يزيد بن الهاد

102 paragraphs · vol. 14, p. 399

Page 2 of 3

  1. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبد المؤمن، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عليٍّ اللّخْميُّ ببغداد، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيم، حدَّثنا عثمانُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبيه،

    vol. 14, p. 415عن عبد الله بنِ سَلَام، قال: بدأ اللهُ خَلْقَ الأرضِ فخَلَق سَبْعَ أرضِينَ في يومَين يوم الأحَد، ويوم الإثنَين، وقدَّرَ فيها أقواتَها في يومَين: يوم الثُّلاثاء، ويوم الأربعاء، ثم اسْتَوى إلى السماءِ فخَلقَهُنَّ في يومَين: يوم الخميس، وقضاهُنَّ في آخِر يوم الجُمعة، وهي الساعةُ التي خلَقَ اللهُ فيها آدمَ على عَجَل، والساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ ما خَلَق الله عزَّ وجلَّ من دابّةٍ إلا هي تفزَعُ من يوم الجُمعةِ إلّا الإنسانَ والشَّيطان.

    vol. 14, p. 414
  2. وحدَّثنا عبدُ الله (١) ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أبو بلال الأشْعَريُّ، قال: حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سُليمان، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن قال: اجتَمعَ أبو هريرة وعبدُ الله بنُ سَلَام، فذَكَروا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الساعاتِ التي في يوم الجُمعة، وذَكَر أنه قالها، فقال عبدُ الله بنُ سَلَام: أنا أعلَم أيَّة ساعةٍ هي، بدأ اللهُ عزَّ وجلَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ يومَ الأحد، وفرَغَ في آخرِ ساعةٍ من يوم الجُمعة، فهي آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمُعة (٢) .

  3. وفي قول عبدِ الله بنِ سَلَام: "كذَبَ كَعْبٌ" (٣) ثم قوله: "صدَقَ كَعْبٌ" دليلٌ على ما كان القومُ عليه من إنكارِ ما يجبُ إنكارُه، والإذعانُ إلى الحقِّ والرُّجوع إليه إذا بانَ لهم.

  4. ومعنى قوله: "كذَبَ كَعْبٌ" ، يريد: غَلِطَ كَعْبٌ، وقد تضعُ العربُ أحيانًا هذه اللَّفظةَ بمعنى الغَلَط وقد فسَّرْنا ذلك بالشاهد عليه في باب ابنِ شهابِ عن سالم وحمزةَ ابنَي عبدِ الله بنِ عُمَر (١) .

    vol. 14, p. 416
  5. وفي قول عبدِ الله بنِ سَلَام: "قد عَلِمْتُ أيَّ ساعةٍ هي" دليلٌ على أنّ للعالِم أن يقول: أنا أعلمُ كذا، وقد علمتُ كذا، وأنا أعلمُ بكذا إذا لم يكنْ ذلك على سبيل الفخْرِ والسُّمْعة.

  6. وفي قول أبي هريرة: "أخبِرْني بها ولا تَضِنَّ عليَّ" أي: لا تبْخَلْ عليَّ، دليلٌ على ما كان القومُ عليه منَ الحِرْص على العِلْم والبحثِ عنه، وفي مراجعةِ أبي هُريرةَ لعبد الله بنِ سَلَام حينَ قال: "هي آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمعة" واعتراضِه عليه بأنّها ساعةٌ لا يُصلَّى فيها، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "لا يُوافِقُها عبدٌ مسلم، وهو يُصلِّي، يسألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاهُ إيّاه" أدلُّ دليل على إثباتِ المُناظَرةِ والمُعارَضَةِ وطلَبِ الحُجَّة ومواضِع الصّواب.

  7. وفي إدخال عبدِ الله بنِ سَلَام عليه قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ انتظَرَ صلاةً فهو في صلاة" وإذعانِ أبي هريرةَ إلى ذلك دليلٌ بيِّنٌ على ما كان القومُ عليه منَ البَصَر بالاحتجاجِ والاعتراضاتِ والإدخالِ والإلزاماتِ في المُناظرةِ، وهذا سبيلُ أهل الفقهِ أجمع، إلّا طائفةً لا تُعَدُّ في العلماء أغْرَقُوا في التَّقليد، وأراحُوا أنفُسَهُم منَ المُناظَرةِ والتفهُّم، وسمُّوا المُذاكَرةَ مُناظرةً جَهْلًا منهم بالأُصول التي منها ينزعُ أهلُ النَّظَر، وإليها يفزَعُ أولُو البَصَر، واللهُ المُستعان.

  8. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد، قال:

    vol. 14, p. 417حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارث، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة، عن عبدِ الله بنِ سَلَام، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ انتظَرَ الصلاةَ فهو في الصَّلاة، حتَّى يُصلِّي" قال: أنتَ سمِعتَه؟ قلت: نعم، قال: فهو كذلك (١) .

  9. وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبد الله (٢) ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بن بَحْر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا سُنَيدٌ، قال: حدَّثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: قال عطاء: عن بعضِ أهل العلم: لا أعلَمُه إلّا ابنَ عبّاس، أنه قال في الساعةِ المُستجاب فيها يومَ الجُمعة: هي بعدَ العَصْر، فقيل له: لا صلاةَ بعدَ العَصْر، قال: بلى، ولكن ما كان في مُصَلّاهُ لم يقُمْ منه، فهو في الصَّلاة (٣) (٤) .

  10. حديثٌ ثانٍ ليزيدَ بنِ الهادِ

    مالكٌ (١) ، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيميِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكفُ العَشْرَ الوُسُطَ من رَمَضان، فاعتكَف عامًا حتَّى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهيَ الليلةُ التي يخرُجُ فيها من صُبْحتِها من اعتكافِه، قال: "مَنْ كان اعتكَف معي فلْيَعتَكِفِ العَشْرَ الأواخِر، وقد رأيتُ هذه الليلة، ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجُدُ من صُبْحتِها في ماءٍ وطِين، فالتَمِسُوها في العَشْرِ الأواخر، والتَمِسُوها في كلِّ وِتْر" .

    قال أبو سعيد: فأمْطرَتِ السَّماءُ تلك الليلة، وكان المسجدُ على عَريش، فوَكَفَ المسجدُ. قال أبو سعيد: فأبْصَرَتْ عَينايَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصَرفَ وعلى جبْهَتِه وأنْفِه أثرُ الماءِ والطِّين من صَبيحةِ إحدى وعشرين.

    قال أبو عُمر: في هذا الحديث، وهو من أصحِّ حديثٍ يُروَى في هذا الباب (٢) ، دليلٌ على أنَّ الاعتكافَ في رمضانَ سُنّةٌ مَسْنونةٌ؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكفُ في رَمَضانَ ويُواظبُ على ذلك، وما واظَبَ عليه فهو سُنّةٌ مسنونةٌ لأُمَّتِه، والدليلُ على أنه كان يعتكفُ في كلِّ رمضان قوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكفُ العَشرَ الوُسَطَ من رَمَضان، فاعْتكَفَ عامًا" . ثم ساقَ القصَّة، وهذا يدُلُّ على أنه كان يعتكفُ كلَّ رمضان، واللهُ أعلم.

    vol. 14, p. 418
  11. وأجمع علماءُ المسلمينَ على أنَّ الاعتكافَ ليس بواجب، وأنَّ فاعلَه محمودٌ عليه مأجورٌ فيه، وهكذا سبيلُ السُّنن كلِّها ليست بواجبةٍ فَرْضًا، ألَا ترى إلى إجماعِهم

    vol. 14, p. 419على قولهم: هذا فرضٌ، وهذا سُنَّةٌ؛ أي: هذا واجبٌ، وهذا مندوبٌ إليه، وهذه فريضةٌ، وهذه فضيلةٌ.

  12. وأما قوله: "حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهي الليلةُ التي يخرُجُ فيها من صُبْحَتِها من اعتكافِه" فهكذا روايةُ يحيى: من صُبْحَتِها. وتابَعه على ذلك جماعةٌ، منهم ابنُ بُكَير، والشافعيُّ (١) .

  13. وأما القَعْنَبيُّ (٢) ، وابنُ وَهْب (٣) ، وابنُ القاسم (٤) ، وجماعةٌ أيضًا، فقالوا في هذا الحديث عن مالك: وهي الليلةُ التي يخرُجُ فيها من اعتكافِه. لم يقولوا: من صُبْحَتِها. وقال يحيى بنُ يحيى، وابنُ بُكَيْر، والشافعيُّ: من صُبْحَتِها.

  14. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد (٥) ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطحاويُّ، قال (٦) : حدَّثنا المزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٧) :

    vol. 14, p. 420أخبرنا مالكُ بنُ أنس، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميِّ، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكفُ العَشْرَ الوُسَطَ من رَمَضان، فاعتكَفَ عامًا، حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهي الليلةُ التي كان يخرُجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه. وذكَر الحديثَ إلى آخرِه حرفًا بحرف كروايةِ يحيى، إلا أنه قال في موضع: "وقد رأيتُ هذه الليلة" . وقال: "أُرِيتُ هذه الليلةَ ثم أُنْسِيتُها" . وقال: "رأيْتُني أسجُدُ" . فجعَل في موضع "وقد" . وقال في الموضعين: "وقد أُريتُ" في موضع "رأيتُ" . وقال: فأمْطرَتِ السماءُ من تلك الليلة. فزاد "من" (١) .

  15. وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوب. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ الرحمن، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكَير، عن مالك، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيميِّ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكفُ العَشْرَ الوُسَطَ من رَمَضان، فاعْتكَف عامًا، حتى إذا كان ليلةَ إحدى وعشرين، وهي الليلةُ التي يخرُجُ من صُبْحتِها من اعتكافِه (٣) . وساق الحديثَ كروايةِ يحيى حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه. هكذا قال ابنُ بُكَير: "يخرُجُ من صُبْحتِها" . وقال يحيى: "يخرُجُ فيها من صُبْحتِها" . وقال الشافعيُّ: "يخرُجُ في صُبْحتِها" . وقال القَعنبيُّ وابنُ القاسم وطائفة: يخرُجُ فيها. ولم يقولوا: "من صُبْحِها" . ولا: "من صُبْحتِها" .

  16. وروَى ابنُ وَهْب وابنُ عبدِ الحكم، عن مالك، قال: ولا بأسَ بالاعتكافِ في أوَّلِ الشهرِ ووسَطِه وآخرِه، فمَنِ اعتكَف في أوَّله أو وَسَطِه فليَخرُجْ إذا غابتِ الشَّمسُ من آخرِ يوم من اعتكافِه، وإن اعتكَفَ في آخرِ الشهرِ فلا ينصَرفْ إلى بيتِه حتى يشهدَ العيدَ مع المسلمين، ويَبيتُ ليلةَ الفطر في مُعتكَفِه، ويرجعُ من المصلَّى إلى أهله. قال: وكذلك بلَغني عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

    وقال ابنُ القاسم: فإن خرَج ليلةَ الفطرِ فلا قضاءَ عليه. وقال ابنُ الماجِشُونِ وسُحْنون: يَفسُدُ اعتكافُه، لأنَّ السُّنةَ المجتمعَ عليها أنه يَبيتُ في مُعتكَفِه حتى يُصْبح (٢) .

    قال أبو عُمر: لم يقل بقولهما أحدٌ من أهل العلم فيما علِمتُ، ولا وجهَ له في القياس؛ لأنَّ ليلةَ الفطرِ ليست بموضع اعتكافٍ ولا صيام ولا من شهرِ رَمَضان، ولا يصحُّ فيها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيءٌ. وقد روَى ابنُ القاسم عن مالك في "المُستخرجة" (٣) في المعتكِفِ يخرُجُ ليلةَ الفطرِ من اعتكافِه: لا إعادةَ عليه.

    vol. 14, p. 421
  17. وقال مالكٌ في "الموطأ" (٤) أنه رأى أهلَ الفضل إذا اعتكَفُوا العَشْرَ الأواخرَ من رَمَضان، لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهَدوا العيدَ مع الناس.

    وقال الشافعيُّ (٥) : إذا أراد أن يعتكفَ العَشْرَ الأواخرَ دخل قبلَ الغروب، فإذا أهلَّ هلالُ شوّال فقد أتمَّ العَشْرَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابه (٦) .

    vol. 14, p. 422قال أبو عُمر: قد أجمعوا في المعتكِفِ العَشْرَ الأُولَ أو الوُسَطَ من رمضانَ أنه يخرُجُ إذا غابتِ الشمسُ من آخرِ يوم من اعتكافِه، وفي إجماعِهم على ذلك ما يُوهنُ روايةَ مَن رَوَى: يخرُجُ من صُبْحتِها أو في صُبْحتِها. واختلَفوا في العَشْرِ الأواخر، وما أجمَعوا عليه يَقْضي على ما اختَلَفوا فيه من ذلك، ويدلُّ، واللّهُ أعلم، على تصويب رواية مَن روَى: يخرُجُ فيها (١) من اعتكافِه؛ يعني بعدَ الغروب، واللّهُ أعلم.

  18. والصحيحُ في تَحْصِيل مَذْهبِ مالكٍ أن مُقامَ المُعتكفِ ليلةَ الفطرِ في مُعتكَفِه وخُروجَه منه إلى العيدِ استحبابٌ وفضلٌ لا إيجابٌ، وليس مع مَن أوجَب ذلك حُجَّةٌ من جهةِ النظرِ ولا صحيح الأثر، وباللّه التوفيق.

  19. واختلَف العلماءُ أيضًا في المُعتكِف؛ متى يدخُلُ المسجدَ الذي يريدُ الاعتكافَ فيه؟

    فقال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفة، وأصحابُهم (٢) : إذا أوجَبَ على نفسِه اعتكافَ شهر، دخلَ المسجدَ قبلَ غُروب الشَّمْس.

    قال مالكٌ: وكذلك مَن أراد أن يعتكفَ يومًا أو أكثر، دخَل مُعتكَفَه قبلَ غُروب الشَّمْس من ليلة ذلك اليوم (٣) .

    وقال الشافعيُّ (٤) : إذا قال: للّه عليَّ اعتكافُ يوم. دَخل قبلَ طلوع الفجر، وخرجَ بعدَ غُروب الشمس. خلافَ قولِه في الشهر.

    vol. 14, p. 423وقال زُفَرُ والليثُ بنُ سَعْد: يدخلُ في الشهر وفي اليوم قبلَ طلوع الفجر.

  20. وهو قولُ أبي يوسُفَ؛ ولم يفرِّقوا بينَ الشهر واليوم (١) .

    قال أبو عُمر: ذهَب هؤلاء إلى أنّ الليلَ لا مدخلَ له في الاعتكاف إلا أن يتقدَّمَه ويتصلَ به اعتكافُ نهار وذَهب أولئك إلى أنَّ الليلةَ تَبعٌ لليوم في كلِّ أصل، فوجَب اعتبارُ ذلك.

  21. وروَى يحيى بنُ سعيد، عن عَمْرَة، عن عائشة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يعتكفَ صلَّى الصُّبحَ ثم دخَل المكانَ الذي يعتكفُ فيه (٢) .

    قال أبو عُمر: قد ذكَرنا معاني الاعتكافِ وأصولَ مسائلِه وأمهاتِ أحكامِه في باب ابنِ شهاب، عن عُروة (٣) من هذا الكتاب.

  22. وأجمع العلماءُ على أنّ رَمَضانَ كلَّه موضعٌ للاعتكاف، وأنَّ الدهرَ كلَّه موضعٌ للاعتكافِ إلا الأيامَ التي لا يجوزُ صيامُها، وقد ذكَرْنا ما لهم من التَّنازُع في الاعتكافِ بغيرِ صوم في باب ابن شهاب، عن عُروة، وذكَرْنا اختلافَهم في صيام أيام التشريقِ في غيرِ موضع من هذا (٤) الكتاب (٥) ، والحمد للّه.

  23. وأما قوله في ليلة القَدْر: "إني رأيتُها ثم أُنسِيتُها، ورأيتُني أسجدُ من صُبْحَتِها في ماءٍ وطين، فالتَمِسُوها في العشرِ الأواخر، والتمِسُوها في كلِّ وِتْر" . فعلى هذا أكثرُ

    vol. 14, p. 424العلماء؛ أنها عندَهم في الوِتْرِ من العَشرِ الأواخر، وقد ذكَرْنا ما في ليلةِ القدرِ من المذاهبِ والآثارِ والاعتبارِ والاختيارِ في باب حُميد الطويل (١) من كتابنا هذا، فلا معنَى لتكريرِ ذلك هاهنا. وقد رُوِيَ من حديثِ جابرِ بنِ سَمُرةَ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "التَمِسُوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، فإنّي قد رأيتُها ونُسِّيتُها، وهي ليلةُ مطَرٍ ورِيح" . وهذا نحوُ معنى حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذا الباب.

  24. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب بن حبيب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرٍو البزارُ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنْصور، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ شَريك، عن أبيه، عن سماكِ بنِ حرب، عن جابرِ بنِ سَمُرَة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسُوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ، فإني قد رأيتُها فنُسِّيتُها، وهي ليلةُ مطرٍ وريح (٣) " . أو قال: "قَطْرٍ وريحٍ" .

    قال البَزّار: ولا نعلمُ أحدًا روَى هذا الحديثَ بهذا اللفظِ إلا عبدَ الرحمن بنَ شريك.

  25. وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمْرو، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ شريك، عن أبيه، عن سماك، عن جابرِ بنِ سَمُرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ليلةِ القدرِ أنَّها ليلةُ ريحٍ ومطرٍ.

    قال أبو عُمر: هذا معناه في ذلك العام وذلك الوقت، واللّهُ أعلم.

    vol. 14, p. 425
  26. وأما قوله: "وكان المسجدُ على عَرِيش" فإنه أراد أن سَقْفَه كان مُعَرَّشًا بالجريدِ من غير طين. فوَكَفَ المسجد؛ يعني: هطلَ، فصار من ذلك في المسجدِ ماءٌ وطينٌ، فانصَرَف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى جبهتِه وأنْفِه أثرُ الماءِ والطِّينِ من سُجودِه على ذلك، قال الشاعرُ في معنى "وَكَف" (٢) :

    كأن أسْطارَها في بَطْنِ مُهْرَقِها ... نورٌ يُضاحِكُ دَمْعَ الواكِفِ الهطِلِ

    وقد اختلَف قولُ مالكٍ في الصَّلاةِ في الطِّين؛ فمرةً قال: لا يُجزئُه إلا أن ينزِلَ بالأرضِ ويسجُدَ عليها على قدْرِ ما يُمْكنُه. ومرةً قال: يجزئُه أن يُومئ إيماءً ويجعلَ سُجودَه أخفضَ من ركوعِه إذا كان الماءُ قد أحاط به (٣) .

  27. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُمرَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن عَمْرِو بنِ دينار، عن جابرِ بنِ زيد، أنه أوْمَأ في ماءٍ وطين (٤) .

    vol. 14, p. 426قال عَمْرو: وما رأيتُ أعلمَ من جابرِ بنِ زيد. قال عَمْرٌو: وأخبَرني عطاءٌ أنه سَمِعَ ابنَ عباس يقول: لو نزَل أهلُ البصرةِ عندَ قولِ جابرِ بنِ زيدٍ لأوسَعهم علمًا عما في كتابِ الله (١) .

  28. وبه عن سفيان، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: ذكَرتُ لقتادةَ الحسنَ ونَفَرًا من نحوِه، فقال: ما ذكَرتَ أحدًا إلا والحسنُ أفقهُ منه إلا جابرَ بنَ زيد (٢) .

  29. أخبرنا أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصرٍ وسعيدُ بنُ عثمان، قالا: حدَّثنا أبو عمرَ أحمدَ بنُ دُحيم بنِ خليل، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا عمرُ (٣) بنُ الرَّمَّاح قاضي بَلْخَ، قال: أخبَرني كَثيرُ بنُ زيادٍ أبو سَهْل، عن عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ يَعْلَى، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَر، فأصابَتْنا السماء، فكانت البِلَّةُ من تحتِنا والسماءُ من فوقِنا، وكان في مَضِيق، فحضَرتِ الصلاةُ، فأمَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالًا فأذَّن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى على راحلتِه والقومُ على رواحلِهم يومئُ إيماءً؛ يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوع (٤) .

  30. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الأثْرم، قال: حدَّثنا سُريجُ بنُ النعمان، قال: حدَّثنا ابنُ الرَّمَّاح، عن أبي سهلٍ كَثيرِ بنِ زيادٍ البصريِّ، عن عَمْرِو بنِ عثمانَ بنِ يَعْلَى بنِ أميّة، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى إلى مَضيقٍ ومعه أصحابُه، والسماءُ من فوقِهم والبِلَّةُ من أسفلَ منهم، وحضَرتِ الصلاةُ، فأمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤذِّنَ فأذَّن أو أقام، فتقدَّمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى بهم على راحلتِه، وهم على رواحلِهم، يومئُ إيماءً؛ يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوع. أو قال: يجعلُ سجودَه أخفضَ من ركوعِه (٢) .

    قال: وحدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أبانٌ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ سيرين، قال: أقبلتُ مع أنسِ بنِ مالكٍ من الشام حتى أتيْنا سَوابيطَ (٣) ، وحضَرتِ

    vol. 14, p. 428الصلاةُ والأرضُ كلُّها غَدِيرٌ، فصلَّى على حمارٍ (١) يُومئُ إيماءً (٢) .

    قال: وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو عَوانة، عن قتادة، عن جابرِ بنِ زيدٍ في الذي تحضرُه الصلاةُ وهو في ماءٍ وطين، قال: يومئُ إيماءً (٣) .

    قال: وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَير، قال: حدَّثنا ابنُ لَهِيعة، عن عُمارةَ بنِ غَزِيّة في الرجلِ تُدركُه الصلاةُ وهو في ماء وطين، قال: يصلِّي قائما متوجِّهًا إلى القبلةِ يومئُ برأسِه.

    قال: وحدَّثنا مِنْجابُ بنُ الحارث، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن ليث، عن طاووس، قال: إذا كان رَدْغٌ (٤) أو مطرٌ فصَلِّ على الدابة.

    قال: وسمِعتُ أبا عبدِ الله أحمدَ بنَ حنبل يُسألُ عن الصلاةِ المكْتُوبةِ على الراحِلَة، فيل: لا يُصلَّى على الراحِلَةِ في الأمن إلا في موضِعَين؛ إمّا في طِيْن، وإمّا تطوُّع. قال: وصلاةِ الخوْف.

    vol. 14, p. 427
  31. وذكَر أبو عبدِ الله حديثَ يَعْلَى بنِ أميةَ الذي ذكَرناه في هذا الباب (٥) . وسُئِلَ أبو عبد الله أحمدُ بنُ حنبل مرةً أخرى عن الصلاةِ على الراحلة، فقال: أمّا في الطين فنعم؟ يعني المكتوبة (٦) .

    vol. 14, p. 429قال أبو عُمر: من أبى من الصَّلاةِ على الراحلةِ أو على قدمَيْه بالإيماءِ من أجل الطينِ والماء، احتَجَّ بحديثِ هذا الباب عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قوله: "فأبصرتْ عينايَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرَف وعلى جبهتِه وأنفِه، ويُروى: " وعلى جبينِه وأنفِه - أثرُ الماءِ والطين". قالوا: فلو جاز الإيماءُ في ذلك ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليَضعَ أنفَه وجبهَتَه في الطِّين. قالوا: وهذا حديثٌ صحيحٌ، وحديثُ يَعْلى بن أميةَ ليس إسنادُه بشيء.

    قال أبو عُمر: أما إذا كان الطِّين والماءُ مما يُمكِنُ السُّجودُ عليه، وليس فيه كبيرُ تلويثٍ وفسادٍ للثياب، وجاز تمكينُ الجبهةِ والأنفِ من الأرض، فهذا موضع لا تجوزُ فيه الصلاةُ على الراحلةِ ولا على الأقدام بالإيماء؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد افترَض الرُّكوعَ والسُّجودَ على كلِّ مَن قدَر على ذلك كيفما قدَر.

  32. وأمّا إذا كان الطينُ والوحَلُ والماءُ الكثيرُ قد أحاط بالمَسْجون أو المسافرِ الذي لا يرجُو الانفكاكَ منه ولا الخروجَ عنهُ قبلَ خروج الوَقْت، وكان ماءً مَعِينًا غَدَقًا (١) وطِينًا قبيحًا وَحِلًا، فجائزٌ لِمَن كان في هذه الحال أن يصلِّي بالإيماءِ على ما جاء في ذلك عن العلماءِ من الصحابةِ والتابعين، فاللّهُ أعلمُ بالعُذر، وليس باللّه حاجةٌ إلى تلويثِ وجْهِه وثيابه، وليس في ذلك طاعة، إنّما الطاعةُ الخشيةُ والعملُ بما في الطاقة.

  33. وفي هذا الحديث أيضًا ما يدُلُّ على أن السُّجودَ على الأنفِ والجبهةِ جميعًا، واجتمَع العلماءُ على أنه إن سجَد على جبهتِه وأنفِه فقد أدَّى فرضَ الله في سُجودِه.

  34. واختلفوا فيمن سجَد على أنفِه دونَ جبهتِه، أو جبهتِه دونَ أنفِه؛ فقال مالك:

    vol. 14, p. 430يسجُدُ على جبهتِه وأنفِه، فإنْ سجَد على أنفِه دونَ جبهتِه لم يُجزِئْه، وإن سجَد على جبهتِه دون أنفِه كُرِه ذلك وأجزَأ عنه (١) .

    وقال الشافعيُّ (٢) : لا يجزئُه حتى يسجدَ على أنفِه وجبهتِه. وهو قولُ الحسنِ بنِ حَيٍّ (٣) .

  35. وقد روَى حمادُ بنُ سَلَمة، عن عاصم الأحول، عن عِكْرمة، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن لم يضَعْ أنفَه بالأرضِ فلا صلاةَ له" (٤) .

    وقال أبو حنيفة: إذا سجَد على جبهتِه أو ذَقَنِه أو أنفِه أجزَأه (٥) . وحجتُه حديثُ ابن عباس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرتُ أن أسجُدَ على سبعةِ آراب" (٦) . ذكَر منها الوجهَ،

    vol. 14, p. 431قال: فأيُّ شيءٍ وُضِع من الوجْهِ أجزأه. وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ هذا الحديثَ قد ذكَر فيه جماعةٌ الأنفَ والجبهة.

  36. وأما قوله: "وذلك صَبيحةُ ليلةِ (١) إحدى وعشرين" فذلك يدُلُّ على أن تلك الليلةَ كانت ليلةَ القدرِ لا محالة، واللّهُ أعلم، لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إني رأيتُها ثم أُنسيتُها، ورأيتني أسجُدُ من صُبحَتِها في ماءٍ وطين" . فكان كما رأى في نومِه - صلى الله عليه وسلم -، ومعلومٌ أن ليلةَ القدر جائزٌ أن تكونَ ليلةَ إحدى وعشرين، وفي كلِّ وترٍ من العَشْرِ الأواخرِ أيضًا، وقد قيل في غيرِ الوتر، وفي غيرِ العشرِ الأواخرِ أيضًا إذا كان في شهرِ رمضان، وقد قدَّمنا ذكرَ ذلك كلِّه في باب حُميدٍ الطويل (٢) من هذا الكتاب.

  37. وقد ذهَب جماعةٌ من أهلِ العلم إلى أن ليلةَ القدْرِ في كلِّ رمضانٍ ليلةُ إحدى وعشرين، وذهَب آخرون إلى أنَّها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين في كلِّ رمضان، وذهَب آخرون إلى أنها ليلةُ سبع وعشرين في كلِّ رمضان، وذهَب آخرون إلى أنَّها تنتقلُ في كلِّ وترٍ من العَشْرِ الأواخر، وهذا عندَنا هو الصحيحُ إن شاء الله. وقد ذكَرنا القائلين بهذه الأقاويل وما رُوي في ذلك كلِّه من الأثرِ في باب حُميد الطويل، والحمدُ للّه. وذكَرْنا في باب أبي النَّضْر (٣) من هذا الكتاب ما قيل في ليلةِ ثلاثٍ

    vol. 14, p. 432وعشرين، ومَن قطَع بأنها ليلةُ ثلاثٍ وعشرين أبدًا، وهي عندَنا تنتقلُ، وبهذا يصحُّ استعمالُ الآثارِ المرفوعةِ وغيرها، وباللّه التوفيق.

  38. ذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن الأسلميِّ، عن جعفرِ بنِ محمد، عن أبيه، أنَّ عليًّا كان يتحرَّى ليلةَ القدرِ ليلةَ تسعَ عشْرةَ، وإحدى وعشرين، وثلاثٍ وعشرين.

  39. وعن الثوري (٢) ، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: تحرَّوا ليلةَ القدرِ ليلةَ سبعَ عشْرةَ صَباحةَ بدر، أو إحدى وعشرين، أو ثلاثٍ وعشرين.

  40. وعن الأسلميِّ (٣) ، عن داودَ بنِ الحُصين، عن عِكْرمة، عن ابنِ عَبّاس، قال: ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانٍ تأتي.