ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني

433 paragraphs · vol. 2, p. 393

Page 8 of 11

  1. هذا الحديثُ قد رواه مَطَرٌ الورَّاقُ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بن يَسارٍ، عن أبي رافعٍ. وذلك عندي غَلَطٌ من مَطَرٍ؛ لأنَّ سليمانَ بنَ يسارٍ وُلد سنةَ أربعٍ وثلاثين، وقيل: سنةَ سبع وعشرين. ومات أبو رافعٍ بالمدينةِ بعدَ قتلِ عثمانَ بيِسير، وكان قتلُ عثمانَ رضي اللهُ عنه في ذِي الحِجَّةِ سنةَ خمسٍ وثلاثين، وغيرُ جائزٍ ولا مُمكِنٍ أن يسمَعَ سليمانُ بنُ يسارٍ من أبي رافع، وممكنٌ صحيحٌ أن يسمعَ سليمانُ بنُ يسارٍ من ميمونةَ؛ لما ذكَرنا من مولِده، ولأنَّ ميمونةَ مولاتُه ومولاةُ إخوتِه، أعتقَتْهم، وولاؤُهم لها، وتُوُفِّيتْ ميمونةُ سنةَ ستً وستِّين، وصلَّى عليها ابنُ عباسٍ، فغيرُ نَكِيرٍ أن يَسمَعَ منها، ويَستحِيلُ أن يَخْفَى عليه أمرُها، وهو مولاها، ومَوضِعُه من الفِقْهِ مَوضِعُه. وقصَّةُ ميمونةَ هذه أصلُ هذا البابِ عندَ أهل العلم، وغيرُ مُمكِن سَماعُه من أبي رافعٍ، فلا معنَى لروايةِ مَطَرٍ، وما رَواه مالكٌ أولَى (٢) ، وباللّه التوفيقُ.

    vol. 2, p. 525
  2. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حَدَّثَنَا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن

    vol. 2, p. 527مَطَرٍ الورَّاقِ، عن ربيعةَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن أبي رافع، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ مَيمونةَ وهو حلالٌ، وبنَى بها وهو حلالٌ، وكنتُ الرسولَ بينَهما (١) .

    vol. 2, p. 526
  3. وحَدَّثَنَاه عبدُ الوارث بنُ سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيدٍ، عن مَطَرٍ، قال: حدَّثني ربيعةُ بنُ أبي عبد الرَّحمن، عن سليمانَ بن يسارٍ، عن أبي رافع، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوَّجَ ميمونةَ حلالًا، وبنَى بها حلالًا، وكنتُ الرسولَ بينَهما (٢) .

    vol. 2, p. 528قال أبو عمر: في روايةِ مالكٍ لهذا الحديثِ دليلٌ على جوازِ الوَكالةِ في النِّكَاح، وهو أمرٌ لا أعلمُ فيه خلافًا. والرِّوايةُ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوَّجَ ميمونةَ وهو حلالٌ مُتواترةٌ عن ميمونة بعينِها، وعن أبي رافع مولى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وعن سليمانَ بن يَسارٍ مولَاها، وعن يزيدَ بنِ الأصمِّ؛ وهو ابنُ أُختِها. وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيِّبِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وأبي بكر بن عبدِ الرَّحمن، وابنِ شهاب، وجمهورِ علماءِ المدينةِ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنكِحْ ميمونةَ إلَّا وهو حلالٌ قبلَ أن يُحْرِمَ. وما أعلمُ أحدًا من الصحابةِ روَى أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نكَح ميمونة وهو مُحرِمٌ، إلَّا عبدَ الله بنَ عباس، وروايةُ مَن ذكَرْنا مُعارِضة لروايتِه، والقلبُ إلى رواية الجماعةِ أميَلُ؛ لأنَّ الواحِدَ أقربُ إلى الغَلَطِ، وأكبرُ أحوالِ حديثِ ابنِ عباسٍ أن يُجعَلَ مُتعارِضًا مع روايةِ مَن ذكَرنا، فإذا كان كذلك سقَط الاحتِجاجُ بجميعِها، ووجَب طلبُ الدليلِ على هذه المسألةِ من غيرِها، فوجَدنا عثمانَ بنَ عفانَ رضيَ اللهُ عنه قد روَى عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه نهَى عن نكاحِ المحرمِ، وقال: "لا يَنكِحُ المحرمُ، ولا يُنكَحُ" . فوجَب المصيرُ إلى هذه الرِّوايةِ التي لا مُعارِضَ لها؛ لأَنَّه يَستحيلُ أن يَنهَى عن شيءٍ ويَفْعَلَه، مع عملِ الخلفاءِ الرَّاشدين لها؛ وهم عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ رضي اللهُ عنهم. وهو قولُ ابن عمرَ، وأكثرِ أهلِ المدينةِ. وسنذكُرُ حديثَ عثمانَ في موضعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله (١) .

  4. وذكر مالكٌ (٢) ، عن داودَ بنِ الحُصَينِ، عن أبي غَطَفَانَ بنِ طريفٍ المُرِّيِّ قال: تزوَّجَ أبي وهو مُحرمٌ، ففرَّقَ بينَهما عمرُ بنُ الخطَّاب.

  5. وروَى قتادةُ، عن الحسنِ، سَمِعه يُحدِّثُ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: أيُّما رجلٍ نكَح وهو محرمٌ فرَّقْنا بينَه وبينَ امْرأتِه (١) .

    vol. 2, p. 529
  6. وروَى الثوريُّ، عن قدامةَ بن موسى، قال: سالْتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن مُحرِمٍ نكَح، قال: يُفرَّقُ بينَهما (٢) .

  7. فهؤلاء يَفسَخُون نِكاحَ المحرم، وهم جِلَّةُ العلماءِ مِن الصحابةِ والتابعين، والتَّفريقُ لا يكونُ إلَّا عن بصيرةٍ مُستَحْكِمَةٍ، وأنَّ ذلك لا يكونُ عندَهم، واللّهُ أعلمُ، كذلك إلَّا لصِحَّتِه عندَهم عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  8. وذكرَ عبدُ الرزاق، قال (٣) : أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرِ قال: لا يَتَزَوَّجُ المحرمُ، ولا يَخطُبُ على غيرِه.

  9. وروَى مالكٌ (٤) ، وأيوبُ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: لا يَنكِحُ المحرمُ، ولا يُنكَحُ، ولا يَخطُبُ.

    قال عبدُ الرزاق: وأخبَر في معمرٌ، عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ قال: سألْتُ صَفِيَّةَ ابنةَ شيبةَ: أتزوَّجَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَيمونةَ وهو محرمٌ؟ فقالت: بل تَزَوَّجَها وهو حلالٌ (٥) .

    vol. 2, p. 530قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ وجعفرِ بنِ بَرقانَ، قالا: كتَب عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى ميمونِ بنِ مهرانَ أنْ يسألَ يزيدَ بنَ الأصمِّ كيف تَزَوَّجَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ميمونةَ، أحلالًا أم حرامًا؟ فسألَه، فقال: بل تزوَّجَها حلالًا. وكتَب بذلك إليه (١) .

  10. فهذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَقْنَعُ في ذلك بيزيدَ بنِ الأصمِّ؛ لعِلْمِه باتِّصالِه بها، وهي خالتُه، ولثقتِه به.

    قال عبدُ الرزاق: وأخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: أخبَرني يزيدُ بنُ الأصمِّ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوَّجَ ميمونةَ حلالًا (٢) .

  11. وروَى حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن حبيبِ بنِ الشَّهيدِ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ، عن يزيدَ بنِ الأصمِّ، عن ميمونةَ قالت: تزوَّجني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسَرِفٍ، وهما حلالانِ بعدَما رجَع من مكةَ (٣) .

  12. وقرأتُ على سعيدِ بن نَصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: أخبَرنا ابنُ وضَّاح، قال: أخبَرنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٤) : أخبَرنا يحيى بنُ آدمَ، قال: أخبَرنا جريرُ بنُ حازم، قال: حَدَّثَنَا أبو فَزارَةَ، عن يزيدَ بن الأصمِّ قال: حدَّثتني

    vol. 2, p. 531ميمونةُ بنتُ الحارثِ، عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ. قال: وكانت خالتي وخالةَ ابنِ عبَّاسٍ.

  13. واختلَف فقهاءُ الأمصارِ في نكاحِ المحرِم؛ فقال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، لا يَنكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنكَحُ (١) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه، والثَّوريُّ: لا بأسَ أنْ يَنكِحَ المحرمُ، وأنْ يُنكَحَ (٢) .

  14. وذكرَ عبدُ الرزاق، عن محمدِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، أنَّه لَمْ يَرَ بنكاحِ المحرمِ بأسًا (٣) .

    قال: وأخبَرنا الثوريُّ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قال: يَتزوَّجُ المحرمُ إن شاء، لا بأسَ به. قال: وقال لي الثوريُّ: لا تَلتَفِتْ فيه إلى قولِ أهلِ المدينة (٤) .

  15. وحُجَّةُ مالكٍ ومَن قال بقولِه حديثُ عثمانَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النَّهْي عن ذلك، مع ما ذَكَرْناه عن الصحابةِ وغيرِهم في هذا الباب، وتَفْرِقَةُ عمرَ بينَهما تَدُلّك على قُوَّةِ بَصيرته في ذلك.

  16. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: أخبَرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بنُ جعفر، قال: أخبَرنا عبيدُ الله بنُ عمرٍو،

    vol. 2, p. 532عن عبد الكريم، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: أتَيْتُ صفيَّةَ بنتَ شيبةَ، امرأةً كبيرةً، فقلتُ لها: أتزوَّجَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ميمونةَ وهو مُحْرِمٌ؟ قالت: لا واللّه، لقد تزوَّجَها وهما حَلالان (١) .

  17. وحجَّةُ العِراقيِّين في ذلك حديثُ ابنِ عباس، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكَح مَيمونةَ بسَرِفٍ وهو مُحرمٌ. رواه عن ابنِ عباس: عِكرمةُ (٢) ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ (٣) ، وجابرُ بنُ زيدٍ أبو الشَّعثاءِ (٤) ، ومجاهدٌ (٥) ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ (٦) ، كلُّهم عن ابنِ عباسٍ بهذا الحديث.

  18. وذكرَ ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: حدَّثتُ ابنَ شهابٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عبَّاس، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نكَح ميمونةَ وهو محرمٌ. فقال ابنُ شهاب: حدَّثني يزيدُ بنُ الأصمِّ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوَّجَ مَيمونةَ وهو حلالٌ. قال: فقلتُ لابنِ شِهابٍ: أتجْعَلُ حِفظَ ابنِ عباسٍ كحِفظِ أعرابيٍّ يبولُ على فَخِذَيْه؟ (٧) .

  19. حَدَّثَنَاه قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: أخبَرنا أبو المغيرةِ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنَا عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوَّجَ ميمونةَ وهو مُحرِمٌ. قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ: وَهَمَ ابنُ عباسٍ وإن كانت خالتَه، ما تزوَّجَها إلَّا بعدَما أحلّ (١) .

    قال أبو عمر: هكذا في الحديث: قال سعيدُ بنُ المسيِّبِ. فلا أدرِي أكان الأوزاعيُّ يقولُه أو عطاءٌ.

    قال أبو عمر: واختلَف أهلُ السِّيَرِ والأخبارِ في تَزويجِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ميمونةَ، فقالت طائفةٌ: تزوَّجها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو محرِمٌ. وقال آخرون: تَزوَّجَها وهو حلالٌ. على حَسَبِ اختِلافِ الفقهاءِ سواءً.

    vol. 2, p. 533
  20. وذكرَ الأثرمُ، عن أبي عبيدةَ معمرِ بنِ المثنَّى قال: لما فرَغ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خيبرَ توجَّهَ إلى مكةَ مُعتمِرًا سنةَ سبع، وقدِم عليه جعفرُ بنُ أبي طالبٍ من

    vol. 2, p. 534أرض الحبشةِ، فخطَب عليه ميمونةَ ابنةَ الحارثِ الهلاليَّةَ، وكانت أُختُها لأُمِّها أسماءُ بنتُ عُميسٍ عندَ جعفرِ بن أبي طالب، وسلمَى بنتُ عُميسٍ عندَ حمزةَ بنِ عبدِ المطَّلبِ، وأختُها لأبيها وأمِّها أمُّ الفَضْلِ تحتَ العباس، فأجابت جعفرَ بنَ أبي طالبٍ إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وجعَلت أمرَها إلى العباسِ، فأنكَحها النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مُحرِمٌ، فلمَّا رجَع بنَى بها بسَرِفٍ حلالًا.

  21. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ المنذر، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُليح، عن موسى بن عقبةَ، عن ابنِ شهابٍ قال: خرَج رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من العامِ المقبِل؛ عام الحديبيةِ، مُعتمِرًا في ذي القَعْدَةِ سنةَ سبع، وهو الشهرُ الذي صَدَّه فيه المشركون عن المسجدِ الحرامِ، فلمَّا بلَغ موضعًا ذكَره (١) بعَث جعفرَ بنَ أبي طالبٍ بينَ يَديْه إلى ميمونةَ بنتِ الحارثِ بن حَزْنٍ العامريَّةِ، فخطَبها عليه، فجعلَتْ أمرَها إلى العباسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ، فزوَّجها رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو حلالٌ.

    قال أبو عمر: قال أبو عبيدةَ: ميمونةُ بنتُ الحارثِ الهِلاليَّةُ. وقال ابنُ شهابٍ: العامريَّةُ. وهي من ولدِ هلالِ بنِ عامرِ بنِ صَعْصَعَةَ. وقد ذكرْتُ نسبَها مرفوعًا في كتاب "الصحابة" (٢) ، وباللّه التوفيقُ، وعليه التَّوكُّلُ.

  22. حديثٌ سابعٌ لربيعةَ مُرسَلٌ منقطعٌ

    مالكٌ (١) ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت مضطجِعَةً مع رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثَوْبٍ، وأنَّها وثَبَتْ وثْبَةً شَدِيدةً، فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما لكِ؟ لَعلَّكِ نَفِسْتِ" . يعني الحَيْضَةَ. قالت: نعم. قال: "شُدِّي على نَفْسِكِ إزارَكِ، ثم عُودِي إلى مَضْجَعِكِ" .

    vol. 2, p. 535
  23. هكذا هذا الحديثُ في "الموطَّأ" كما تَرَى (٢) ، مُنْقَطِعٌ. ويتَّصِلُ معناه من حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٣) ، ولا أعلمُ أنَّه رُوِيَ من حديثِ عائشةَ بهذا اللفظِ ألبَتَّةَ. وسنَذْكُرُ في هذا البابِ ما رُوِيَ عن عائشةَ وسائرِ أزواجِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن شاء الله.

  24. ولم يَختلِفْ رُواةُ "الموطَّأ" في إرسالِ هذا الحديثِ كما رُوِيَ (٤) . وروَى حَبِيبٌ (٥) ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُضاجِعُ أُمُّ سَلَمَةَ وهي حائض عليها بعضُ الإزارِ. وما انْفَرَدَ به حَبيبٌ لا يُحْتَجُّ به.

  25. وفيه من الفقه: نومُ الرجلِ الشَّريفِ مع أهلِه في ثوبٍ واحدٍ وسَرِيرٍ واحدٍ.

  26. وفيه أنَّ الحيضَ قد يأتي فجأةً دونَ مُقَدِّمَةٍ من العَلاماتِ لبعضِ النِّساءِ، وبعضُهُنَّ ترَى قَبْلَه صُفْرَةً أو كُدْرَةً كما ترَى بعدَه.

  27. وفيه أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يكنْ يَعلَمُ من الغَيْبِ إلَّا ما عَلَّمَه اللهُ؛ لقولِه: "ما لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ" .

    vol. 2, p. 536
  28. وقولُه: "لعلَّكِ نَفِسْتِ" . يقولُ: لعَلَّكِ أُصِبْتِ بالدَّم؛ يعْني الحَيْضَةَ. والنَّفْسُ: الدمُ، ألا ترَى إلى قولِ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وهو عَرَبيٌّ فَصِيحٌ: كلُّ ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ يَموتُ في الماءِ لا يُفسدُه (١) ؛ يَعْنِي دَمًا سائلًا.

  29. وفيه أنَّ الحائضَ يجوزُ أن يُباشَرَ منها ما فوقَ الإزار؛ لقوله: "ثم عُودي إلى مَضجعِكِ" . ومعلومٌ أنَّها إذا عادَتْ إليه في ثَوْبٍ واحِدٍ معه أنَّه يُباشِرُها، فإذا كان ذلك كذلك، كان هذا الحديثُ يُفسِّرُ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ٢٢٢] ؛ لأَنَّه يَحتَمِلُ قولُه: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ} . أي: لا تكونوا مَعَهُنَّ في البُيُوتِ. ويَحْتَمِلُ: اعْتَزِلُوا وَطْئَهنَّ لا غيرُ. فأتَتِ السُّنَّة مُبَيِّنَةً مُرادَ الله عزَّ وجَلَّ من قولِه ذلك.

  30. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بن يحيَي، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال (٢) : حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال: حَدَّثَنَا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادٌ، قال: حَدَّثَنَا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أنَّ اليهودَ كانت إذا حاضَتْ منهم امرأةٌ أخرجُوها من البيت، ولم يُؤاكِلُوها، ولم يُشارِبُوها، ولم يُجامِعُوها في البَيْتِ، فسُئِلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فأنزَل اللهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ

    vol. 2, p. 537قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} إلى آخر الآية. فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "جامِعُوهُنَّ في البيوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شيءٍ غيرَ النِّكاح" . فقالَتِ اليهودُ: ما يُرِيدُ هذا الرجلُ أن يَدَعَ شيئًا من أمْرِنا إلَّا خالَفَنا فيه. فجاءَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ وعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالا له: يا رسولَ الله، إنَّ اليهودَ تقولُ كذا وكذا، أفَلا نَنْكِحُهُنَّ في المحِيض؟ فتَغَيَّرَ وجْهُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى ظَنَنَّا أنَّه قد وَجَد عليهما، فخَرَجا فاستقبلَتْهُما هديَّةٌ من لبن إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فبعَث في أثَرهما فسَقاهُما، فظَنَنَّا أنَّه لَمْ يَجِدْ عليهما.

  31. أخبَرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا وهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاحٍ (١) ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيْبَة (٢) ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بِشرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: كنتُ مع رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في لِحافِه، فوَجَدْتُ ما يَجدُ النساءُ من الحَيضةِ، فانْسَلَلْتُ من اللِّحافِ، فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَنَفِسْتِ؟ " . قلتُ: وجَدْتُ ما يَجِدُ النِّساءُ من الحَيضة. قال: "ذلك ما كتَب اللهُ على بَناتِ آدَمَ" . قالت: فانْسَلَلْتُ فأصلحْتُ من شأْنِي، ثم رجَعْتُ، فقال لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تَعالَيْ فادخُلي في اللِّحاف" . قالت: فدخَلتُ معه.

  32. حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابِقٍ، قال: حَدَّثَنَا شَيْبانُ، عن يحيى بن أبي

    vol. 2, p. 538كثيِرٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ حدَّثتْه، أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زوجَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: حِضْتُ وأنا مع رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الخَمِيلَةِ. قالت: فانْسَلَلْتُ، فخَرَجْتُ منها، فأخَذْتُ ثِيابَ حَيْضَتِي فلَبِسْتُها، فقال لي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَنَفِسْتِ؟ " . قالت: قلتُ: نعم. فدَعاني فأدْخَلَنِي معه في الخَمِيلَة (١) .

  33. هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ثابتٌ في معنَى حديثِ رَبِيعَةَ، عن عائشةَ، رَواه عن يحيى بنِ أبي كثير جماعَةٌ هكذا. ورَواه محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ كما ذكَرنا. والقولُ عندَهم قولُ يحيى بن أبي كثيرٍ، وهو أثْبَتُ من محمدِ بن عمرٍو في أبي سَلَمَةَ، وقد أدخَل بينَ أبي سَلَمَةَ وأمِّ سَلَمَةَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ، وهو الصَّوابُ.

  34. وحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُباب القاضِي، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانَةَ، عن عُمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها كانتْ تَنامُ مع رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي حائضٌ، وبينَهما ثَوْبٌ (٢) .

  35. وعُمرُ بنُ أبي سَلَمَةَ كان شُعْبَةُ يُضعِّفُه (١) ، وليس بالحافظ، وإسنادُ يحيي، عن أبي سَلَمَةَ، عن زينبَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، صحيحٌ عندَهم، وإسنادُ حديثِ عائشةَ أيضًا وميمونةَ في هذا الباب صحيحٌ، والحمدُ للّه.

    vol. 2, p. 539
  36. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٣) : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمُرُ إحدانا إذا كانت حائضًا أن تَتَّزِرَ، ثم يُضاجِعُها زوجُها. وقال مرَّةً: يُباشِرُها.

  37. وحدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (٤) : حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ مسكين قِراءةً عليه وأنا أسمَعُ، عن ابن وهْبٍ، عن يونسَ واللَّيْثِ، عن ابنِ شهاب، عن حَبيبٍ مولَى عُروةَ، عن بُدَيَّةَ - وكان اللَّيْثُ يقولُ: نُدْبَةَ - مَوْلاةِ مَيْمُونَةَ، عن

    vol. 2, p. 540ميمونةَ، قالت: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُباشِرُ المرأةَ من نِسائِه وهي حائضٌ إذا كان عليها إزارٌ يَبْلُغُ أنْصافَ الفَخِذَين والرُّكْبَتَين. وفي حديثِ اللَّيْث: مُحْتَجِزَتَه.

  38. حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (١) : حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن حَبِيبٍ مولَى عُروةَ، عن نُدْبَةَ مَوْلاةِ مَيْمُونَةَ، عن مَيْمُونَةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُباشِرُ امرأتَه وهي حائضٌ، إذا كان عليها إزارٌ إلى أنصافِ الفَخِذَين أو الرُّكْبَتَين تَحْتَجِزُ به.

    قال أبو داودَ: يونسُ يقولُ: بُدَيَّةَ. ومَعْمَرٌ يقولُ: نُدْبَةَ.

  39. وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن عبدِ الرَّحمن بن الأسْوَدِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمُرُنا في فوْحِ حَيْضَتِنا (٣) أن نَتَّزِرَ، ثم يُباشِرُنا، وأيُّكم يَملِكُ إرْبَه كما كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَملِكُ إرْبَه؟

  40. وذَكَر دُحيمٌ (٤) ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثَنَا ابنُ لَهيعةَ، عن يزيدَ، عن سُويد بن قيسٍ التُّجيبي، أن قرط بن عوف حدَّثه، أنَّه سأل عائشةَ فقال: يا أمَّ المؤمنين، أكان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضاجعُك وأنتِ حائض؟ فقالت: نعم، إذا شدَدْتُ عليَّ إزاري، وذلك إذ لَمْ يكنْ إلَّا فراشٌ واحدٌ، فلمّا رزَقَنا الله فراشَينِ

    vol. 2, p. 541اعتَزلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) . وهذا لا نعلم يُروى إلَّا من حديث ابنِ لهيعةَ وليس بحُجَّةٍ.