ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني
433 paragraphs · vol. 2, p. 393
Page 9 of 11
- vol. 2, p. 541
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ حمّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الواحدِ وحفصُ بنُ غِياثٍ، وهذا لفظُ حديثِ عبد الواحدِ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ شدَّادٍ، عن مَيْمُونَةَ قالت: كان النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أراد أن يُباشِرَ امرأةً من نِسائِه وهي حائضٌ، أمَرَها فاتَّزَرَت" (٢) .
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ الجُهَنيُّ، قال: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (٣) : أخبرنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيل، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمُرُ إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَشُدَّ إزارَها ثم يُباشِرُها.
vol. 2, p. 542قال أبو عمر: هذه الآثارُ كلُّها في معنَى حديثِ رَبِيعَةَ، عن عائشةَ، وظاهِرُها أنَّ الحائضَ لا يُباشَرُ منها إلّا ما فوقَ الإزارِ.
-
واخْتَلَفَ الفقهاءُ في مُباشَرَةِ الحائضِ وما يُسْتَباحُ منها؛ فقال مالكٌ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: له منها ما فوقَ المِئْزَرِ (١) . وممَّن رُوِيَ عنه هذا المعنى؛ القاسمُ، وسالِمٌ (٢) . وحُجَّتُهم ما ذكَرنا في هذا البابِ من الآثارِ عن عائشةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقال الثوريُّ، ومحمدُ بنُ الحسن، وبعضُ أصحاب الشافعيِّ: يَجْتَنِبُ مَوضِعَ الدَّم (٣) . وممن رُوِيَ عنه هذا المعنَى؛ ابنُ عباسٍ، ومَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وعكرمةُ (٤) . وهو قولُ داودَ بن عليٍّ. ومن حُجَّتِهم حديثُ ثابتٍ، عن أنس؛ قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ، واصنَعُوا كُلَّ شيءٍ ما خَلا النِّكاحَ" . أو قال: "ما خَلَا الجِماعَ" . وقد ذكَرْناه في هذا الباب (٥) .
-
ومن حُجَّتِهم أيضًا حديثُ عائشةَ؛ قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنَّ حَيْضَتَكِ ليست في يَدِكِ" .
-
أخبَرنا عبد الله بن محمد، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكر، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (٦) : حَدَّثَنَا مسدَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن ثابتِ بن عُبيد،
vol. 2, p. 543عن القاسم بن محمد، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنّ حَيْضتَكِ ليست في يدِكِ" .
-
وحَدَّثَنَا عمرُ بنُ الحُسَينِ بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ أحمدَ أبي جعفرٍ الطحاويِّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الرَّبيعُ بنُ سليمانَ المُرادِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أسَدُ بنُ موسَي، ووَجَدْتُ في أصْلِ سَماع أبي رحِمه اللهُ بخَطِّه أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسمِ بن هلالٍ حدَّثَهم، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال: حَدَّثَنَا أسَدُ بنُ موسَي، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن ثابتِ بن عُبَيْدٍ، عن القاسم بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ناوِليني الخُمْرَةَ من المسجدِ" . قلتُ: إنِّي حائض. قال: "إنَّ حَيْضَتَكِ ليست في يِدِكِ" (١) (٢) .
vol. 2, p. 544قال أسَدُ بنُ موسَى: وحَدَّثَنَا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البَهيِّ، عن ابنِ عمرَ، عن عائشةَ، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه (١) .
قال أسدٌ: وحَدَّثَنَا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البَهِيِّ، عن عائشةَ مثلَه، ولم يَذْكُرِ ابنَ عمرَ (٢) .
قال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٣) : فدَلَّ ما في هذا الحديثِ أنَّ كلَّ عُضْوٍ منها ليس فيه الحَيْضَةُ في الطَّهار؛ بمعنى ما كان عليه قبلَ الحيضِ، ودلَّ على أنَّ الحيضَ لَمْ يُغيِّرْ شيئًا من المرأةِ عما كانت عليه قبل الحيضِ غيرَ مَوْضِعِ الحيضِ وحدَه.
-
وروَى أبو مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، عن مَسْرُوقٍ، قال: سألتُ عائشةَ: ما يَحِلُّ لي من امرأتي وهي حائضٌ؟ فقالت: كلُّ شيءٍ إلَّا الفَرْجَ. رواه أيوبُ، عن أبي مَعْشَرٍ (٤) .
-
وروَى أيوبُ أيضًا، عن أبي قِلابَةَ، عن عائشةَ مثلَه (٥) .
- vol. 2, p. 545
وأخبَرنا عمرُ بنُ حسينٍ، عن أبيه، قال: حدَّثَني عليُّ بنُ أبي جعفرٍ الطَّحاويِّ، عن أبيه، قال (١) : حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمانَ المُرادِيُّ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بنُ اللَّيْثُ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن بُكَيْرِ بنِ الأشَجِّ، عن أبي مُرَّةَ مولى عَقِيلٍ، عن حكيمِ بنِ عقالٍ، قال: سألتُ عائشةَ: ما يَحرُمُ علَيَّ من امرأتِي إذا حاضَتْ؟ فقالت: فرْجُها (٢) .
-
ومن حُجَّةِ مَن قال بالقولِ الأوَّلِ ما رَواه زيدُ بنُ أسْلَمَ، أنَّ رَجلًا سألَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما يَحِلُّ لي من امرأتِي وهي حائضٌ؟ فقال: "لِتَشُدَّ عليها إزارَها، ثم شأْنَكَ بأعْلَاها" (٣) . وحديثُ مَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وعائشةَ، على ما ذكَرنا في هذا الباب، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه لَمْ يكنْ يُباشِرُ امرأةً من نسائِه وهي حائضٌ إلَّا وهي مُتَّزِرَةٌ، وهو المُبَيِّنُ عن الله مُرادَه قولًا وعملًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال أبو عمر: يَحْتَمِلُ أن يكونَ أمرُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمُباشَرَةِ الحائضِ وهي مُتَّزِرَةٌ، على الاحْتِياطِ والقَطْعِ للذَّرِيعَةِ، ولأنَّه لو أباحَ فخِذَيها كلّ ذلك ذَرِيعَةً إلى مَوْضِع
vol. 2, p. 546الدَّمِ المُحَرَّمِ بإجْماع، فنَهَى عن ذلك احْتِياطًا، والمُحَرَّمُ بعيْنِه مَوْضِعُ الأذَى، ويَشْهَدُ لهذا ظاهِرُ القرآنِ، وإجماعُ معاني الآثارِ؛ لئلَّا تتضادَّ، وباللّه التوفيقُ.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (١) ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا القَعْنَبيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله، يعني ابنَ عمرَ بنِ غانم، عن عبد الرَّحمن، يَعْني ابنَ زِيادٍ، عن عُمارَةَ بنِ غُرابٍ، أنَّ عمَّةً له حدَّثته، أنَّها سألَتْ عائشةَ قالت: إحْدانا تَحِيضُ وليس لها ولزَوْجِها إلّا فِراشٌ واحدٌ قالت: أُخْبِرُكِ بما صنعَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ دخَل فمَضَى إلى المسجدِ - قال أبو داودَ: تَعْنِي مَسْجِدَ بَيْتِه - فلم يَنْصَرِفْ حتى غَلَبَتْني عَيْناي، وأوْجَعَه البَرْدُ، فقال: "ادْنِي مِنِّي" . فقلتُ: إنِّي حائضٌ. فقال: "وإن، اكْشِفِي عن فخِذِكِ" . فكَشَفْتُ، فوضَع خَدَّه وصَدْرَه على فخِذي، وحَنَيْتُ عليه حتى دَفِئَ ونامَ.
-
واختَلَفَ الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائضٌ، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وهو قولُ رَبِيعَةَ، ويحيى بن سعيدٍ: يَسْتَغْفِرُ اللهَ، ولا شيءَ عليه، ولا يعودُ. وبه قال داود (٢) .
-
ورُوِيَ عن محمدِ بن الحسنِ أنَّه قال: يتَصَدَّقُ بنِصْفِ دينارٍ (٣) .
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: يَتصدَّقُ بدِينارٍ أو نصفِ دينارٍ. وقال أحمدُ: ما أحْسنَ
vol. 2, p. 547حديثَ عبدِ الحَميدِ، عن مِقْسَم، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يَتصدَّقُ بدينارٍ أو نصفِ دِينارٍ" (١) .
وقال الطبريُّ: يُستَحَبُّ له أن يَتصدَّقَ بدينارٍ أو نصفِ دِينارٍ، فإن لم يَفْعَلْ فلا شيءَ عليه. وهو قولُ الشافعيِّ ببغدادَ. وقالت فِرْقَةٌ من أهلِ الحديثِ: إنْ وَطِئَ في الدَّمِ فعليه دِينارٌ، وإن وَطِئَ في انقطاع الدَّم فعليه نصفُ دِينارٍ (٢) .
قال أبو عمر: حُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ ما رَواه عليُّ بنُ الحَكَم البُنانيُّ، عن أبي الحسنِ الجَزَرِيِّ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ مرفوعًا، قال: "إذا أصابَها في الدَّم فدِينارٌ، وإذا أصابَها في انقطاع الدَّم فنصفُ دِينارٍ" (٣) .
-
وكذلك رواه ابنُ جريجٍ، عن عبد الكريم، عن مقسم سواءً (٤) .
- vol. 2, p. 548
وحُجَّةُ مَن قال بقولِ محمدِ بنِ الحسنِ ما رواه خُصيفٌ، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا وقَع بأهلِه وهي حائضٌ فلْيتصدَّقْ بنصفِ دينار" (١) .
وقال أبو داود (٢) : كذلك قال عليُّ بنُ بَذيمَةَ، عن مِقْسَم، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مُرْسَلٌ.
-
وحُجَّةُ مَن قال بقولِ أحمدَ بن حنبلٍ ما رَواه الحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ، عن عبدِ الحَميدِ بن عبدِ الرَّحمن، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في الذي يأتِي امرأتَه وهي حائضٌ، قال: "يتَصدَّقُ بدينارٍ، أو بنصفِ دينارٍ" (٣) . قال أبو داود (٤) : هكذا الروايةُ الصحيحةُ: دِينارٌ أو نصفُ دينارٍ. قال: ورُبَّما لَمْ يَرْفَعْه شُعْبَةُ، عن الحَكَم.
وقال الأوزاعيُّ: مَن وطِئَ امرأتَه وهي حائضٌ، تَصَدَّقَ بخُمُسَيْ دِينارٍ. ورواه عن يزيدَ بن أبي مالكٍ، عن عبدِ الحَميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّه أمَره أن يَتَصَدَّقَ بخُمُسَيْ دِينارٍ (٥) .
vol. 2, p. 549قال أبو عمر: وحُجَّةُ مَن لَمْ يُوجِبْ عليه كفَّارةً إلّا الاستغفارَ والتوبةَ، اضْطِرابُ هذا الحديثِ عن ابن عباسٍ، وأنَّ مثلَه لا تقومُ به حُجَّةٌ، وأنَّ الذِّمَّةَ على البَراءَةِ، ولا يَجِبُ أن يَثْبُتَ فيها شيءٌ لمسكينٍ ولا غيرِه، إلّا بدليلٍ لا مَدْفَعَ فيه ولا مَطْعَنَ عليه، وذلك مَعْدُومٌ في هذه المسألة.
-
واختَلَف الفقهاءُ أيضًا في وطْءِ الحائضِ بعدَ الطُّهْرِ وقبلَ الغُسْلِ، فقال مالكٌ وأكثرُ أهل المدينة: إذا انقطَع عنها الدمُ لَمْ يَجُزْ وطْؤُها حتى تَغْتَسِلَ. وبه قال الشافعيُّ، والطبريُّ، ومحمدُ بنُ مَسلمةَ (١) .
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن انقطَع دَمُها بعدَ مُضِيِّ عشَرةِ أيام جاز له أن يَطَأَها قبلَ الغُسلِ، وإن كان انقطاعُه قبلَ العشَرةِ لَمْ يَجُزْ حتى تَغتسِلَ أو يَدخُلَ عليها وقْتُ صلاة (٢) .
قال أبو عمر: هذا تَحَكُّمٌ لا وجْهَ له، وقد حَكَمُوا للحائضِ بعدَ انقطاع دَمِها بحُكْمِ الحيضِ في العِدَّة، وقالوا: لزَوْجِها عليها الرَّجْعَةُ ما لَمْ تَغْتَسِلْ. فعلى قياسِ قولِهم هذا لا يَجبُ أن تُوطأَ حتى تَغتسِلَ، وهو الصَّوابُ مع مُوافَقَةِ أهلِ المدينةِ، وباللّه التوفيقُ.
-
فإن قيل: إنَّ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} بعدَ قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] ، دليلًا على أنَّ المَحِيضَ إذا زالَ وطَهَرْنَ، جاز إتيانُهُنَّ من حيثُ أُمِرْنا باجْتِنابِهِنَّ. فالجَوابُ أنَّ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} دليلًا على بَقاءِ تَحريم الوطءِ بعدَ الطُّهرِ
vol. 2, p. 550حتى يَتطهَّرْنَ بالماء؛ لأنَّ "تَطَهَّرْنَ" "تَفَعَّلْنَ" مأْخُوذٌ من قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] . يريدُ الاغْتِسالَ بالماءِ. وقد يقَعُ التحريمُ بالشيءِ ولا يَزولُ بزَوالِه لعِلَّةِ أُخرى؛ دليلُ ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ في المَبْتُوتَة: {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] وليس تَحِلُّ له بنِكاح الزوجِ حتى يَمسَّها ويُطَلِّقَها، وكذلك لا تَحِلُّ الحائضُ للوطءِ بالطُّهرِ حتى تَغْتَسِلَ.
-
ومثلُ ذلك قولُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تُوطَأُ حامِلٌ حتى تَضع، ولا حائِلٌ حتى تَحِيضَ" (١) . ومَعْناه: حتى تضَع وتَطْهُرَ من دَمِ نِفاسِها أو حَيْضَتِها وتَغْتَسِلَ.
-
ومن هذا المعنَى أيضًا أنَّ الإحرامَ يَمنعُ من الطِّيبِ واللِّباسِ والصَّيدِ والنِّساءِ، وقد يقَعُ الحِلُّ من ذلك كلِّه قبل أن يقَعَ من وطْءِ النساءِ حتى يَكمُلَ الخُروجُ من الحَجِّ، فيَحِلَّ حينئذٍ الوطْءُ، فكذلكَ الحيضُ، يُوجبُ تَحْريمَ الصلاةِ والصومِ وإتيانِ الزوج، فإذا انقطَعَ الدمُ انحَلَّ عنها بعضُ ذلك بإباحَةِ الصَّوْمِ لها، وبَقِيَ تَحريمُ الصلاةِ إلى أن تأتِيَ بالطهارة، فكذلك حُكْمُ الجِماع، يَبْقَى تَحريمُه حتى لا يَبقَى للحيضِ حُكْمٌ، واللّهُ أعلمُ. وفي المسألةِ اعْتِراضاتٌ، وفيما ذكَرنا كفايةٌ، والحمدُ للّه.
- vol. 2, p. 551
حديثٌ ثامنٌ لربيعةَ مُنقَطِعٌ يتَّصل من وُجُوهٍ
مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "مَن أصابَتْه مُصيبةٌ فقال كما أَمَره اللهُ: إنَّا للّه وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أجُرْنِي في مُصِيبتي، وأعْقِبْني خيرًا منها. إلّا فعَل اللهُ ذلك به" . قالتْ أُمُّ سلَمةَ: فلمَّا تُوفِّي أبو سلَمةَ قلتُ ذلك، ثمَّ قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ فأَعْقَبَها اللهُ رسولَه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتَزَوَّجَها.
-
هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ، وتابَعَه جماعةٌ من رُواةِ "الموطَّأ" (٢) .
-
ورَواه ابنُ وهْبٍ، فقال: حدَّثني مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ربيعَةَ، أنَّ أبا سلَمةَ قال لأُمِّ سلَمةَ: لقد سَمِعْتُ من رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلامًا ما أُحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النِّعَمِ، سمِعْتُه يقولُ: "ما من أحَدٍ تُصيبُه مُصِيبَة فيَقولُ ما أمَره اللهُ به: إنَّا للّه وإنَّا إليه راجِعون، اللهمَّ أجُرْنِي في مُصِيبَتي، وأَعْقِبْني خيرًا منها. إلّا فعَل اللهُ ذلك به" . قالت: فلمَّا تُوفِّيَ أبو سلَمةَ قلتُ ذلك، ثم قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ ثم قُلْتُه، فأَعْقَبَني اللهُ رسولَه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال أبو عمر: هذا حديثٌ يَتَّصلُ من وجوهٍ شَتَّى، إلّا أنَّ بعضَهم يَجعَلُه لأُمِّ سلَمةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعضُهم يَجعَلُه لأُمِّ سلَمةَ، عن أبي سلَمةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكذلك اختُلِف فيه أيضًا عن مالكٍ على حسَبِ ما ذكَرْنَاه، وهذا ليس ممّا يَقْدَحُ في الحديثِ؛ لأنَّ رِوايةَ الصحابةِ بعضِهم عن بعضٍ، ورَفْعَهم ذلك إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
vol. 2, p. 552سَواءٌ عندَ العلماءِ؛ لأنَّ جميعَهم مقبولُ الحديث، مأمونٌ على ما جاءَ به، بثَناءِ الله عليهم، وقد أوْضَحْنا هذا المعنَى في غيرِ هذا الموضِع.
-
وأبو سلَمةَ ماتَ قبلَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد ذكَرْنا ذلك في كتاب "الصحابة" (١) ، فأغْنَى ذلك عن ذِكْرِه هاهنا.
-
أخبَرني أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا وهبُ بنُ مَسَرَّةَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالت: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا حَضرْتُمُ الميِّتَ أو المريضَ فقولوا خيرًا؛ فإنَّ الملائكةَ يُؤمِّنُونَ على ما تقولون" . قالت: فلمَّا ماتَ أبو سلَمةَ أتَيْتُ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سلَمةَ قد ماتَ. قال: "قولي: اللهُمَّ اغْفِرْ لي وله، وأعْقِبْني منه عُقْبَى حَسَنَة" . قالت: ففعَلْتُ، فأَعْقَبني اللهُ مَن هو خيرٌ منه؛ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو أُسامةَ، عن سعدِ بنِ سعيد، قال: أخبرني عمرُ بنُ كثيرِ بنِ أفْلَحَ، قال: سمِعتُ ابنَ سَفِينَةَ يُحَدِّثُ، أنَّه سمِع أُمَّ سلَمةَ تقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "مَا من عبدٍ تُصِيبُه مُصيبةٌ فيقولُ: إنَّا للّه وإنَّا إليه راجِعون، اللهمَّ أجُرْني في مُصِيَبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها.
- vol. 2, p. 553
إلّا أجَرَه اللهُ في مُصيبتِه، وأخْلَفَ له خيرًا منها ". قالت: فلمَّا تُوفِّيَ أبو سلَمةَ قلتُ كما أمَرَني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأَخْلَفَني اللهُ خيرًا منه، محمّدًا رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .
قال أبو بكرٍ: وحَدَّثَنَا ابنُ نُمَيْر، قال: حَدَّثَنَا سعدُ بنُ سعيدٍ، عن عمرَ بنِ كثيرِ بن أفْلَحَ، قال: أخبَرني عليُّ بنُ سَفِينَةَ (٢) مَوْلَى أُمِّ سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "ما من عبدٍ تُصيبُه مُصِيبَةٌ". فذكَر مِثلَه، إلّا أنَّه قال: فقلتُ: مَن هو خيرٌ من أبي سلَمةَ صاحبِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ثم عزَمَ لي، فقُلْتُها (٣) .
قال أبو عمر: هكذا يقولُ في هذا الحديثِ سعدُ بنُ سعيدٍ بإسنادِه عن أُمِّ سلَمةَ: سمِعْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وخالَفَه سعيدُ بنُ أبي هلالٍ في الإسنادِ، وجعَلَه عن أُمِّ سلَمةَ، عن أبي سلَمةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ذكَرَه ابنُ وَهْبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهِيعَةَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن عُمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفْلَحَ، عن أُمِّ أيمنَ مَولاةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قالت: أخبَرتْني أُمُّ سلَمةَ زوجُ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّ أبا سلَمةَ أتاها يومًا فقال: لقد سمعتُ اليومَ من رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلامًا لهو أحَبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَم.
vol. 2, p. 554قالت: وما هو يا أبا سلَمةَ؟ قال: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "مَن رجَّعَ عندَ مصيبةٍ، ثم قال: اللهمَّ أجُرْني في مُصِيبَتي واخْلِفْ لي خيرًا منها. كان ذلك له بذلك" . قالتْ: فلمّا أُصيبَ أبو سلَمةَ رَجَّعْتُ، ثم قلتُ: اللَّهُمَّ أْجُرْني في مُصِيبَتي. قالت: وهَمَمْتُ أنْ أقولَ: وأَخْلِفْ لي خيرًا منها. ثم قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ قالت: ورسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمامِي مُتَوَكِّئٌ على أبي بكرٍ، مُمْسِكٌ بيَدِه. قالت: ثم قُلتُها. قالت: فشَدَّ على يَدِ أبي بَكْرٍ.
قال أبو عمر: هكذا قال سعيدُ بنُ أبي هلالٍ: عن عمرَ بنِ كثيرِ بنِ أفْلَحَ، عن أُمِّ أيمنَ. وقال سعدُ بنُ سعيدٍ: عن عمرَ بن كثيرِ بنِ أفْلَحَ. عن عليِّ بن سَفِينَةَ. واللّهُ أعلمُ. وأمَّا إسْنادُه عن أبي سَلَمَةَ فهو الصحيح (١) ، وباللّه التوفيقُ.
-
حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمد بن وضاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٢) : حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال:
vol. 2, p. 555أخبَرنا عبدُ الملكِ بنُ قُدَامَةَ الجُمَحِيُّ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبي سلَمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ، أنَّ أبا سلَمةَ حدَّثَها، أنَّه سمِعَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "ما من مسلمٍ يُصابُ بمُصيبةٍ فيَفْزَعَ إلى ما أمَره اللهُ به من قولِ: إنا للّه وإنا إليه راجِعون، اللهمَّ عندَك أحْتَسِبُ مُصِيبَتي، فأْجُرْني فيها، وعِضْنِي خيرًا منها. إلَّا أجَرَه اللهُ عليها، وعَاضَه خيرًا منها" . قالت: فلمَّا تُوفِّي أبو سلَمةَ ذكَرْتُ الذي حدَّثني عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلتُ: إنا للّه وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أحْتَسِبُ عندَك مُصيَبتي، فأْجُرْني عليها. فلمّا أردتُ أنْ أقولَ: وعِضْنِي خيرًا منها. قلتُ في نفسي: أُعاضُ خيرًا من أبي سلَمةَ؟ ثم قلتُها، فعاضني اللهُ محمدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأَجَرَني في مُصِيبَتي.
قال أبو عمر: عبدُ الملك بنُ قُدامَةَ هذا هو عبدُ الملكِ بنُ قُدامةَ بنِ محمدِ بن حاطبٍ الجُمَحيُّ، مَدَنيٌّ ثقةٌ شريفٌ (١) .
-
وأخبَرني أبو عبدِ الله عُبيدُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملك، قالا: أخبَرنا عبدُ الله بنُ مسورٍ العسَّالُ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بن سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا عُبيدُ الله بنُ محمدِ بن حفصٍ العَيْشِيُّ، قال: حَدَّثَنَا حمّادُ بنُ سلَمةَ، قال: أخبَرنا ثابتٌ، قال: أخبَرني عمرُ بنُ أبي سلَمةَ بن عبدِ الأسدِ، عن أُمِّه أُمِّ سلَمةَ، أنَّ أبا سلَمةَ قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أصابَ أحدَكم مُصِيبَةٌ فلْيقُلْ: إنا للّه وإنا إليه راجِعون، اللهمَّ عندَك احْتَسبْتُ مُصيبَتي، فأْجُرْني فيها، وأَبْدِلْني بها خيرًا منها" . قالت: فلمَّا احْتُضِرَ أبو سلَمةَ بنُ عبدِ الأسدِ، قال: اللهمَّ أخْلِفْنِي في أهْلي بخير منِّي. فلمَّا قُبِضَ أبو سلَمةَ قلتُ: إنا للّه وإنا إليه راجعون، اللهمَّ عندَك احْتَسَبْتُ مُصِيبَتي، فأْجُرْني فيها. فكنتُ إذا أرَدْتُ أنْ أقولَ: وأبْدِلْني خيرًا منها. قلتُ: ومَن خيرٌ من أبي سلَمةَ؟ فلم أَزَلْ حتى قلتُها. قال: فلمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خطَبها أبو بكرٍ فرَدَّتْه، ثم خطَبها عمرُ فرَدَّتْه،
vol. 2, p. 556ثم بعَث إليها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخطَبها، فقالت: مرحبًا برسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو قالت: مرحبًا باللّه ورسولِه - أقْرِئْ رسولَ الله السلامَ، وأخْبِرْه أنِّي امْرَأةٌ غَيْرَى، وأنا مُصْبِيةٌ (١) ، وليس أحدٌ من أوليائي شاهِدًا.
قال: فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أمَّا قولُكِ: إنِّي غَيْرَى. فإنِّي سأدْعُو اللهَ أنْ يُذْهِبَ غَيْرَتَكِ، وأمَّا قولُك: إنِّي مُصْبِيَةٌ. فإنَّ اللهَ سيكفيكِ، وأمَّا أولياؤُكِ، فليس أحدٌ منهم شاهدًا ولا غائبًا إلّا سَيَرْضَاني" . فقالت لابْنِها: قُمْ يا عمرُ، فزوِّجْ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فزَوَّجَها، فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أمَا إنِّي لا أنْقُصكِ مما أعْطيتُ أُختَكِ فلانةَ؛ جرَّتين، ورَحًى، ووِسادةً من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ" . قال: وكان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأتيها وهي تُرْضِعُ زينبَ، فكان إذا جاءَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخَذَتْها فوَضَعَتْها في حَجْرِها تُرْضِعُها، وكان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَييًّا كريمًا، فرجَع، فنظَر إليها عَمَّارُ بنُ ياسرٍ، وكان أخاها من الرَّضَاعةِ، فأرادَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يأتيَها ذاتَ يوم، فجاءَ عمَّارٌ فدخَل عليها، فانْتشَط زينبَ من حَجْرِها، وقال: دَعِي هذه المقبوحةَ المَشقُوحَةَ (٢) التي قد آذَيْتِ بها رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فجاءَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدخَل، فجعَل يَلتَفِتُ يَنظُرُ في البيتِ ويقولُ: "أينَ زُنابُ؟ ما فعَلتْ زُنابُ؟ ما لي لا أرَى زُنابَ؟ " . فقالت: جاءَ عمارٌ فذهَب بها. فبَنَى رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأهلِه، وقال لها: "إنْ سبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لنِسَائي" (٣) .
vol. 2, p. 557قال أبو عمر: ليس في حديثِ أُمِّ سلَمةَ من روايةِ مالكٍ معنًى يُشْكِلُ، ولا موضعٌ تَنازَعَه العلماءُ في التأويل، وإنّما هو دعاءٌ واستِرْجاعٌ وتَعَزٍّ.
-
ومعنَى قولِه: "إنا للّه" ؛ أي: نحنُ للّه عبيدٌ، وخلْقٌ خُلِقْنا للفناء، "وإنا إليه راجعون" . أي: وإليه نصيرُ ونرْجِعُ؛ لأنَّه تباركَ اسْمُه إليه يَرجِعُ الأمرُ كلُّه، والخلقُ كلُّه، فلا بُدَّ من الموتِ والرجوع إلى الله، أيْ: فما لنا نَجْزَعُ ممَّا لا بُدَّ لنا منه، ولا مَحِيدَ عنه؟ وهذا أحسنُ شيءٍ وأبلغُه في حُسْنِ العزاءِ، وفيه إيمانٌ وإخلاصٌ وإقرارٌ بالبعث، والحمدُ للّه.
- vol. 2, p. 558
حديثٌ تاسع بيعةَ مُنقَطعٌ يتَّصلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ
مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرَّحمن، عن غيرِ واحدٍ من علمائِهم، أنَّ أبا موسَى الأشعريَّ جاء يَستأذِنُ على عمرَ بن الخطاب، فاستَأذَن ثلاثًا، ثم رجَع، فأرسَل عمرُ بنُ الخطابِ في أثَرِه، فقال: ما لكَ لَمْ تَدْخُلْ؟ فقال أبو موسى: سمِعْتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "الاستِئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ، وإلا فارجعْ" . فقال عمرُ بنُ الخطاب: ومَن يَعلَمُ هذا؟ لئن لَمْ تأتِني بمن يَعلمُ ذلك لأفْعلنَّ بك كذا وكذا. فخرَج أبو موسى حتى جاء مجلسًا في المسجدِ يُقالُ له: مجلسُ الأنصار. فقال: إنِّي أَخْبَرْتُ عمرَ بنَ الخطاب أنّي سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "الاستِئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِن لك فادخُلْ، وإلّا فارجعْ" . فقال: لئن لمْ تأتِني بمَن يَعلمُ هذا لأفعلنَّ بك كذا وكذا. فإنْ كان سمِع ذلك أحدٌ منكم فلتقُمْ معي. فقالوا لأبي سعيدٍ الخدريِّ: قُمْ معه. وكان أبو سعيدٍ أصغرَهم، فقام معه، فأخبَرَ ذلك عمرَ بنَ الخطاب، فقال عمرُ لأبي موسى: أمَا إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولكنِّي خَشِيتُ أن يَتقَوَّلَ الناسُ على رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال أبو عمر: رُوِيَ هذا الحديثُ متصلًا مُسنَدًا عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وُجوهٍ؛ من حديثِ أبي موسى (٢) ، وحديثِ أُبَيٍّ بنِ كعبٍ (٣) ، وحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريّ (٤) .
vol. 2, p. 559وقال بعضُهم في هذا الحديث: كلُّنا سَمِعَه (١) .
-
وقد روَى قومٌ هذا الحديث عن أبي سعيدٍ، عن أبي موسى (٢) . وإنّما هذا من النَّقَلَةِ؛ لاخْتِلاطِ الحديثِ عليهم، ودخولِ قصةِ أبي سعيدٍ مع أبي موسى في ذلك، واللّهُ أعلمُ، كأنَّهم يقولون: عن أبي سعيدٍ، عن قصةِ أبي موسى. على نحوِ روايةِ عُمَيرِ بنِ سلمةَ، عن البَهْزِيِّ، يريدُ: عن قصةِ البَهْزِيِّ. وقد أوْضَحْنا هذا المعنَى عندَ ذكرِ البَهْزِيِّ، في باب يحيَى بن سعيدِ من كتابِنا هذا (٣) ، والحمدُ للّه.
-
ومن أحسنِ طُرُقِ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ في هذه القصة ما حَدَّثَنَاه أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمدِ بن مسرورٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ أبي سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا سُحْنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهب، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارث، عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ، أنَّ بُسْرَ بن سعيدٍ حدَّثه، أنَّه سمِع أبا سعيدٍ الخُدْرِيَّ يقولُ: كنا في مجلسِ أُبَيٍّ بنِ كعبٍ، فأتَى أبو موسى مُغْضَبًا حتى وقَف، وقال: أنْشُدُكم اللهَ، هل سمِع أحدٌ منكم رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "الاستِئذانُ ثلاث، فإن أُذِنَ لك، وإلّا فارجِعْ" ؟ قال أُبَيٌّ: وما ذاك؟ قال: استأذنْتُ على عمرَ أمسِ ثلاثَ مراتٍ، فلم يُؤذَن لي، فرجَعْتُ، ثم جِئْتُ اليومَ،
vol. 2, p. 560فدخلْتُ عليه، فأخبَرتُه أنِّي جِئْتُ أمسِ فسلَّمْتُ ثلاثًا ثم انصرَفْتُ. فقال: قد سمِعناكَ ونحنُ حينئذٍ على شُغلٍ، فلو استأذَنتَ حتى يُؤْذنَ لكَ؟ قال: استأذَنْتُ كما سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال: واللّه لأُوجِعَنَّ ظهْرَكَ وبطنَكَ، أو لتَأْتِيَنِّي بمَن يَشهَدُ لك على هذا. فقال أُبَيٌّ: واللّه لا يَقومُ معكَ إلَّا أحدَثُنا سِنًّا، الذي يُجِيبُكَ، قُمْ يا أبا سعيدٍ. فقُمْتُ حتى أتَيْتُ عمرَ، فقلتُ: قد سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ هذا (١) .
قال ابنُ وَهْب: وقال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحبُّ أن يزيدَ أحدٌ عليها إلّا من عَلِمَ أنه لَمْ يَسْمعْ، فلا أرى بأسًا أن يزيد إذا استيقن أنه لَمْ يسمع. قال: وقال مالك: الاستئناس فيما نرى واللّه أعلم: الاستئذان (٢) .
-
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عيسى، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ محمدٍ ببغدادَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ البَغَوِيُّ، قال (٣) : حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجَعْدِ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن سعيدٍ الجُرَيريِّ، سمِع أبا نضْرَةَ يُحَدِّثُ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: جاء أبو موسى، فاستَأذَن على عمرَ ثلاثًا، فلم يُؤذَنْ له، فرجَع، فقال عمرُ: لئِن لَمْ تأتِني ببيِّنَةٍ أو لأفعلنَّ بك. فأتَى الأنصارَ، فقال: ألسْتُم تَعلَمون أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا استَأْذَن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤذَنْ له فليَرْجِعْ" . قال: فقالوا: لا يشهَدُ لك إلّا أصغرُنا. قال أبو سعيدٍ: فأتيتُه فشَهِدْتُ له.
vol. 2, p. 561قال عليٌّ (١) : أخبَرنا شعبةُ، عن أبي مَسْلَمةَ سعيدِ بنِ يَزيدَ، سمِع أبا نضْرةَ يُحدِّثُ، عن أبي سعيدٍ مثلَ ذلك.
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٢) : حَدَّثَنَا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن أبي مَسْلَمةَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إنَّ أبا موسى استأْذَن على عمرَ. قال: واحدةً، ثِنْتَيْن، ثلاثًا، ثم رجَع أبو موسى، فقال له عمرُ: لتَأْتِيَنَّ على هذا ببَيِّنَةٍ، أو لأفعَلنَّ بك. كأنَّه يقولُ: أجْعَلُه نَكالًا في الآفاق. قال: فانْطلَق أبو موسى إلى مجلسٍ فيه الأنصارُ، فذكَر ذلك لهم، فقال: ألم تَعلَموا أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا استأْذَن أحدُكم ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له، فليَرْجِعْ" ؟ قالوا؛ بلي، لا يَقومُ معك إلَّا أصغرُنا. قال: فقام أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ إلى عمرَ، فقال: هذا أبو سعيدٍ. فخلَّى عنه.
قال أبو عمر: رواه معمرٌ، عن الجُرَيريِّ بإسنادِه، فلم يَأْتِ بالقصةِ بتَمامِها (٣) ، ورَوَاه عن أبي نَضْرَةَ أيضًا؛ داودُ بنُ أبي هندٍ، وروايةُ أبي مَسْلَمةَ أحْسنُ سياقةً، وأتمُّ معنًى.
-
حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤) : حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا داودُ بن أبي هندٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ،
vol. 2, p. 562قال: استأذَن أبو موسى على عمرَ ثلاثًا، فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فلَقِيَه عمرُ، فقال: ما شأنُكَ رجَعْتَ؟ فقال: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "مَن أستأذَن ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له، فليَرْجعْ" . فقال: لتَأْتِيَنَّ ببيِّنةٍ، أو لأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ. فائى مجلسَ قومِه فنَاشَدَهم اللهَ، فقلتُ: أنا أشْهَدُ معك. فشَهِدْتُ بذلك، فخلَّى سبيلَه.
-
وأمَّا روايةُ من روَى هذا الحديثَ عن أبي موسى الأشعرِيِّ، فحدَّثني عبد الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن داودَ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "المستأْذِنُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له، فليَرْجعْ" (١) .
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، قال: حَدَّثَنَا ابنُ داودَ، عن طلحةَ بن يحيى، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، أنَّه أتَى عمرَ، فاستَأذَن ثلاثًا، فقال: يستأذِنُ أبو موسى، يستأذِنُ الأشعريُّ، يستأذِنُ عبدُ الله بنُ قيسٍ. فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فبعَث إليه عمرُ، فقال: ما رَدَّكَ؟ فقال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ليستأْذِنْ أحدُكم ثلاثًا، فإن أُذِن له، وإلَّا فليرجِعْ" . قال: ائتِني ببيِّنةٍ على هذا. فقال: هذا أُبَيٌّ. فانطَلَقْنا إلى عمرَ، فقال: نعم يا عمرُ، لا تكنْ عذابًا على أصحاب رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فقال عمرُ: لا أكونُ عَذابًا على أصحاب رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٢) .
- vol. 2, p. 563
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّاد، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ جعفرِ بن مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قالا (١) : حَدَّثَنَا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبَيدِ بنِ عميرٍ، أنَّ أبا موسى استأْذَنَ على عمرَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلم يُؤْذَنْ له، فرجَع، فقال: الم أسْمَعْ صوتَ عبدِ الله بنِ قيس أَنِفًا؟ قالوا: بلى. قال: فاطْلُبوه. قال: فدُعِيَ، فقال: ما حمَلكَ على ما صَنَعْتَ؟ قال: اسْتَأْذَنْتُ ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ لي، فرَجَعْتُ، كُنَّا نُؤْمَرُ بهذا. فقال: لتَأْتِيَنَّ عليه بالبيِّنةِ، أو لأفعلنَّ. فأتَى مجلسَ أو مسجدَ الأنصار، فقالوا: لا يشْهَدُ لك إلّا أصغرُنا. فقام أبو سعيدٍ، فشهِد له، فقال عمرُ: خَفِيَ عليَّ هذا من أمْرِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ألْهَاني عنه الصفْقُ في الأسواقِ. واللَّفظُ لحديثِ عبدِ الله، والمعنَى سواءٌ.
قال أبو عمر: في هذا الحديثِ من الفقهِ إيجابُ الاستِئْذانِ، وهو يُخرَّجُ في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: ٢٧] . والاسْتِئناسُ في هذا الموضع هو الاستِئذانُ، كذلك قال أهلُ التَّفسيرِ، وكذلك في قراءةِ أُبَيٍّ، وابنِ عباسٍ: (حتى تَسْتَأْذِنوا وتُسَلِّموا على أهلِها) (٢) .
- vol. 2, p. 564
أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ أبو جعفرٍ الصَّائغُ، قال: حَدَّثَنَا عفَّانُ (١) ، قال: حدَّثني ثابتُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثَنَا عاصمٌ الأحوَلُ، عن عكرمةَ، قال: في قراءةِ أُبَيٍّ بنِ كعب: (حتى تُسَلِّموا وتستأذِنوا) . قال: وتعلَّمَ منه ابنُ عباس.