. وقال ابنُ القاسم: إذا وعَد الغُرماءَ، فقال: أشْهِدُكم أنِّي قد وهَبْتُ لهذا من أين يُؤَدِّي إليكم. فإنَّ هذا يَلْزَمُه، وأمَّا أنْ يقولَ: نعم، أنا أفعلُ. ثم يبدُو له، فلا أرَى ذلك عليه.
وقال سُحْنُونٌ (١) : الذي يلزَمُه من العِدَةِ في السَّلَفِ والعارِيَّةِ، أنْ يقولَ للرَّجل: اهْدِمْ دارَكَ وأنا أُسْلِفُكَ ما تَبْنِيها به. أو: اخرُجْ إلى الحجِّ وأنا أُسْلِفُكَ ما يُبَلِّغُكَ. أو: اشْترِ سلعةَ كذا. أو: تَزَوَّجْ، وأنا أُسْلِفُكَ ثمنَ السِّلعةِ، وصداقَ المرأةِ. وما أشْبَهَه ممَّا يُدخلُه فيه، وينْشِبُه به، فهذا كلُّه يلزَمُه. قال: وأمَّا أنْ يقولَ: أنا أُسْلِفُك. و: أنا أُعْطِيكَ. بغيرِ شيءٍ يُلزِمُه المأمورُ نفسَه، فإنَّ هذا لا يلزَمُه منه شيءٌ.
-
قال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وعبيدُ الله بنُ الحسن (٢) ، وسائرُ الفقهاءِ: أمَّا العِدَةُ فلا يلزَمُه منها شيءٌ؛ لأنَّها مَنافعُ لَمْ يَقْبِضْها في العاريَّةِ لأنَّها طارئةٌ، وفي غيرِ العاريَّةِ هي أشخاصٌ وأعيانٌ موهوبةٌ لَمْ تُقْبَضْ، ولصاحبِها الرجوعُ فيها (٣) .
-
وأمَّا القَرْضُ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: سواءٌ كان القَرْضُ إلى أجلٍ أو إلى غيرِ أجَلٍ، له أنْ يأخُذَه متى أحَبَّ، وكذلك العاريَّةُ وما كان مثلَ ذلك كلِّه، ولا يَجوزُ تأخيرُ القَرْضِ البَتَّةَ بحالٍ. ويجوزُ عندَهم تأخيرُ المغصوبِ وقِيَمِ
vol. 2, p. 574المُسْتَهلكاتِ، إلَّا زُفَرَ فإنَّه لا يُجوِّزُ التَّأْجيلَ في القَرْضِ ولا في الغَصْبِ (١) . واضْطرَبَ قولُ أبي يوسُفَ في هذا الباب (٢) . وقال الشافعيُّ (٣) : إذا أخَّرَه بدَيْنٍ حالٍّ فله أنْ يَرجِعَ متى شاءَ، وسواءٌ كان من قَرْضٍ أو غيرِ قرضٍ، أو من أيِّ وجهٍ كان، وكذلك العارِيَّةُ وغيرُها، لأنَّ ذلك من بابِ العِدَةِ والهبةِ غيرِ المقْبُوضةِ، وهبةِ ما لَمْ يُخْلَقْ.
قال أبو عمر: في هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنْ يَقضِيَ الإنسانُ عن غيرِه بغيرِ إذْنِه، فيَبْرَأ، وأنَّ المَيِّتَ يسْقُطُ عنه ما كان عليه بقَضَاءِ من قَضى عنه، واللّهُ أعلمُ.
قال أبو عمر: أمَّا الآثارُ المُتَّصِلَةُ في معنَى حديثِ ربيعةَ هذا فحَدَّثَنَا خَلَفُ ابنُ قاسمٍ الحافظ قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ أبا أحمدَ الحسينَ بنَ جَعْفَرٍ الزَّيَّاتَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيدَ القَراطِيسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ المُنْكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله - قال سفيانُ: وحدَّثني عمرُو بنُ دينارٍ، عن محمدِ بنِ عليٍّ، عن جابر، يزيدُ أحدُهما على الآخر - قال: قال لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لو قدِم مالٌ من البَحرَينِ لأعْطَيْتُك هكذا، وهكذا، وهكذا" . فما قدِم مالُ البحرينِ حتى قُبِضَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلمَّا قدِم مالُ البحرينِ قال أبو بكر: مَن كان له على رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَيْنٌ أو عِدَةٌ فلْيَأْتِنا. قال جابرٌ: فأتيْتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: إنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعَدني: "إذا قدِم
vol. 2, p. 575مالٌ من البَحْرينِ أعطَيتُكَ هكذا، وهكذا، وهكذا ". قال: فحثَى لي أبو بكرٍ حَثْيَةً، ثم قال لي: عُدَّها. فإذا هي خمسُ مئةٍ، قال: خُذْ مثلَها مرَّتَيْن. وزادَ فيه ابنُ المُنْكَدِر: ثم أتَيْتُ أبا بكرٍ بعدَ ذلك فرَدَّني، فسأَلْتُه فردَّني، فقلتُ في الثالثة: سألتُكَ مَرَّتَيْن فلم تُعْطِني. قال: إنَّك لَمْ تأتني مَرَّةً إلَّا وأنا أريدُ أنْ أُعطِيَكَ، وأيُّ داءٍ أدْوَأُ من البخل؟ (١)
-
وحدَّثني أبو عبد الله محمدُ بنُ رَشِيقٍ رحِمه اللهُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ عبدِ الله الحاكمُ الخُراسانيُّ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ محمدِ بنِ حمدانَ، قال: حَدَّثَنَا أَحْيَدُ بنُ الحسين، قال: حَدَّثَنَا مُقاتِلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا نوحُ بنُ أبي مريمَ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: دخَلتُ على النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "لو جاءنا مالٌ لَحَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك". قال: فقُبِض رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتيْتُ أبا بكرٍ فحَدَّثْتُه، فقال: ونحنُ لو جاءَنا مالٌ لحَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك، ثم حَثَيْتُ لك. قال: فأتَاه مالٌ، فحثَى لي، ثم حثَى لي، ثم حثَى لي، ثم قال: ليس عليك فيها صدقَةٌ حتى يحُولَ الحَوْلُ. فوزَنتُها فكانت ألفًا وخمسَ مئةِ درهم (٢) .
-
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيَي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالقَ
vol. 2, p. 576البزَّارُ، قال (١) : حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جابرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا مجُالِدٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرٍ، قال: لمَّا قُتِلَ أبي دَعاني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "أتُّحِبُّ الدَّراهمَ؟ " . قلتُ: نعم. قال: "لو جاءَني مالٌ لأعطيْتُكَ هكذا، وهكذا" . قال: فمات رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبلَ أنْ يُعْطِيَني، فلمَّا اسْتُخْلِفَ أبو بكرٍ أتَاه مالٌ من البحرين، فقال: خُذْ كما قال لك رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فأخَذْتُ.
-
ورواه سعيدُ بنُ سليمانَ سعدُويَةُ، عن فُليح بن سليمانَ، عن عبدِ الله بن محمدِ بنِ عَقيلٍ، عن جابرٍ، نحوَه بمعناه (٢) .
-
وذكَر أهلُ السِّيَرِ أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعَد عمرَو بنَ العاصِ حينَ بعَثه إلى المنذرِ بنِ ساوَى أنْ يَسْتعمِلَه على صدقاتِ سعدِ هُذَيْم، فلمَّا قدِم بعدَ وفاةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعْمَلَه عليها أبو بكرٍ إنْفاذًا لرَأْيِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٣) .
- vol. 2, p. 577
حديثٌ حاديَ عشَرَ لربيعةَ مُنقَطعٌ متَّصل من وجُوهٍ شتّى
مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّه قدِم من سفَرٍ، فقدَّمَ إليه أهلُه لحمًا، فقال: انظُروا أن يكونَ هذا من لحوم الأضحى. فقالوا: هو منها. فقال أبو سعيدٍ: ألم يكنْ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عنها؟ فقالوا: إنَّه قد كان من رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعدَك فيها أمرٌ. فخرَج أبو سعيدٍ فسأل عن ذلك، فأُخْبِر أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "نَهَيْتكُم عن لحوم الأضاحيِّ بعد ثلاثٍ، فكُلوا، وتصدَّقوا، وادَّخِروا، ونَهَيْتُكم عن الانتِباذِ، فانْتَبِذوا، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، ونَهَيْتُكم عن زيارةِ القبور، فزُورُوها، ولا تقولوا هُجْرًا" ، يعني لا تقولوا سُوءًا.
قال أبو عمر: لَمْ يَسمَعْ ربيعةُ من أبي سعيدٍ الخدريِّ، وهذا الحديثُ يتِّصِلُ من غير حديثِ ربيعة (٢) ، ويُسْنَدُ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طُرُقٍ حسانٍ من حديثِ عليِّ بن
vol. 2, p. 578أبي طالبٍ، وأبي سعيدٍ، وبُرَيْد الأسْلَميِّ، وجابرٍ (١) ، وأنسٍ (٢) ، وغيرِهم، وهو حديثٌ صحيحٌ.
-
وفيه من الفقه: تَرْكُ الإقدام على ما في النَّفْسِ منه شَكٌّ، حتى يَسْتَبْرِئَ ذلك بالسُّؤالِ والبحثِ والوقوفِ على الحقيقة.
-
وفيه أنَّ حديثَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه النَّاسِخُ والمنسوخُ، كما في كتابِ الله عزَّ وجلَّ، وهذا إنّما يكونُ في الأوامرِ والنواهي من الكتابِ والسُّنة، وأمَّا في الخبرِ عن الله عزَّ وجلَّ أو عن رسولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلا يجوزُ النَّسخُ في الأخبارِ البَتَّةَ بحالٍ، لأنَّ المخْبِرَ عن الشيءِ أنَّه كان أو يكونُ، إذا رجَع عن ذلك لَمْ يَخْلُ من السَّهْوِ أو الكذبِ، وذلك لا يُعْزَى إلى الله ولا إلى رسولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يُخْبِرُ به عن رَبِّه في دينِه، وأمَّا الأمرُ والنَّهْيُ فجائزٌ عليهما النسخُ؛ للتَّخْفيفِ، ولِما شاء اللهُ من مصالح عبادِه، وذلك من حكمتِه لا إلهَ إلَّا هو.
-
وقد أنكَر قومٌ من الرَّوافِضِ والخوراج النسخَ في القرآنِ والسُّنةِ، وضاهَوا
vol. 2, p. 579في ذلك قولَ اليهودِ، ولو أنْعَموا النَّظَرَ لعَلِموا أنَّ ذلك ليس من بابِ البَدَاءِ (١) كما زعَموا، ولكنّه من بابِ الموتِ بعدَ الحياة، والكِبَرِ بعدَ الصِّغَرِ، والغِنَى بعدَ الفقرِ، إلى أشْبَاهِ ذلك من حكمةِ الله تعالى، ولكنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يشاءُ ويهدي مَن يشاءُ، وليس هذا مَوضِعَ الكلام في هذا المعنَى؛ لئلَّا نخرُجَ عمَّا قصَدْنَاه.
-
وفيه أنَّ النَّهْيَ حُكْمُه إذا ورَد أن يُتَلَقَّى باستعمالِ تركِ ما نُهِي عنه والامتناعِ منه، وأنَّ النَّهيَ محمولٌ على الحَظْرِ والتَّحْريمِ والمنعِ، حتى يَصْحبَه دليلٌ من فَحْوَى القصَّةِ والخطابِ، أو دليلٌ من غير ذلك يُخْرِجُه من هذا البابِ إلى بابِ الإرشادِ والنَّدْبِ.
-
وفيه أنَّ الآخِرَ من أمْرِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ناسِخٌ لما تقدَّمَ منه، إذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتِعْمالُه، وصَحَّ تَعارُضُه، ولذلك لا خِلافَ عَلِمْتُه من العلماءِ في إجازةِ أكْلِ لحومِ الأضاحيِّ بعدَ ثلاثٍ وقبلَ ثلاثٍ، وأنَّ النَّهْيَ عن ذلك مَنْسُوخٌ على ما جاء في هذا الحديث، لا خلافَ بينَ فقهاءِ المسلمين في ذلك. وقد رَوَتْ عَمْرَةُ، عن عائشةَ بَيانَ العِلَّةِ في النَّهْيِ عن أكْلِ لُحومِ الأضاحِيِّ بعدَ ثلاثٍ، وأنَّ ذلك إنَّما كان محبَّةً في الصدقةِ من أجلِ الدَّافَّةِ التي كانت قد دَفَّتْ عليهم. يعني الجماعةَ من الفقراءِ القادمةَ عليهم.
-
وروَى ذلك مالكٌ (٢) ، عن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ. وسنذكُرُه في موضعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله.
-
وأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكر، قال:
vol. 2, p. 580حَدَّثَنَا سليمانُ بن الأشْعَثِ، قال (١) : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حَدَّثَنَا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن أبي المَليح، عن نُبَيْشَةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنَّا كُنَّا نَهَيْناكم عن لُحُومِها أن تَأكُلُوها فوقَ ثلاثٍ لكي تَسَعَكم، فقد جاء اللهُ بالسَّعَة، فكُلوا، وادَّخِروا، وائتَجِروا، أَلا وإنَّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وشربٍ وذكرِ الله عزَّ وجلّ" .
قال أبو عمر: هكذا في حديثِ نُبَيْشَةِ الخير، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فكُلوا، وادَّخِروا، وائتَجِروا" . ومعناه: اتَّخِذوا الأجْرَ فيما تتَصدَّقُون به منها. يُبَيِّنُ ذلك حديثُ عمرةَ، عن عائشةَ المتَقدِّمُ ذِكْرُه؛ فيه: "فكلوا، وتَصَدَّقوا، وادَّخِروا" ومعناهما عندي واحدٌ، واللّهُ أعلمُ.
-
وأمَّا قولُه: "فكُلوا، وتَصَدَّقوا، وادَّخِروا" على لفظِ الأمرِ، فإنَّ معناه الإباحَةُ لا الإيجابُ، وهكذا كلُّ أمرٍ يأتي في الكتابِ والسُّنَّةِ بعدَ حَظْرٍ ومَنع تقَدَّمَه، فمعناه الإباحةُ لا غيرُ، ألا ترَى أنَّ الصَّيدَ لما حُظِرَ على المحرم، ومُنِع منه، ثم قيل له بعدَ أنْ حَلَّ: اصْطَدْ إذا حَلَلْتَ. كان ذلك إباحةً له في الاصطيادِ، لا إيجابًا لذلك عليه؟ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢] . ومثلُ ذلك: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: ١٠] . وهو كثيرٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ. والحمدُ للّه. وهذا أصلٌ جَسيمٌ في العلم، فقِفْ عليه.
-
وإذا كان هذا كما ذكَرْنا، فجائزٌ للمُضَحِّي أنْ يأكُلَ أُضْحِيّتَه كلَّها، وجائز أنْ يَتَصَدَّقَ بها كلَّها، وجائزٌ أنْ يَدَّخِرَ وألَّا يَدَّخِرَ، وعلى هذا جماعةُ العلماءِ، إلّا أنَّهم يَسْتَحِبُّون للمُضَحِّي أنْ يأكُلَ ويتصدَّقَ، ويكرَهون له ألا يَتصدَّقَ منها بشيءٍ.
- vol. 2, p. 581
وكان الشافعيُّ رحِمه الله يَسْتَحِبُّ أنْ يأكُلَ من أُضْحِيَّته ثُلثَها، ويتصدَّقَ بثُلُثٍ، ويدَّخِرَ ثُلُثًا، على ما جاءَ في الحديث. وكان غيرُه يَسْتَحِبُّ أن يتَصدَّقَ بنصفٍ، ويأكُلَ نِصْفًا؛ لقولِ الله في البُدْنِ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: ٣٦] . وأمَّا مالكٌ رحِمه اللهُ، فلم يَحُدَّ في ذلك حدًّا، وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يأكُلَ منها ويتصدَّقَ من غيرِ أن يَحُدَّ في ذلك حدًّا (١) .
-
حدَّثني أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيسٍ، قال: حَدَّثَنَا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: حَدَّثَنَا مَعنُ بنُ عيسى، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أبي الزَّاهِريَّة، عن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن ثوبانَ قال: ذبَح رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحِيَّتَه، ثم قال: "يا ثوبانُ، أصلِحْ لَحْمَ هذه الأُضحِيةِ" . فلم أزلْ أُطْعِمُه منها حتى قدِم المدينةَ (٢) .
-
ففي هذا الحديثِ ادِّخارُ لَحْمِ الأُضحية، وفيه الضَّحيَّةُ في السَّفَر.
-
وأما قولُه: "ونَهيْتُكم عن الانْتِباذِ، فانْتَبِذوا، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" فإنَّ ذلك عندَ أهلِ العلم محمولٌ على أنَّ النَّهْيَ عنها معناه لسُرعةِ الشِّدَّةِ فيها، ولهذا ثبَت على كراهيةِ الانْتِباذِ فيها جماعةٌ من العلماءِ؛ لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديثَ النَّاسِخ: "وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (٣) . وكرِهوا الانْتباذَ فيها خَوْفًا من مواقعةِ المسكرِ، واللّهُ أعلمُ.
- vol. 2, p. 582
فإنِ انْتَبَذ أحدٌ في شيءٍ منها ولم يَشْرَبْ مُسْكِرًا، فلا حرجَ عليه. والأوعِيَةُ التي نُهِيَ عن الانتباذِ فيها هي: الدُّبَّاءُ (١) ، والنَّقِيرُ (٢) ، والحَنتمُ (٣) ، والمُزَفَّتُ (٤) ، والمقَيَّرُ، والجَرُّ (٥) ، وما كان مثلَها. وبذكرِ هذه الأوعيةِ ورَدتِ الآثارُ في كراهيةِ النَّبيذِ فيها. وكان عبدُ الله بنُ عمرَ وعبدُ الله بنُ عباسٍ لا يرَيانِ الانْتِباذ في شيءٍ منها بحالٍ، لِما رَوَيا عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من النَّهْي عنها وعن نَبِيذِ الجَرِّ، وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: الجَرُّ كلُّ ما يُصنعُ من مَدَرٍ (٦) . وكانا لا يُجِيزانِ النَّبيذَ إلَّا في الجُلودِ، بعضُهم يقولُ: أسْقيَةُ الأدَم. وبعضُهم يقولُ: الجِلْدُ الموكَأُ عليه. ونحوُ هذا. وابنُ عباسٍ هو الذي روَى حديثَ وَفْدِ عبدِ القَيْسِ، وفيه النَّهْيُ عن الشرب في الدّبّاءِ، والنَّقيرِ، والمقَيَّرِ، وبعضُهم يقولُ: المُزَفَّتِ والحَنْتَم. وفي ذلك الحديثِ أَنَّهم قالوا: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنِ اشْتَدَّ في الأسْقِيةِ؟ قال: "فصُبُّوا عليه الماءَ" . قالوا: يا رسولَ الله! فقال لهم في الثالثةِ أو الرابعة: "أهريقوه" . ثم قال: "إنَّ اللهَ حرَّم الخمرَ والميسرَ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ" (٧) .
vol. 2, p. 583قال أبو عمر: ففي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النَّهْيَ عن ذلك خَشْيَةَ مُواقعةِ الحرام، واللّهُ أعلمُ، وإذا كان ذلك كذلك، فواجبٌ أن تكونَ الكراهية باقيةً على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ الخشيةَ أبدًا غيرُ مرتفعةٍ، ويكونُ على هذا المعنَى قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فانْتَبِذوا فيما بَدا لكم" كشفًا عن المراد، لا أنَّه نَسْخٌ أباح فيه ما حَرَّمَ قبلُ، هذا ما يَحْضُرُني من التأويلِ فيه، وباللّه التوفيقُ.